الأحد، 25 أكتوبر 2020

سوء فهم الاسلام كتاب لعضو كونغرس اميركي سابق




سوء فهم قاتل .. لـ مارك سيلجاندر !!

هذا تلخيص للمقابلة ولمن اراد مشاهدة المقابلة .. الرابط اسفل المقال ...
.
في برنامج ” لقاء اليوم “، الذي بثته قناة الجزيرة الفضائية الذي استضاف سيلجاندر، تعرض السيناتور الأمريكي لما أسفر عنه بحثه الضخم الذي استغرق اعداده سنوات عديدة، حيث قال أنه درس معمقاً الإنجيل باللغة الأرامية وهي اللغة التي كان يتحدثها المسيح عليه السلام ونزل بها الإنجيل، فوجد أن عيسى كان يعرّف نفسه والأنبياء من قبله على أنهم ” مسلمون “، ليس هذا فحسب، بل أن الإنجيل بهذه اللغة لم يأت على ذكر المسيحية تماماً.

ويؤكد سيلجاندر أن أخطاءً كبيرة وقعت عندما ترجم الإنجيل للغات الأوروبية.
ويؤكد سيلجاندر أن موقف العالم المسيحي الحالي من الإسلام ناجم بشكل أساسي من الجهل بحقيقة القرآن.

ولكي يدلل على ذلك ينوه سيلجاندر إلى أنه جمع 200 من كبار المبشرين المسيحيين في إحدى الكنائس بولاية فيرجينيا، وقال لهم أنه سيتلوا على مسامعهم ما جاء في الكتاب المقدس بشأن المسيح ، دون أن يبلغهم من أي كتاب مقدس سيتلو، فاعتقدوا أنه سيتلو عليهم من العهد الجديد ( الإنجيل )،

لكنه تلا عليهم ترجمة الآيات ( 45-50) من سورة آل عمران، التي جاء فيها :

” إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين . ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين. قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون………….”، إلى آخر الآيات.

وينوه سيلجاندر إلى أنه عندما كان يتلو عليهم ترجمة هذه الآيات كانت مظاهر الإرتياح والسعادة بادية على وجوه المبشرين الذين كانوا يسبحون الرب، لكنه سرعان ما صعقهم، عندما قال لهم “هل تدرون أن الآيات التي تلوتها كانت من القرآن وليست من الإنجيل “، مشيراً إلى أن صمتاً أطبق على المكان وشعر المبشرون بالحرج الشديد ولم يستطيعوا الرد ولو بكلمة واحدة.

إن أهمية هذا البحث العلمي الضخم تكمن أيضاً في هوية مؤلفه، فسيلجاندر كان نائباً عن الحزب الجمهوري، وكان أحد منظري المحافظين الجدد.

وكما يقول سيلجاندر عن نفسه أنه كان يشعر بعداء شديد للإسلام والقرآن لدرجة أنه أرسل في العام 1998 رسالة احتجاج شديدة اللهجة للبيت الأبيض لأنه سمح بتلاوة آيات القران الكريم في احتفال إفطار نظمه الرئيس الأسبق بيل كلنتون لعدد من ممثلي الجالية المسلمة في واشنطن.

ويهاجم سيلجاندر في كتابه بشدة إزدواجية المعايير لدى الغرب ومنظريه وتحديداً مستشرقيه الذين يهاجمون الإسلام بسبب الآيات التي تتحدث عن الجهاد، مشيراً إلى أن كلمة ” الجهاد ” وردت في النسخة الأصلية للإنجيل باللغة الأرامية.

وينوه إلى أن تركيز الغرب على ما يسميه بالآيات التي تحث على ” العنف “، وتحديداً التي وردت في سورة ” التوبة ” تدلل على النفاق الغربي، مشيراً إلى أنه منظري الغرب يتجاهلون ما جاء في الإنجيل حيث ورد على لسان المسيح ” إذهب إلى قرية كنعان اقتل الرجال والنساء “، وما جاء في سفر ” صموئيل ” من العهد القديم ( التوراة )، حيث جاء ” اقتل قوم علقيم، إقتل الرجال والنساء والأطفال، لاتترك بقراً أو حميراً “.
---------------------------------------------
وهذا اللقاء كاملا :
http://www.youtube.com/watch?v=ogQSBgj-J9g

الجمعة، 16 أكتوبر 2020

جهود صلاح الدين الأيوبي في إحياء المذهب السنّي في مصر و الشام وبغداد





جهود صلاح الدين الأيوبي في إحياء المذهب السنّي


في مصر والشام (564هـ ـ 589هـ/1169م ـ 1172م)


محمد الرحيّل غرايبة - قسم الشريعة. كلية الآداب، جامعة مؤتة، الأردن


شبكة الراصد الإسلامية - http://www.alrased.net


ملخص


تكشف هذه الدراسة عن جهود صلاح الدين الأيوبي في إضعاف المذهب الشيعي، وإحياء المذهب السنّي فقهاً وعقيدة في مصر وبلاد الشام، عن طريق إنشاء المدارس التي درّست المذهب السنّي، وجعل القضاء بموجب المذهب الشافعي وعن طريق تقريب الفقهاء والاهتمام بهم، وعن طريق محاربة الفلاسفة والمبتدعين في أمور الدين.

