الأحد، 12 أكتوبر 2014

مـنـاهـج الـتـصـنـيـف عنـد الـمـحـدثيـن


مـنـاهـج الـتـصـنـيـف

عنـد الـمـحـدثيـن

دراسات عليا

ماجستير (الحديث وعلومه)





إعداد

د/ مـحب الدين بن عبد السبحان واعظ

جامعة أم القرى

كلية الدعوة وأصول الدين

قســـم الكتاب والسنة

الفصل الثاني1423-1424هـ









بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: ففي دراستنا هذا الفصل سنتناول - بمشيئة الله تعالى - مناهج التصنيف عند المحدثين في تأليفهم وجمعهم لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم:

ويتضمن المنهج الحديث عن المواضيع التالية :المسانيد، المصنفات، الصحاح، الموطآت، المعاجم.

 مناهج التصنيف عند المحدثين :

المنهج لغة : الطريق الواضح ، ومثله النهج والمنهاج، وأنهج الطريق أي استبان، وصار نهجا واضحا وبينا.

ونهجت الطريق أي أبنته وأظهرته وأوضحته.

ونهجته أيضا: اذا سلكته، وفلان ينتهج سبيل فلان: أي يسلك مسلكه.

واصطلاحاً : خطوات منظمة يتخذها الباحث أو المصنف في معالجة مسألةٍ ما أو أكثر يتبعها للوصول إلى نتيجة .

والصنف يأتي بمعنى النوع والضرب من الشيء .

والتصنيف هو : تميز الأشياء بعضها من بعض ، وصنف الشيء ميز بعضه من بعض، وتصنيف الشيء جعله أصنافاً .

والتصنيف : هو قيام المؤلف بجمع المعلومات ، ثم يرتبها ، ويدونها على طريقة يلتزم بها .

والمحدثين : والمقصود بهم الذين ألفوا ، وصنفوا ، ووصلتنا مؤلفاتهم ..



أولا : المــســانــيـــــد
تعريف المسانيد:-

الكتب التي تجمع أحاديث كل صحابي على حدة صحيحاً كان أو حسنا أو ضعيفا..

وهذه المسانيد مرتبة على حروف  الهجاء في أسماء الصحابة ، أو على القبائل ، أو الأسبقية للإسلام ، أو غير ذلك ..

وبعض هذه الأسانيد تقتصر على أحاديث صحابي واحد كمسند أبي بكر ، وبعضها على أحاديث طائفة معينة: كمسند العشرة المبشرين بالجنة ، إلى غير ذلك ..

أو طائفة مخصوصة جمعها وصف واحد ، كمسند المقلين ، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر ، إلى غير ذلك .

وقد يطلق المسند عندهم على كتاب مرتب على الأبواب أو الحروف أو الكلمات                        لا على الصحابة ، لكون أحاديثه مسندة مرفوعة ومرفوعة أو أسندت ورفعت إلى النبي e ، كصحيح البخاري ، فانه يسمى بالمسند الصحيح ، وكذا صحيح مسلم ، وكسنن الدارمي  فإنها تسمى مسند الدارمي على ما فيها من الأحاديث المرسلة والمنقطعة والمعضلة .

والمسانيد كثيرة وقد تناولنا هذه المسانيد بالدراسة في الفصل الدراسي الأول ، من حيث التعريف ، وذكر بعض الأمثلة ، والفرق بينها وبين أنواع الكتب الأخرى .

وإذا نظرنا إلى  هذه المسانيد من زاوية وقت الوفيات  نرى أن معظم تاريخ وفيات مؤلفيها بداية القرن الثالث ونهاية الرابع تقريبا.

 كما يمكن النظر الى المحدثين الذين صنفوا  هذه المسانيد بالنسبة لسكناهم في الأقطار الإسلامية ،     و نرتبهم حسب المواطن، لتظهر لنا اهتمام كل منطقة بالمسانيد.



و سنتناول بالدراسة الآن – في هذا الفصل - مسند الإمام أحمد ، ومسند الطيالسي ، مع عمل موازنة بينهما .

أ/ مسند أبي داود الطيالسي:

أبو داود: هو: سمه:  سليمان بن داود بن الجارود الحافظ الكبير صاحب المسند الفارسي الأسدي ثم الزبيري مولى آل الزبير بن العوام البصري .
ولادته : لا تذكر المراجع سنة ولادته ، وقد قيل انه عاش قريباً من اثنتين وسبعين سنة فقد تكون ولادته في سنة مائة وثلاثين، لأنه توفي سنة ثلاث ومائتين، وقيل سنة أربع، وعلى كل فقد عاصر للإمام الشافعي ، كما عاصر الأئمة الكبار من المحدثين والفقهاء وغيرهم، وكان عصره العصر الذهـبي للـحـديث .

ويقال إن أول من ألف المسانيد أبو دواد الطيالسي.

أبي ومرويات أبي داود معظمها من العوالي وقد يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث رواة.

     وقيل : إن أبا داود لم يؤلف الكتاب وأن الذي جمع المسند يونس بن حبيب بن عبد القاهر العجلي الأصبهاني، وقد روى ابن أبى حاتم  عنه، وقال: كتبت عنه وهو ثقة ، وقال بعضهم :- كان يونس عظيم القدر خطيرا، معروفا بالستر والصلاح .

مكانة أبي داود العلمية :

يقول عبد الرحمن بن مهدي:  أبو داود أصدق الناس .

ويقول عن نفسه :-  كتبت عن ألف شيخ، وقد ورد عنه أنه كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث.

ويقول سلميان بن حرب :-  كان شعبه يحدث فإذا انتهى صعد أبو داود الطيالسي وأملى من حفظه  ما روى  في المجلس .

ويقول المديني :-  ما رأيت أحفظ من أبي داود الطيالسي .

قال عمر بن شبه : كتبوا عن أبي داود في أصبهان  أربعين ألف حديث وليس معه كتاب .

قال  وكيع بن  الجراح :- أبو داود جبل العلم .

يقول النعمان بن عبد السلام : أبو دواد الطيالسي ثقة مأمون .

ويقول الإمام احمد : ثقة صدوق، قيل له إنه يخطي،  قال: يحتمل له .

وقال العجلي : أبو دواد ثقة كثير الحفظ، رحلت إليه فأصبته مات قبل قدومي بيوم.

وقال الإمام النسائي : ثقة من أصدق الناس لهجة .

وقال ابن عدي : ثقة يخطي ، وما هو عندي وعند غيري إلا متيقظ ثبت .

وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، ربما غلط.

قال ابن حجر : ثقة حافظ غلط في أحاديث روى له مسلم والأربعة، أما البخاري فقد روى عن أقرانه فلم يحتج أن يروي عنه إلا في موضع واحد متابعة بدون تصريح به، بل بقوله "وغيره" ..

دراسة الكتاب :

راوي الكتاب : يونس بن حبيب ..
طبع الكتاب في حيدر آباد الدكن بالهند عام 1321هـ وحققه مجموعة من الطلاب في جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية في رسائل جامعية، وهم محمد عبد المحسن التركي، واسماعيل عبدالواحد مخلوف، وعبد الرحمن محمد المليص، وعبد الوهاب ناصر الطريري، وسعد عبد العزيز الزير.  زوائد المسند : توجد زوائده في كتابين هما:

1- إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ، للحافظ شهاب الدين أحمد البوصيري .

2- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ.

ترتيبه على الكتب الفقهية:

قام بترتيبه على الكتب الفقهية احمد عبد الرحمن المشهور بـ ( الساعاتي )  وسمى كتابه" منحة المعبود بترتيب مسند الطيالسي أبي داود"

الفرق في العدد بين المسند والترتيب :

عدد أحاديث الكتاب : 2767 حديث

وعدد الأحاديث في الترتيب 2842 حديث بزيادة (75) حديثا.

أي: انه كانت هناك  ثمانية مسانيد ناقصة وساقطة من مسند أبي داود الطيالسي، فضم الساعاتي هذه المسانيد من مسند الأمام أحمد وبذلك زاد عدد الأحاديث عنده.

    يقول الساعاتي :          "سقط من أصول الكتاب المخطوط ثمانية مسانيد، كما سيأتي بيان ذلك- لثمانية من الصحابة ولأجل تمام الفائدة والانتفاع بمسانيد هؤلاء الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ  وعدم خلو الكتاب من بركتهم رأيت أن أذكر في هذا الكتاب ما لابد منه من مسانيدهم في الأبواب التي لهم فيها رواية ، ناقلاً ذلك من مسند الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ .

ويُعرف ذلك من سند الحديث حيث يبدأ بقوله : ( حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ) ، وكل حديث بدأ سنده بهذه العبارة تعلم أنه من مسند الإمام أحمد ..

ب / مسند الإمام أحمد
هو: الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة .

 يقول الامام الذهبي: هو الامام حقا وشيخ الاسلام صدقا، أبو عبد الله الشيباني، المروزي ثم البغدادي.

كان شيخا مخضوبا طوالا أسمر شديد السمرة، يخضب بالحناء ليس بالقاني، وفي لحيته شعرات سود، أبيض الثوب، وعليه عمامة.

ولد في ربيع الأول سنة 164هـ وتوفي سنة 241هـ وله 77 سنة.

وقد بدت مخايل النبوغ والورع عليه منذ طفولته، واتجهت همته الى طلب الحديث وله من العمر خمس عشرة سنة، وقد أثنى عليه شيوخه وتلاميذه ومن رآه ثناء عطرا خالدا.

 دراسة الكتاب:

روى عن 283 شيخا في المسند .

شرع الإمام أحمد في تصنيف المسند بعد انصرافة من اليمن بعد تلقيه عن عبد الرزاق سنة200هـ وبدأ بتحــرير المسنـد وعـمره 36 سنة ، انتقاه من أكثر 700 ألف حديث، سمعها في رحلاته.

وقد كتبه في أوراق مفردة ، وفرقه في أجراء منفرده على نحو ما تكون المسودة ، ورواه لـولده عبد الله نسخـاً وأجزاءً ، وكان يأمره أن ضع هذا في مسند فلان ، وهذا في مسند فلان ، وكان ينظر فيه إلى آخر حياته .

وقيل عدد أحاديثه 40 ألف حديث ، وقيل 30 ألف حديث بدون المكرر، ..

* متى ألف الإمام أحمد مسنده ؟
يقول شعيب الأرنؤوط : إن الإمام أحمد أصله من البصرة، اتجهت همته إلى طلب الحديث وهو في الخامسة عشر من عمره .

وبعد وفاة شيخه هشيم رحل إلى الكوفة ماشياً ، وكانت أولى رحلاته ، وله من العمر عشرون سنة، وكان دائم الرحلة بين الكوفة والبصرة يكتب الحديث عن شيوخهما .

وفي سنة 186هـ رحل إلى عبادان ، وفي السنة التي تليها رحل إلى الحجاز أول مرة ، ولقي فيها سفيان بن عيينة ، والحميدي ، والشافعي .

وفي سنة 190هـ دخل البصرة ، وفي سنة 191هـ رحل إلى الحجاز مرة ثانية ، وفي سنة 194هـ رحل إلى البصرة ، ثم إلى واسط ، ثم إلى مكة سنة 196هـ ، وفي سنة 199هـ خرج إلى اليمن ماشياً لسماع من عبد الرزاق ابن همام ، وانصرف منها سنة 200هـ ، وبعد عودته شرع في تأليف مسنده ، وعمره آنذاك في السادسة والثلاثين ..

 وبقي الإمام أحمد متصدراً للفتيا والتحديث حتى سنة 218 هـ إلى أن جاء المأمون ، وأعلن فتنة خلق القرآن ، فامُتحن مع العلماء ، وأوُذي وسجن ، ثم لما تولى المعتصم أيضاً سجن وضرب حتى أغمي عليه ، ثم أُخرج منه .

وتماثل للشفاء وقد بقيت آثار ضربه على جسده ظاهر ، وعاد إلى ما كان عليه من التحديث وحضور الجمعة والـجماعة ، وظل كذلك حتى وفاة المعتصم ، ثم جاء الواثق سنة 228هـ وأعاد الفتنة، وطلب أن تُدرس هذه المسألة للصبيان في الكُتاب ، فلزم الإمام بيته ، فلا يخرج لا للتدريس ، ولا للصلاة ، إلى أم مات الواثق ..

ثم تولى بعده المتوكل ، وأمر بعد سنتين من توليه الخلافة 234هـ برفع المحنة ، وأن يـعــود الـنـاس علـى ما كانوا عليه ، وراح المتوكل يطلب من المحدثين أن يرجعوا إلى سامرا ، يقيمون فيها، ويعقدوا مجالس الحديث والفقه .