مقدمة


لما كانت الأبحاث والدراسات حول صلاح الدين الأيوبي (ت: 589هـ/1193م) كثيرة ومتنوعة رأيت أن أبحث عن موضوع، لم يتناوله الباحثون، أو لم يوفوه حقه من البحث والتمحيص.
وبما أن الجانب العسكري لديه، قد أُشبع بحثاً باعتباره صانع مجد هذه الأمة خلال فترة الحروب الصليبية. رأيت أن أتجه إلى أحد الجوانب الأخرى المهمة في حياته.
ولما كان هو الذي أزال الخلافة الفاطمية الشيعية من الوجود نهائياً، وأن المذهب الشيعي في عهده قد وهن وهناً شديداً، بسرعة لافتة للنظر، مما يستدعي الوقوف على السر الذي يكمن وراء هذا الضعف.
لذلك عمدت إلى الكتابة حول هذا الموضوع محاولاً سدّ فجوة في الدراسات التي تناولت سيرة صلاح الدين.
وفي هذا البحث، أشرت بإيجاز إلى الأسباب التي حدت بصلاح الدين إلى أن يشنّ حملته على الفاطميين، وألقيت بعض الضوء على جهوده السياسية (السلمية) في نشر المذهب السنّي، والتي تمثلت في إكثاره من إنشاء المدارس التي تُدرس فقه مذاهب أهل السنة. وعزله القضاة الشيعيين، واستبدالهم بقضاة سنّيين، واهتمامه بالعلماء والفقهاء وتقريبهم إليه. وقمت بتفنيد التهمة التي نسبت إليه، بأنه كان سبباً في جمود الفكر الإسلامي بقتله الفيلسوف يحيى السُهرَوَردي (ت 587هـ/1191م)، وأومأت بإيجاز إلى أثره في تنشيط المذهب السنّي في حاضرة الخلافة العبّاسية.
وجاءت الدراسة موزعة في مجموعة مباحث هي:
1ـ أسباب محاربة المذهب الشيعي.
2ـ المدارس التي أُنشئت في عهد صلاح الدين.
3ـ القضاء.
4ـ الاهتمام بالفقهاء.
5ـ بغض صلاح الدين للفلسفة.
6ـ دول صلاح الدين في تنشيط المذهب السنّي في بغداد.
بالإضافة إلى خاتمة ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة.
ولا أزعم أن هذا المبحث جاء كاملاً خالياً من الهفوات والنقص، فالكمال لله وحده ، وأسال الله سبحانه أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم.
أسباب محاربة المذهب الشيعي:
عمل الخلفاء الفاطميون ودعاتهم في مصر والبلاد التي حكموها، بشكل نشيط على نشر المذهب الشيعي، عن طريق بذل الأموال، وجعل القضاء على مذهبهم الذي يدينون به. لذلك نهض المذهب الشيعي نهضة كبيرة. وبالمقابل فقد ضعف نفوذ المذهب السني، الذي كان سائداً في مصر وغيرها من البلاد التي خضعت للفاطميين.
ولما اعتلى صلاح الدين كرسيّ الحكم في مصر، سرعان ما عمل على إنهاء الخلافة الفاطمية، "وبذلك عادت إلى مصر السلطة الروحية للخليفة العباسي"([1])، كما عمل على تقوية المذهب السني ومحاربة المذهب الشيعي. المذهب الرسمي للفاطميين. مستعملاً في ذلك أساليب متنوعة. منها ما هو عسكري، ومنها ما هو سياسي.
أما أسلوبه العسكري فتمثل في قمعه للحركات وللمؤامرات التي استهدفت القضاء عليه وعلى أنصاره وإعادة الخلافة الفاطمية. مثل حركة مؤتمن الخلافة([2] ). ومؤامرة عمارة اليمني([3]). وثورة الكنز([4]).
وأمّا أساليب صلاح الدين السياسية (السلمية) في محاربة التشيع. فتمثلت في أنه أتجه إلى عقول الناس، فعمل على إنشاء المدارس الفقهية التي تدرّس مذاهب أهل السنّة، ولاسيما المذهب الشافعي، وجعل القضاء على المذهب السني واهتم اهتماماً كبيراً بالفقهاء.
لماذا قام صلاح الدين بمحاربة المذهب الشيعي؟
يمكننا إرجاع صلاح الدين على محاربة المذهب الشيعي إلى الأسباب التالية:
ـ أنه وجد في الشيعية منافساً قوياً له، حيث أعلنوا مراراً مطالبتهم وأحقيتهم بالحكم من صلاح الدين لكونه كّرديّاً من ناحية. وأنه ليس عربياً مصرياً من ناحية أخرى، ومن ناحية ثالثة فهو لا يدين بمذهبهم. وسبق أن أشرنا إلى أهم الحركات التي قاموا بها ضده.
ـ إن صلاح الدين عدّ نفسه حامي الخلافة العباسية والمدافع عنها، لذلك أعطى نفسه الحق في قمع حركات الشيعة بشدة، حيث عدّهم خارجين وبعيدين عن مذهب الخلافة العباسية عقيدة وفقهاً، فقد أرسل الخليفة العبّاسي المستنجد (ت: 566هـ/1170م)، إلى نور الدين زنكي (ت:569هـ/1174م) ـ سيد صلاح الدين ـ أن يُسقط الخلافة الفاطمية، الذي قام بدوره بالكتابة إلى صلاح الدين يأمره أن ينهي الخلافة الفاطمية([5])، ويُرجع مصر إلى حظيرة الخلافة العباسية، فقام صلاح الدين بالقضاء على الخلافة الفاطمية ومذهبها.
ـ ثبت وبشكل قاطع تحالف بعض الخلفاء الفاطميين ووزرائهم مع الصليبيين([6])، ضد صلاح الدين. ومن قبله ضد نور الدين محمود، لذلك وجد فيهم عقبة كأداء في سبيل تحرير الأراضي الإسلامية التي اغتصبها الصليبيون.
وفيما يلي نعرض بإيجاز لأساليب صلاح الدين السلمية التي اتبعها في سبيل محاربة المذهب الشيعي:
المدارس:
لم يعرف العالم الإسلامي المدرسة قبل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وكانت أول مدرسة بنيت في ديار الإسلام هي المدرسة البيهقية في نيسابور، ثم المدرسة النظامية في بغداد. ثم أخذت المدارس تنتشر في العراق وخراسان وغيرها من البلدان الإسلامية([7]).
وعندما ملك صلاح الدين مصر، "لم يكن بها شيء من المدارس"([8])، فقام ببناء عدة مدارس للشافعية والمالكية. مقتدياً بالملك العادل نور الدين محمود زنكي. الذي بنى عدة مدارس في بلاد الشام للحنفية والشافعية([9])، وقد تأسّى بصلاح الدين في إقامة المدارس في مصر والشام أقرباؤه وأمراؤه والأغنياء من الفقهاء وغيرهم.
وقد مهدت هذه المدارس الطريق أمام طلاب العلم لينهلوا من معين العلوم الشرعية والعربية وغيرها بأيسر جهد، وأقصر وقت. وأقل التكاليف. وأصبح طالب العلم غير محتاج إلى أن ينتقل من بلد إلى آخر يبحث عن المدرسين بل صار المدرسون هم الذين يأتون إليه في المدرسة.
وقد جعلت هذه المدارس من عهد صلاح الدين عهداً مشرقاً سواء في مصر أو بلاد الشام، إذ أصبحا محور استقطاب العلماء من جميع البلدان الإسلامية، لما كان يلاقيه الفقهاء من كريم العناية والرعاية، ولما كان يغدقه صلاح الدين عليهم من أُعطيات ومنح كثيرة، فقد بلغت المرتبات للفقهاء والمدرسين بدمشق في عهده حوالي ثلاثمائة ألف دينار، وكان عددهم حوالي ستمائة مدرس وفقيه([10]).
ولكي يضمن صلاح الدين دخلاً ثابتاً للمدارس التي يُنشئها، كان يوقف عليها أوقافاً تكفي للإنفاق على الفقهاء (المدرسين) والدارسين([11]). كما هُيئت لهذه المدارس كل أسباب الراحة ووسائل العيش، ليتفرغ الدارسون والمدرسون تفرغاً كاملاً للعلم.
وقد هدف صلاح الدين من إنشاء المدارس التي شيّدها إلى مقاومة المذهب الشيعي، عن طريق تعليم فقه أهل السنة. ولاسيما مذهبه الذي كان يعتقده وهو المذهب الشافعي، بالإضافة إلى أنها كانت مراكز لتثقيف الناس وتعليمهم لغتهم وأمور دينهم، وتبصيرهم بما يُحيق بهم من مخاطر تهدد وجودهم، فعملت على إثارة روح الجهاد في الناس، مما جعلهم يلتفّون حول زعيمهم، مما مكنه من تحقيق انتصارات باهرة على الصليبيين، حيث تمكّن من فتح أغلب معاقل الصليبيين التي كانت منغرسة في بلاد الشام.
والمدارس التي بناها صلاح الدين في مصر هي:
المدرسة الناصرية: بناها صلاح الدين في مصر (الفسطاط) سنة 566هـ/ 1170م مكان سجن المعونة، وكان في ذلك الوقت وزيراً، وجعل التدريس فيها على المذهب الشافعي([12]).
المدرسة القمحية: بناها صلاح الدين في أثناء وزارته، وجعل الدراسة فيها على المذهب المالكي([13]).
المدرسة الصلاحية: أنشأها صلاح الدين بعد أن انفرد بحكم مصر، بجوار قبر الشافعي بالقرافة، وجعل التدريس فيها على المذهب الشافعي، وأول من درس بها الفقيه الزاهد نجم الدين الخبوشاني (ت:587هـ/ 1191م)([14]). وجعل له في كل شهر أربعين ديناراً عن التدريس. وعشرة دنانير عن النظر في أوقاف المدرسة، ورتّب له من الخبز في كل يوم ووقف ستين رطلاً، ورواتين من ماء النيل. ووقف عليها حمّاما بجوارها. وحوانيت بظاهرها وجعل فيها معيدين([15]).
المدرسة السيفية: أسسها صلاح الدين بعد أن أصبح ملكاً لمصر، جعل التدريس فيها على المذهب الحنفي، وعيّن للتدريس فيها الشيخ مجد الدين محمد بن محمد الجيني. ورتّب له في كل شهر أحد عشر ديناراً. وباقي ريع وقفها. يصرفه على ما يراه لطلبة الحنفية المقررين عنده. على قدر طبقاتهم([16]).
أما المدارس التي بناها في بلاد الشام أو أمر بتجديد عمارتها فهي:
المدرسة الصلاحية: بناها صلاح الدين في دمشق، وجعل التدريس فيها على المذهب الشافعي([17]]).
المدرسة الكلاّسة: بُنيت في زمن نور الدين محمود زنكي. وأمر صلاح الدين بتحديد عمارتها سنة 575هـ/1179م([18]).
المدرسة الغزالية: أسست في عهد نور الدين محمود زنكي، وأهتم صلاح الدين بإصلاحها. وجعل قرية (حزم) من أعمال حوران وقفاً عليها. وعلى المشتغلين بها من العلوم الشرعية وجعل النظر والتدريس فيها لقطب الدين مسعود النيسابوري الشافعي (ت:578هـ/1182م)([19]).
وفي سنة 576هـ/ 1180م أمر ببناء مدرسة في الإسكندرية خلال زيارته لها([20]). كما أمر ببناء مدرسة كبيرة في الموصل([21]]).
المدرسة الصلاحية: أنشأها صلاح الدين في مدينة القدس سنة 588هـ/1192م. وجعل التدريس فيها على المذهب الشافعي، وجعلها وقفاً على أهل العلم([22])، ولحد الآن يوجد كتاب وقفها منقوشاً على حجر كبير وُضع على باب المدرسة، ونصها كالآتي: "بسم الله الرحمن الرحيم، وما بكم من نعمة فمن الله، هذه المدرسة المباركة وقفها مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين، أبو المظفّر يوسف بن أيوب بن شاذي محيي دولة أمير المؤمنين، أعزّ الله أنصاره، وجمع له بين خير الدنيا والآخرة، على الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله محمد بن ادريس الشافعي رضي الله عنه، سنة ثمان وثمانين وخمسمائة"([23]).
وهذه المدارس التي شيّد صرحها صلاح الدين، لا نجد شيئاً منها منسوباً إليه في الظاهر، وإنما تُنسب لجهات أخرى: كأن تنسب إلى الفقيه الذي درّس بها، أو إلى المكان الذي توجد فيه، أو غير ذلك، وهذا كما يقول ابن تغري بردي "صدقة السر على الحقيقة"([24]).
مدرسة دار الغزل: جعلها صلاح الدين للمالكية، وأوقف عليها أوقافاً كثيرة([25]).
وإلى جانب المدارس، شيّد صلاح الدين أيضاً الجوامع الكثيرة والخانقات الصوفية، ولا يخفى أن هذه الأمكنة كان يُعقد فيها حلقات دروس في الفقه ومختلف العلوم الشرعية.
ومن المدارس التي أُسست في عهده والتي بناها غيره من أفراد الشعب نذكر:
المدرسة الإقبالية: أنشأها خادم صلاح الدين جمال الدين بن جمال الدولة وقسمها إلى قسمين أحدهما للشافعية والآخر للحنفية([26]).
مدرسة منازل العز: كانت في الأصل داراً تابعة للقصر الفاطمي في القاهرة، اشتراها الأمير تقي الدين بن عمر شاهنشاه بن أيوب، ابن أخي صلاح الدين، وجعلها مدرسة للشافعية سنة 574هـ/1178م([27]). كما بنى هذا الأمير في دمشق المدرسة التقوية([28][28]). وأنشأ مدرستين بالفيوم للشافعية والمالكية كما بنى مدرسة فخمة في حماة([29]).
المدرسة العادلية: عمّرها أخو صلاح الدين العادل أبو بكر أيوب، في القاهرة([30])، وكان بناؤها متقناً محكماً لا نظير له في بنيان المدارس([31]).
المدرسة الشامية: بنتها أخت صلاح الدين ست الشام في دمشق، وهي من مدارس الشافعية([32]).
مدرسة الصاحبة: بنتها ربيعة خاتون في دمشق للحنابلة([33]).
المدرسة الأزكشية: بناها الأمير سيف الدين أيازكوج الأسدي. أحد أمراء صلاح الدين، وجعلها وقفاً على الفقهاء من الحنفية([34]).
المدرسة العاشورية: كانت داراً لليهودي ابن جّميع الطبيب كاتب الأمير بهاء الدين قراقوش، فاشترتها منه الست عاشوراء بنت ساروح الأسدي زوجة الأمير ايازكوج الأسدي، ووقفتها على الحنفية، وكانت من الدور الحسنة([35]).
المدرسة الفاضلية: بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني (ت: 596هـ/1200م) سنة 580هـ/1184م. ووقفها على الشافعية والمالكية، ووقف بها ما يقارب مائة ألف كتاب([36]).
المدرسة العصرونية: أنشأها قاضي القضاة الفقيه شرف الدين أبو سعيد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون (ت: 585هـ/1189م)([37]).
المدرسة القُطبية: بناها قطب الدين خسرو بن بلبل بن شجاع الهدباني في سنة 570هـ/1174. وجعلها وقفاً على الفقهاء الشافعية([38]).
المدرسة الارسوقية: بناها التاجر عفيف الدين عبد الله بن محمد الارسوقي (ت: 593هـ/1197م) في سنة 570هـ/1174م([39]).
والملاحظ في عهد صلاح الدين الأيوبي. أن الجامع الأزهر الذي بناه الفاطميون ليكون مركزاً لنشر عقائد الشيعة. لم يعد يحتل المرتبة الأولى بين مراكز العلم. بل أصبح في المرتبة الثانية من الأهمية([40])، ويرجع ذلك إلى المدارس الكثيرة التي أحدثها صلاح الدين، ثم إلى نقله خطبة الجمعة من الأزهر إلى الجامع الحاكمي. وبقيت الخطبة معطلة بالجامع الأزهر إلى عهد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس (ت: 676هـ/1277م)([41]).
ولا شك في أن هذا العدد الهائل من الدارس، خلال المدة البسيطة التي حكم بها صلاح الدين والتي تقارب العشرين عاما، إن دل على شيء فإنما يدل على اهتمامه الكبير بالعلم والعلماء، وليس غريباً عليه أن يصدر عنه هذا الاهتمام إذا عرفنا أنه كان فقيهاً في المذهب الشافعي "فكان يحفظ القرآن، وكتاب التنبيه في الفقه الشافعي"([42])، وكان يكثر من مجالسة العلماء والاستماع إليهم، ومناقشتهم. كما سيتضح لنا فيما بعد.
وتجدر الإشارة إلى أن اهتمام صلاح الدين بإنشاء الخانقات الصوفية بكثرة، يؤكد لنا ما ذكرته بعض المصادر التاريخية أن صلاح الدين كان عنده نزعة صوفية، يقول السيوطي: "ذكر اليافعي في روض الرياحين، أن السلطان صلاح الدين كان من الأولياء الثلاثمائة"([43]). كما أن المصادر التاريخية تُجمع على أنه كان زاهداً.
وصلاح الدين بتشييده صروح العلم، أضاف إلى سجله الحافل بالانتصارات العسكرية على أعداء الإسلام، سجلاً أخر لا يقل أهمية عن السجل الأول، خلّد ذكراه وهو بعث المذهب السنّي من جديد في مصر والشام والحجاز. بل وفي العراق، بعد أن كان من المحتمل أن يتلاشى، لو قدر للدولة الفاطمية أن يُمد في عمرها.
إن صلاح الدين في إنشائه المدارس، لم يفرق بين مذهب وآخر، ولا بين الفقهاء. بل أنشأ مدارس لجميع المذاهب السنّية. وبذلك عمل على استبعاد العصبيات المذهبية وأشاد سياسة تقوم على استقطاب جميع أهل السنة من أجل صُنع جبهة موحّدة، ليقوى بها من محاربة أعدائه.
القضاء:
منذ اللحظة الأولى لتسلم صلاح الدين الوزارة في مصر، كان في نيته القضاء على الخلافة الفاطمية، وإحلال مذهب أهل السنة مكان المذهب الشيعي فكان أول عمل قام به هو "تحسين موقع الإسلام السنّي"([44]). وذلك بعزل جميع القضاة الشيعيين من مناصبهم واستبدلهم بقضاة سنّيين. من أتباع المذهب الشافعي([45]).
فقام سنة 566هـ/ 1171م، بإسناد قضاء مصر إلى الفقيه الشافعي صدر الدين عبد الملك ابن درباس الكردي (ت: 605هـ/ 1209م)([46]). وعهد إليه باستنابة قضاة عنه في البلدان المصرية. يدل ذلك على أنه كان بمنزلة قاضي قضاة. ولا شك أن تنصيب قاضي قضاة سُني، مع وجود الخليفة الفاطمي "إجراء له دلالته السياسية الواضحة"([47]).
وقد قام ابن درباس بتنفيذ ما أسند إليه من مهام وأثبت جدارة في عمله. فقام بنقل خطبة الجمعة من الأزهر إلى المسجد الحاكمي كما قام بإسناد مناصب القضاة في المدن المصرية إلى فقهاء من الشافعية أسهموا بدورهم في نشر المذهب الشافعي، وبذلك استعاد المذهب السني قوته. وأدى ذلك إلى ضعف المذهب الشيعي، واخذ نجمه بالأفول عن سماء مصر حتى وقتنا الحاضر.
وعندما دخل صلاح الدين دمشق سنة 570هـ/ 1173م. بعد وفاة نور الدين زنكي، أبقى على قضائها كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري (ت: 572هـ/ 1176م). رغم ما كان بينهما من عداوة. عندما كان صلاح الدين في دمشق، قبل قدومه إلى مصر. وبعد وفاة الشهرزوري. أسند صلاح الدين قضاء دمشق إلى الفقيه شرف الدين عبد الله بن أبي عصرون (ت: 585هـ/1189م)([48]).
وكان صلاح الدين كلما فتح بلداً فتح يولّي عليه قاضياً من أتباع المذهب الشافعي، وآخر من عيّن من القضاة قبل موته، هو القاضي بهاء الدين يوسف بن رافع بن تميم الشافعي. الذي عيّنه قاضياً على مدينة القدس وكان ذلك في سنة (588هـ/ 1192م)([49]).
وتجدر الإشارة إلى أن صلاح الدين، قد جعل قضاة مهمتهم، النظر في المنازعات والخصومات التي تقع بين أفراد الجيش. وأطلق عليهم قضاة الجند أو قضاة العسكر. ومن أشهر هؤلاء القضاة، القاضي بهاء الدين بن شدّاد، والقاضي شمس الدين محمد بن موسى، المعروف بابن الفرّاش([50]).
ولاهتمامه بمذاهب أهل السنة. ولاسيما المذهب الشافعي، جعل القضاة والمدرسين في المدارس ممن يتبعونه، فلا غرابة إذن. أن يشيع المذهب الشافعي، وتصبح له الصدارة بين بقية مذاهب أهل السنة، وأدى ذلك إلى انحطاط منزلة المذهب الشيعي واندراسه. وانمحاء أثره، ولم يجرؤ أحد من أهل البلاد على إعلان تشيّعه([51]).
وصلاح الدين بجعله القضاء على المذهب الشافعي بدل المذهب الشيعي يعتبر عمله هذا "كمن قام بانقلاب سريع لإجراء تغيير مذهبي، ولكنه لم يكن عنيفاً أو دموياً"([52])
الاهتمام بالفقهاء:
القائد الناجح لا يقتصر نجاحه فقط على الوصول إلى كرسي الحكم، وإنما يتمثل نجاحه الحقيقي في قدرته على اختيار رجاله ومعاونيه. الذين يعتمد عليهم، في تسييره لأمور الدولة في مختلف المجالات من عسكرية. وسياسية. وإدارية. وغيرها. ومن هؤلاء الرجال الذي اعتمد عليهم صلاح الدين. الفقهاء الذين شغلوا أعلى المناصب في الدولة. فكان منهم الأمير في الجيش. وكاتب الديوان. والقاضي، والمحتسب، والمدرس، والخطيب.
وإذا كان صلاح الدين، قد حارب خصومه في الداخل والخارج بالسيف وغيره من أدوات القتال. فإن الفقهاء حاربوا الأعداء بأقلامهم وألسنتهم، عن طريق عملهم في القضاء. وتدريسهم في المدارس ووعظهم الناس في المساجد والخانقات فأدّوا دوراً هاماً في كشف زيف وبطلان مذهب الفاطميين. وفي إذكاء روح الجهاد في نفوس الجماهير. مما جعلهم يداً واحدة حول صلاح الدين. فمكّنه ذلك من تحقيق انتصاراته الخالدة على الصليبين.
وفي بداية تسلم صلاح الدين للوزارة من قبل الخليفة الفاطمي العاضد (ت: 567هـ/1171م)، أدّى الفقهاء وعلى رأسهم الفقيه عيسى الهكّاري (ت: 589هـ/1193م) دوراً كبيراً في إقناع كبار الأمراء المعارضين لتولية صلاح الدين، أن يدخلوا في طاعته([53]). وكان لهذا الدور الأثر الكبير في تثبيت قدم صلاح الدين في الحكم.
كما كان للفقيه زين الدين بن النجا (ت: 600هـ/ 1204م) أيضاً، دوراً مهماً في ترسيخ ملك صلاح الدين في مصر. حيث يعود الفضل إليه في كشف المؤامرة الكبيرة التي تزعّمها عمارة اليمني (ت:569هـ/ 117م)، والتي استهدفت قتل صلاح الدين وأنصاره. وإعادة الدولة الفاطمية بالتعاون مع الصليبيين الحشيشية الإسماعيلية في الشام([54]).
فلا غرابة إذن، أن يولي صلاح الدين الفقهاء اهتماماً كبيراً، وأن يجعلهم موضع رعايته وعنايته. فحفظ لهم جميلهم، ووثق بهم، وقرّبهم إليه.
ولكن ليس هذا هو السبب المباشر لذلك الاهتمام، وإنما يرجع السبب إلى أن صلاح الدين نفسه كان لديه إطلاع واسع على الفقه الشافعي، حيث كان يحفظ كتاب التنبيه. بالإضافة إلى أنه كان متديناً ورعاً، تقياً، زاهداً، محافظاً على تأدية صلاة الجماعة في وقتها([55])، إلى غير ذلك من الصفات الحسنة التي رُبّي عليها، ويجب أن لا ننس، أنه أدرك الدور الخطير الذي يمكن أن يقوم به الفقهاء من حيث قدرتهم على كسب الرأي العام وتحريكه نحو الجهة التي يريدها.
وإدراكاً منه لدور الفقهاء الهام في المجتمع، اهتمّ بهم اهتماماً كبيراً، وأفاض عليهم من نعمه وإحسانه، وأغدق الهبات والأُعطيات، يدل على ذلك أن العلماء في دولته، كان لهم إقطاعات، وراتب يقارب الثلاثمائة ألف دينار([56]).
كما قام بتقريب الفقهاء إليه فأحضرهم مجالسه، وكان يحسن الاستماع إليهم ويناقشهم في كثير من المسائل([57]). وليس هذا بالآمر المستغرب إذا عرفنا أنه كان ذا ثقافة دينية واسعة. حيث حفظ القرآن الكريم وكثيراً من الأحاديث النبوية. بالإضافة إلى معرفته الواسعة بالمذهب الشافعي.
ومن مظاهر اهتمام صلاح الدين بالفقهاء أيضاً، أنه كان كثير الاستشارة لكبارهم، فكان لا يقطع أمراً إلا بعد أخذ رأيهم فيه ويأتي في طليعة كبار العلماء الذين كان يستشيرهم: كاتب ديوانه القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني (ت:596هـ/1200م). يقول فيه صلاح الدين: "لم أفتح البلاد بسيفي وإنما برأي القاضي الفاضل([58])، ويقول أبو شامة في استشارة صلاح الدين الدائمة للقاضي الفاضل"... وكان لا يأتي أمرا إلا من بابه([59]).
وبلغ من اعتماد صلاح الدين على رأي القاضي الفاضل أنه في سنة 588هـ/1192م، عندما نوى تأدية فريضة الحج، استشار القاضي الفاضل، فأشار عليه بعدم الخروج للحج خوفاً من رجوع الصليبيين إلى القدس. وكان صلاح الدين قد حررها من أيديهم([60]). وبالفعل، فقد أخذ برأي القاضي الفاضل ولم يحج.
ومن بين العلماء الذين أكثر صلاح الدين من استشارتهم: الفقيه زين الدين علي بن إبراهيم بن نجا، الذي كان له الفضل ـ كما أشرنا ـ في كشف مؤامرة عمارة اليمني، فقد جعله صلاح الدين من كبار مستشاريه، وكان يُسميه: عمرو بن العاص. بسبب دهائه وحسن حيلته. وكان كثيراً ما يأخذ برأيه لسداده([61]). ويقول فيه أبو شامة (ت: 565هـ/1166م): "كان للفقيه زين الدين بن نجا. منزلة عالية عند صلاح الدين. أحسن السلطان إليه بالأعطيات والإقطاعات، وكان السلطان يستشيره، ويروقه تدبيره، ويميل إليه لقديم معرفته، وكريم سجيّته"([62]).
ومنهم أيضاً: الفقيه أبو محمد عيسى بن محمد الهكّاري، الذي كان له الفضل ـ كما أشرنا ـ في إقناع كبار الأمراء المعارضين لتولية صلاح الدين الوزارة. في الدخول في طاعته. وكان لهذا الدور الأثر الكبير في تثبيت مركز صلاح الدين. حيث جاء في الساعات الأولى لتولي صلاح الدين الوزارة. ويبدو أن صلاح الدين لم ينس له هذا الجميل، لذلك قرّبه إليه، وأكرمه إكراماً وكان كثير الاستشارة له([63]).
وبلغ من اهتمام صلاح الدين بالفقهاء أنه كان شديد الحرص على حضور دروس الفقهاء الوعظية، وكان في كثير من الأحيان يصحب أبناءه معه لسماعها، ولاسيما دروس الفقيه الزاهد زين الدين بن نجا([64])، ودروس الشيخ أبو الفتوح عبد السلام بن يوسف التنوخي([65])، كما حرص صلاح الدين على حضور مجالس المحدّثين، يقول أبو شامة: "وكان يسمع الحديث بقراءة الإمام تاج الدين البندهي المسعودي"([66])، وفي أثناء زيارته للإسكندرية سمع (الموطأ) على العالم أبي طاهر أحمد بن محمد السَّلفي (ت: 597هـ/1201م)([67]).
ومما يدل على اهتمام صلاح الدين بالفقهاء، أنه كان يقوم بزيارتهم في بيوتهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها: أنه عندما قدم إلى دمشق سنة (571هـ/1175م). قام بزيارة القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري (ت:573هـ/1177م) في منزله. وأزال ما كان بينهما من سوء تفاهم قديم يرجع إلى أثناء إقامة صلاح الدين في دمشق قبل رحيله إلى مصر، وقام بتثبيته قاضياً لدمشق ونواحيها([68])، ومن جملة الحديث الذي دار بينهما خلال تلك الزيارة قول صلاح الدين للقاضي الشهرزوري: "... ما مشيت إلا لأزيل ما في خاطرك من الوهم، وأعرّفك أن ما في قلبي لك نكرة. فطب نفساً. وقرًّ عيناً. فالأمر أمرك. والبلد بلدك([69]).
ولعمري هذه هي أخلاق العظماء من بني البشر. يحلمون عند المقدرة، بل ويتبعون الحلم الإحسان، وبذلك يجعلون من ألدّ الأعداء أصدقاء مخلصين. وهذه الحادثة إن دلت على شيء. فإنما تدل على أن صلاح الدين كان ذا نفسية صافية لا تعرف الحقد ولا البغض ولا الكراهية. وأن قلبه كان عامراً بالإيمان والتقوى وخشية الله سبحانه.
وفي سنة 584هـ/1188ن. عندما ترك صلاح الدين (حلب)، سار إلى المعرّة، وهناك قام بزيارة للفقيه الزاهد أبي زكريا المغربي في بيته([70]).
ولشدة ثقة صلاح الدين بالفقهاء، كان يتخير رسله ومبعوثيه إلى الخلفاء العباسيين والملوك والأمراء ومن الفقهاء، ممن اشتهر بسعة العلم، وحصافة الرأي، فقد قام صلاح الدين بإرسال وفد برئاسة الفقيه شمس الدين بن أبي المضاء إلى الخليفة العباسي المستضيء بنور الله (ت:575هـ/1180م)، وحمّله رسالة تتضمن إعلام الخليفة العبّاسي بعودة الخطبة باسمه في مصر، وفيها أيضاً يلتمس من الخليفة أن يُقلده البلاد التي يحكمها وكل ما يفتحه من بلاد([71])، وقد نجح ابن أبي المضاء في مهمته. وترتب على هذه المهمة أن قام الخليفة بإرسال الخلع العباسية إلى صلاح الدين، وكتاب تقليد له بالبلاد التي يحكمها.
كما أرسل الفقيه عيسى الهكّاري إلى الملك العادل نور الدين محمود زنكي، وحمّله رسالة، يتعذر فيها لنور الدين من تركه لمحاصرة قلعة الكرك([72]) . وقد نجح الهكّاري في مهمته، حيث أن نور الدين زال ما في نفسه، من شكوك وظنون ساورته حول إخلاص صلاح الدين له.
ومما يدلنا أيضاً، على تقدير صلاح الدين للفقهاء وحبّه لهم، أنه كان عندما يدخل الفقيه إلى مجلسه يستقبله أجمل استقبال، ويجلسه إلى جانبه، كأنه أعزّ الناس إليه([73]).
وصلاح الدين، في الهبات والأعطيات الكثيرة كان يمنحها الفقهاء، كان يرى أن ذلك حق لهم في بيت المال، وليس منّة منه، يقول: "إن هؤلاء ـ الفقهاء ـ لهم في بيت المال حق، فإذا قنعوا منّا ببعض، فلهم المنّة علينا"([74]).
وأخيراً، فالفقهاء أحبّوه كما أحبّهم، ووقفوا إلى جانبه، ونصروه لم يخذلوه، وبلغ من درجة حبهم له، أنه عندما مات، أرادوا أن يحملوه على أعناقهم([75]).
والتقى صلاح السلطان مع صلاح العلماء، فكان صلاح المجتمع، وكانت الانتصارات الخالدة، التي تزهو بها أجيال المسلمين على مرّ العصور، فهل نعتبر؟
بغضه للفلسفة:
ومع كل هذا الاهتمام والتقدير للفقهاء، إلا أنه كان لا يُمكّن أحداً منهم من إظهار ما يخالف مذهب أهل السنّة ولاسيما في أمور العقيدة ويصفه أبو شامة بأنه كان مبغضاً للفلاسفة والمعطلة والدهرية ومن يعاند الشريعة([76][76]).
وخير دليل على بغضه وكراهيته للفلسفة والمنتسبين إليها، وأنه كان يؤدّب أصحاب البدع وأهل الزندقة، أنه في عام 587هـ/1191م أوعز إلى ابنه الملك الظاهر غازي (ت:613هـ/1207م) حاكم حلب، يقتل العالم والفيلسوف أبي الفتح يحيى بن حبش السُهرَوَدي (ت:587هـ/1191م)* ، وذلك بعد أن أقنعه الفقهاء بضرورة التخلص منه، وإفتائهم بإباحة دمه، خوفاً على المسلمين من أن يُفسد عليهم عقيدتهم بآرائه الفلسفية التي تمس الذات الألهية، ومنعاً لحصول الفتن([77]).
ويحلو لبعض المفكرين المعاصرين([78])، أن يُصور مقتل السهروردي، أنه أحد أخطاء صلاح الدين الفادحة التي لا تغتفر، والتي جنت على الفكر الإسلامي جناية كبيرة، فأماتت فيه روح التفكير، فضعف مستوى العقل واعتراه الجمود، سيطرت عليه الأوهام.
إن هذا الزعم فيه تجنًّ واضح على صلاح الدين، الذي لم يُقدم على الأمر بقتل السهروردي، إلا بعد أن أفتى جميع فقهاء حلب بوجوب قتله، وذلك لأنه في فلسفته مزج بين الحكمة اليونانية وديانات الفرس من مزدكية ومانوية ومذاهب الصابئة في الكواكب والنجوم، كما كان يعتقد بأن النبوة لا تنتهي، وأنها ضرورية من وقت لآخر، فهو ينكر أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين([79])، كما يرى أن الولي المتأله (الإمام) الذي اجتمعت له الحكمة البحثية والتجربة الصوفية يكون خير وأفضل من النبي([80])، بالإضافة إلى ذلك، كان يقول: إن الله يملك إن شاء أن يخلق نبياً، وسمّى نفسه المؤيد بالملكوت([81]).
لذلك رماه فقهاء حلب بالزندقة والإلحاد، وكتبوا إلى صلاح الدين، وحذروه من فساد عقائد الناس إذا أبقى عليه، فما كان من صلاح الدين، بعد أن ثبت لديه كفر السهروردي، إلا أن كتب كتاباً إلى ابنه الظاهر يأمره فيه بقتل السهروردي.
ثم إنه لو لم يقتله لحدثت فتنة كبيرة، بين أنصار السهروردي وخصومه ممن يعتنقون مذهب أهل السنة عقيدة وفقهاً، تؤدي إلى إزهاق أرواح كثيرة، فينعكس أثر هذه الفتنة على تماسك الجبهة الداخلية، التي كان صلاح الدين حريصاً أشد الحرص، على أن تبقى قوية ومتماسكة، وموحّدة، لتحقيق أسمى أمنياته، وأمنيات المسلمين، بطرد الصليبيين من بلاد الشام، الذين شكّلوا أكبر خطر هدد الإسلام والمسلمين في ذلك الوقت.
ولا مجال في مثل هذه الظروف الصعبة والقاسية، لإفساح المجال أمام المناقشات الفلسفية التي تؤدي إلى تشويش الأفكار وتشتتها([82]).
ولا شك في أن صلاح الدين قد رأي في التخلص من السهروردي، تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وهذا أمر يتحتم العمل به فلأن تزهق روح واحدة أول من أن تزهق أرواح كثيرة، وأولى من أن يُمس الدين بسوء، وتتعطل أحكامه، وأي حاكم كان مكانه لابد من أن يفعل مثله.
وربما كان وراء الدافع لقتل السهروردي، هو أن صلاح الدين خشي على ولده غازي، أن يُفتن بأفكار وآراء السهروردي، وهذا لو تم، فإنه لاشك. سيؤدي إلى حدوث انقسام في البيت الأيوبي، وهذا مما لا يسمح به صلاح الدين، لما يترتب عليه من أخطار، تؤدي إلى ضياع الجهود التي بذلها من أجل بناء مملكة موحدة وقوية.
يضاف إلى ذلك أن السهروردي في فلسفته كان متأثراً بالمذهب الإسماعيلي الذي يقول أن أولاد علي بن أبي طالب هم صور للتجلّي الإلهي، لذلك اعتبره صلاح الدين ثائراً سياسياً يسعى للقضاء على حكمه([83])، لذلك أوعز بقتله.
وإنه لأمر في منتهى الغرابة، بعد العدد الكبير من المدارس والمساجد والخانقات التي بناه صلاح الدين، واهتمامه بالعلم والعلماء بعثه نهضة علمية وثقافية واسعة في كل من مصر والشام، أن يُنسب إليه أنه قتل الفكر، وكان سبباً في جموده!
أثر صلاح الدين في تنشيط المذهب السنّي في بغداد:
وتجدر الإشارة هنا إلى أن تأثير صلاح الدين في بعث المذهب السنّي، لم يقتصر على مصر وبلاد الشام، بل امتد إلى الحجاز واليمن اللذين فُتحا في السنوات الأولى من حكمه، بقيادة أخيه شمس الدولة تورنشاه (ت:576هـ/1181م)([84]) ، الذي أعاد هذه البلاد إلى سلطة الخلافة العبّاسية الروحية، حيث أمر بأن يخطب في أيام الجمُع للخليفة العباسي، واقتفى نهج أخيه في محاربة المذهب الشيعي.
كما أن تأثير صلاح الدين في إحياء مذهب أهل السنة، وصل إلى بغداد نفسها عاصمة الخلافة العباسية، فنجد خلال الفترة التي حكم بها أن الخلافة العباسية بفضله، قد نُفخت فيها روح جديدة، فأكسبتها نشاطاً وقوة لم تألفها منذ فترة طويلة ترجع إلى وفاة الخليفة المعتصم (ت: 227هـ/ 842م)، حيث أصبح وجود الخلافة وجوداً حقيقياً، بعد أن كان صورياً، وصار للخليفة هيبة، ومارس صلاحياته الدستورية بشكل فعّال.
وأصبح بمقدور الخليفة أن يعزل أكبر المتنفذين في القصر من وزراء وكتاب ديوان وغيرهم، يدل على ذلك أن الخليفة المستضيء بنور الله، استطاع أن يتخلص من قطب الدين قايماز (ت: 570هـ/1174م)([85])، وفي العام الذي يليه تمكن من عزل عماد الدين صندل المقتفوي عن الإستادارية، وولى مكانه ابن الصاحب هبة الله بن علي([86]).
وأخر خليفة عاصره صلاح الدين، هو الناصر لدين الله (ت:622هـ/1225م) الذي خلف المستضيء، كان أيضاً يتمتع بشخصية قوية. كانت هل هيبة وكانت سيطرته على الأمور أكثر من سابقه يقول فيه السيوطي: كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، فكان يرهبه أهل الأقطار، فأحيا بهيبته الخلافة...([87])، وبلغ من تمكنه من السلطة، أن أمر بقتل مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب (ت: 583هـ/ 1187م)، وهو أستاذ دار الخلافة الذي كان متحكماً في أمور الدول([88]).
وكان أمراً طبيعياً، أن يرافق ازدياد قوة الخلافة، ازدياد قوة المذهب الذي تعتقده وتتبناه وهو المذهب السني، وأن يضعف المذهب المنافس لمذهبها، هو المذهب الشيعي.
ففي عهد الخليفتين السابقين اللذين عاصرهما صلاح الدين، نجد انحساراً ملحوظاً للمد الشيعي، يدل على ذلك قول الذهبي (ت: 784هـ/1347م) "وفي أيامه ـ المستضيء بنور الله ـ اختفى الرفض ببغداد ووهى، وأما بمصر والشام فتلاشى"([89])، كما أنه في عهد الناصر لدين الله، تعرّض الشيعة لمضايقات كثيرة، فضعفت شوكتهم، وقوي نفوذ المذهب السني([90]).
وخلاصة القول، أن صلاح الدين، كان له الفضل الكبير في بعث ونشر مذهب أهل السنة فقها وعقيدة في أغلب البلاد العربية، لاهتمامه الزائد بالفقهاء والإكثار من إنشاء المدارس. ورسم الطريق لمن بعده في كيفية المحافظة على أن تبقى راية الإسلام مرفوعة، وفي كيفية المحافظة على أن يظل الدين الإسلامي نقياً خالياً من الشوائب والبدع والهرطقة.


الخاتمة:
ظهر صلاح الدين الأيوبي، في عصر كانت فيه الأمة العربية في وضع لا تُحسد عليه، من تمزق وضعف، يتهددها الخطر الصليبي، الذي كاد أن يأتي عليها، واستطاع بما تمتع به من عبقرية فذّة، وميزات قيادية هائلة، أن يجمع شتات هذه الأمة، ويكوّن قوة كبيرة، استطاع بفضلها أن يحقق انتصاراته على الصليبيين، تلك الانتصارات التي جعلته من الخالدين في التاريخ الإسلامي، وقلّ من كان يضاهيه من حيث التنزه عن الأهواء والمطامع الشخصية، ومن حيث العمل على تقديم الخدمات التي من شأنها أن تُسعد الأمة وتنهض بها.
لم يكن صلاح الدين قائداً عسكرياً بارعاً في فنون القتال فحسب، وإنما كان أيضاً سياسياً ماهراً، استطاع أن يحظى بثقة الخليفة الفاطمي([91])، رغم العداء المذهبي بينهما، وظل على وفاق مع سيّده نور الدين زنكي، مطيعاً له، رغم استفزازات نور الدين له([92])، كما حصل على ثقة الخليفة العباسي، وبقي محافظا عليها حتى أخر لحظة من عمره، تلك الثقة التي أضفت على حكمه صبغة شرعية، مما جعل الجميع يُقر له بالسيادة، والولاء والتبجيل، والاحترام.


ويمكننا إجمال ما كشفت عن الدراسة من نتائج فيما يلي:
ـ أن صلاح الدن كان باعث نهضة فكرية وعلمية كبيرة، انبثقت عن دُور العلم الكثيرة التي شيدها، مما كان له أثر في استقطاب كثير من العلماء من مختلف البلدان الإسلامية، كما أن هذه المدارس عملت على تثقيف الناس وتقوية العقيدة في نفوسهم، فأسهمت في تحقيق شيء من الوحدة الفكرية، مما كان له أثر كبير في بناء مجتمع قويّ ومتماسك، استطاع أن يتغلب على ما كان يتهدده من أخطار داخلية وخارجية على السواء، فأي انتصار عسكري أو تفوق حربي، لابد أن يصحبه تقدم علمي، وعقيدة نقيّة راسخة في نفوس أبنائها.
ـ المدارس التي شُيدت في عهده، كانت في أغلبها ضخمة وواسعة، تتوفر فيه جميع وسائل الراحة، كما أنّ المدرسين فيها كانوا يتقاضون رواتب عالية، وأن التدريس فيها كان على مذاهب أهل السنة.
ـ بسقوط الدولة الفاطمية، خسر المذهب الشيعي سنده الكبير، فأُبعد من مركز الصدارة ليأخذ مرتبة دنيا، فأخذت الصدارة مذاهب أهل السنة, ولاسيما المذهب الشافعي، ولذلك يمكننا أن نطلق على صلاح الدين لقب ناصر المذهب السنّي، كما ترتب على زوال الخلافة الفاطمية، أن فقد الجامع الأزهر درجته الأولى بين جوامع القاهرة.
ـ أن صلاح الدين كان صاحب ثقافة دينية واسعة، اهتم بالعلماء وقربّهم إليه، وكان لا يقطع أمراً إلا بمشورتهم.
ـ لم يكن صلاح الدين يتساهل في أيّ مسألة لها مساس بجوهر عقيدة أهل السنة، لذلك حارب الفلاسفة والمبتدعة، ولم يتهاون معهم.
ـ تأثير صلاح الدين في بعث المذهب السنّي لم يقتصر على مصر وبلاد الشام، بل شمل الحجاز واليمن والعراق.
وأخيراً فسيرة صلاح الدين الأيوبي، ستظلّ معيناً لا ينضب لأقلام الباحثين والدارسين تمدهم بأمثلة حيّة، من آيات البطولة، والمجد، والفخار.
وحري بنا أن نستطلع تاريخ العظماء من أمتنا لنأخذ منه الدروس والعبر، في كيفية مواجهة التحديات الخطيرة التي تواجه أمتنا، فنعمل على توحيد كلمتنا، من أجل مقاومة الأخطار المتزايدة، التي تستهدف وجودنا وكياننا.
وأضرع إلى العلي القدير، أن يُهيئ لهذه الأمة صلاحاً أخر، يعمل على توحيد صفوفها وينقذها من هذه المصائب المتوالية عليها.


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.