لكنه ذهب على مضض ثم رجع ، وامتنع عن التحديث إلا لولديه وابن عمه ، وبعد سنة 235هـ أعطى الله عهداً إلا يحدث بحديث على تمامه حتى يلقاه ، وبعد سنة 237هـ امتنع عن التحديث عموما حتى لولديه .

ويذكر الأرنؤوط : أن سماع عبد الله من أبيه كان نحو اثنتي عشرة سنة ، من سنة 225هـ ، إلى سنة 237هـ وهي السنة التي امتنع فيها عن التحديث ..

منزلة الكتاب ومكانته :

لما فرغ الإمام أحمد من عمل المسند جمع أهل بيته وقرأه عليهم وقال : إن هذا الكتاب قد جمعته، وانتقيته من ( سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفا) فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه ، فإن كان فيه و إلا ليس بحجة ..

وكأنه يقول : إن الأحاديث الزائدة على المسند غير صحيحة ، وهذا الذي يفهم من قوله .

ولا يخفى بأن هناك أحاديث صحيحة غير موجودة في المسند .

يقول الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي :

أنه أراد الأحاديث التي لم تبلغ درجة الاستفاضة والتواتر في المعاني ، وإلا فأحاديث صحيحة مشهورة ليست في المسند .



أقسام الأحاديث في المسند : (من حيث درجات القبول والرد)

يقول محققوا الكتاب ، من خلال التحقيق نستطيع تصنيف الأحاديث إلى ستة أقسام :

1- صحيح لذاته ..

2- صحيح لغيره ..

3- الحسن لذاته ..

4- الحسن لغيره ..

    5- ما هو ضعيف ضعف خفف ..

6- ما هو شديد الضعف يكاد يقترب إلى الموضوع ..  

  * فهو يحتوي على أربعة أنواع من الأحاديث المقبولة ..

ويقول الباحث : ونحن نرى أحقية هذا التقسيم وصحته لأن الدارسة الجادة التي قمنا بها لكل حديث من أحاديثه جعلنا نطمئن إليه كل الاطمئنان .

وأما القضية التي أثيرت قديماً حول إذا كان في المسند أحاديث ضعيفة أو معلولة ، فهذا مما يسلم به من له معرفة بهذا الشأن .

والإمام أحمد نفسه يقول لابنه عن المسند : قصدت في منهجي الأحاديث المشهورة ، وتركت الناس تحت ستر الله تعالى، ولو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في البحث ، ولست أُخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه .

ثم يقول : ولا يغض من قيمة المسند كثرة الأحاديث الضعيفة فيه ، فإن عددا غير قليل منها صالح للترقي إلى الحسن لغيره أو الصحيح لغيره لما يوجد له من متابعات وشواهد كما يظهر ذلك من تخريج الأحاديث ، وبيان درجاتها ، وما تبقى منها فهو من الضعيف الذي خف ضبطه ، ما عدا الأحاديث القليلة التي انتقدت عليه ، فإنه رحمه الله تعالى يرى الأخذ و العمل بمضمونها ، وتقديمها على القياس كما مر من قوله لابنه عبد الله ((ولست أُخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه )) ..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن تعدد الطرق مع عدم التشاعر والاتفاق في العادة يوجب العلم يمضون المنقول – أي بالقدر المشترك في أصل الخبر – لكن هذا ينتفع به كثيراً في علم أحوال الناقلين – أي نزعاتهم والجهة التي يحتمل أن يتعصب لها بعضهم – وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل ونحو ذلك، ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث ، ويقولون أنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره . 

وقد قال الإمام أحمد : قد أكتب حديث الرجل لأعتبره .

وقال شيخ الإسلام أيضاً : قد يروي الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما أحاديث تكون ضعيفة لاتهام رواتها بسوء الحفظ ونحو ذلك ليعتبر بها ويستشهد بها ، فإنه قد يكون لذلك الحديث ما يشهد أنه محفوظ، وقد يكون له ما يشهد بأنه خطأ ، وقد يكون صاحبها كذاباً في الباطن ليس مشهورا بالكذب ، بل يروي كثيراً من الصدق فيروى حديثه ، وليس كل ما رواه الفاسق يكـون كــذباً بـل يـجـب التبيُـن في خبره كما قـال تـعالى : (( يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...)) الآية ، فيروي ليُنظر في سائر الشواهد هل تدل على الصدق أو الكذب ..

وقال أيضاً : وليس ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده ، بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه في المسند أن لا يروي عن المعروفين في الكذب عنده ، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف .

قال الذهبي : وفيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها ولا يجب الاحتجاج بها .

قال العراقي فيما ينقله عنه الحافظ ابن حجر : مسند الإمام أحمد أدعى قوم فيه الصحة، وكذا في شيوخه ، وصنف الحافظ أبو موسى المديني في ذلك تصنيفاً ، والحق أن أحاديثه غالبها جياد ، والضعاف منها إنما يورده للمتابعات ، وفيها القليل من الضعاف ، والغرائب ، والأفراد، أخرجها ثم صار يضرب عليها شيئاً فشيئاً ، وبقي منها بقية ، ووفاته المنية قبل أن ينقحها .

أما القسم السادس الأحاديث شديدة الضعف ما كان يقرب من الموضوع فقد أشار إليها الإمام الذهبي فقال : فيها أحاديث معدودة شبه موضوعة ، ولكنها قطرة في بحر .

وقد أدرجها النقاد في سلك الموضوعات فبلغت 38 حديثاً ..

أوردها الحافظ ابن حجر في القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، الأحاديث التسعة التي جمعها الحافظ العراقي ، وأضاف إليها 15 حديثاً ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات ، وأجاب عنها حديثاً حديثاً ، وقد فاته أحاديث أخرى نقلها ابن الجوزي في الموضوعات ، نقلها السيوطي في جزء اسماه ( الذيل الممهد ) ، وعددها 14 أحاديث .

وأقل ما يقوله المتمكن في هذا الفن بعد النظر في هذه الأحاديث ، وما أجاب به العلماء : أنها بالغة الضعـف ، وكثير منها يعلم بطلانها بالبداهة ، فلا يمكن أن تُشد بالمتابعات والشواهد .

عناية العلماء بالمسند

اهتم العلماء في مختلف الأعصار والمدن في سماع هذا المسند ، فضربوا أكباد الإبل وسافروا ورحلوا.

قال الإمام أحمد : عملت هذا الكتاب إماماً، إن اختلف الناس في سنة رسول الله صلى الله علـيه وسلـم رجـع إليه .

قيل من طريف ما ذكره أبو موسى المديني من شدة حرص العلماء على سماع المسند ، وعنايتهم به ما رواه عن أبي بكر القطيعي وهو الذي انتشر المسند عنه قال : رأيت أبا بكر أحمد بن سليمان النجاد في النوم ، وهو على حالة جميلة ، فقلت : أي شيء كان خبرك ؟ قال : كل ما تحب ، الزم ما أنت عليه وما نحن عليه ، فإن الأمر هو ما نحن عليه ، وما أنت عليه . ثم قال : بالله ألا حفظت هذا المسند فهو إمام المسلمين وإليه يرجعون ، وقد كنت قديماً أسألك بالله إن أعرت منه أكثر من جزء لمن تعرفه ليبقى .

ويقول أيضاً : سُئل الحافظ الفقيه أنت تحفظ الكتب الستة ؟ ، قال : أحفظها وما أحفظها ، وقيل : كيف ؟ فقال : أنا أحفظ مسند أحمد وما يفوت المسند من الكتب الستة إلا قليل ، وأصله في المسند فأنا أحفظها من هذا الوجه .

الزوائد :

الهيثمي جعل له زوائد سماها : ( غاية المقصد في زوائد المسند ) ..

وقد حققه الشيخ سيف الرحمن في رسالة دكتوراه ( جامعة الملك عبد العزيز ) وغيره من زملائه.

دراسات حول الكتاب :

1- شرحه المحدث أبو الحسن نور الدين محمد عبد الهادي السندي ت 1139 هـ في حاشية نفيسة، وضمنها التعليقات اللطيفة: من ضبط اللفظ ، وإيضاح الغريب ، والإعراب ، وغير ذلك ..

2- للسيوطي تعليقات باسم ( عقود الزبرجد على مسند أحمد ) " طبع في بيروت " ، وهو عبارة عن إعراب ما يشكل من ألفاظه .

3 - ترتيب ابن عساكر ت 571 هـ واسمه ( ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم الإمام أحمد بن حنبل في المسند ) وهو عبارة عن فهرس دقيق لأسماء الصحابة ، ذكر فيه موضع حديثهم من المسند ، وهو مطبوع بتحقيق ( عامر صبري ) .

 4- ترتيب المسند للحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله الصامت ابن المحب ت 789 هـ .

5-  ترتيب مسند أحمد على حروف المعجم : لأبي بكر محمد بن عبد الله عمر المقدسي الحنبلي ت 820 هـ .

6 - ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب صحيح البخاري : للإمام علي بن الحسين بن عروة بن زكنون ت 837هـ ، وسماه ( الكواكب الدراري في ترتيب في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري ) .

7 - تهذيب المسند وترتيبه على الأبواب : للشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الحنبلي ، الشهير بابن زريق ت 841 هـ .

8 – الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني : للشيخ أحمد الشهير بالساعاتي ت 1371هـ.

الأطراف :

أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي : لابن حجر العسقلاني.

الطعون والردود ..

قلنا فيما سبق أن الإمام أحمد صنف أحاديثه إلى ستة أقسام ، والقسم السادس منها :

الأحاديث الشديدة الضعف التي تكاد وتقترب من الموضوع .

وقد ألف العلماء في الدفاع عن الأحاديث القليلة الموجودة فيه :

1 - كابن حجر في كتابه ( القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد ) ذكر أن هناك 24 حديثا مطعونا فيها ، وردّ على هذه الطعون ، والكتاب مطبوع بدائرة المعارف ( بحيدر آباد ) 

2 - الذب الأحمد عن مسند الإمام أحمد : للشيخ ناصر الدين الألباني .

تراجم رجاله :

1 - الإكمال في تراجم من له رواية في مسند الإمام أحمد ممن ليس لهم ذكر في تهذيب الكمال للمزي، لمؤلفه أبو المحاسن شمس الدين محمد علي بن الحسن الحسيني الشافعي. ..

2 - واستدرك عليه ابن الجزري في كتاب سماه ( المصعد الأحمد في رجال مسند أحمد ) وقد تلف بعضه في الفتنة فكتبه بعدها مختصرا .

3 - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة : لابن حجر، طبه بتحقيق د/ إكرام الله إمداد الحق.

عوالي الكتاب ، الثلاثيات :

1 - ثلاثيات مسند أحمد : للمحدث محب الدين إسماعيل بن عمر المقدسي ت 613هـ ..

2 - ثلاثيات : للإمام ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ت 643هـ ..

    وشرح بعضهم الثلاثيات ، فمنهم : محمد بن أحمد بن سالم السفاريني ت 1188هـ وسماه (نفثات صدر المكمد وقرة عين المسعد بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد) طُبع في دمشق بتحقيق : عبد القادر الأرنؤوط 1380 هـ ..

3- ثلاثيات الكتب الستة ومسند الإمام أحمد : تحقيق : أحمد بن عبد الرحيم .. 



خصائص المسند :

1 - خصائص المسند للحافظ أبي موسى المديني ت 581 هـ  ، وهو مطبوع مع المسند الذي حققه أحمد شاكر ..

2 - المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد : لابن الجزري ت 833هـ ويذكر فيه الخصائص والفضائل لهذا الكتاب ، وهو مطبوع مع المسند الذي حققه أحمد شاكر ..

أحاديث المسند : (من حيث الرواية والتدوين)

يقول الساعاتي : (( وبتـتبعي لأحاديث المسند وجدتها تنقسم إلى ستة أقسام :

1- قسم رواه عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه سماعاً وهو المسمى بـ ( مسند الإمام أحمد ) وهو كبير جداً يزيد على ثلاثة أرباع الكتاب .

2- قسم سمعه عبد الله من أبيه وغيره ، وهو قليل جداً ..

3- قسم رواه عبد الله عن غير أبيه ، وهو المسمى عند المحدثين بـ ( زائد عبد الله ) وهو كثير بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول .

4- قسم قرأه عبد الله على أبيه ولم يسمعه منه ، وهو قليل .