([1]) ـ نيكيتا ايليسف، الشرق الإسلامي في العصر الوسيط. ترجمة منصور أبو الحسن، مؤسسة دار الكتاب الحديث، بيروت، 1986،ص273.
([2]) ـ كان أكبر شخصيات القصر الفاطمي، ولما رأى خطورة صلاح الدين، عمل على تدبير مؤامرة للقضاء عليه، وكان ذلك في بداية تولي صلاح الدين للوزارة، ولكن صلاح الدين علم بذلك، فتمكن من قتله. ولما ثار أتباعه سنة 564هـ/1169م، قاتلهم صلاح، وتمكن من الانتصار عليهم بعد معركة ضارية، ومنذ تلك اللحظة ضعف نفوذ الخليفة الفاطمي، علي بن أبي الكرم بن الأثير (ت:630هـ/1288م)، الكامل في التاريخ، 12م، دار صادر، بيروت 1979،ج11، ص 345،346.
([3]) ـ وضع رؤوس هذه المؤامرة خطة محكمة، استهدفت القضاء على صلاح الدين، وإعادة الخلافة الفاطمية، ولكي يتمكنوا من إنجاح مخططهم تآمروا مع الصليبيين، ولكن صلاح الدين علم بهذه المؤامرة، فقبض على مدبّريها وقتلهم، وكان ذلك في سنة 569هـ/1173، ويرجع الفضل في كشف هذه المؤامرة إلى الفقيه ابن نجا، جمال الدين محمد بن واصل (ت:697هـ/1269م)، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب. 5م، تحقيق جمال الدين محمد الشيال، وزارة المعارف المصرية، القاهرة 1952، ج1 ص243ـ 246.
([4]) ـ كان كنز الدولة والياً على أسوان. فقام ببسط سيطرته على أغلب صعيد مصر، وأعلن تمرده على صلاح الدين، ونادى بإرجاع الخلافة الفاطمية، وكان ذلك في سنة 569هـ/1173م، ولكن هذه الثورة قمعت بشدة على يد الجيش الذي أرسله صلاح الدين بقيادة أخيه العادل. ابن واصل، مفرج الكروب، ج1، ص 16ـ17.
([5]) ـ عبد الرحمن إسماعيل أبو شامة. (ت: 665هـ/1267م)، الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، تحقيق محمد حلمي أحمد، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1956، ج1 ق2،ص 465.
([6]) ـ حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، 4م، ط1، دار الأندلس، بيروت 1967م. ج4، ص189، 191، 192.
([7]) ـ أحمد بن علي المقريزي، (ت:845هـ/1441م), المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (الخطط المقريزية)، ط2، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 1987، ج2، ص363.
([8]) ـ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج6، ص54.
([9]) ـ المقريزي، المواعظ والاعتبار، ج2، ص 363.
([10]) ـ نعمان الطيب سليمان، منهج صلاح الدين الأيوبي في الحكم والقيادة، ط1، مطبعة الحسين الإسلامية. القاهرة، 1991،ص428، نقلاً عن خطط الشام، ج4،ص 39.
([11]) ـ جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي (ت: 874هـ/ 1469م)، النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة، 6م، المؤسسة المصرية للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة. ج6،ص54.
([12]) ـ أبو شامة، الروضتين ج1، ق1، ص 486.
([13]) ـ المقريزي، الخطط ج2، ص 364. وابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج5، ص 385.
([14]) ـ أبو شامة، الروضتين. ج1، ق2، ص 688.
([15]) ـ المقريزي. المواعظ والاعتبار، ج2، ص400.
([16]) ـ المصدر نفسه. ص 365.
([17]) ـ عبد القادر بن محمد النعيمي. (ت: 927هـ/ 1527م). الدارس في تاريخ المدارس 2م، تحقيق جعفر الحسني، مطبعة الترقي. دمشق. 1948. ج1، ص331.
([18]) ـ المصدر نفسه ج1،ص 448.
([19]) ـ نعمان الطيب سليمان منهج صلاح الدين في الحكم والقيادة، ص 428.
([20]) ـ المقريزي. الموعظة والاعتبار ج2، ص 234.
([21]) ـ أبو شامة. الروضتين. ج1، ق2، ص694.
([22]) ـ ابن واصل، مفرج الكروب، ج1، ص230، وعارف العارف. المفصل في تاريخ القدس. مكتبة الأندلس. القدس. 1961. ج1. ص179.
([23]) ـ عارف العارف. المفصل في تاريخ القدس، ج1 ص 180.
([24]) ـ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة. ج6، ص 54.
([25]) ـ ابن واصل. مفرج الكروب. ج1، ص 198.
([26]) ـ النعيمي. الدارس في تاريخ المدارس. ج1، ص158.
([27]) ـ أبو شامة. الروضتين. ج1. ق1. ص 487. وابن تغري بردي. النجوم الزاهرة. ج5. ص 385.
([28]) ـ عبد القادر النعيمي. الدارس في تاريخ المدارس. ج1، ص 216.
([29]) ـ أبو شامة، الروضتين. ج1، ق1، ص 487.
([30]) ـ المقريزي. المواعظ والاعتبار. ج2، ص365.
([31]) ـ أبو شامة، الروضتين، ج1،ق2. ص545.
([32]) ـ المصدر نفسه، ج2، ص 114.
([33]) ـ نعمان الطيب سليمان، منهج صلاح الدين في الحكم، ص 430.
([34]) ـ المقريزي، المواعظ والاعتبار. ج2. ص 367.
([35]) ـ المصدر نفسه، ص 368.
([36]) ـ المصدر نفسه، ص 366.
([37]) ـ عبد القادر النعيمي، الدارس في تاريخ المدارس، ج1، ص 399.
([38]) ـ المقريزي، المواعظ والاعتبار. ج2، ص 365.
([39]) ـ المصدر نفسه، ص 367.
([40]) ـ حسن إبراهيم، تاريخ الإسلام. ج4. ص608.
([41]) ـ وفاء محمد علي، قيام الدولة الأيوبية في مصر والشام. ط1، دار الفكر العربي، القاهرة. 1986. ص56.
([42]) ـ أبو الفلاح عبد الحي بن العماد (ت: 1089هـ/ 1686م)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب. 4م. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج4. ص298.
([43]) ـ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت911هـ/ 1505م)، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، 2م، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1968، ج4، ص22.
([44]]) ملكوم ليونز، صلاح الدين. ترجمة علي ماضي، الأهلية للنشر والتوزيع. بيروت، 1988. ص 61
([45]) ـ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت 748هـ/ 1347م)، العبر في خبر من غبر، 4م، تحقيق أبو هاجر محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.ج3 ص 112.
([46]) ـ ابن واصل، مفرج الكروب. ج1 ص 198.
([47]) ـ جمال الدين الشيال. مفرج الكروب. ج1، ص 198.
([48]) ـ أبو شامة. الروضتين. ج1، ق2. ص 673.
([49]) ـ عارف العارف، المفصّل في تاريخ القدس، ج1، ص 178. وأبو شامة، الروضتين، ج1 ص 206.
([50]) ـ نعمان الطيب سليمان، منهج صلاح الدين في الحكم، ص 462.
([51]) ـ ابن واصل، مفرج الكروب، ج1، ص 198.
([52]) ـ نعمان الطيب سليمان، منهج صلاح الدين في الحكم،ص 458.
([53]) ـ أبو شامة، الروضتين، ج1، ق2، ص 407.
([54]) ـ ابن واصل، مفرج الكروب، ج1، ص 244.
([55]) ـ أبو شامة، الروضتين، ج1، ق2،ص 218، 219، 533.
([56]) ـ المصدر نفسه ج2، ص 125.
([57]) ـ الذهبي، سير أعلام النبلاء. 14م، تحقيق بشار عواد، ومحيي هلال السرحان، ط1 مؤسسة الرسالة. بيروت، 1984، ج21، ص 282.
([58]) ـ ماجد عرسان الكيلاني، هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس. ط1 الدار السعودية. جدة، 1985. ص 224. نقلاً عن ابن الأثير، البداية والنهاية. ج13. ص 24.
([59]) ـ أبو شامة. الروضتين. ج2. ص 125.
([60]) ـ المصدر نفسه ج2، ص 205.
([61]) ـ ماجد عرسان الكيلاني، هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 244.
([62]) ـ أبو شامة، الروضتين، ج2، ص 58.
([63]) ـ أحمد بن محمود بن خلكان (ت: 681هـ/ 1281م)، وفيات الأعيان وأبناء الزمان، 8م، تحقيق إحسان عباس. دار صادر، بيروت، 1985، ج3، ص 497.
([64]) ـ ماجد عرسان الكيلاني، هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 245، نقلاً عن مرآة الزمان لسبط بن الجوزي. ص 515.
([65]) ـ أبو شامة. الروضتين، ج1، ق2، ص 667.
([66]) ـ المصدر نفسه، ج2،ص 21.
([67]) ـ المقريزي، الموعظ والاعتبار، ج2، ص 234. وابن تعري بردي، النجوم الزاهرة، ج6، ص 115.
([68]) ـ أبو شامة، الروضتين. ج1، ق2، ص 671.
([69]) ـ ابن واصل. مفرج الكروب، ج2، ص 134.
([70]) ـ أبو شامة، الروضتين، ج2،ص 134.
([71]) ـ ابن واصل. مفرج الكروب، ج2، ص20.
([72]) ـ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج11، ص 293.
([73]) ـ أبو شامة، الروضتين، ج1، 23.
([74]) ـ المصدر نفسه.
([75]) ـ ابن العماد. شذرات الذهب، ج4، ص 299.
([76]) المصدر نفسه، ج2،ص 219.
* ـ ولد في سُهرورد في شمال غرب إيران. ثم انتقل إلى مراغة، ومنها إلى أصبهان ثم إلى بلاد الأناضول وديار بكر، وأخيراً استقر به المقام في حلب، أشهر شيوخه، مجد الدين الجيلي، وظهير الدين القادي، وفخر الدين المارديني (ت 594هـ). كان شديد الذكاء فصيحاً، بارعاً في الجدال، انضم إلى جماعات الصوفية، وأحب الوحدة، عرف عنه كثرة تهوره واستهتاره. وعدم اكتراثه بالأعراف والاعتبارات الاجتماعية، عرفان عبد المحميد فتاح. نشاة الفلسفة الصوفية وتطورها. ط1 دار الجيل بيروت، 1993. ص 233 ـ 235.
([77]) ـ المصدر نفسه. ج2 ص 219.
([78]) ـ يقول محمد كرد علي، ".... وربما كانت هذه الغلطة الفظيعة الوحيدة التي عدت على صلاح الدين. لأنه بقتله قتل الحكمة. ومنذ أهملت العلوم الفلسفية في الإسلام، أخذ مستوى العقل في علماء المسلمين يضعف". ويقول محمد سيد كيلاني: "منذ هذه الفترة، اختفى التفكير الحر من الوجود، فأصيبت العقول بالجمود واستبدت بها الأوهام". نعمان سليمان، منهج صلاح الدين الأيوبي في الحكم والقيادة، ص 520.
([79]) ـ عرفان فتاح نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها، ص 238. وطلعت غنام، الفلسفة الإسلامية نشأتها وتطورها ورجالها، ص 58.
([80]) ـ ماجد فخري، تاريخ الفلسفة الإسلامية. ترجمة كمال اليازجي، الدار المتحدة للنشر. بيروت، 1974، ص 404. وعرفان فتاح. نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها. ص 226.
([81]) ـ محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ـ المقدمات، علم الكلام، الفلسفة الإسلامية. ط2، دار النهضة العربية، بيروت 1973، ص 409.
([82]) ـ نعمان سليمان، منهج صلاح الدين الأيوبي في الحكم، ص 521.
([83]) ـ عرفان عبد الحميد فتاح، نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها، ص 245.
([84]) ـ ابن الأثير، الكامل في التاريخ. ج11 ص 396.
([85]) ـ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج11، ص 434.
([86]) ـ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة. ج6، ص 76.
([87]) ـ جلال الدين السيوطي (ت: 911هـ/ 1505م)، تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ص 450.
([88]) ـ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج11، ص 562.
([89]) الذهبي، العبر في خبر من غبر، ج3، ص 67، والسيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 545.
([90]) ـ الذهبي، المصدر نفسه، ص 35.
([91]) ـ وفاء علي محمد، قيام الدول الأيوبية في مصر والشام، ص 45.
([92]) ـ يقول صلاح الدين بعد وفاة نور الدين: "والله لقد صبرت منه على مثل حزّ المدى ووخز الإبر، وما قدر أحد من أصحابه، أن يجد عليّ ما يعتده ذنباً، ولقد اجتهد هو بنفسه أيضاً، أن يجد لي هفوة يعتدها عليّ فلم يقدر، ولقد كان يعتمد في مخاطباتي ومراسلاتي على الأشياء التي لا يُصبر على مثلها، لعلي أتضرر أو أتغير، فيكون ذلك وسيلة إلى منابذتي، فما أبلغته أربه يوماً قط". أبو شامة، الروضتين، ج1 ق1، ص 442.

خيانات الشيعة ومحاولاتهم الفتك بصلاح الدين الأيوبي




خيانات الشيعة ومحاولاتهم الفتك بصلاح الدين الأيوبي




لم ينس الشيعة أن صلاح الدين الأيوبي هو الذي أزل دولتهم الفاطمية في مصر ومهد للسنة من جديد، لذلك حاولوا مرارًا الفتك به لإقامة الدولة الفاطمية من جديد، واستعانوا في هذه المؤامرات بالفرنج وكاتبوهم.







يقول المقريزي في السلوك:




"وفيها – أي سنة 569هـ - اجتمع طائفة من أهل القاهرة على إقامة رجل من أولاد العاضد – آخر خليفة فاطمي بمصر – وأن يفتكوا بصلاح الدين وكاتبوا الفرنج؛ ومنهم القاضي المفضل ضياء الدين نصر الله بن عبد الله بن كامل القاضي، والشريف الجليس، ونجاح الحمامي، والفقيه عمارة بن علي اليماني، وعبد الصمد الكاتب، والقاضي الأعز سلامة العوريس متولي ديوان النظر ثم القضاء، وداعي الدعاة عبد الجابر بن إسماعيل بن عبد القوي، والواعظ زين الدين بن نجا، فوشى ابن نجا بخبرهم إلى السلطان، وسأله أن ينعم عليه بجميع ما لابن كامل الداعي من الدور والموجود كله، فأجيب إلى ذلك؛ فأحيط بهم وشنقوا.. وتتبع – أي صلاح الدين – من له هوى في الدولة الفاطمية، فقتل كثيرًا وأسر كثيرًا، ونودي بأن يرحل كافة الأجناد وحاشية القصر، وزاجل السودان إلى أقصى بلاد الصعيد، وقبض على رجل يقال له قديد بالإسكندرية من دعاة الفاطميين يوم الأحد خامس عشر من رمضان"([1]).

وبرغم قتل الخائنين المتآمرين إلا أن الفرنجة جاءوا حسب المكاتبة.







قال المقريزي:




" وفيها نزل أسطول الفرنج([2]) بصقلية على ثغر الإسكندرية لأربع بقين من ذي الحجة بغتة وكان الذي جهز هذا الأسطول غاليالم بن رجار متملك صقلية ولي بعد أبيه في سنة 560هـ.. ولما أرسى هذا الأسطور على البر أنزلوا من طرائدهم ألفًا وخمسمائة فرس، وكانت عدتهم ثلاثين ألف مقاتل، ما بين فارس وراجل وعدة السفن التي تحمل آلات الحرب، والحصار ست سفن والتي تحمل الأزواد والرجال أربعين مركبًا فكانوا نحو الخمسين ألف راجل، ونزلوا على البر مما يلي المنارة، وحملوا على المسلمين حتى أوصلوهم إلى السور، وقتل من المسلمين سبعة، وزحفت مراكب الفرنج إلى الميناء، وكان بها مركب المسلمين فغرقوا منها، وغلبوا على البر وخيموا به، فأصبح لهم على البر ثلاثمائة خيمة، وزحفوا لحصار البلد، ونصبوا ثلاث دبابات بكباشها وثلاثة مجانيق كبار تضرب بحجارة سود عظيمة، وكان السلطان – صلاح الدين – على فاقوس، فبلغه الخبر ثالث يوم نزول الفرنج؛ فشرع في تجهيز العساكر وفتحت الأبواب وهاجم المسلمون الفرنج وحرقوا الدبابات، وأيدهم الله بنصره.. وقتل كثير من الفرنج، وغنم المسلمون من الآلات والأمتعة والأسلحة ما لا يُقدر على مثله إلا بعناء، وأقلع باقي الفرنج في مستهل سنة سبعين"([3]) .







أرأيت كم حجم الخيانة ومقدارها لولا أن مَنَّ الله على صلاح الدين ورجاله ونصرهم،وبالطبع كما قال المقريزي بعد عناء وأرواح ودماء أسيلت، وما هذا إلا بفعل الشيعة.







ولم تكد تمضي هذه السنة 569هـ وتدخل سنة 570هـ حتى دبر الشيعة خيانة أخرى لإقامة الدولة الفاطمية والفتك بصلاح الدين.







قال المقريزي:




".. وفيها جمع كنز الدولة والي أسوان العرب والسودان وقصد القاهرة يريد إعادة الدولة الفاطمية، وأنفق في جموعه أموالاً جزيلة، وانضم إليه جماعة ممن يهوى هواهم، فقتل عدة من أمراء صلاح الدين، وخرج في قرية طود رجل يعرف بعباس بن شادي، وأخذ بلاد قوص، وانتهب أموالها؛ فجهز السلطان صلاح الدين أخاه الملك العادل في جيش كثيف ومعه الخطير مهذب بن مماتي فسار وأوقع بشادي وبدد جموعه وقتله.







ثم سار فلقيه كنز الدولة بناحية طود، وكانت بينهما حروب فر منها كنز الدولة بعد ما قتل أكثر عسكره، ثم قتل كنز الدولة في سابع صفر، وقدم العادل إلى القاهرة..."([4]) .







ولم تكن هذه الخيانة مجرد مؤامرة للفتك بصلاح الدين السني الذي أزال دولة الشيعة في مصر، وإنما ترتب عليها أن استفحل خطر الفرنجة في بلاد الشام، وعندما عزم السلطان صلاح الدين على التوجه إليهم كان من أهم معوقاته خيانة الشيعة له في داخل سلطنته بمصر.







قال ابن كثير رحمه الله:




"استهلت سنة 570هـ والسلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب قد عزم على الدخول إلى بلاد الشام لأجل حفظه من الفرنج، ولكن دهمه أمر شغله عنه، وذلك أن الفرنج قدموا إلى الساحل المصري في أسطول لم يسمع بمثله في كثرة المراكب وآلات الحرب والحصار والمقاتلة..







ومما عوق الملك الناصر عن الشام أيضًا رجلاً يعرف بالكنز سماه بعضهم عباس بن شادي، وكان من مقدمي الديار المصرية والدولة الفاطمية، كان قد استند إلى بلد يقال له أسوان، وجعل يجمع عليه الناس فاجتمع عليه خلق كثير من الرعاع من الحاضرة والغربان وكان يزعم أنه سيعيد الدولة الفاطمية ويدحض الأتابكة التركية.."([5]) .







ولما تمهدت البلاد، ولم يبقى فيها رأس من الدولة العبيدية – الفاطمية – برز صلاح الدين في الجيوش التركية قاصدًا البلاد الشامية، وذلك حين مات سلطانها نور الدين محمود بن زنكي، وأخيف سكانها، وتضعضعت أركانها، واختلف حكامها.. وقصده جمع شملها، والإحسان إلى أهلها، ونصرة الإسلام، ودفع الطغام، وإظهار القرآن، وإخفاء سائر الأديان، وتكسير الصلبان، في رضى الرحمن، وإرغام الشيطان.. فدخل دمشق وجاءه أعيان البلد للسلام عليه فرأوا منه غاية الإحسان.. ثم نهض إلى حلب مسرعًا لما فيها من التخبيط والتخليط، واستناب على دمشق أخاه طغتكين بن أيوب الملقب بسيف الإسلام، فلما اجتاز حمص أخذ ربضها، ولم يشتغل بقلعتها، ثم سار إلى حماه فتسلمها من صاحبها عز الدين بن جبريل، وسأله أن يكون سفيره بينه وبين الحلبيين؛ فأجابه إلى ذلك، فسار إليهم، فحذرهم باسم صلاح الدين؛ فلم يلتفتوا إليه، بل أمروا بسجنه واعتقاله، فأبطأ الجواب على السلطان؛ فبعث إليهم كتابًا يلومهم فيه على ما هم فيه من الاختلاف وعدم الائتلاف.. وذكرهم بأيامه وأيام أبيه وعمه في خدمة نور الدين في المواقف المحمودة التي يشهد بها أهل الدين، ثم سار إلى حلب فنزل على جبل جوشن"([6]) .







"وهنا نزغ الشيطان الإنسي في قبل ابن الملك نور الدين محمود أن يحرض أهل حلب على قتال صلاح الدين وذلك بإشارة من الأمراء المقدمين، فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته، على كل أحد، وشرط عليه الروافض منهم أن يعاد الآذان بحي على خير العمل. وأن يذكر في الأسواق، وأن يكون لهم في الجامع الجانب الشرقي، وأن يذكر أسماء الأئمة الاثنى عشر بين يدي الجنائز، وأن يكبروا على الجنازة خمسًا، وأن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف بن أبي المكارم حمزة الحسيني، فأجيبوا إلى ذلك كله، فأذن بالجامع وسائر البلد بحي على خير العمل وعجز أهالي البلد عن مقاومة الناصر، وأعملوا في كيده كل خاطر؛ فأرسلوا أولاًً إلى شيبان صاحب الحسبة، فأرسل نفرًا من أصحابه إلى الناصر ليقتلوه؛ فلم يظفر منه بشيء؛ بل قتلوا بعض الأمراء ثم ظهر عليهم فقتلوا عن آخرهم فراسلوا عند ذلك القومص صاحب طرابلس الفرنجي ووعدوه بأموال جزيلة إن هو رحل عنهم الناصر وكان هذا القومص قد أسره نور الدين وهو معتقل عنده مدة عشر سنين، ثم افتدى نفسه.. وكان لا ينساها لنور الدين.."([7]) .







" وفي سنة 571هـ في رابع عشر ذي الحجة، وثب عدة من الإسماعيلية على السلطان صلاح الدين فظفر بهم بعدما جرحوا عدة أمراء والخواص.."([8]).







وفي سنة 573هـ لما خرج السلطان صلاح الدين من القاهرة لجهاد الفرنجة فتوجه إلى عسقلان فسبي وغنم وقتل وأسر، ومضى إلى الرملة وأشرف عليهم الفرنج، وقدمهم البرنس أرناط صاحب الكرك في جموع كثيرة فانهزم المسلمون وثبت السلطان في طائفة فقاتل قتالاً شديدًا، واستشهد جماعة وأخذ الفرنج أثقال المسلمين، فمر بهم في مسيرهم إلى القاهرة من العناء ما لا يوصف ومات منهم، ومن داوبهم كثير، وأسر الفرنج جماعة منهم الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري، ودخل السلطان إلى القاهرة فحلف لا تضرب له نوبة حتى يكسر الفرنج وقطع أخباز جماعة من الأكراد، من أجل أنهم كانوا السبب في هذه الكسرة([9]) .







"وفي سنة 584هـ ثار اثنا عشر رجلاً من الشيعة في الليل ينادون: يال علي! يال علي! وسلكوا الدروب وهم ينادون كذلك ظنًا منهم أن رعية البلد يلبون دعوتهم، ويقومون في إعادة الدولة الفاطمية فيخرجون من في الحبوس ويملكون البلد فلما لم يجبهم أحد تفرقوا"([10]) .







هذه بعض النماذج لخيانات الشيعة ومحاولاتهم الفتك بالملك الناصر – ناصر السنة – صلاح الدين رحمه الله، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.




([1]) السلوك لمعرفة دولة الملوك (1/53، 54).




([2]) قال د/ محمد مصطفى زيادة في تعليقه على السلوك: "وهذه الحملة البحرية كانت دليلاً للمؤمراة الثورية التي قام بتدبيرها عمارة اليمني، وقد تقدم أن المتآمرين كاتبوا الفرنج – ولم كن حاكم صقلية يعلم بما حاق بالمتآمرين، فبعث مراكبه حسب الاتفاق المبيت معهم (10/55).




([3]) السلوك لمعرفة دول الملوك (1/55/56).




([4]) المرجع السابق (1/57، 58).




([5]) البداية والنهاية (12/287، 288).




([6]) البداية والنهاية (12/288، 289).




([7]) البداية والنهاية (12/289). .




([8])السلوك لمعرفة دول الملوك (1/61).




([9]) المرجع السابق (1/64، 65) بتصرف.




([10]) المرجع السابق (1/101).

__________________

رد على محمد المختار الشنقيطي رسخ في الضمير السني أن الشيعة كل الشيعة حلفاء للعدو.




 وهذه الصورة التي رسخها ابن تيمية وغيره من علماء السنة الذين شاركوا في جهاد المغول لا تزال جزءاً من الذاكرة السنية - خصوصاً السلفية

رد على محمد المختار الشنقيطي رسخ في الضمير السني أن الشيعة كل الشيعة حلفاء للعدو. وهذه الصورة التي رسخها ابن تيمية وغيره من علماء السنة الذين شاركوا في جهاد المغول لا تزال جزءاً من الذاكرة السنية - خصوصاً السلفية




مادخل السلفيين التاريخ ذكر خيانة ابن العلقمي والطوسي و كاظم يزدي والسيستاني وتصريح مسؤلي ايران لولا ايران لماسقطت العراق و كابول




ان الصراع بين السنة والشيعة هو صراع بين الحق والباطل فالشيعة يرون اهل السنة كفار لاننا لانؤمن بولاية 12 امام

وان القرآن محرف واتهام الله بالجهل والبداء وتكفير الصحابة و اتهام امهات المؤمنين بالفاحشة

لقد دخل اهل السنة في حروب مع الدولة البويهية و الفاطمية و القرمطية و الصفوية

وهاهي ايران واذنابها الشيعة في العراق و لبنان واجرامها ممتد ضد اهل السنة

في العراق وسوريا ولبنان ويتم القتل والذبح للاطفال والنساء والشيوخ والرجال







الاختلاف بين السنة و الشيعة الاثناعشرية صراع بين الحق والباطل مداهنة أهل الباطل تجلب سخط الله




http://t.co/IgkeOd1obH


راي الامام ابوحامد الغزالي في الشيعة الرافضة هناك فرق بين الشيعة و الرافضة الذين يطعنون في الصحابة


http://t.co/ItotoG8FN8




أقوال الإمام مالك في الروافض


http://www.dd-sunnah.net/forum/showpost.php?p=1698089&postcount=13




ملف مختصر روايات و فتاوي الشيعة وقتل اهل السنة /


http://alakhabr.blogspot.com/2013/05/blog-post_26.html



في عقيدة الشيعة الاثناعشرية ان اهل السنة كفار لاننا لا نؤمن بولاية 12 امام /


http://alakhabr.blogspot.com/2013/05/12.html


الشيخ حازم الاعرجي في خطبته يستشهد بفتوى محمد صادق الصدر

لقتل اهل السنة

http://www.youtube.com/watch?v=2ZTwRWyX3E4


ًصبحي الطفيلي يقول ان حزب الله حرس حدود لإسرائيل

امين عام حزب الله السابق




http://alakhabr.blogspot.com/2013/05/blog-post_5665.html










العلاقة الصهيوشيعية بين ايران واسرائيل وعمالة مراجع الشيعة لاميركا




http://alakhabr.blogspot.com/2013/05/blog-post_1010.html










عمالة مراجع الشيعة الاثناعشرية لبريطانيا و اميركا و الصهونية وكما يقال شهد شاهد منهم




http://alakhabr.blogspot.com/2013/05/blog-post_1432.html







دلائل عمالة و خيانة مراجع الشيعة لبريطانيا و اميركا وعلى لسان الشيعة




http://edharalhaq.com/vb/showthread.php?t=31324







ملف دور السيستاني و مشايخ الاثناعشرية في السياسة الطائفية في العراق




http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=158847







التعاون الشيعي مع الصليبيين قديما و حديثا ردا على مغالطات محمد المختار الشنقيطي




http://alakhabr.blogspot.com/2013/05/blog-post_4926.html










تاريخ الحروب السنية الشيعية في التاريخ الي اليوم







http://alakhabr.blogspot.com/2013/05/blog-post_28.html













حزب الله هو حزب الشيطان وهذا هو الدليل




http://alakhabr.blogspot.com/2013/05/blog-post_6.html







جواب لماذا لا ندعم حزب الله هذه هي الاسباب




http://alakhabr.blogspot.com/2013/05/blog-post_2113.html







دعم ايران للنظام الاجرامي في سوريا




http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=149732

الدولة الفاطمية وخياناتها في محو السنة ونشر التشيع




الدولة الفاطمية وخياناتها




في محو السنة ونشر التشيع










لقد بذلت الدولة الفاطمية جهودًا خبيثة في محو السنة ونشر التشيع، وكانت خطتها المتبعة أنه في حال غياب الدولة توزع الدعاة سرًا ليقوموا بالدعوة إلى مذهب الإسماعيلية([1]) الشيعي، وفي حالة أن تكون لهم دولة فإنهم يجعلون الدين الرسمي للدولة هو المذهب الشيعي.
















وعندما بدأ الفاطميون دعوتهم في بلاد المغرب، وجدوا أن التشيع كان منتشرًا هناك، لأن دولة الأدارسة التي أقامها إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب سنة 172هـ هي في الأصل دولة علوية شيعية، فمن ثم أصبحت بلاد المغرب صالحة للدعوة الإسماعيلية، فانتشر التشيع واعتنقه كثير من البربر، حتى إن أكثر وزراء الأغالبة (في تونس) كانوا على المذهب الشيعي، وكان من أبرز الدعاة للفاطميين في تلك البلاد رجل يقال له أبو عبد الله الشيعي من بلاد اليمن، له من ضروب الحيل ما لا يحصى([2]) .













ولم يكتف أبو عبد الله الشيعي بنشر الدعوة للفاطميين في بلاد المغرب، بل أخذ يعمل على بسط نفوذهم في شمال إفريقية فوقعت في يده عدة مدن، وأعلن الفاطميون قيام دولتهم سنة 296هـ إثر انتصارهم على الأغالبة في موقعة الأربس([3]) .
















ورأى الفاطميون بعد أن أمتد نفوذهم في بلاد المغرب، أن هذه البلاد لا تصلح لتكون مركزًا لدولتهم، ففضلاً عن ضعف مواردها كان يسودها الاضطراب من حين لآخر، لذلك اتجهت أنظارهم إلى مصر لوفرة ثرواتها وقربها من بلاد المشرق الأمر الذي يجعلها صالحة لإقامة دولة مستقلة تنافس العباسيين([4]) .













وقد وجه الفاطميون أكثر من حملة للاستيلاء على مصر بدءًا من 301- وحتى 350هـ وفي سنة 358هـ عهد الخليفة الفاطمي إلى جوهر الصقلي كتابًا بالأمان وفيه:
















"... أن يظل المصريون على مذهبهم أي لا يلزمون بالتحول إلى المذهب الشيعي، وأن يجري الأذان والصلاة وصيام شهر رمضان وفطره والزكاة والحج والجهاد على ما ورد في كتاب الله ورسوله"([5]) .













ولم يكن كتاب جوهر لأهل مصر إلى مجرد مهادنة، وعندما وصل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة في سنة 362هـ ركز اهتمامه في تحويل المصريين إلى المذهب الشيعي، واتبعت الخلافة الفاطمية في ذاك عدة طرق منها: إسناد المناصب العليا وخاصة القضاء إلى الشيعيين، واتخاذ المساجد الكبيرة مراكز للدعاية الفاطمية، كالجامع الأزهر وجامع عمرو ومسجد أحمد بن طولون([6])، كذلك أمعن الشيعة الفاطميون في إظهارهم شعائرهم المخالفة لشعائر أهل السنة، الآذان بحي على خير العمل، والاحتفال بيوم العاشر من المحرم الذي قتل فيه الحسين بكربلاء([7]) .
















وكان الفاطميون لا يقتصرون في تهييج أهل السنة على إقامة الشعائر الشيعية بل كانوا يرغمون أهل السنة ويعتدون عليهم ليشاركوهم طقوسهم.













قال المقريزي:










"وفي العاشر من المحرم سنة 363هـ سار جماعة من المصريين الشيعيين والمغاربة في موكبهم ينوحون ويبكون على الحسين، وصاروا يعتدون على كل من لم يشاركهم في مظاهر الأسى والحزن مما أدى إلى تعطيل حركة الأسواق وقيام القلائل"([8]) .
















ولما آلت الخلافة إلى العزيز سنة 365هـ عني كأبيه المعز بنشر المذهب الشيعي وحتم على القضاة أن يصدروا أحكامهم وفق المذهب الشيعي كما قصر المناصب الهامة على الشيعيين، وأصبح لزامًا على الموظفين السنيين الذين تقلدوا بعض المناصب الصغيرة أن يسيروا طبقًا لأحكام المذهب الإسماعيلي، وإذا ما ثبت على أحدهم التقصير في مراعاتها عزل عن وظيفته، وكان ذلك مما دفع الكثيرين من الموظفين السنيين إلى اعتناق المذهب الفاطمي.([9])













ولما قبض الحاكم بأمر الله زمام الأمور عمد إلى إصدار كثير من الأوامر والقوانين المبنية على التعصب الشديد للمذهب الفاطمي، فأمر في سنة 395هـ بنقش سب الصحابة على جدران المساجد وفي الأسواق والشوارع والدروب وصدرت الأوامر إلى العمال في البلاد المصرية بمراعاة ذلك([10]) .
















ومن الأسماء الشيعية الشهيرة في العصر الفاطمي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر الذي كان يسمى بدر الجمالي، وكان مغاليًا في مذهب الشيعة فأظهر روح العداء والكراهة إزاء أهل السنة فجدد ما كان من أوامر بلعن الصحابة وإضافة عبارة حي على خير العمل للآذان – وغير ذلك([11]) .
















وبرغم ما فعلت الخلافة الفاطمية من محاولات للقضاء على أهل السنة ومذهبهم إلا أن المذهب السني ظل محتفظًا بقوته رغم تحول بعض المصريين إلى المذهب الفاطمي.
















ولم يؤثر أن الخلافة الفاطمية قامت بغزو أو عمليات عسكرية ضد الفرنجة لتوطيد أركان الإسلام، بل الثابت تاريخيًّا أنهم كانوا حربًا على أهل الإسلام سلمًا على أعدائه، فهم يضيقون الخناق على أهل السنة ويجيشون الجيوش لإرغامهم على التشيع، بينما هم مع الفرنجة سلم لهم، بل يستنجدون بهم على أهل السنة وغير ذلك.
















([1]) الإسماعيلية: وتسمى الإمامية الإسماعيلية، وهم الذين يقولون بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان أكبر أولاد أبيه جعفر. وهناك الإمامية الموسوية وهم الذين قالوا بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق وهم الاثنى عشرية. وكلا الأماميتين خبيث.




([2]) انظر: المقريزي/ اتعاظ الحنفا (ص75- 77).




([3]) حسن إبراهيم/ تاريخ الدولة الفاطمية (ص50، 51).




([4]) د/ جمال الدين سرور/ الدولة الفاطمية في مصر (ص59).




([5]) المقريزي: اتعاظ الحنفا (ص148).