5- قسم لم يقرأه ولم يسمعه ، ولكنه وجده في كتاب أبيه بخط يده وهو قليل أيضاً .

6- قسم رواه الحافظ المحدث مسند بغداد أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي ت 368هـ عن غير عبد الله وأبيه ، وأضاف في المسند روايات من عنده ، وهذا القسم أقل الجميع .

لكن د / عامر صبري يقول غير ذلك ، وينقل كلام الساعاتي فيذكر الأقسام الستة وله استدراكات أو ملاحظات ، وهي ثلاث :

1 – قوله في القسم الثاني وهو الذي  سمعه عبد الله من أبيه وغيره وهو قليل جداً غير مسلم!

لأن أحاديث هذا القسم تزيد على 900 حديث ، وقد جمعتها في كتاب ، وخرّجت أكثر من نصفها ، واسأله تعالى أن يوفقني إلى إكمالها وكشفها .

2 – قوله قي القسم السادس وهو الذي يرويه عن غير عبد الله وأبيه ، فإن القطيعي أدرك عبد الله ولم يُدرك أباه .

إن كلام الساعاتي : أن القطيعي زاد في المسند زيادات عن غير عبد الله ، فهو غير مسلم !!

فإنه قد تبين لـ د / عامر بعد تتبع دقيق في المسند ، وفي مسند المعتلي ( في الأطراف ) أنه لا يوجد للقطيعي أحاديث من غير عبد الله سوى حديث واحد فقط ..

ويدعم قوله بما ذهب إليه الشيخ ناصر الألباني إلي نفي وجود زوائد للقطيعي بالكلية ، وذكر ذلك في كتـابـه ( الذب الأحمد عن مسند الإمام أحمد ) ..

3 – ويقول أيضاً : يضاف إلى الأقسام الستة التي ذكرها قسم سابع وهو :

الأحاديث التي رواه الإمام أحمد في غير مسنده ، ثم نقلها ابنه عبد الله إلى المسند ، وهو قليل جداً .

ثم ذكر أمثلة على ذلك ص 119-120.

 منهجه :

الدقة في إيراد ألفاظ التحمل ، وبيان الفروق بين الرواة ان وجدت.

رتب أحاديثه على أسماء الصحابة لا على الأبواب الفقهية، لأن غايته جمع ما اشتهر من الأحاديث وما عنده عن مشايخه من الاحاديث..

أن المسند كان مسودة ، ومن ثم وقع الخلل فى جملة مواضع منه لاتمس جوهر الكتاب، مثل:

إدراج عدد من أحاديث المكثرين في غير مسانيدهم .

وتكرار الحديث الواحد بإسناده ومتنه لغير فائدة في إعادته .

وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موقع من المسند.

والخلط بين أحاديث الشاميين والمدنيين .

وعدم التميز بين روايات الكوفيين والبصريين .

وتداخل أحاديث الرجال بأحاديث النساء .

واختلاط مسانيد القبائل بمسانيد أهل البلدان .

* وقد نبه ابن عساكر في كتابه ( ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج لهم الإمام أحمد في المسند) على كل هذه الأمور .

ثم قال: ولست أظن ذلك – إن شاء الله – وقع من جهة أبي عبد الله رحمه الله، فان محله في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى، وقد نراه توفي قبل تهذيبه، ونزل به أجله قبل تلفيقه وترتيبه، وإنما قرأه لأهل بيته قبل بذل مجهوده فبه خوفا من حلول عائق بموته دون بلوغ مقصوده فيما يرتضيه.

وقد بين الدكتور عامر صبري محقق كتاب ابن عساكر السابق ، الأحاديث التى ادرجت  في غير موضعها من المسند.







الموازنة بين منهجي المسندين :

منهج الطيالسي وأحمد في مسندهما :

هل يوجد توافق في المنهج والخطوات بين المسندين ؟

نعم ، فكل مؤلف منهما يذكر الصحابي ومروياته على حده .

يقول الساعاتي : ـ قد سلك الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ مسلكاً يتفق مع أهل عصره، ممن ألف المسانيد ويتفق معهم ، فرتبه على مسانيد الصحابة.

هو يذكر الصحابي ثم يُورد كل ما رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحاديث بالسند المتصل بدون نظر إلى ترتيبها أو موضوعاتها ، ثم يقفي بصحابي آخر وهكذا.

ثم يقول :

فترى الحديث من أحكام العبادات يلي أخاه في الجنايات ويجاورهما حديث في الترغيب والترهيب إلى غير ذلك من أغراض السنة. 

فلست تستطيع أن تهتدي إلى حديث بعينه ، ولست تقدر أن تجمع بعض شتات الأحاديث التي وردت فيه عن موضوع واحد .

مثال ذلك :

روى الإمام أحمد في مسنده بسنده عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاة العشي ـ الظهر أو العصر ـ وهو حامل حسن أو حسين ، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه ، ثم كبر للصلاة ، فصلى ، فسجد بين ظهري الصلاة سجدة فأطالها، قال ـ أي الراوي ـ : فرفعت رأسي ،فإذا الصبي على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم ، فرجعت في سجودي ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة . قال الناس : يا رسول إنك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يُوحى إليك . قال : كل ذلك لم يكن ، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعجله حتى يقضي حاجته ) ..

هذا الحديث آخر حديث في المسند ، ذكرته أنا في كتاب في باب جواز حمل الصغير في الصلاة من أبواب ما يبطل الصلاة وما يترك فيها وما يكره وما يباح ..

فإذا كنت تريد هذا الحديث من المسند وأنت تجهل اسم روايه من الصحابة فما كنت فاعلاً ؟

لا خلاص لك من أحد أمرين :

إما أن تقرأ الكتاب جميعه ، وهذا بعيد جداً .

وإما أن تتركه .

فإذا كنت تحفظ اسم الراوي فلابد لك أيضا من تصفح فهرس أجزاء الكتاب كله حتى تجد اسـمه.   

فمن أجل ذلك قام بترتيب الكتاب على الأبواب الفقهية .

فترتيب المسند على مسانيد الصحابة كان مفيداً في ذلك الوقت لوجود الحفاظ ، ولتدوين السنة خوف من ضياعها .

بالنسبة للتقسيم : كما ذكرت سابقاً أن أحاديث مسند الامام أحمد تنقسم إلى ستة أقسام ، وكذلك مسند الطيالسي قد يكون نفس التقسيم .

بالنسبة إلى أسماء الصحابة : الطيالسي جزَّء كتابه إلى أحد عشر جزء ، وكل جزء يشتمل على مجموعة من الصحابة.

أما الإمام أحمد فابنه هو الذي روى كتاب أبيه ولم يحدث أي تجزأة، بل رواه سردا كما أخذه ن أبيه.

الراوي لمسند الطيالسي هو : يونس بن حبيب ..

** الراوي لمسند أحمد هو : ابنه عبد الله ، ويروي عنه أبو بكر القطيعي.

***بدأ الامام أحمد مسنده: بالأربعة الخلفاء الراشدين ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ، ثم مسند العبادلة المشاهير ، ثم المكيين ، ثم الشاميين ، ثم المدنيين وهكذا ..

وبدأ الطيالسي: الجزء الأول: بذكر مسند أبي بكر ، عمر ، عثمان ، علي ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبي وقاص  عبد الرحمن بن عوف ، طلحة بن عبيد الله ، أبو عبيدة ، سعيد بن زيد ، وبعض مسند ابن مسعود ..  

** الجزء الثاني : بقية أحاديث ابن مسعود ، حذيفة بن اليمان ، أبي ذر الغفاري ، أبي موسى الأشعري ، معاذ بن جبل ، عبادة بن الصامت ، أبو أيوب الأنصاري . وهكذا.



المؤلفون على طريقة الأبواب الفقهية ومؤلفاتهم :-
نتطرق في الحديث عن هذا النوع، المصنفات، والسنن، والصحاح، والموطآت، وكلهم ألفوا على طريقة الأبواب الفقهية التي تدل على معاني معينة أو موضوع معين .

فمن المصنفات: مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة:

ترجمة عبد الرحمن الصنعاني رحمه الله :-
مولده ونشأته :-
الإمام عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني يكنى أبا بكر .

ولد بصنعاء اليمن عام 126 هـ ، ممن عاش في القرن الثاني . في عائلة علم وفضل وصلاح ، فقد كان والده همام بن نافع يروي الحديث عن سالم بن عمر وغيره ، من أمثال عكرمة مولى ابن عباس ، ووهب بن منبه ، وميناء مولى عبد الرحمن بن عوف ، وقيس بن يزيد الصنعاني ، وعبد الرحمن مولى عمر بن الخطاب وغيرهم .

وبهذا يتبين أن أسانيد عبد الرزاق عالية ...

رحلاتــه :-
كانت له رحلات إلى الشام للتجارة ، وكان في رحلته الخاصة بالتجارة يطلب العلم ويجتمع بكبار الأئمة و يأخذ عنهم الحديث أمثال الأوزاعي .

ورحلته إلى الحجاز كانت في أواخر حياته كما يؤخذ من كلام له أنه رحل إليها .

ولازم الإمام عبد الرزاق من هاجر إلى اليمن واستوطنها ، أو جاء إلى اليمن طالباً للعلم ، فقد ذكر أنه جالس معمر بن راشد سبع سنين ، وفي رواية ابن أبي حاتم ثماني سنين ، وكان يبلغ من العمر يومئذ عشرين سنة .

1

وبعد أن اشتهر عبد الرزاق ، وذاع صيته في العالم الإسلامي ، شد إليه الرحال جملة من تلاميذه الذين تلقوا الحديث عنه وخاصة بأن أسانيده عالية، ثلاثيات ونحوها أو شابهها.
شيوخــــــــه :-

أخذ الإمام عبد الرزاق العلم من أئمة أعلام في عصرهم منهم :-

أبوه همام بن نافع ، وعمه وهب ، ومعمر بن راشد ، وسفيان الثوري ، وسفيان ابن عيينة ، وعكرمة بن عمار ، ومالك إمام دار الهجرة ، وابن أبي رواد ، وإسماعيل بن عياش وابن جريح .

تــلاميـــــــــذه :-

قصده بعض كبار الأئمة في عصرهم منهم :-

الإمام أحمد بن حنبل :- الذي يقول : ما كان في قرية عبد الرزاق بئر وكنا نبكر على ميلين فنتوضأ ونحمل معنا الماء .

الإمام يحيى بن معين ، وابن راهوية ، وأحمد بن صالح ، والرمادي ، وإسحاق بن إبراهيم الدبري ، ومحمد بن يحيى الذهلي المحدث الناقد ،   وإبراهيم بن موسى ، وعبدالله بن محمد المسندي ، وسلمة بن شبيب ، وعمرو الناقد ، وابن أبي عمر ، وإسحاق بن منصور ، والكوسج ، وأحمد ابن يوسف السلمي ، وغيرهم كثير ...

وروى عنه وكيع وأبو أسامة وهما من أقرانه ، وهذا ما يسمى بالمدبج.

وروى عنه ابن عيينة ومعتمر بن سليمان وهما من شيوخه، هذا من رواية الشيوخ عن التلاميذ .

أقــوال العلمــاء فيـــــه :-

شهد بسعة علم الإمام عبد الرزاق الصنعاني القريب والبعيد ، وأثنوا على ضبطه وعدالته ، وخرجوا له في الصحاح والسنن .

إلا أن رجلاً أطبقت شهرته الآفاق ، وانتشر علمه ، وجاب تلاميذه الأقطار ، لابد أن يتعرض لبعض الأقوال  سواء أكانت هذه الأقوال تتعلق بحفظه وضبطه ، أو تتعلق بعدالته .

شهادة الشيخ على تلميذه .. بقول شيخه معمر بن راشد فيه  - فهو أعرف الناس به  حيث لازمه عبد الرزاق فترة تزيد عن سبع سنوات - يختلف إلينا أربعة : رباح بن زيد ، ومحمد بن ثور ، وهشام بن يوسف ، وعبد الرزاق . فأما رباح فخليق أن يغلب عليه العبادة ، وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان ، وأما ابن ثور فكثير النسيان ، وأما عبد الرزاق فإن عاش فخليق أن تضرب إليه أكباد الإبل .

وقال الإمام أحمد : كان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر .

2

وقال الذهبي عنه : وثّقه غير واحد ، وحديثه مخرج من الصحاح ، وله ما ينفرد به ، وكان رحمه الله من أوعية العلم ، ولكنه ما هو في حفظ وكيع وابن مهدي .
وقال عنه ابن العماد الحنبلي : روى عن معمر وابن جريج وطبقتهما ورحل الأئمة إليه إلى اليمن ، له أوهام مغمورة في سعة علمه .

وقال ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد بن حنبل : قال أبو يعقوب : ما رُحل إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ما رُحل إلى عبد الرزاق ، وهو يقصد أئمة الحديث والفقه أمثال : الشاذ كوني ، وابن المديني ، ويحي بن معين ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهوية، وغيرهم .

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة  : سمعت يحي بن معين ، وسئل عن أصحاب الثوري فقال : أما عبد الرزاق والفريابي وعبيد الله بن موسى ، وأبو أحمد الزبيري ، وأبو عاصم ، وقبيصة وطبقتهم ، فهم كلهم في سفيان قريباً بعضهم من بعض . وهم دون يحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع وابن مبارك وأبي نعيم .

وقال : سمعت يحيى بن معين يقول : كان عبد الرزاق في حديث معمر أثبت من هشام بن يوسف .

قال أبو زرعة : ابن ثور وهشام بن يوسف وعبد الرزاق أحفظهم .

وقال عباس الدوري عن ابن معين : كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر عن هشام بن يوسف وكان هشام في ابن جريج أقرأ للكتب ، وقال يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني قال لي هشام بن يوسف : وكان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا .

وإلى جانب هذه الشهادة من كبار الأئمة في علم عبد الرزاق وضبطه وعدالته فقد وجدت أقوال تذكر، هي مآخذ عليه .

أما ما وجهوا إليه من مطاعن في علمه وضبطه فيعود إلى سببين :

أولهما : أنه أورد أحاديث في فضائل آل البيت انفرد بها ، ولوحظ عليه في بعضها أنه كان يدلس .

3

ثانيهما : أنه عمي في آخر عمره ، فكان يروي من حفظه ، فلم يكن في الضبط على ما كان عليه الحال قبل ذلك ، أو كانوا يدخلون عليه أحاديث فيرويها من غير أن يدري .
لقد ثبت أن عبد الرزاق كف بصره في آخر حياته في حدود المائتين للهجرة تقريباً ، كما يؤخذ من كلام الإمام أحمد عنه ، فصار يحدث من حفظه، وربما اختلط عليه الحديث ؛ لذا فرّق الأئمة بين روايته قبل المائتين وروايته بعد المائتين ؛ كما أن بعضهم فرّق بين روايته من كتبه ، وبين روايته من حفظه .

قال الإمام أحمد : حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين ، وكان يتعاهد كتبه وينظر فيها باليمن ، وكان يحدثهم حفظاً بالبصرة – أي كان معمر يحدث البصريين من حفظه.

قال أبو زرعة الدمشقي : قلت لأحمد : من أثبت في ابن جريج ؟ عبد الرزاق أو البرساني ؟ قال : عبد الرزاق . وقال أيضاً : أحمد أخبرنا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر ، من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع .

هذه: قاعدة معروفة في موضوع الجرح والتعديل فالأئمة ميزوا بين حاله، أو قسموا حياته إلى قسمين قبل ذهاب بصره وبعد ذهاب بصره، فهم  يميزون إما بالحالة وإما بالسن حتى حددوا السنة التي ذهب بها بصره .

أقوال الجارحين:

روى ابن أبي حاتم الرازي في كتاب الجرح والتعديل قال : حدثنا عبد الرحمن قال : سألت أبي عبد الرزاق أحب إليك أو أبو سفيان المعمري ؟ فقال : عبد الرزاق أحب إليَّ ، قلت : فمطرف بن مازن أحب إليك أو عبد الرزاق ؟ قال : عبد الرزاق أحبّ إليَّ ، قلت : فما تقول في عبد الرزاق ؟ قال : يكتب حديثه ولا يحتج به .

وهكذا جاء القول بعدم الاحتجاج به على الإجمال والقضية تحتاج إلى تفصيل هذا الجرح غير المفسر، ولابد من معرفة سبب الجرح وحالة المجروح؛ صحيح إن عبد الرزاق لا يحتج به بحال من الأحوال أما الكلام فيه على الإطلاق فغير صحيح .

فقال أبو زرعة عبيد الله : حدثنا عبد الله المسندي قال : ودعت ابن عيينة ، قلت : أريد عبد الرزاق ، قال : أخاف أن يكون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا . (هذا جرح قوي ).

قال العباس العنبري لما قدم صنعاء : لقد تجشمت إلى عبد الرزاق وإنه لكذاب ، والواقدي أصدق منه .

وقال الإسماعيلي في المدخل عن الفرهياني أنه قال : حدثنا عباس العنبري عن زيد بن المبارك قال : كان عبد الرزاق كذاباً ، يسرق الحديث .

4

وعن زيد قال : لم يخرج أحد من هؤلاء الكبار من هاهنا إلا وهو مجمع أن لا يحدث عنه .
4

الجواب:
وهذه الأقوال مدفوعة بضدها تماماً من الذين عاصروا عبد الرزاق وعايشوا معه وعاشروه  وأخذوا عنه ؛ لذا نجد الذهبي يعقب على قول العباس بن عبد العظيم العــنبري بقوله :

لم يوافق العباس على قوله مسلمٌ ، بل سائر الحفاظ وأئمة العلم يحتجون به، إلا في تلك المناكير المعدودة في سعة ما روى .

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب : وهو مردود على قائله .

ومما يدفع به قول العباس العنبري ما قاله محمد بن إسماعيل الفزاري : بلغني ونحن بصنعاء أن أحمد – يعني ابن حنبل – ويحيى – يعني ابن  معين – تركا حديث عبد الرزاق ، فدخلنا غم شديد ، فوافيت ابن معين في الموسم ، فذكرت له فقال : يا أبا صالح لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه.

وهذا يدل على رسوخ قدم الإمام عبد الرزاق في الصدق والأمانة والضبط عند من أخذ عنه ، وعلى ما يبدو أن شائعة ترك الإمامين أحمد بن حنبل ويحي بن معين لحديث عبد الرزاق كانت بعد المئتين وقد صرح الإمام أحمد بذلك وأنه م يأخذ عنه بعد المائتين  ، وأيضاً أن تشيعه كان من باب المحبة القلبية التي لا تتجاوز إلى الأقوال أو الطعن ، بل حتى إلى التفضيل .

قال النسائي : فيه نظر لمن كتب عنه بآخرة ، كتب عنه أحاديث مناكير.

وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولايحتج به ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه ، على تشيع فيه ، وكـان ممن جمع وصنف وحــفظ وذاكر .

قال الإمام البخاري : ما حدث عنه عبد الرزاق من كتابه فهو أصح .

  قال إبراهيم بن عباد الدبري : كان عبد الرزاق يحفظ نحواً من سبع عشر ألف حديث .

قال الدار قطني : ثقة ، لكنه يخطئ على معمر في أحاديث .

وقال عبد الله بن أحمد : سمعت يحيى يقول : رأيت عبد الرزاق بمكة يحدث ، فقلت له : هذه الأحاديث سمعتها ؟ قال : بعضها سمعتها ، وبعضها عرضاً ، وبعضها ذكره ، وكل سماع .

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح – عقيب قول أحمد – من سمع من عبد الرزاق بعد العمى لا شيء .

5

خلاصة الأقوال :-
إن من أخذ على الإمام عبد الرزاق من وجود أخطاء في الأحاديث ، وما أصابه من شيء من سوء الحفظ بعدما عمي وكان يروي من حفظه ،كل ذلك لا يؤثر على جانب الضبط عنده ، وخاصة أن العلماء قد فرّقوا بين ما رواه قبل المائتين ومن كتابه ، وبين ما رواه من حفظه بعد المائتين وكل هذه شهادة من علماء أجلاء . فيبقى هو الإمام الثقة لدى جهابذة علم الحديث .

ما قيل في تشيُّــعه :

أما ما قيل في تشيعه فهناك جانبان ...

الأول : ما صدر عنه من أقوال في حق بعض الصحابة ونقلت عنه مما فهم منه أنه كان يتشيع للإمام علي رضي الله عنه.

الثاني : الأحاديث التي نقلها في فضائل آل البيت والأحاديث التي رواها في مثالب خصوم علي رضي الله عنه  وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم جميعاً .

أما الجانب الأول :

وهو ما صدر عنه من أقوال تدل على تشيعه فمن ذلك :

ما رواه ابن حجر في تهذيب التهذيب : وقال جعفر الطيالسي : سمعت ابن معين ، قال : سمعت من عبد الرزاق كلاماً استدللت به على ما ذكر عنه من المذهب ، فقلت  له : إن أستاذيك الذين أخذت عنهم ثقات ، كلهم أصحاب سنّة معمر ومالك وابن جريح والثوري والأوزاعي ، فعمن أخذت هذا المذهب ؟ قال : قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعي ، فرأيته فاضلاً حسن الهدي فأخذت هذا عنه .

وقال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين ، وقيل له : قال أحمد : إن عبد الله بن موسى يرد حديثه للتشيع ، فقال : كان عبد الرزاق – والله الذي لا إله إلا هو - أغلى في ذلك منه مائة ضعف ، ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف ما سمعت من عبيد الله .

وقال عبد الله بن أحمد : سألت أبي : هل كان عبد الرزاق يتشيع ويفرط في التشيع ؟ فقال : أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئاً ، ولكن كان رجلاً يعجبه أخبار الناس .

6

واسمعوا القول الفصل من الإمام أحمد إذ يقول لطلابه:  اعلموا رحمكم الله تعالى إن الله – سبحانه وتعالى - إذا وهب الإنسان الخير العلم أو المال وخاصة العلم وحرمه قرناؤه حسدوه فرموه بما ليس فيه وبئست الخصلة في أهل العلم .
وأيضاً : العلماء أشد تغايراً من التيوس في زرابها . إذاً إتهام عبد الرزاق من أنه شيعي كلها باطلة.

قال ابن عدي: لعبد الرزاق أصناف وحديث كثير ، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم وكتبوا عنه ، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع ، وقد روى  أحاديث في الفضائل لم يتابع عليها ، فهذا أعظم ما ذموه من روايته لهذه الأحاديث ، ولما رواه في مثالب غيرهم ، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به .

قال أبو داود : وكان عبد الرزاق يعرض بمعاوية .

وقال العقيلي : من طريق فيه مخلداً الشعيري يقول : كنت عند عبد الرزاق ، فذكر رجل معاوية ، فقال : لا تقذر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان .

وقال العقيلي سمعت علي بن عبد الله بن المبارك الصنعاني يقول : كان زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق ، فأكثر عنه ، ثم حرق كتبه ، ولزم محمد بن ثور ، فقيل له في ذلك ، فقال : كنا عند عبد الرزاق فحدثنا بحديث ابن الحدثان ، فلما قرأ قول عمر رضي الله عنه لعلي والعباس رضي الله عنهما : فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك ، وجاء هذا يطلب ميراث امرأته من أبيها . قال عبد الرزاق : انظر إلى هذا الأنوك . أي الأحمق  يقول : من ابن أخيك ، من أبيها !  لا يقول رسول الله e . قال زيد بن المبارك : فقمت فلم أعد إليه ولا أروي عنه .

( فعمر يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم  ولا يقصد المكانة . وإنما يقصد الميراث  فعمر رضي الله عنه كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم ) ...

قال الذهبي بعد أن ساق الخبر السابق : في هذه الحكاية إرسال ، والله أعلم بصحتها ولا اعتراض على الفاروق رضي الله عنه فيها ، فإنه تكلم بلسان قسمة التركات .  وانفعل الإمام الذهبي وقال : عبد الرزاق أحق بهذه الكلمة من عمر  ( وفي الأخير نسأل الله أن يغفر لنا وله ....)

ولقد ذكر الرواة عن الإمام عبد الرزاق ما يناقض هذه الأقوال وخاصة فيما يتعلق بالشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فمن ذلك :

قول عبد الرزاق  : والله ما انشرح صدري قط أن أفضل علياً على أبي بكر وعمر ، رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان . ومن لم يحبهم فما هو مؤمن . وقال : أوثق أعمالي حبي إياهم .