([6]) القلقشندي / صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (3/483).




([7]) المقريزي : الخطط والآثار (1/389).




([8]) المقريزي : اتعاظ الحنفا (ص198).




([9]) المقريزي : الخطط والآثار (2/486).




([10]) ابن خلكان، وفيات الأعيان (2/166).




([11]) أبو المحاسن ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة (5/120) بتصرف.

__________________

إن الروافض شر من وطئ الحصى ــــــ من كل إنس ناطق أو جان

( أبو محمد الأندلسي القحطاني )




================

لفاطميون يمالئون الفرنجة ويكتبون إليهم:













ومن خيانات الفاطميين وتواطؤهم مع الفرنجة ما ذكره المقريزي في الخطط والآثار من أن صلاح الدين الأيوبي لما تولى وزارة العاضد الفاطمي – وكان قد ولاه لصغر سنه وضعفه كما ظن به – قوى نفوذه في مصر وأخذت سلطة العاضد في الضعف، حتى ثقلت وطأة صلاح الدين على أهل القصر الفاطمي، وتجلى استبداده بأمر الدولة وإضعاف الخلافة الفاطمية، حنق عليه رجال القصر ودبروا له المكائد، وقد أتفق رأيهم على مكاتبة الفرنجة ودعوتهم إلى مصر فإذا ما خرج صلاح الدين إلى لقائهم قبضوا على من بقي من أصحابه بالقاهرة، وانضموا إلى الفرنجة في محاربتهم والقضاء عليه.([1])













وفعلاً جاء الفرنجة إلى مصر وحاصروا دمياط في سنة 565هـ، وضيقوا على أهلها وقتلوا أمما كثيرة، جاءوا إليها من البر والبحر رجاء أن يملكوا الديار المصرية وخوفًا من استيلاء المسلمين على القدس، وأرسل إلى عمه نور الدين محمود بدمشق، يستنجده فأمده، وبعث صلاح الدين جيشًا بقيادة ابن أخيه وخاله شهاب الدين وأمدهما بالسلاح والذخائر، واضطروهم للبقاء في القاهرة خشية أن يقوم رجال القصر الفاطمي وجند السودان الناقمين بتدبير المؤامرات ضده.([2])













وكان من فضل الله أن رد كيد الفرنجة والشيعة الفاطميين الذين كاتبوهم ففشلت هذه الحملة، وانصرف الفرنجة عن دمياط، وذلك لما تسرب إليهم من قلق من جراء ما عانوه في سبيل تموين قواتهم، وكما وقع الخلاف بين قوادهم على الخطة التي يتبعونها في مهاجمة المدينة، فضلاً عن ذلك بلغهم أن نور الدين محمود قد غزا بلادهم وهاجم حصن الكرك وغيره من نواحيهم وقتل خلقًا من رجالهم، وسبي كثيرًا من نسائهم وأطفالهم وغنم من أموالهم.([3])













وهكذا دائمًا في كل خيانة يحدثونها يجعلون الأمة الإسلامية بين شقي الرحى، بين عدو خارجي وعدو داخلي، فاللهم انتقم من الخونة ولو كانوا من أهل السنة.




([1]) المقريزي: الخطط والآثار (2/2).




([2]) انظر ابن كثير : البداية والنهاية (12: 260).




([3]) البداية والنهاية (12/260)، حسن الحبشي/ نور الدين والصليبيون (ص147) وما بعدها.

============

ومن خيانات الفاطميين:
















أنه لما ضعفت دولتهم في أيام العاضد وصارت الأمور إلى الوزراء، وتنافس شاور وضرغام، فكر شاور في أن يثبت ملكه ويقوي نفوذه، فاستعان بنور الدين محمود؛ فأعانه ولما خلا له الجو لم يف له بما وعد، بل أرسل إلى أملريك ملك الفرنجة في بيت المقدس يستمده، ويخوفه من نور الدين محمود إن ملك الديار المصرية، فسارع إلى إجابة طلبه، وأرسل له حملة أرغمت نور الدين على العودة بجيشه إلى الشام، ولكن سرعان ما عاود نور الدين المحاولة في عام 562هـ، فاستنجد شاور بالفرنجة مرة ثانية وكاتبهم، وجاءت جيوشهم خشية أن يستولي نور الدين على مصر ويضمها إلى بلاد الشام فيهدد مركزهم في بيت المقدس.
















ولما وصلت عساكر الفرنجة إلى مصر انضمت جيوش شاور والمصريين إليها والتقت بجيوش نور الدين بمكان يعرف بالبابين (قرب إلمنيا) فكان النصر حليف عسكر نور الدين محمود، ثم سار بعدها إلى الإسكندرية، وكانت الجيوش الصليبية تحاصرها من البحر وجيوش شارو وفرنجة بيت المقدس من البر، ولم يكن لدى صلاح الدين – القائد من قبل نور الدين – من الجند ما يمكنه من رفع الحصار عنها، فاستنجد بأسد الدين شيركوه فسارع إلى نجدته، ولم يلبث الفرنجة وشيعة شاور إلى أن طلبوا الصلح من صلاح الدين فأجابهم إليه شريطة ألا يقيم الفرنجة في البلاد المصرية.
















غير أن الفرنجة لم تغادر مصر عملاً بهذا الصلح بل عقدت مع شاور معاهدة كان من أهم شروطها كما يقول ابن واصل:
















"أن يكون لهم بالقاهرة شحنة صليبية – أي حامية – وتكون أبوابها بيد فرسانهم ليمتنع نور الدين محمود عن إنفاذ عسكره إليهم. وكما اتفق الطرفان على أن يكون للصليبيين مائة ألف دينار سنويًّا من دخل مصر"([1]) .
















وما أن ذهب الفرنجة في هذا العام حتى عادوا مرة أخرى عام 564هـ.

قال ابن كثير فيها: طغت الفرنج بالديار المصرية وذلك أنهم جعلوا شاور شحنة لهم بها، وتحكموا في أموالها ومساكنها أفواجًا أفواجًا، ولم يبق شيء من أن يستحوذوا عليها ويخرجوا منها أهلها من المسلمين وقد سكنها أكثر شجعانهم فلما سمع الفرنج بذلك أتوا من كل فج وناحية في صحبة ملك عسقلان في جحافل هائلة، فأول ما أخذوا مدينة بلبيس وقتلوا من أهلها خلقًا وأسروا آخرين ونزلوا بها وتركوا أثقالهم موئلاً لهم، ثم تحركوا نحو القاهرة.. فأمر الوزير شاور رجاله بإشعال النار فيها على أن يخرج منها أهلها؛ فهلكت للناس أموال كثيرة، وأنفس، وشاعت الفوضى، واستمرت النيران أربعة وخمسين يومًا، عندئذ بعث العاضد الفاطمي إلى نور الدين بشعور نسائه يقول: أدركني واستنقذ نسائي من الفرنج، والتزم له بثلث خراج مصر، فشرع نور الدين في تجهيز الجيوش لتسييرها إلى مصر، فلما أحس شاور بوصول جيوش نور الدين، أرسل إلى ملك الفرنج يقول: قد عرفت محبتي ومودتي لكم، ولكن العاضد لا يوافقني على تسليم البلد، فاعتذر لهم وصالحهم على ألف ألف دينار وعجل لهم من ذلك ثمانمائة ألف ليرجعوا؛ فانتشروا راجعين خوفًا من عساكر نور الدين وطمعًا في العودة إليها مرة أخرى، وشرع شاور في مطالبة الناس بالذهب الذي صالح به الفرنج وتحصيله وضيق على الناس..([2]) .













أفرأيت كل هذه المحن التي جلبتها خيانات الرافضة الخبيثة، تستدعي الفرنجة وتقيم لها حاميات، وتنهب أموال البلاد وخيراتها، وتفتك بأعراضها، وتحرق وتدمر وتخرب، وتشترط لنفسها جزء من دخل البلاد.
















أليس هذا يشبه إلى حد كبير خياناتهم في العراق، في المرة الأخيرة، كاتبوا الأمريكيين، قاتلوا في صفوفهم، أقاموا قواعدهم، قووا مراكزهم، ونهبوا خيرات البلاد، فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم انتقم من الخونة ولو كانوا من أهل السنة.




ومن خيانات الفاطميين:
















ما حدث في سنة 562هـ لما أقبلت جحافل الفرنج إلى الديار المصرية وبلغ ذلك أسد الدين شيركوه فاستأذن الملك نور الدين محمود في الذهاب إليها – وكان كثير الحنق على الوزير شاور الفاطمي – فأذن له فسار ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب..













ولما بلغ الوزير شاور قدوم أسد الدين والجيش معه بعث إلى الفرنج فجاؤا من كل فج إليه، وبلغ أسد الدين ذلك من شأنهم وأن معهم ألف فارس، فاستشار من معه من الأمراء فكلهم أشار عليه بالرجوع إلى نور الدين إلا أميرًا واحدًا يقال له شرف الدين برغش فإنه قال من خاف القتل والأسر فليقعد في بيته عند زوجته، ومن أكل أموال الناس فلا يسلم بلادهم على العدو، وقال مثل ذلك ابن أخيه صلاح الدين، فعزم الله لهم فساروا نحو الفرنج فاقتتلوا قتالاً عظيمًا، فقتلوا من الفرنج مقتلة عظيمة وهزموهم.. ولله الحمد([3]) .






















التعاون مع الفرنجة لانتزاع الإسكندرية من يد صلاح الدين:










إن أسد الدين شيركوه لما كان قد أظفره الله بالفرنجة في الوقعة السابقة بمصر برغم خيانة الخونة، رأى أن يفتح الإسكندرية، ففتحها واستناب عليها ابن أخيه صلاح الدين، ثم توجه إلى الصعيد فملكه، وعندئذ اتفق الفاطميون مع الفرنجة على حصار الإسكندرية لانتزاعها من يد صلاح الدين في أثناء غياب أسد الدين شيركوه، فامتنع فيها صلاح الدين أشد الامتناع، ولكن ضاقت عليهم الأقوات والحال جدًّا فسار إليهم أسد الدين شيركوه فصالحه الوزير شاور عن الإسكندرية بخمسين ألف دينار، فأجابه إلى ذلك وخرج منها وسلمها للمصريين ثم عاد إلى الشام، وقرر شاور للفرنجة على مصر في كل سنة مائة ألف دينار وأن يكون لهم شحنة بالقاهرة([4]) .
















خيانة الطواشي مؤتمن الخلافة الفاطمية بمصر:







لما كانت الفرنجة قد طغت بالديار المصرية عندما جعل لهم الوزير الفاطمي شاور شحنة بالقاهرة، وتحكموا في البلاد والعباد، حتى استنجد الخليفة الفاطمي العاضد بنور الدين محمود أن ينقذه ونساءه من أيدي الفرنجة – وكان الفاطميون هم الدين مكنوا لهم([5]) – وكاتب شاور الفرنجة وصالحهم على مال جزيل، ثم جاءت جيوش نور الدين بقيادة أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين واستقر لهم ملك الديار المصرية.
















وهنا قام الطواشي مؤتمن الخلافة الفاطمية بالكتابة من دار الخلافة بمصر إلى الفرنجة ليقدموا إلى الديار المصرية ليخرجوا منها الجيوش الإسلامية الشامية ولكن حامل الكتاب لقيه في الطريق من أنكر حاله، فحمله إلى صلاح الدين فقرره، فأخرج الكتاب وانكشفت المؤامرة، فأمر بقتل الطواشي، فثار له خدم القصر من السودان، فكانوا نحو خمسين ألفا، وقاتلوا جيش صلاح الدين بين القصرين فهزمهم صلاح الدين وأخرجهم من القاهرة وقتل منهم خلقا([6]) .













بين المعز الفاطمي والإمام أبو بكر النابلسي([7]) :







إن الشيعة برغم ما يتظاهر به بعض ولاتهم وحكامهم من الورع والصلاح وإنصاف المظلوم...







إلا أنهم في كثير من الأحيان ما تنكشف الحقائق عن مخادع كاذب لا يرقب في المؤمنين إلا ولا ذمة.










وأشد ما تكون هذه النكاية بالعلماء من أهل السنة.







قال ابن كثير – رحمه الله – في ترجمة المعز الفاطمي:










".. كان يدعي إنصاف المظلوم من الظالم، ويفتخر بنسبه وأن الله رحم الأمة بهم، وهو مع ذلك متلبس بالرفض ظاهرًا وباطنًا، كما قال القاضي الباقلاني: إن مذهبهم الكفر المحض، واعتقادهم الرفض، وكذلك أهل دولته ومن أطاعه ونصره ووالاه قبحهم الله وإياه.







وقد أحضر بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك التقي أبوبكر النابلسي، فقال له المعز بلغني عنك أنك قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت المصريين – أي الفاطميين – بسهم؟







فقال النابلسي: ما قلت هذا، فظن أنه رجع عن قوله، فقال له كيف قلت؟ قال قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر، قال: ولم؟ قال: لأنكم غيرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وأطفأتم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم.










فأمر بإشهاره في أول يوم، ثم ضرب في الثاني بالسياط ضربًا شديدًا مبرحًا، ثم أمر بسلخه - وهو حي – وفي اليوم الثالث، فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن، قال اليهودي فأخذتني رقة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات. رحمه الله فكان يقال له الشهيد، وإليه ينسب بنو الشهيد من نابلس إلى اليوم"([8]) .







فما أكرم الثبات على الحق، وما أجمل العيش على السنة والموت عليها ولو أن يسلخ الجلد عن اللحم، ونحن لا نعجب مما فعل هذا الرافضي الخبيث قبحه الله، فمجرد أن يكون اسم النابلسي أبوبكر فهذا كاف في إثارة حفيظة هذا الرافضي الخبيث، فهو يكره أبوبكر ومن يحب أبا بكرt.
















تأملات وعبر وتقريرات حول نهاية الدولة الفاطمية:







إن من سنة الله في الخلق دفع الناس بعضهم ببعض، ولولا ذلك لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين.










فالدولة الفاطمية ملكت 280سنة وكسرا، ولكنهم صاروا كأمس الذاهب كأن لم يغنوا فيها، وكان أول من ملك منهم المهدي، وكان من سلمية حدادًا اسمه عبيد وكان يهوديًّا فدخل بلاد المغرب وتسمى بعبد الله وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وقال عن نفسه إنه المهدي...










وآخر خلفائهم العاضد بن يوسف بن المستنصر بن الحاكم، قال عنه ابن كثير: " كانت سيرته مذمومة، وكان شيعيًّا خبيثًا، لو أمكنه قتل كل من قدر عليه من أهل السنة.." .










ولما توفي وزال ملك الفاطميين استبشر الناس وانشد العماد الكاتب:







توفي العاضد الدعي فما ‍

وعصر فرعونها انقضى وغدا ‍

قد طفئت جمرة الغواة وقد داخ ‍

وصار شمل الصلاح ملتئما ‍

لما غدا مشعر شار بني الـ ‍

وبات داعي التوحيد منتظرا ‍

وارتكس الجاهلون في ظلم ‍

وعاد بالمستضيء معتليا ‍

أعيدت الدولة التي اضطهدت ‍

واهتز عطف الإسلام من جلل ‍

واستبشرت أوجه الهدى فرحا ‍







يفتح ذو بدعة بمصر فما

يوسفها في الأمور متحكما

من الشرك كل ما اضطرما

بها وعقد السداد منتظما

عباس حقا والباطل اكتتما

ومن دعاة الشرك منتقما

لما أضاءت منابر العلما

بناء حق بعد ما كان منهدما

وانتصر الدين بعدما اهتضما

وافتر ثغر الإسلام وابتسما

فليقرع الكفر سنته ندما([9])







"وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء وأكثرهم مالا، وكانوا من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بأكمله، حتى أخذوا القدس ونابلس، وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك الشوبك وطبرية وبانياس وصور وعكا وصيدا وبيروت وصفد وطرابلس وأنطاكية، وجميع ما والي ذلك إلى بلاد إياس وسيس واستحوذوا على بلاد آمد والرها ورأس العين... وبلاد شتى، وقتلوا من المسلمين خلقًا وأمما لا يحصيهم إلا الله، وسبوا ذراري المسلمين من النساء والولدان مما لا يحد ولا يوصف وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها، وصارت دار إسلام، وأخذوا من أموال المسلمين ما لا يحد ولا يوصف...







وحين زالت أيامهم – يعني الفاطميين – وانتقض إبرامهم أعاد الله عز وجل هذه البلاد كلها إلى المسلمين بحوله وقوته وجوده ورحمته"([10]) .
















وهكذا كل خائن لا يؤسف على هلاكه، ولا يحزن لفواته، بل هلاكه راحة للعباد وزواله أمان للبلاد.
















وقد صنف غير واحد من الأئمة القدامى في الطعن في نسب الفاطميين وأنهم أدعياء كذبة، لا ينتمون إلى آل البيت، ولا بأدنى صلة، وإنما كانوا ينسبون إلى عبيد وكان اسمه سعيدًا، وكان يهوديًّا حدادا بسلمية بالمغرب.
















وقد أفرد أبو شامة المؤرخ صاحب الروضتين كتابًا سماه "كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد" وكتب الإمام الباقلاني كتابًا سماه "كشف الأسرار وهتك الأستار"، بين فيه فضائحهم وقبائحهم، ومما قاله الباقلاني عنهم: "هم قوم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض"([11]) .
