7

وقال عبد الرزاق : الرافضي كافر .
يقول الحسن بن علي الحلواني : سمعت عبد الرزاق و قد سئل : أتزعم أن علياً كان على الهدى في حروبه ؟ قال : لا ها الله ، إذ يزعم علي أنها فتنة وأتقلدها له هذا .  هذه الروايات تبين موقف الإمام عبد الرزاق من الصحابة رضوان الله عليهم ، والرواية الأخيرة تدل على أنه كان يتوقف حتى في الحكم على ما جرى بين علي وخصومه ، ومادام أن علياً كان يعتبرها فتنة فلا يمكن أن يقال : إن الصواب في جانب وإن الجانب الآخر على الباطل .

أما الجانب الثــــــاني :

وهو ما يتعلق بروايته أحاديث في فضائل آل البيت وآحاديث ذكرها في مثالب غيرهم .    فقد ذكر بعض الرواة أحاديث عن الإمام عبد الرزاق قالوا : إنه انفرد بها ولم  يتابع ، من ذلك :

قال الذهبي في ميزان الاعتدال : أوهى ما أتى به حديث أحمد بن الأزهر – وهو ثقة – أن عبد الرزاق حدثه خلوة من حفظه ، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس أن رسول الله  r نظر إلى علي فقال : أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة ، من أحبك فقد أحبني  ومن أبغضك فقد أبغضني . قـــلت – أي : الذهبي  - : مع كونه ليس بصحيح فمعناه  صحيح سوى آخره ، ففي النفس منها شيء . وما اكتفى بها حتى زاد : وحبيبك حبيب الله ، وبغيضك بغيض الله ، والويل لمن أبغضك . فالويل لمن أبغضه هذا لا ريب فيه . بل الويل لمن يغض منه أو غض من رتبته ، ولم يحبه كحب نظائره أهل الشورى رضي الله عنهم أجمعين .

ومن ذلك أيضاً ما ذكره الذهبي أيضاً : عن عسكر قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : ذكر الثوري، عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة ، قال رسول الله r : " إن ولوا علياً فهادياً مهدياً " ، فقيل لعبد الرزاق : سمعته عن الثوري ؟ قال : حدثنا النعمان بن أبي شيبة ويحيى بن العلاء عنه .

النعمان فيه جهالة ، ويحيى بن العلاء هالك . لكن رواه أحمد في مسنده عن شاذان عن عبد الحميد الفراء عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق .

ورواه زيد بن الحباب عن فضيل بن مرزوق عن أبي إسحاق . وروي من وجه آخر عن أبي إسحاق فهو محفوظ عنه ، وزيد شيخه ما علمت فيه جرحاً . والخبر منكر . فيتبين أن هذه الرواية وإن كانت منكرة ، كما حكم عليها الذهبي لم ينفرد عبدالرزاق بها بل تابعه عليها غيره، ولكن الملحظ أنه دلس في روايته عن الثوري.

8

ومن ذلك ما قاله أبو الصلت الهروي – أنبأنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن  مجاهد ، عن ابن عباس ، قالت فاطمة عليها السلام : يا رسول الله ، زوجتني عائلاً لا مال له ، قال : " أما ترجين أن الله اطلع إلى أهل الأرض فاختار منها رجلين ، فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك "
هذه بعض الروايات التي انفرد بها عبد الرزاق . استـنبطوا منها أنه شيعي ، فهي روايات ضعيفة توبع عليها ، ولكنها لم تتقو، وقد تساهل فيها عبد الرزاق ؛ لأنها في فضائل علي رضي الله عنه أو مناقب آل البيت .

ومما نقل عنه في مثالب خصوم علي رضي الله عنه .

ما رواه ابن عدي ، حدثنا الحسن بن سفيان ، حدثنا ابن راهويه ، حدثنا عبد الرزاق عن ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً : إذا رأيتم معاوية على  منبري فاقتلوه .

من كل ما تقدم من أقوال متعارضة نسبها الرواة إلى الإمام عبد الرزاق ومن خلال الروايات التي روها في فضائل علي وآل البيت رضي الله عنهم أو رواها في مثالب غيرهم ، من كل ذلك نخرج بالنتائج التالية :

1 – إن الإمام عبد الرزاق كان يتشيع لآل البيت ويحبهم محبة كبيرة ، ولكن ذلك لم يدفعه إلى ما ذهب إليه غلاة الشيعة من تجريح في الصحابة أو رد أحاديثهم ، بل كان في مواقفه معتدلاً وآثارهم  مليئة بالروايات عن الصحابة جميعاً .

2- إن حبه لآل البيت وللإمام علي رضوان الله عليهم ، جعله يتساهل في بعض الأحاديث التي وردت في فضائلهم ، وربما علم الضعف في بعض رواتها .

3- إن محبته لآل البيت جعلته ينساق مع عاطفته أحياناً فيعرض بخصومهم أو تفلت منه فلتات لسان في شأنهم أما إذا كان في موقف الفتيا وإصدار الحكم والرأي فكان الثقة الثبت المدقق وقد وجدناه عندما سئل عن الحكم في الخلاف بين علي وخصومه : أتزعم أن علياً كان على الهدي في حروبه فقال : لا ها الله ، إذ يزعم  علي أنها فتنة ، وأتقلدها له هذا .

أي إن علياً نفسه اعتبرها فتنة بين المسلمين ولم يحكم على خصومه بالضلال وأنه على الحق المحض، فكيف أزعم أنه كان على الهدي وخصومه على الباطل .

9

وهذا منتهى الإنصاف من الرجل وهو موقف أهل السنة والجماعة .
9

4- إن جل ما يؤخذ عليه هو هذا التساهل في نقل الروايات الخاصة بآل البيت .
وخلاصة القول : إن الإمام عبد الرزاق الصنعاني هو الإمام الثقة الثبت روى له أئمة الحديث ، والهنات التي ذكرت عنه لم تؤثر على عدالته وضبطه بشكل عام .

وفـــــاته :

مات في نصف شوال سنة إحدى عشرة ومائتين وعاش خمساًَ وثمانين سنة .

آثـــــــــاره العلمية :

1 – السنن في الفقه .

2 – المغازي .

3- تفسير القران في 4 مجلدات أقدم تفسير قبل ابن أبي حاتم .

4-             الجامع الكبير في الحديث ( لعله يقصد به المصنف ) .

5-              تزكية الأرواح عن مواقع الإفلاح .

6-              كتاب الصلاة   .

7 – الأمالِي في آثار الصحابة .

والأخيران موجودان في المكتبة الظاهرية .













مصنف الإمـام ابـن أبـى شـيـبـه : 

(ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ترجمة مختصرة وغالب المتقدمين تراجمهم مختصرة).

هو: الإمام ابن أبى شيبه من بيت علم وفضل وصلاح وهذا هو المشهور عن أغلب المشهورين الذين نبغوا في العلم الذين ألفوا وصنفوا أغلبهم من بيت علم 0

وهو عبد الله بن محمد بن القاضي بن أبى شيبه, الإمام العلم , سيد الحفاظ , وصاحب الكتب الكبار

" المــــســــــند" و " المــــصنف" و " التـــفسير" .

ولد الشيخ أبو بكر سنة تسع وخمسين ومائة وتوفي سنة خمسة وثلاثين وبعد المائتين للهجرة 0

و أخوه الحافظ عثمان بن أبي شيبه والقاسم بن أبي شيب ، وإبراهيم بن أبي بكر هو ولده.

وهم جميعا من بيت علم وفضل؛ أجلهم وأعلمهم وأحفظهم : عبد الله بن أبي شيبه صاحب كتاب

" المـــصنف"0

وهو من أقرأن الإمام أحمد وإسحاق بن رهوايه وابن المديني في السن والمولد والحفظ , و يحيى بن معين أسن منه بسنوات

طلب العلم وهو صبي , وأكبر شيخ له : شريك بن عبد الله القاضي0

تـــــلـــامــيـذه :-
من أشهرهم : وكيع بن الجراح , الشيخان ؛ أبو داود, وابن ماجة, والإمام أحمد بن حنبل, ولا شئ له في جامع الترمذي0

أقوال العلماء فيه:-
قال يحي بن عبد الحميد الحمّاني :- أولاد ابن أبي شيبه من أهل العلم كانوا يزاحموننا عند كل محدث0

قال احمد بن حنبل :- أبو بكر صدوق وهو أحب إلينا من أخيه عثمان0

قال العجمي:- كان أبو بكر ثقة حافظاً للحديث 0

قال عمرو الفلاس:- ما رأيت أحدا أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبه قدم علينا مع علي بن المديني فسرد للشيباني أربع مائه حديثا حفظاً، وقام 0

قال أبو عبيد:- انتهي الحديث ألي أربعة فأبو بكر بن أبي شيبه أسردهم له وأحمد بن حنبل أحفظهم فيه ويحيى بن معين أجمعهم له وعلي بن المديني أعلمهم به0

قال محمد بن عمر بن العلاء الجر جاني:- سمعت أبا بكر بن أبي شيبه وأنا معهم في جَبَّانَة كنده ؛ فقلت : يا أبا بكر سمعت شريك وأنت ابن كم ؟ قال : ابن أربعة عشر ؛ وأنا يومئذ احفظ للحديث مني اليوم0

قال الجر جاني:سألت يحيى بن معين عن سماع أبي بكر بن أبي شيبه من شريك ؛ فقال: أبو بكر عندنا صدوق ؛ وما يحمله أن يقول: وجدت في كتاب أبي بخطه، قال وحُدِثت عن روح بن عباده بحديث الدجال كنا نظّنه سمعه من أبي هشام الرفاعي 0

قال عبدان الأهوازي:- كان أبو بكر يعقد عند الاسطوانة و أخوه ومُشْكُدَانة وعبدا لله بن البراد وغيرهم كلهم سكوت ألا أبا بكر فأنه يهدر .

قال ابن عدي:- هي الاسطوانة التي يجلس عليها ابن عقده ؛ وقال ابن عقده : هذه هي اسطوانة عبد الله بن مسعود جلس إليها بعده علقمة وبعده إبراهيم وبعده منصور وبعده سفيان الثوري وبعده وكيع وبعده أبو بكر بن أبي شيبه 0

قال صالح جزرة:- أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني ؛ وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين ؛ واحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبه 0

قال عبد الرحمن بن خرا ش:- سمعت أبا زرعه يقول: ما رأيت احفظ من أبي بكر بن أبي شيبه ؛ فقلت : يا أبا زرعه فأصحابنا البغداديون ؟ قال : دع أصحابك فإنهم أصحاب مخا ريق ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبه0

قال الخطيب البغدادي:- كان أبو بكر بن أبي شيبه متقناً حافظاً صنف المسند والأحكام و التفسير؛ وحدث ببغداد هو و أخواه القاسم وعثمان0

يقول الذهبي : كان أبو بكر قوي النفس بحيث انه استنكر تفرد ابن معين عن حفص بن غياث؛ فقال: من أين له هذا ؟ وهذه كتب حفص ما فيها هذا الحديث .

يقول الداودي:- أبو بكر الحافظ العديم النظير الثبت النحرير  .

 مــــؤلـــفــاتـــــه :-

(1) المصنف 0 وهو الكتاب المشهور الذي بين أيدينا .

(2) التاريخ 0 مخطوط في الظاهرية  .

(3) الإيمان 0 طبع في دمشق سنة 1966م .

(4) الأدب 0 حقق وطبع  ومخطوطته في الظاهرية .

(5) تفسير بن أبي شيبه لم يعلم عنه شئ ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون .

(6) ثواب القران .

(7) الجمل .

(8) الرد علي من رد علي أبي نعيم .

(9) الفتوح.

(10)  المسند .

وفاته:  توفي سنة 235هـ

____________________________________________
عدد الأبواب والكتب في المصنفين:-
عدد الكتب في مصنف ابن أبي شيبه:  38 كتابا.

عدد الكتب في مصنف عبد الرزاق: 32 كتابا.

عدد الأبواب في مصنف أبي شيبه: 5319 بابا.

عدد الأبواب في مصنف عبد الرزاق : 2536 بابا.

عدد الأحاديث والآثار في مصنف عبد الرزاق: 21033 حديثا وأثرا.                     

عدد الأحاديث والآثار في مصنف ابن أبي شيبة  :  36224

المرفوع منها: 7915 حديثا؛ والموقوف:  11050؛ و المقطوع: 17259 أثرا.

الأحاديث الزائدة في ابن أبي شيبة على الكتب الستة/ 3800 حديثا.
المادة العلمية التي اشتمل عليهاكل من المصنفين (مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبه) :
أحاديث مرفوعة وموقوفة ومقطوعة بأسانيدها من المؤلف إلى المنتهى سواء كان المنتهى الرسول صلى الله عليه و سلم ، أو الصحابة أو التابعين، وصنفها تحت كتب، وتحت الكتب أبواب، وتحتها الأحاديث و الآثار التي تناسبها وتدل على علم وفقه وحفظ.

أنواع التراجم الأبواب عند ابن أبي شيبه: 

1 ـ ترجمه بجملة خبرية عامه :-
مــثــال:-  الرجل ينسى الصلاة أو ينام عنها.

2 ـ ترجمة بجملة خبرية خاصة تحدد المسألة :-
مــثــال : المستحاضة كيف تصنع.

3 ـ الترجمة بآيه قرآنية أو بجزء من أية :-
مــثــال:- باب قوله تعالي (أو لامستم النساء).

4 ـ الترجمة بلفظ أحد أحاديث الباب :

مـــثــال:- يأخذ جملة أو قطعة من أحاديث الباب (من كان يمسح رأسه بفضل يديه).

5 ـ  الترجمة بالاسم الموصول "من " :-

مــثــال:-  أ- < من كره الكلام في الأذان >

ب- < من رخص بالمؤذن أن يتكلم في آذانه >

ج- <من كره أن يؤذن وهو غير طاهر >

6 ـ الترجمة بصيغة الاستفهام :-
مــثــال :- كيف يكون التكبير يوم عرفة ؟

7 ـ الترجمة بصيغة شرطية :-

مــثــال:- إذا دخل المسافر في صلاة المقيم .

وأنواع التراجم عند عبد الرزاق لا يختلف عنه.
ترتيب الكتب في المصنفين :-
أول كتاب عند عبد الرزاق الطهارة وكذلك عند ابن أبي شيبته .

ثم ثني عبد الرزاق بكتاب الحيض أما ابن أبي شيبه فكتاب الأذان والإقامة .

الكتاب الثالث عند عبد الرزاق كتاب الصلاة كذلك عند ابن أبي شيبه .

الكتاب الرابع عند عبد الرزاق كتاب الجمعة وعند ابن أبي شيبه كتاب الصيام

الكتاب الخامس عند عبدا لرزاق كتاب صلاة العيدين وعند ابن أبي شيبه كتاب الزكاة 000وهكذا.

إذ اً يوجد اختلاف في ترتيب الكتب ؛ كذلك ترتيب الأبواب تحت الكتب يختلف ؛ وكذلك ترتيب الأحاديث تحت الأبواب .

ولم يكن لأحد منهما منهج معين في سرد الأحاديث تحت الأبواب، ولكن يسرد كل واحد الأحاديث سردا من مروياته علي اختلاف الأبواب قد يكون حديث مرفوع ثم اثر موقوف ثم اثر مقطوع ويمكن بعده مرفوع بدون ترتيب0

منهج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في رواية الأحاديث:-
قد يكون منهج عبدا لرزاق في رواية الأحاديث نفس منهج ابن أبي شيبه .

1 ـ يفرد كل إسناد بمتنه وقد يختصر الحديث أو المتن أحيانا .

2ـ الاهتمام بصيغ التحمل ( حدثنا, أخبرنا) و أحيانا يصرح بمن حدثه إذا روى عن اثنين مثلا، يقول ( فلان حدثني)0

فينقل الصيغ كما سمعها من شيخة وهو عن شيخة من باب الأمانة العلمية ولأنه يترتب علي بعض الصيغ بعض الأحكام النقدية فأحيانا يقول: وجدت بخط فلان ؛ أحيانا يقول رويت عن فلان إجازة.

 3 ـ ينبه علي الزيادة والنقص في السند الواحد بين رواية واخري0

 4 ـ ينبه علي الاختلاف بين الرواة في رفع الحديث ووقفة .

  5 ـ ينبه علي اختلاف الرواة في إسناد الحديث اتصالاً وإرسالاً .
6 ـ ينبه علي الشك في الرواية في الإسناد أو المتن مع بيان من وقع منه الشك، منه أو من غيره.

 7 ـ يعتني بتحرير ألفاظ الروايات ويبين الاختلاف بينها و الزيادات التي في بعضها دون بعض0

 8 ـ ينبه علي اختلاف الرواة في ذكر بعض رواة السند، بعضهم يسميه وبعضهم ييهمه .

 9 ـ يدفع التوهم والخطأ الذي يمكن أن يقع في نسبة بعض الرواة الذين أهملت نسبتهم في بعض الأسانيد .

10 ـ يوثق بعض الرواة من شيوخه وغيرهم إثناء ذكر الحديث .

 11 ـ قد يشرح الغريب أحيانا .

 12 ـ يقطع المؤلف الحديث أو يكرره في أكثر من باب بالإسناد الأول أو بإسناد أخر لكون الحديث صالحا للاستدلال لجميع تلك الأبواب وربما ذكر الحديث في باب بطوله ورواه  في باب أخر مختصراً.

























مناهج مـن ألف في السـنن : 

أبو داود السجستاني: (203هـ  -  275 ) ترجمته في (دراسات في الكتب الستة)

منهجه في كتابه:

أراد أبو داود إن يكون كتابة جامعاً لأحاديث الأحكام ولم يرد إن يكون كتاباً جامعاً لكل أبواب الدين مثل المصنفات .

لأن المصنفات يذكر فيها المؤلف المرفوعة والمقطوعة والموقوفة ؛ لكن السنن أغلبها مرفوعة .

كذلك بالنسبة لسنن أبي داود من ناحية الشمول .

وبعض العلماء لا يسمي الموقوف والمقطوع سنة ، إذ يهدفون بالسنة ذكر كل ما اثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير؛ والؤلف في السنن يقصد هذا الجانب .

وآخرون من العلماء سموا  الموقوف والمقطوع سنة كما يسمى أيضا أثرأ، وأمثلة ذلك: إن العلماء المتقدمين كابن جُريج , وسفيان الثوري و الاوزاعي وهشيم بن بشير وابن المبارك وغيرهم ألفوا تحت مسمي السنن ولكن كتب هؤلاء لم تصل إلينا ؛ إلا سنن سعيد بن منصور فهو يشابه المصنفات إذ يذكر كتاب التفسير كاملا بالمأثور، وكتاب الزهد ونحو ذلك.

فهذا دليل علي أنه يوجد في السنن من يكتب في كل الأبواب وليس في حديث الأحكام فقط .

فنستطيع أن نقول : إن السنن والمصنفات كلها في مجال واحد ( من بعض الزوايا) يتفقان ويتفرقان - يتفقان في الأغلب ويتفرقان أحياناً -كذلك السنن الكبرى للبيهقي : لا يقتصر علي أحاديث الأحكام فقط ؛ وهو يورد المرفوع والموقوف والمقطوع0

كذلك سنن الدارمي : والبعض سماه المسند ويشتمل علي الأبواب، وهو يورد أيضا المرفوع والموقوف والمقطوع .

ولكن أبا داود أراد أن يقتصر كتابه علي أحاديث الأحكام فقط لأنه يري أنها هي التي يرتكز عليها العمل، فنحى منحى آخر وأراد أن يحفظ الناس هذا الكتاب لأن الإنسان يجب عليه أن يركز علي العلم ليحسن في جانب العمل الذي يكلف فيه .

ومن هذا الجانب يعتبر كتاب أبي داود جديدا في بابه حيث ركز علي أحاديث الأحكام ؛ فأراد أن يكون كتابة مختصرا ولم يرد التطويل ؛ لذلك يورد الأحاديث الطوال أحيانا مختصراً علي الشاهد فيقول : وذكر الحديث أيضا.

ومما يدل علي الاختصار في كتاب أبي داود أنه لا يورد في الباب الواحد إلا عدداً قليلاً من الأحاديث.

هل كتاب أبو داود شمل جميع الأحاديث الصحيحة ؟
لم يشتمل كتاب أبو داود جميع الأحاديث الصحيحة، إذا كان الشيخان في صحيحيهما لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة ولم يلتزما بذلك، كذلك أبو داود لم يلتزم بذلك  .

وفي رسالته لأهل مكة :- ذكر انه يخرج في الباب الصحيح وما يشابهه،  وهو الحسن، وفيه الضعيف الذي ضعفه شديد، فقد ذكر انه يبينه .

قال ابن حجر:- نستخلص من هذا انه ما لم يكن فيه وهن شديد فأنه يسكت عنه وهو ما قال فيه "وما سكت عنه فهو صالح"

ماذا يراد بكلمة صالح؟
هل يعني بصالح انه صالح للاحتجاج أو انه صالح للاعتبار؟
صالح للاحتجاج بمفردة أي حينما يورده  يمكن أن يحتج به في ذلك الباب ؛ أو صالح للاعتبار بمعني أن فيه ضعفا يسيراً ولكنه يصلح أي يتقوى و ينجبر ضعفه بتعدد الطرق0 وبالشواهد.

(والمسكوت عنه) أحيانا فيه ضعيف شديد لا ينجبر وهذا قليل جدا، فاغلب المسكوت عنه ضعف ينجبر.

ثناء العلماء علي السنن :-
يعتبر كتابه هذا من الكتب البديعة التي أعجب بها العلماء إعجابا شديدا لجودة مادته العلمية0

عدد أحاديثه :-

عدد الأحاديث بالمكرر حوالي ستة آلاف حديث  .

وبغير المكرر أربعة آلاف وثمانمائة حديث ؛ ولكن كلام أبي داود يدل علي أنه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، والسبب : اختلاف طريقة العد عند بعض من يعد الأحاديث ولذلك يختلف الترقيم بين النسخ0

الـــتـــرمـــذي تـ(279 ): ترجمته في (دراسات في الكتب الستة)

الترمذي له منحى آخر إذا وازنّا مع المصنفات وسنن أبي داود  .

منهج الترمذي :

لم يستعمل لفظ كتاب وإنما استعمل لفظ أبواب مثل أبواب الطهارة , أبواب الصلاة , ثم يذكر تحت الأبواب عدة من الأبواب؛ بقوله باب كذا وباب كذا ، فيذكر لها عناوين مستنبطا من الأحاديث و تكون جزء من آيه ؛  فهو متأثر في إيراده لهذه العناوين بشيخيه البخاري وابن أبي شيبه .

ونجده أيضا يُترجم للمسألة – وهو العنوان والتبويب الذي يضعه ويورد تحت ذلك الباب حديثا أو أكثر ثم إذا فرغ من إيراد الحديث اتبع ذلك بآراء الفقهاء في المسألة وعملهم بالحديث , ويتكلم علي درجة الأحاديث تصحيحا وتحسيناً وتضعيفاً وغرابة, وله منهج دقيق لا يفقهه إلا القلة المتمرسون كقولة حسن صحيح0، أو غريب صحيح ونحو ذلك.

وكذلك من منهجه : أنه يذكر طرق الحديث أحيانا، وإذا كانت هناك أحاديث أخرى تناسب الترجمة أشار إليها بقوله : وفي الباب عن فلان وفلان من الصحابة0

تأثر الترمذي بشيخيه البخاري ومسلم:-
من الناحية الفقهية الإمام البخاري يركز على (الناحية الفقهية) بعد اهتمامه بالناحية الإسناديه أكثر حيث يتخير وينتقي الرواة، وأما الرواة الذين فيهم نوع من الكلام ينتقي من مروياتهم انتقاءً0

أما الإمام مسلم : فيركز علي الناحية الحديثية، ولم يكن له اعتناء بالتبويبات الفرعية أو الفقهية.

والترمذي: جمع بين هاتين الطريقتين ( الصناعية الحديثية والناحية الفقهية ) ومن ثم وصف كتابه (بالجامع ) أي جمع كل أبواب الدين ؛ أو جمع الجانب الحديثي والجانب الفقهي0

ثناء العلماء علي كتاب الترمذي :-

يقول ابن رشد:- إن كتاب الترمذي تضمن الحديث مصنفاً على الأبواب وهو علم برأسه -أي علم مستقل - والفقه وهو علم ثاني ؛ وعلل الحديث : ويشتمل علي بيان الصحيح من السقيم وما بينهما من المراتب وهو علم ثالث، والأسماء و الكنى وهو علم رابع ؛ والتعديل والتجريح وهو علم خامس ؛ ومن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم  ومن لم يدركه  ممن اسند عنه في كتابه وهو علم سادس ؛ وتعديد من روي ذلك الحديث وهو علم سابع .

ثم قال  : هذه علومه المجملة وأما التفصيلية فمتعددة، وبالجملة فمنفعته كثيرة و فوائدة غزيرة  .