وما أحسن ما قاله بعض الشعراء يمدح بني أيوب على ما فعلوه من إزالة الحكم الفاطمي من مصر:













أبدتم من بلى دولة الكفر من ‍

زنادقة شيعة باطنية مجوس يسرون ‍

كفرا يظهرون تشيعا ‍







بني عبيد بمصر إن هذا هو الفضل

وما في الصالحين لهم أصل

ليستروا سابور عمهم الجهل([12])
















فلله الحمد والمنة أن تحولت الديار المصرية من ديار الشيعة إلى ديار السنة، وأسكن الله صلاح الدين ورجاله بما مهدوا للسنة أعلى درجات الجنة، وحفظ الله مصر من الرفض الخبيث، وجعلها مهدًا للسنة والحديث، وأزال عنها كل غمة، وقيض من رجالها لدينه أعلى الرجال همة.













([1]) ابن واصل/ مفرج الكروب بني في أخبار بني أيوب (ص152).




([2]) البداية والنهاية 12/255.




([3]) البداية والنهاية (12/252).




([4]) البداية والنهاية (12/252، 253).




([5]) وهنا يصدق فيهم قول القائل "كم من كلب عض يد صاحبه" و " إن الله لينتقم بالظالم من الظالم ثم يهلكهم جميعًا" .




([6]) البداية والنهاية (12/257، 258).




([7]) هو أحد أئمة أهل السنة الأثبات وهو من أهل نابلس.




([8]) البداية والنهاية (11/284).




([9]) البداية والنهاية (12/265).




([10]) المرجع السابق(12/267).




([11]) المرجع السابق (11/346).




([12]) المرجع السابق ( 12/268).

__________________

إن الروافض شر من وطئ الحصى ــــــ من كل إنس ناطق أو جان

( أبو محمد الأندلسي القحطاني )

خيانات الشيعة لدولة السلاجقة السنية ومعاونة الصليبيين عليها










خيانات الشيعة لدولة السلاجقة السنية ومعاونة الصليبيين

عليها

لما زالت دولة بني بويه (الشيعية) وبادت، جاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلاجقة الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم، ويرفعون قدرهم. والله المحمود أبدًا على طول المدى([1]) وقاموا بنصرة السنة، وإخماد الرفض وأهله، ولكن هذه الدولة السنية لم تسلم من خيانات الشيعة وغدرهم.




ففي سنة 450هـ جاء البساسيري الرافض الخبيث بجيوش إلى بغداد مقر السلطان السلجوقي طغرلبك – وكان غائبًا عنها – ومعه الرايات البيض المصرية، وعلى رأسه أعلام مكتوب عليها اسم المستنصر بالله الفاطمي، فتلقاه أهل الكرخ الرافضة، وسألوه أن يجتاز من عندهم، فدخل الكرخ وخرج إلى مشرعة الزوايا فخيم بها والناس إذ ذاك في مجاعة شديدة.. ونهب أهل الكرخ الروافض دور أهل السنة بالبصرة وتملك أكثر السجلات والكتب الحكمية، بعد ما نهب دار قاضي القضاة الدامغاني، وبيعت للعطارين، وأعادت الروافض الآذان بحي على خير العمل في نواحي بغداد، وخطب ببغداد للمستنصر بالله العبيدي، وضربت له السكة وحوصرت دار الخلافة، ثم نهبت والروافض في غاية السرور.. وانتقم البساسيري من أعيان أهل السنة ببغداد فأخذ الوزير ابن المسلمة الملقب برئيس الرؤساء وعليه جبة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة، وأركب جملاً أحمر وطيف به البلد وخلفه من يصفعه بقطعة من جلد، وحين مر على الكرخ – دور الرافضة – نثروا عليه خلقان المداسات، وبصقوا في وجهه، ولعنوه وسبوه.. ثم لما فرغوا من التطوف به جيء به إلى المعسكر؛ فألبس جلد ثور بقرنيه وعلق بكلوب في شدقيه، ورفع إلى الخشبة فجعل يضرب إلى آخر النهار؛ فمات رحمه الله وكان آخر كلامه "الحمد الله الذي أحياني سعيدًا، وأماتني شهيدًا"([2]) .




وقد أصبحت بلاد الشام مسرحًا للمنازعات بين السلاجقة "الذين هم من أهل السنة" والفاطميين "الشيعة" مما أدى إلى تفكك وحدة المسلمين ومهد الطريق أمام الصليبين لغزو بلاد الشام في يسر وسهولة، حيث وصلوا إلى أطرافها في سنة 490هـ.




وتبرز هنا خيانات الفاطميين فقد أرسل بدر الجمالي وزير المستعلي – الفاطمي الشيعي – سنة 490هـ سفارة من قبله إلى قادة الحملة الصليبية الأولى تحمل عرضًا خلاصته أن يتعاون الطرفان للقضاء على السلاجقة في بلاد الشام، وأن تقسم البلاد بينهما بحيث يكون القسم الشمالي من الشام للصليبيين في حين يحتفظ الفاطميون بفلسطين.




ولما كان هدف الصليبيين هو السيطرة على بيت المقدس فقد كان ردهم غامضًا واكتفوا ببث شعور الطمأنينة في نفوس الفاطميين واكتشفوا بذلك ضعف المسلمين وتفككهم.

ولما قام الأمير "كربوق" صاحب الموصل – من قبل السلاجقة بتجهيز قوة لمنع سقوط أنطاكية بيد الصليبيين وقف الفاطميون موقف المتفرج، ولم يكتفوا بذلك بل استغلوا هذه الفرصة فسيروا جيشًا إلى بيت المقدس الذي كان بيد السلاجقة وحاصروه، ونصبوا عليه أكثر من أربعين منجنيقًا حتى تهدمت أسواره وسيطروا عليه([3]).




واستغل زعماء الشيعة الإسماعيلية الخلاف بين بعض السلاطين السلاجقة في نحو سنة 488هـ، وتقربوا من رضوان بن تاج الدولة تتش الذي كان على بلاد الشام، وحصلوا عنده على مكانة مرموقة فتشيع لآرائهم، ولم يعبأ بما أحرزه الصليبيون من انتصارات واستيلاء على بعض بلاد الإسلام في آسيا الصغرى([4]) فقد استولوا على أنطاكية سنة 491هـ ثم سيطروا على المعرة عام 492هـ ثم واصلوا سيرهم إلى جبل لبنان؛ فقتلوا من به من المسلمين، ثم نزلوا إلى حمص فهادنهم صاحبها على مال يدفعه.




قال ابن كثير رحمه الله:

"في جمادى الأولى سنة 491هـ ملك الفرنجة أنطاكية بعد حصار شديد بمواطأة بعض المستحفظين على الأبراج وهرب صاحبها.. ولما بلغ الخبر الأمير كربوق صاحب الموصل جمع عساكر كثيرة واجتمع عليه دقاق صاحب دمشق وجناح الدولة صاحب حمص وغيرهما، وسار إلى الفرنج فالتقوا معهم بأرض أنطاكية فهزمهم الفرنج، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأخذوا منهم أموالاً جزيلة.. ثم صارت الفرنج إلى معرة النعمان؛ فأخذوها بعد حصار ولا حول ولا قوة إلا بالله"([5]) .







ضياع بيت المقدس بسبب خيانات الشيعة:

"وفي سنة 492هـ أخذت الفرنج بيت المقدس ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل؛ وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار؛ وعلوا ما علوا تتبيرًا، .. وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق مستغثين على الفرنج إلى الخليفة والسلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه.. وخرج أعيان الفقهاء يحرضون الناس والملوك على الجهاد فلم يفد ذلك شيئًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون"([6]) .







وأنشد بعضهم يصور الموقف المهين:

مزجنا دمانا بالدموع السواجم وشر سلاح المرء دمع يريقه فأيها بني الإسلام إن وراءكم وكيف تنام العين ملء جفونه وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم تسومهم الروم الهوان وأنتــم

فلم يبق منا عرضة للمراجم

إذا الحرب شيت نارها بالصوارم

وقائع يلحقن الذي بالمناصم

على هفوات أيقظت كل نائم

ظهور المذاكي أو بطون القشاعم

تجرون ذيل الخفض فعل المسالم

ومنها قوله:

وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة ‍

وتلك حروب من يغيب عن غمارها ‍

سللن بأيدي المشركين قواضبا ‍

أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا ‍

ويجتنبون النار خوفًا من الردى ‍

أيرضى صناديد الأعاريب بالأذى ‍

فليتهموا إذ لم يذودوا حمية ‍

وإن زهدوا في الأجر إذ حمس الوغى ‍







تظل لها الوالدان شيب القوادم

ليسلم يقرع بعدها هاش نادم

ستغمد منهم في الكلي والجماجم

رماحهم والدين واهي الدعائم

ولا يحسبون العار ضربة لازم

ويغضي على ذل كماة الأعاجم

عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم

فهلا أتوه رغبة في المغانم([7])




ومن أجل أن تعلم أن ضياع بيت المقدس كانت نتيجة لخيانات الشيعة وما يحدثونه من قلاقل واضطراب يحول دون استتباب الأمور؛ اسمع ما يقوله ابن كثير رحمه الله تعالى:

في سنة 494هـ عظم خطب الباطنية – الشيعة – بأصبهان نواحيها فقتل السلطان منهم خلقًا كثيرًا وأبيحت ديارهم للعامة، ونودي فيهم أن كل من قدرتم عليه فاقتلوه وخذوا ماله، وكان قد استحوذوا على قلاع كثيرة، وأول قلعة ملكوها في سنة 483هـ، وكان الذي ملكها الحسن بن صباح أحد دعاتهم.. كان يذكر في دعوته أشياء من أخبار أهل البيت وأقاويل الرافضة الضلال، وأنهم ظلموا ومنعوا حقهم الذي أوجبه الله لهم ورسوله، ثم يقول فإذا كانت الخوارج تقاتل بني أمية لعلي، فأنت أحق أن تقاتل في نصرة إمامك علي بن أبي طالب.. وقد تهدده قبل ذلك السلطان ملكشاه، وأرسل إليه بفتاوى العلماء في أمره؛ فلما قرأ الكتاب بحضرة رسول السلطان قال لمن حوله من الشباب: إني أريد أن أرسل منكم رسولاً إلى مولاه فاشرأبت وجوه الحاضرين، ثم قال لشاب منهم: اقتل نفسك؛ فأخرج سكينًا فقتل نفسه، وقال لآخر منهم ألق نفسك من هذا الموضع فرمى نفسه من رأس القلعة إلى أسفل؛ فتقطع ثم قال لرسول السلطان هذا هو الجواب"([8]) .







"يعني أنه في قوم شديدو البأس والنكاية مع طاعتهم له أشد الطاعة، وفي سنة 500هـ حاصر السلطان محمد بن ملكشاه قلاعًا كثيرة من حصون الباطنية فافتتح منها أماكن كثيرة، وقتل منهم خلقًا، واشتد القتال معهم في قلعة حصينة في رأس جبل منيع بأصبهان كان قد بناها السلطان ملكشاه ثم استحوذ عليها رجل من الباطنية يقال له أحمد بن عبد الله بن عطاء، فتعب المسلمون بسبب ذلك، فحاصرها ابنه السلطان محمد سنة حتى افتتحها وسلخ هذا الرجل وحشى جلده تبنًا وقطع رأسه وطاف به في الأقاليم"([9]) .







حصار قلعة من قلاع الباطنية يستهلك من جهد المسلمين سنة كاملة والمسجد الأقصى أسير في أيدي الفرنجة؟ إنهم كالخنجر في الظهر.







وفي نفس السنة سعى رضوان الذي تشيع لآراء الإسماعيلية إلى التصدي لزعيم سلاجقة الروم (قلج أرسلان) وهزمه وهو يحاول قتال الصليبيين حول الرها، ولم يكتف بهذا بل انضم إلى الصليبيين ضد الأمير جاولي صاحب حلب سنة 501هـ.







ولم يقدر الصليبيون هذا الموقف من رضوان بل حاصروا حلب سنة 504هـ وضيقوا على أهلها حتى أكلوا الميتات وورق الشجر، وفرضوا على رضوان مبلغًا كبيرًا يحمله إليهم([10]) .







حتى أنه إذا حدث وحقق سلاطين المسلمين – من أهل السنة – نصرًا على الفرنجة؛ فإن هذا النصر كان يحزن الشيعة لأنهم يرون فيه قوة لجناب السنة وإلى ذاكرة التاريخ نضرب مثالاً على ذلك:







قال أبو الفدا رحمه الله تعالى:

"وفي سنة 505هـ بعث السلطان غياث الدين بن محمد بن ملكشاه السلجوقي جيشًا كثيفًا صحبه الأمير مودود بن زنكي صاحب الموصل في جملة أمراء ونواب منهم صاحب تبريز وصاحب مراغة، وصاحب ماردين، وعلى الجميع مودود صاحب الموصل لقتال الفرنجة بالشام؛ فانتزعوا من الفرنجة حصونًا كثيرة، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا ولله الحمد، ولما دخلوا دمشق دخل الأمير مودود إلى جامعها ليصلي فيه فجاءه باطني في زي سائل فطلب منه شيئًا فأعطاه فلما اقترب منه ضربه في فؤاده فمات في ساعته، ووجد رجل أعمى في سطح الجامع ببغداد معه سكين مسموم فقيل إنه كان يريد قتل الخليفة.."([11]) .







خيانات الشيعة للسلطان جلال الدين بن خوارزم شاه:

كان جلال الدين بن خوارزم شاه من أكبر السلاطين السلاجقة وكان على مذهب السنة.







قال ابن كثير في أحداث سنة 624هـ:

"فيها كانت عامة أهل تفليس الكرج، فجاؤا إليهم فدخلوها فقتلوا العامة والخاصة ونهبوا سبوا وخربوا وأحرقوا، وخرجوا على حمية، وبلغ ذلك السلطان جلال الدين فسافر سريعًا ليدركهم فلم يدركهم، وفيها قتلت الإسماعيلية أميرًا كبيرًا من نواب جلال الدين بن خوارزم شاه، فسار إلى بلادهم فقتل منهم خلقًا كثيرًا وخرب مدينتهم وسبي زراريهم ونهب أمواهم، وقد كانوا قبحهم الله من أكبر العون على المسلمين لما قدم التتار إلى الناس وكانوا أضر على الناس منهم"([12]) .







خيانة البدر لؤلؤ الشيعي صاحب الموصل في أواخر سنة 656هـ:

كان بدر الدين لؤلؤ هذا أرمينيا اشتراه رجل خياط، ثم صار إلى الملك نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود الأتاباكي صاحب الموصل وكان مليح الصورة فحظى عنده وتقدم في دولته إلى أن صارت الكلمة دائرة عليه، والوفود من سائر جهات ملكهم إليه، ثم إنه قتل أولاد أستاذه واحدًا بعد واحد إلى أن لم يبقى أحد منهم؛ وصفت له الأمور فاستقل هو بالملك وكان في كل سنة يبعث إلى مشهد علي قنديلاً من ذهب زنته ألف دينار، وهذا دليل على تشيعه، وكان ذا همة عالية شديد الدهاء والمكر بعيد الغور.

ثم إنه لما انفصل هولاكو عن بغداد بعد الوقعة الفظيعة سار بدر الدين لؤلؤ لخدمته وطاعته وحمل معه الهدايا والتحف([13]) " .

وما هذا إلا خيانة لأمانة الجهاد العظمى.







وبعد: فهذه بعض نماذج لخيانات الشيعة للدولة السلجوقية، وإضعاف جانبها لأنها كانت على مذهب أهل السنة، نرى فيها الدروس والعبر، ليعتبر من اغتر بحال الروافض وهو يدرس التاريخ لا يعرف شيئًا من مذاهب الدول ونحل الأمم، ولا يفرق بين من هدم الإسلام وسعى في تقويض أركانه وبين من نصره فأعلاه وشيد أركانه.







([1]) ابن كثير: البداية والنهاية (12/ 68، 69).




([2]) البداية والنهاية (12/76- 79) بتصرف وإيجاز.




([3]) د/ أنس أحمد كرزون: نور الدين محمود زنكي القائد المجاهد (9-11) بتصرف – دار ابن حزم – بيروت 1995م.




([4]) انظر: مسفر الغامدي : الجهاد ضد الصليبيين (ص51) نقلاً عن زبدة الحلب (2/145).




([5]) البداية والنهاية (12/155).




([6]) البداية والنهاية 12/156.




([7]) الأبيات كلها: من البداية والنهاية (12/156،157).




([8]) البداية والنهاية (12/166، 167) بتصرف.




([9]) البداية والنهاية (12/166، 167) بتصرف.




([10]) مسفر الغامدي: الجهاد ضد الصليبيين (ص45) نقلاً عن زبدة الحلب (2/153).




([11])البداية والنهاية (12/173).




([12])البداية والنهاية (13/173).




([13]) البداية والنهاية (13/214) بتصرف.

__________________

إن الروافض شر من وطئ الحصى ــــــ من كل إنس ناطق أو جان

( أبو محمد الأندلسي القحطاني )

كيف تحرر الأقصى على يد صلاح الدين




بسم الله الرحمن الرحيم


كيف تحرر الأقصى على يد صلاح الدين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ولا عدوان إلا على الظالمين وبعد :

لقد مرّت بنا هذه الأيام ذكرى تحرير المسجد الأقصى المبارك على يد صلاح الدين من الصليبيين الملاعين الذين دنسوه عام 492هـ . واستطاع صلاح الدين أن يحرره بعد 91 عاما وذلك في عام 583هـ . مرت هذه الذكرى وأرض الأقصى تحت احتلال جديد هذه المرة على يد اليهود لعنهم الله .

وتشهد أرض فلسطين انتفاضة مباركة إن شاء الله سميت بانتفاضة الأقصى المبارك ومساهمة في دفع العدوان عن هذا المسجد وتخليدا لذكرى هذا البطل المجاهد أحاول أن أبيّن الجهود العظيمة والخطوات المهمة التي أثمرت بإذن الله استعادة الأقصى للمسلمين أول مرة ليعود إن شاء الله هذه المرة :




أولا : استعادة بيت المقدس كانت ثمرة جهود متعددة ولأجيال متلاحقة : يقول الأستاذ وليد نويهض: ( لم تأت إذن انتصارات صلاح الدين من فراغ ولم تكن النتائج العسكرية التي حققها من دون مقدمات سياسية وتنظيمية وإدارية وإصلاحية وإحيائية امتدت على أكثر من قرن إلى أن بدأ قطف ثمارها في عهدي عماد الدين زنكي ونور الدين محمود زنكي الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للتحولات الكبرى التي شهدتها بلاد الشام ثم مصر ) . (1)

ويقول : ( فالتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة في نهاية القرن السادس الهجري سبقتها حركات إصلاحية تمثلت في مسألتين : إحياء علوم الدين واسترداد الدولة ( الخلافة العباسية ) مواقعها ونتج عن المسألتين والجهود التأسيسية التي قام بها الجيل الإصلاحي الأول من العلماء والفقهاء إطلاق حركة سياسية – دينية على رغم حالات الإرباك والإحباط التي واجهته لحظة بدء حملات الفرنجة الأولى فبـــين مرحـلة التأسيس (640هـ) وإلغاء الدولة الفاطمية في مصر وإعادة توحيد مصر والشام (567هـ) أكثر من قرن شهدت خلاله المنطقة حالات من الصعود والهبوط والهجوم والهجوم المضاد إلى أن أخذت تستقر الأمور في مطلع القرن الهجري السادس .

فالجيل الأول أسس لظهور الجيل الثاني ( ولد نور الدين محمود 511 هـ ) ومهد الجيل الثاني طريق تحرير القدس للجيل الثالث ( ولد صلاح الدين 532هـ ) واحتاجت الحركة الإصلاحية – الإحيائية مئة سنة لتثمر النتائج السياسية التي أدت إليها وتصد هجمات الإفرنج وتبدأ بهزيمتهم ) . (2)







(1) و (2) وليد نويهض ، صلاح الدين الأيوبي سقوط القدس وتحريرها قراءة معاصرة ، ص 78 ، ص 74 .

ويقول الأستاذ محمد العبدة : ( فمثل صلاح الدين ومن قبله نور الدين لا يأتيان بدون تمهيدات وإرهاصات ) . (1)

ويقول الدكتور ماجد الكيلاني : ( إن صلاح الدين لم يكن في بدايته سوى خامة من خامات جيل جديد مر في عملية تغيير غيرت ما بأنفس القوم من أفكار وتصورات وقيم وتقاليد وعادات ثم بوأتهم أماكنهم التي تتناسب مع استعدادات كل فرد وقدراته النفسية والعقلية والجسدية فانعكست آثار هذا التغيير على أحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ) . (2)




ثانيا : لماذا احتاجت عملية تحرير الأقصى كل هذه الجهود الفخمة والأجيال المتعاقبة ؟




لم تكن الحاجة إلى كل هذه الجهود إلا بسبب تردي أحوال المسلمين قبيل الغزو الصليبي على كل الأصعدة السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية وذلك بسبب الجهل بأحكام الدين وعدم القيام بأحكامه وأوامره لأن العلم بالدين والقيام به يحقق للمسلمين رضا الله والسعادة في الدنيا . قال تعالى: (( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة )) (النمل 97) .




وهذه نبذة سريعة مختصرة عن أحوال المسلمين

في ذلك العصر :




1- من الناحية الدينية : لقد ساد الجهل والبعد عن أحكام الدين وانتشار البدع والخرافات والفرق الضالة والباطنية التي كونت إمارات ودول مستقلة . (3)

2- ومن الناحية السياسية كان هناك خلافتان عباسية سنية في بغداد وفاطمية شيعية في مصر وكانت بينهما حروب استعان الفاطميون فيها بالصليبيين على العباسيين ! وأعاقوا تحرير القدس وحرب الصليبيين وقاموا باغتيال كثير من الأمراء والعلماء الذين كانوا ضد الصليبيين . (4)

3- أما الحالة الاقتصادية فقد عمّ الغلاء واحتكار الأقوات وترف الأغنياء وشيوع الفقر وكثرة الضرائب حتى ( بيعت البيضة بدينار ) . (5)




(1) محمد العبدة ، أيعيد التاريخ نفسه ، ص6 .

(2) د. ماجد الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ، ص16 .

(3) د. ماجد الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ، ص27 .

(4) هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص91 ، قبل أن يهدم الأقصى ص54 ، أيعيد التاريخ نفسه ص75 ولمزيد من التوسع في معرفة دور الفاطميين والباطنية انظر كتاب أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين . يوسف إبراهيم ص139 .

(5) النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى جزء 5 ص 213 عن هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص77 ، أيعيد التاريخ نفسه ص18 .

4- يقول المؤرخ أبو شامة عن أحوال الناس في ذلك الزمان : ( كانوا كالجاهلية همة أحدهم بطنه وفرجه ولا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ) . (1)

ويقول الرحالة ابن جبير عن أهل المشرق ( وما سوى ذلك مما بهذه الجهات الشرقية فأهواء وبدع وفرق ضالة وشيع إلا من عصمه الله عز وجل من أهلها ) . (2)

وبعد هذا الاستعراض السريع لحال المسلمين في القرن الخامس الهجري هل سيكون بإمكان المسلمين منع الصليبيين من احتلال بيت المقدس عام 492هـ ؟

وهل يمكن أن تكون استعادة بيت المقدس على يد صلاح الدين عام 583هـ بعد 91 عاما من الاحتلال نتيجة لجهود فردي لقائد أم أنه لا بد أن يكون ثمرة جهود ضخمة لأجيال متعددة وعلى مستويات مختلفة ؟ هذا ما سنعرفه عبر بعض المحطات المهمة من تاريخ إعادة بيت المقدس على يد صلاح الدين .




ثالثا : ماذا كانت ردة الفعل عند المسلمين حين سقطت بيت المقدس ؟




للأسف لم يتحرك أحد لنصرة الإسلام وبيت المقدس وذلك بسبب ما قدمناه من أحوال المسلمين ولذلك قال القاضي أبو المظفر الآبيوري يرثي القدس :

وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ظهور المذاكي وبطون القشاعم

تسومهم الروم الهوان وأنتــم تجرون ذيل الخفض فعل المسالم

أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى رماحهم والدين واه الدعائـم

فليتهم إذ لم يذودوا حميـــة عن الدين ضنوا غيره بالمحـارم (3)




رابعا : إذا كيف تحول المجتمع الإسلامي من هذه الحالة السيئة على كل الأصعدة إلى حالة الوحدة والنصر على يد صلاح الدين ؟




أ- لا بد من اليقين دائما أن هذا الدين هو الدين الحق الذي سيظهره الله على سائر الأديان ولكن لا يكون ذلــك إلا بالأخـذ بالأسباب الشرعية والكونية ومن ذلك أنه حين بدأت الدولة الفاطمية ( الشيعية ) تهاجم وتحارب الخلافة العباسية ( السنيّة ) حتى قامت بانقلاب عسكري في بغداد عاصمة الخلافة عام 450 هـ بقيادة الباسيري الذي عزل الخليفة العباسي ( السني ) ودعا للخليفة الفاطمي







(1) كتاب الروضتين ص7 عن هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص84 .

(2) رحلة ابن جبير ص55 عن هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص85 .

(3) الكامل لابن الأثير 10/284 عن أيعيد التاريخ نفسه ص34 .

(الشيعي) وبدأ بقتل العلماء والأمراء السنيين . (1)

كان أثر هذا الاعتداء على الخليفة والخلافة والعلماء السنيين أن هبت الدولة السلجوقية ( التي تأسست عام 430 هـ في بلاد الترك ) لنجدة الخلافة العباسية عام 451 هـ . فدخلها طغرل بك وقتل الباسيري وأشاع العدل والأمن في بغداد وهنا بدأت الخلافة تعود لها الهيبة والقوة شيئا فشيئا وذلك بالاستناد على قوة الدولة السلجوقية الصاعدة .

ب- كان من أعظم حسنات الدولة السلجوقية ( وزيرها نظام الملك ) الذي كان وزيرا عند السلطان السلجوقي ألب أرسلان وعند ابنه من بعده السلطان ملكشاه وذلك لمدة 30 عام وكان صاحب دين وذكاء وعلم وكان من أهم مآثره أنه أنشأ المدارس وجعل للطلبة مرتبات وعرفت هذه المدارس بالمدارس النظامية عام 459 هـ . ودرس بها كبار العلماء في ذلك العصر وألفوا كثيرا من الكتب التي عالجت أمراض المسلمين في زمانهم مثل ( أدب الدنيا والدين ) للإمام الماوردي وله كتـــاب ( الأحكام السلطانية ) وألف الجويني ( غياث الأمم في التياث الظلم ) وكان لهذه الكتب والمدارس دور كبير في إخراج المسلمين من الجهل والبعد عن الدين والفرقة والوقوع في شبهات الفرق الضالة الباطنية وكانت العلاقة بين العلماء والأمراء علاقة طيبة لكن هذه الجهود المخلصة لعودة الدين في حياة المسلمين لم تكن ترضي الفرق الباطنية ولذلك سعت للقضاء عليها عن طريق اغتيال المشرف والمؤسس لها ولذلك نجحوا في اغتيال الوزير نظام الملك عام 485 هـ . قبل سقوط القدس بسبعة أعوام ؟؟ وقام بعده بهذه المهمة ابنه فخر الدين فقتلوه أيضا عام 500 هـ . (2)

ج- ومن أعظم الأشياء التي قام بها أيضا الوزير نظام الملك أنه كان يعين النابغين من طلاب المدارس النظامية وغيرهم من أصحاب الكفاءة في الأماكن القيادية والإدارية ومن ذلك أنه أشار على السلطان ملك شاه بتولية ( آمد سنقر قسيم الدولة ) مدينة حلب وحماة ومنبج واللاذقية وذلك بسبب جهوده في الجهاد وحسن سياسته في إدارة البلاد التي حكمها وفي عام 487 هـ قتل وخلّف ابنه عماد الدين زنكي الذي سار على خطى والده وأظهر الكفاءة والشجاعة في حروب الصليبيين . (3)

ولما عين عماد الدين على ولاية الموصل واجه تحديات الصليبيين فبدأ في بناء دولته وتفرغ لحرب الصليبيين ولم يهتم بالصراع الدائر بين المسلمين ! واستعان بتلاميذ المدارس النظامية فكان وزيره




(1) هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص89 ، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر جزء 6 ص 201 ، أيعيد التاريخ نفسه ص 67 .

(2) أيعيد التاريخ نفسه ص 68 ، وهكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 103 ، سير أعلام النبلاء للذهبي جزء 19 ص 94 ، صلاح الدين قراءة معاصرة ص 47 .

(3) هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 285 .

مروان الطنزي ممن درس في بغداد على يد علمائها الذين دعمهم نظام الملك وبدأ عماد الدين بتوحيد أكثر أقاليم الجزيرة ثم بلاد الشام واستعان بالسلطان السلجوقي في الدفاع عن بغداد ثم بدأ بحرب الصليبيين وتحقيق الانتصارات عليهم وتوجه بعد ذلك لفتح ( الرّها ) وهي أول إمارة صليبية في بلاد المسلمين ففتحها عام 539 هـ . وكان ينوي مواصـــلة حــرب الصليبيين لكنه قتل عام 541 هـ . (1)

د- بعد وفاة عماد الدين زنكي حمل الراية ابنه نور الدين محمود زنكي وكان نعم الخلف لخير سلف فلقد استمر في حرب الصليبيين والدفاع عن أرض المسلمين والعمل على توحيد الصف الإسلامي ولذلك قضى على الخلافة الفاطمية في مصر وقال عن ذلك ( وما قصدنا بفتحها ((مصر)) إلا فتح الساحل وقلع الكفار ) . (2)

حين أرسل جيشا إلى مصر وقت دب الخلاف والنزاع بين الفاطميين ليكون عونا لأحد الأطراف بقيادة أسد الدين شيركوه وبعد وفاة أسد الدين عُين صلاح الدين بدلا عنه وطلب منه القضاء على الدولة الفاطمية فكان لصلاح الدين شرف القضاء عليها التي حاربت الخلافة وناصرت الصليبيين ونشرت البدعة والضلالة قبل أن ينال شرف فتح بيت المقدس عام 567 هـ . واستمر نور الدين في حرب الصليبيين حتى أرجع أكثر من 50 مدينة من الصليبيين وعزم على فتح بيت المقدس فأمر ببناء منبر للمسجد الأقصى ولكنه توفي عام 569 هـ . قبل أن تقرّ عينه بالأقصى . وكان لتوحد الشام ومصر تحت قيادته أثر هائل في المسلمين والصليبيين .

هـ- وبعد وفاة نور الدين تسلم الراية صلاح الدين أكبر قواد نور الدين والذي حقق الله على يديه فتح بيت المقدس عام 583 هـ . بعد 14 عاما من تسلمه القيادة العامة وتأسيس الدولة الأيوبية .

ولقد قام صلاح الدين بالعديد من الأعمال والحيل التي مكنته من فتح بيت المقدس ومن ذلك :-

1- القضاء على الدولة الفاطمية عام 657 هـ .

2- لم يبدأ من اليوم الأول في الهجوم على الصليبيين بل تأخر من أجل الإعداد والمراقبة وتصفية الخلافات مع ورثة نور الدين والخلافة العباسية وبعض الأمراء في نواحي الفرات والجزيرة .

3- عمل على تحصين مصر وتجهيزها للدفاع برا وبحرا ولذلك أرسل قوات إلى اليمن لتأمين خطوط المواصلات البحرية والتجارية وقطع الطريق على الصليبين .




(1) التاريخ الإسلامي جزء 6 ص 282 ، أيعيد التاريخ نفسه ص 79 ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 287 .

(2) النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى جزء 5 ص 336 بواسطة مقومات حركة الجهاد ضد الصليبيين ، د. عبد الله الغامدي ص 21 .

4- استغل اختلاف المصالح التجارية بين الدول الصليبية فعقد اتفاقات تجارية مع التجار الأوروبيين لوقف تمويلهم حروب الصليبيين مقابل امتيازات وإعفاءات جمركية .

5- استغل التناقضات الداخلية بين الدولة البيزنطية والدول الأوروبية اللاتينية وكذلك الاختلاف بين المسيحيين والمسيحيين الأوروبيين .

6- اهتم ببناء أسطول بحري . (1)

ومما لا يعلمه كثير من الناس أن صلاح الدين لم يكن يستطيع أن يبقى 14 عاما في حرب مستمرة مع الصليبيين لذلك كانت هناك الكثير من فترات الصلح والسلم التي شهدت رخاء اقتصاديا وذلك من أجل تغطية ما يلزم للحرب القادمة . (2)

وحين توالت انتصارات صلاح الدين حتى توّجت بمعركة حطين 583هـ . وبعدها دخل بيت المقدس عنوة لم يبق للصليبيين إلا مدينة صور وكانت مركزا لتجمعهم ومدينة طرابلس ومدينة أنطاكية وبعض الحصون الصغيرة وحولهم ، عندها حشد الصليبيون الحملة الصليبية الثالثة والتي حققت بعض الانتصارات حتى وصلت أسوار القدس وانتهت بعقد الصلح مع صلاح الدين عام 588هـ وتوفي بعدها صلاح الدين عام 589 هـ . (3)

و- ويجب أن نعرف أن العمل العسكري ليس هو الجهد الوحيد الذي قام به هؤلاء القادة ( عماد الدين ، نور الدين ، صلاح الدين ) بل لقد كانت لهم جهود مهمة جدا على الأصعدة الأخرى هي التي جعلت العمل العسكري يصل لمبتغاه ومن هذه الجهود :




1- القضاء على الدولة الفاطمية والحركات الباطنية لما لها من أثر سيء في دين ودنيا المسلمين والتعاون مع الأعداء . (4)

2- مواصلة مسيرة الوزير المخلص نظام الملك في بناء المدارس ورعاية العلماء وطلبة العلم ونشر حلقات التدريس لبناء جيل جديد يتحمل أعباء الجهاد ومشاقه ومحاربة الأفكار الضالة والبدع والخرافات في حياة المسلمين . (5)

3- بناء المساجد والحصون والأسوار وجعل الأوقاف ورعاية الأيتام والفقراء . (6)




(1) صلاح الدين قراءة معاصرة ص 94-ص111 ، وهكذا ظهر جيل صلاح الدين ص343 .

(2) صلاح الدين قراءة معاصرة ص110 .

(3) التاريخ الإسلامي جزء 6 ص 332 .

(