وقال ابن العربي :- في عارضه الاحوذي وعقد فصلاً عدد فيه فوائد هذا الكتاب فمن جملة ما قال في هذا الفصل: وليس فيها ( يقصد في كتب الحديث ) مثل كتاب أبي عيسي حلاوة مقطع ؛و نفاسة منزع ؛ وعذوبة مشرع ؛ وفيه أربعة عشر علماً  :

فهو قد صنف وأسند وصحح وأسقم وعدد الطريق وجّرح وعدّل وأسمى وأكنى ووصل وقطع وأوضح المعمول به والمتروك وبين اختلاف العلماء في الرد والقبول لأثاره وذكر اختلافهم في تأويله وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه وفرد في نصابه فالقارئ له لا يزال في رياض مونقة وعلوم متدفقة متسقة0

وهذه الفوائد التي أشار إليها أبو بكر بن العربي وابن رشد رحمهما الله تعالي- نجد أنها في مجملها تعدد إلى أمرين :

الأمر الأول : الصناعة الحديثية0

الأمر الثاني: فقه الحديث 0

وهذا هو الذي أشرت إليه فيما سبق من أنه جمع بين طريقتي شيخيه البخاري ومسلم0

النسائي تـ (303 ): ترجمته في (دراسات في الكتب الستة)

هو : أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان النسائي تــ(303 ) فهو آخرهم مؤلفي الكتب الستة موتاً،  فجميعهم في القرن الثالث .

وعندما نطلق سنن النسائي نقصد بذلك : السنن الصغرى لأن النسائي له السنن الكبرى أيضاً ؛ و لكن المقصود بالسنن التي هي إحدى السنن الأربعة هي السنن الصغرى ؛ بل أطلق بعض العلماء عليها مسمى الصحيح مثل ما أُطلقوا على كتاب البخاري و مسلم ولكن هذا يحتاج إلى تتبع ؛ و بالتتبع ثبت أن هناك أحاديث غير صحيحة .

مفاضلة بين الإمامين النسائي و الترمذي و كتابيهما :

(1) العلماء أثنوا على كتاب النسائي و قالوا أنه متشدد في الجرح و التعديل وقالوا في المقابل الترمذي متساهل .

و الحكم على الرجل لابد و أن يكون من خلال دراسة جميع أقواله و أفعاله لا بالنسبة إلى مجموعة معينة من الأقوال و يحكم عليه من خلالها .

يقول ابن رشيد : كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً و أحسنها ترصيفاً .

يقول عبد الرحيم المكي ( الذي هو أحد شيوخ الأحمر الذي هو أحد رواة كتاب الإمام النسائي ): أنه أشرف المصنفات كلها و ما وضع في الإسلام مثله .

وهذا القول من وجهة نظر القائل ؛ و أن كان فيها شيء من المبالغة.

و قد عُرف النسائي بتشدده في الجرح ؛ وهذا التشدد أفاده في انتقاء الأحاديث ؛ و هذا هو التشدد الذي دعاه إلى ترك مثل حديث ابن لهيعة ؛وقد انبهر بعض العلماء من صنيع الإمام النسائي و من هؤلاء العلماء : الإمام الدار قطني ، فالواحد منهم يفخر بعلو الإسناد و قد حصل للنسائي علو إسناد لا مثيل له من طريق ابن لهيعة حينما يخرج حديثاً عن شيخه قتيبة بن سعيد ؛ وقتيبة يروي عن ابن لهيعة ؛ و ابن لهيعة يُعتبر من قدماء شيوخ قتيبة بن سعيد ؛ فيصبح عنده أسانيد عالية من هذا الباب ؛ وترك النسائي جميع هذه الأسانيد و لا يُخَرّج لابن لهيعة شيئاً ، فيعتبرون هذا من باب الصبر فيقولون: من يصبر على ما صبر عليه النسائي كان عنده حديث ابن لهيعة حديثاً حديثاً فترك حديث ابن لهيعة و لم يتركه النسائي إلاّ لأجل الكلام الذي فيه .

(2) منهج النسائي لا يفهمه كل أحد بخلاف كتاب الترمذي الذي اشتمل على جوانب تميز بها عن كتاب النسائي .

أ ـ فهو سهل على طلاب العلم ، و يصلح لطلاب الحديث و غيرهم ، فمجرد ما يقرأ الطالب الباب يفهم المراد منه .

ب ـ الصناعة الحديثية تبرز لدى الإمام النسائي أكثر؛ حتى إن بعضهم قال : إن كتابه السنن كتاب علل ؛ فلا يفهم المقصود من جوانبه الحديثية إلاّ المتخصص في الحديث ؛ فمثلاً يقول في كتابه :

( بابٌ كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائماً ) وذكر اختلاف الناقلين عن عائشة ؛ فيذكر هنا علل اختلاف الناقلين عن عائشة فلان يروي كذا و فلان يروي كذا ؛ فقد يكون هناك علة في الإسناد أو علة في المتن أو يكون شاذاً أو غير ذلك ؛ فهذا لا يفهمه إلاّ المتخصص في هذا الفن .

فهناك أمور دقيقة عند الإمام النسائي لا يفهمها إلاّ المتقن المدقق المتخصص في الحديث ؛ فالترمذي تكلم كلاماً واضحاً ، فألفه بأسلوب واضح مبسط وهذا الوضوح لا نجده عند الإمام النسائي .

@#$ وسنن النسائي فيه ثلاثة أنواع من الأحاديث :

(أ‌)               أحاديث مخرجة في الصحيحين ؛ و أكثر كتابه من هذا النوع لأنه صاحب شرط قوي .

(ب)  أحاديث صحيحة على شرط الشيخين .

(ج)  أحاديث أخرجها و أوضح علتها بطريقة يفهمها أهل الصنعة و الاختصاص ؛ أي أنه قد يشير إلى علة الحديث إشارة واضحة ، وقد لا يشير إشارة واضحة  ولكن بما يفهمه أهل الصنعة الحديثية .

فيقول مثلاً بعد ذكر الحديث : ذِكر اختلاف الناقلين لهذا الخبر عن فلان ( وهو أحد الرواة الذين تدور عليهم أسانيد هذا الحديث ) و من ثم يبدأ في بيان الاختلاف في الحديث بما يشير إلى وجود علة فيه ؛ وقد تكون العلة قادحة و قد تكون العلة غير قادحة.
 (3) الإمام النسائي جمع في كتابه بين الجودة الحديثية النقدية و بين الناحية الفقهية فهو إذن مثل الترمذي الذي جمع بين طريقتى شيخيه البخاري و مسلم فكذلك النسائي جمع بين طريقتى البخاري و مسلم؛ الصناعة الحديثية و الصناعة الفقهية.
ولكن الترمذي أكثر إيضاحا لفقه الحديث من النسائي .

(4) يمتاز كتاب النسائي عن كتاب الترمذي بأنه أقل إخراجاً للأحاديث الضعيفة .

(5) ويقول النسائي : إنه لا يترك حديث الرجل حتى يجمع الجميع على تركه .

و يقول د. سعد آل حميد : لعل مقصده حتى يجمع أئمة طبقة معينة .

مثـال:

إذا جئنا لراوٍ حدَّث عنه عبد الرحمن بن مهدي و تركه يحيى بن سعيد القطان ؛ يعتبر النسائي هذا من باب الاختلاف في ذلك الراوي ؛ فيقول : إنه مادام لم يجمع يحيى القطان و عبد الرحمن بن مهدى على ترك ذلك الراوي فأنا لا أتركه بهذه الصورة ؛ لأننا نجده أحياناً يترك أحاديث بعض الرواة الذين ليسوا بهذه الصفة مثل ابن لهيعة .

(6) تجنب اخراج أحاديث جماعة ممن أخرج لهم البخاري ومسلم، مثل اسماعيل بن أبي أويس.

بل نجد الدار قطني أفرد مصنفاً جمع فيه أسماء الرواة الذين ضعفهم النسائي و أخرج لهم الشيخان في صحيحيهما .

فنجد النسائي في كتابه هذا يحرص كل الحرص في الباب الواحد على إخراج الحديث الصحيح إذا وجده ؛ فإن لم يجد أخرج بعض الأحاديث الضعيفة التي يرى أن رواتها المضعفين ممن لم يجمع الأئمة على ضعفهم و ترك حديثهم .

(7) النسائي قد يجد في الباب حديثاً صحيحاً و يخرج معه بعض الأحاديث الضعيفة ؛ و السبب في ذلك كون ذلك الحديث الضعيف تضمن زيادة لم ترد في الحديث الصحيح .

و مثال ذلك :

الحديث الذي رواه من طريق سعيد بن سلمة عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك رضى الله عنه أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دعا قال " اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن ؛ و العجز و الكسل ؛ و البخل و الجبن ؛ و ضلع الدين و غلبة الرجال "

فقال الإمام النسائي : سعيد بن سلمة شيخ ضعيف ؛ صدوق صحيح الكتاب يخطئ من حفظه .

فهذا الحديث جاءت فيه زيادة – م تكن موجودة في الأحاديث التي أخرجها هو من طريق سعيد بن سلمة - وهي جملة ( وضلع الدين ) فأورد هذا الحديث من طريق هذا الراوي المُتكلم فيه لأجل هذه الزيادة .

(8) وأما اهتمامه بالناحية الفقهية : فقد رتب الأحاديث ترتيباً فقهياً ؛ وإن كان الترمذي يتفوق عليه في بعض الجوانب الفقهية و في ذكر آراء الفقهاء ؛ و النسائي يتفوق في انتقاء الأحاديث الصحيحة .

ومن الأدلة على عناية الإمام النسائي بالناحية الفقهية تكراره للحديث ؛ فإنه يكرر الحديث كثيراً حتى قيل إنه أكثر الكتب تكراراً للحديث، ومثال ذلك: حديث " إنما الأعمال بالنيات ؛ و إنما لكل امري ما نوى " فكرر هذا الحديث ست عشرة مرة وهذا كثير .

وإذا قلنا إن الترمذي يتميز بإيراد آراء الفقهاء فليس معنى هذا أن النسائي لا ينقل عن الفقهاء آراءهم بل ينقلها و لكنها قليلة.

(9)  ومن اعتنائه بفقه الحديث أنه في أحايين كثيرة يقتصر على موضع الشاهد من الحديث ؛ ويختصر المتن إذا كان لا يهمه في ذلك الموضع إلا الشاهد فقط.

وكذلك يورد أحياناً الأحاديث المتعارضة في الباب الواحد ؛ ومعنى هذا أنه يرى في العمل بهذا الحديث و ذاك، مثال ذلك : إيراده لأحاديث الجهر بالبسملة و عدم الجهر بها، فقد ( أخرج أحاديث الجهر و أحاديث عدم الجهر ) فكأنه يشير إلى العمل بهذه و هذه دون ترجيح شيئاً منها على الأخرى.

فـائـدة :

وترتيب السنن الأربعة على ما هو المشهور – أبو داود ، الترمذي، النسائي، ابن ماجة – لا يستلزم تقديم كل واحد منها على الآخر من حيث الأفضلية والأصحية، أو الصناعة الحديثية فهو ترتيب حسب نظر بعض العلماء حسب ما ظهر لهم من وجوه معينة خاصة، لا من كل الجوانب، فتقديم الترمذي على النسائي مثل عمل أهل المغرب إذ يرون أن صحيح مسلم أفضل من صحيح البخاري لبعض المميزات التي يرونها فيه و لا يجدونها في صحيح البخاري .

وحتى من قدم صحيح البخاري على صحيح مسلم فهذا لا يعني تقديم كل حديث فرداً فرداً، فقد نجد حديثاً في صحيح البخاري أقل درجة - من حيث الصحة ومن حيث اكتمال أعلى مواصفات الصحة - من حديث في صحيح مسلم .



الكتب المؤلفة باسم الصحيح، أو اصطلح على تسميتها بالصحيح:

كتاب الامام البخاري تـ(256): ترجمته في (دراسات في الكتب الستة)

 الباعث إلى تأليف و تصنيف الإمام البخاري للصحيح :

الحافظ ابن حجر أوضح السبب في " هدي الساري " في مقدمة فتح الباري :

فيقول أنه لما كثرت المصنفات و المسانيد من الأئمة و الحفاظ كالإمام أحمد بن حنبل ؛و إسحاق بن راهويه ؛ و عثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء كأبي بكر ابن أبي شيبة ؛ ورأى البخاري - رحمه الله - هذه التصانيف ورواها و انتشق رياها و استجلى محياها ؛ وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح و التحسين ؛ والكثير منها يشمله التضعيف ؛ فلا يقال لغثه سمين؛ فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين ؛ و قوَّى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه ؛ يقول البخاري :

كنا عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ؛ قال : فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح .

ويقول البخاري أيضاً :

رأيت النبي صلى الله عليه و سلم و كأني و اقف بين يديه و بيدي مروحة أذب بها عنه ؛ فسألت بعض المعبرين فقال لي : أنت تذب عنه الكذب ؛ فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح .

و يقول أيضاً :

ما كتبت في كتاب الصحيح حديثاً إلاّ اغتسلت قبل ذلك و صليت ركعتين ؛ ويقول : خرّجت الصحيح من ستمائة ألف حديث .

ويقول : لم أُخرج في هذا الكتاب إلاّ صحيحاً و ما تركت من الصحيح أكثر .

وقال أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي : لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ؛ ويحيى ابن معين ؛ وعلي ابن المديني و غيرهم فاستحسنوه و شهدوا له بالصحة إلاّ في أربعة أحاديث .

قال العقيلي : و القول فيها قول البخاري وهى صحيحة .


موضوع الكتاب .

التزم فيه الصحة و أنه لا يورد فيه إلاّ حديثاً صحيحاً ؛ وهذا أصل موضوعه ؛ وهو مستفاد من تسميته إياه :" الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و سننه و أيامه "

و مما نقلناه من رواية الأئمة عنه صريحاً ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية و النكت الحكيمة فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها .

و اعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة و سلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة .

قال الشيخ محي الدين نفع الله به : ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط ؛ بل مراده الاستنباط منها و الاستدلال لأبواب أرادها ولهذا المعنى :

(1) أخلى كثيراً من الأبواب عن إسناد الحديث و اقتصر فيه على قوله ( فيه فلان عن النبي صلى الله عليه و سلم ) أو نحو ذلك .

(2) وقد يذكر المتن بغير إسناد .

(3) وقد يورده معلقاً ؛ و إنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها و أشار إلى الحديث لكونه معلوماً ؛ وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريباً .

أما ما يقع في أكثر أبوابه من الأحاديث الكثيرة ؛ وفي بعضها ما فيه حديث واحد ؛ وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، و بعضها لا شئ فيه البتة .

فقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمداً ؛ وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه .

ومن ثم وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب؛ فأشكل فهمه على الناظر فيه .

قال إبراهيم بن أحمد المستملي : انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري فرأيت أشياء لم تتم ، و أشياء مبيضة ، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً ، ومنها أحاديث لم يترجم لها فأضفنا بعض ذلك إلى بعض .

وقد ظهر لابن حجر : إن تراجم البخاري لأبوابه على أطوار :

(1) إن وجد حديثاً يناسب ذلك الباب ولو على وجه خفي ووافق شرطه أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه وهى " حدثنا " و ما قام مقام ذلك : و " العنعنة " بشرطها عنده .

(2) و إن لم يجد فيه إلاّ حديثاً لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة كتبه في الباب مغايراً للصيغة التي يسوق بها ما هو من شرطه ؛ و من ثم أورد التعاليق .

(3) و إن لم يجد فيه حديثاً صحيحاً لا على شرطه و لا على شرط غيره ؛ و كان مما يستأنس به و يقدمه على القياس استعمل لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمةً : " باب " ثم أورد في ذلك إما آية من كتاب الله تشهد له أو حديثاً يؤيد عموم ما دل عليه ذلك الخبر .

 شـــرط الـبخـاري:

أما تحقيق شرطه فيه و تقرير كونه أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر ما حاصله :

إن شرط الصحيح أن يكون إسناده متصلاً ؛ و أن يكون راويه مسلماً صادقاً غير مدلس و لا مختلط؛ متصفاً بصفات العدالة ضابطاً متحفظاً سليم الذهن قليل الوهم سليم الاعتقاد .

قال : و مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه العدول ؛ فبعضهم حديثه صحيح ثابت و بعضهم حديثه مدخول .

قال : وهذا باب فيه غموض و طريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن الراوي الأصل و مراتب مداركهم؛ ومثال ذلك :

أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلاً على خمس طبقات و لكل طبقة منها مزية على التي تليها ؛ فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة و هو مقصد البخاري.

و الطبقة الثانية شاركت الأولى في التثبت إلاّ أن الأولى جمعت بين الحفظ و الإتقان و بين طول الملازمة للزهري حتى كان فيهم، من يزامله في السفر و يلازمه في الحضر ؛ و الطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلاّ مدة يسيرة فلم تمارس حديثة فكانوا في الإتقان دون الأولى وهم شرط مسلم .

فأما الطبقة الأولى فهم شرط البخاري ؛ وقد يخرج من حديث الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب.

قال ابن حجر: وأكثر ما يخرج البخاري من حديث الطبقة الثانية تعليقا، وربما أخرج من من الطبقة الثالثة تعليقا أيضا.

و أما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين على سبيل الاستيعاب ؛ و يخرج أحاديث أهل الطبقة الثالثة على النحو الذي يصنعه البخاري في الثانية ؛ و أما الرابعة و الخامسة فلا يعرجان عليهما .





المفاضلة بين الـصحيحين :

قال الإمام أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه في علوم الحديث فيما أخبرنا به أبو الحسن بن الجوزي عن محمد بن يوسف الشافعي عنه سماعاً قال :

أول من صنف في الصحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل و تلاه أبو الحسين بن مسلم بن الحجاج القشيري؛ ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري و استفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه و كتابهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز .

و أما ما رويناه عن الشافعي رضى الله عنه أنه قال : " ما أعلم في الأرض كتاباً في العلم أكثر صواباً من كتاب مالك " . قال و منهم من رواه بغير هذا اللفظ يعني بلفظ :" أصح من الموطأ " . فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري و مسلم .

ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحاً و أكثرهما فوائد ؛

و أما ما رويناه عن أبي علي الحافظ النيسابوري أستاذ الحاكم أبي عبد الله الحافظ من أنه قال : " ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج "؛ فهذا و قول من فضل من شيوخ المغرب كتاب مسلم على كتاب البخاري :

1 /  إن كان المراد به أن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح فإنه ليس فيه بعد خطبته إلاّ الحديث الصحيح مسروداً غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري في تراجم أبوابه من الأشياء التي لم يسندها على الوصف المشروط في الصحيح فهذا لا بأس به .

و ليس يلزم منه أن كتاب مسلم أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح على كتاب البخاري .

2 /  و إن كان المراد به أن كتاب مسلم أصح صحيحاً فهذا مردود على من يقول .

وقال الإسماعيلي في المدخل :

أما بعد فإني قد نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبد الله البخاري فرأيته جامعاً كما سمي لكثير من السنن الصحيحة ودالاً على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة التي لا يكمل لمثلها إلاّ من جمع إلى معرفة الحديث و نقلته و العلم بالروايات و عللها علماً بالفقه و اللغة و تمكناً منها كلها و تبحراً فيه؛ و كان يرحمه الله الرجل الذي قصر زمانه على ذلك فبرع و بلغ الغاية فحاز السبق و جمع إلى ذلك حُسن النية و القصد للخير فنفعه الله و نفع به .

قال أبو يعلى الخليلي الحافظ في الإرشاد ما ملخصه :

رحم الله محمد بن إسماعيل فإنه ألف الأصول – يعني الأحكام – من الأحاديث ؛ و بين للناس و كل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه ؛ كمسلم بن الحجاج .

فهذا من حيث الجملة و أما من حيث التفصيل :

فإن مدار الحديث الصحيح على الاتصال و إتقان الرجال و عدم العلل ؛ و عند التأمل يظهر أن كتاب البخاري أتقن رجالاً و أشد اتصالاً .

وبـيـان ذلـك مـن أوجــه :

أحدها : أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة و بضع و ثلاثون رجلاً  ( المتكلم فيهم بالضعف منهم ثمانون رجلاً )

و الذين انفرد  مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمائة و عشرون رجلاً ( المتكلم فيه بالضعف منهم مائة و ستون رجلاً )

ولا شك أن تخريج عمن لم يتكلم فيه أصلاً أولى من التخريج عمن تكلم فيه و إن لم يكن ذلك الكلام قادحاً .

ثانيهما : أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم و ليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها أو أكثرها إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس

بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ : كأبي الزبير عن جابر ؛ و سهيل عن أبيه ؛ و العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ؛ وحماد بن سلمة عن ثابت و غير ذلك .

ثالثهما : أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم و جالسهم و عرف أحوالهم و اطلع على أحاديثهم و ميز جيدها من موهو مها .

بخلاف مسلم فإن أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه ممن تقدم عن عصره من التابعين و من بعدهم .

و لا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدم منهم .

رابعها : أن البخاري يخرج أحاديث أهل الطبقة الثانية انتقاء .

و مسلم يخرجها أصولاً كما تقدم ذلك من تقرير الحافظ أبي بكر الحازمي .

فهذه الأوجه الأربعة تتعلق بإتقان الرواة .

الخامس : يتعلق بالاتصال ؛

وذلك أن مسلماً كان مذهبه على ما صرح به في مقدمة صحيحه و بالغ في الرد على من خالفه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن و من عنعن عنه ؛ و إن لم يثبت اجتماعهما إلاّ إن كان المعنعن مدلساً .

و البخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة .

السادس : يتعلق بعدم العلة ؛ إن الأحاديث التي انتقدت عليهما بلغت مائتي حديث و عشرة أحاديث .

اختص البخاري منها بأقل من ثمانين و باقي ذلك يختص بمسلم .

و لا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر و الله أعلم .

بــيـان أنواع التراجم عند البخاري:

أنواع التراجم : ظاهرة و خفية .

أما الظاهرة : هى أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمونها و إنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة ؛ كأنه يقول هذا الباب الذي ذكرت فيه كيت و كيت ؛ أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلاً .

و أما الخفية : فقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه ؛ وهذا في الغالب قد يأتي من ذلك :

1 / ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد فيعين أحد الاحتمالين بما يذكر تحتها من الحديث ؛

2 /  و قد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك بأن يكون الاحتمال في الحديث و التعين في الترجمة ؛ و الترجمة هنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه ؛ مثلاً المراد بهذا الحديث العام الخصوص ؛ أو بهذا الحديث الخاص العموم إشعاراً بالقياس لوجود العلة الجامعة ؛ أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى ، و يأتي في المطلق و المقيد نظير ما ذكرنا في الخاص و العام  وكذا في شرح المشكل ؛ وتفسير الغامض ؛ و تأويل الظاهر ؛ و تفصيل المجمل ؛ وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب ؛ و لهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء فقه البخاري في تراجمه .

و أكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثاً على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم به و يستنبط الفقه منه .

مقصده في التراجم الخفية:

(1) يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره و استخراج خبيئه ؛ و كثيراً ما يفعل ذلك حيث يذكر الحديث المفسر لذلك في موضع آخر متقدماً أو متأخراً ؛ فكأنه يحيل عليه و يومئ بالرمز و الإشارة إليه .

(2) وكثيراً ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله : " باب هل يكون كذا أو من قال كذا "

(3) و كثيراً ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى لكنه إذا حققه المتأمل أجدى ؛ كقوله :" باب قول الرجل ما صلينا " و أشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا اللفظ .

(4) وكثيراً ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي كقوله : " باب استياك الإمام بحضرة رعيته " فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة فلعل بعض الناس دل على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر ؛ نبه على ذلك ابن دقيق العيد .

(5) و كثيراً ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه ؛ أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحاً في الترجمة ؛ ويورد في الباب ما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر و تارة بأمر خفي ؛ ومن ذلك قوله : " باب الأمراء من قريش " و هذا لفظ حديث يروى عن علي رضى الله عنه و ليس على شرط البخاري ؛ و أورد فيه حديث " لا يزال والٍ من قريش " ؛ ومنها قوله : " باب اثنان فما فوقهما جماعة " و هذا حديث يروى عن أبي موسى الأشعري و ليس على شرط البخاري وأورد  فيه : " فأذِنا و أقيما و ليؤمكما أحدكما " .

(6) و ربما اكتفى أحياناً بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه ؛ و أورد معها أثراً أو آية ؛ فكأنه يقول لم يصح في الباب شيء على شرطي .

و للغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض ؛ قال ابن حجر: ومن تأمل ظفر و من جد وجد  .

تقطيعه للحديث واختصاره و فائدة إعادته له في الأبواب و تكراره :

قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي :

اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع :

 أ ) يستدل به في كل باب بإسناد آخر .

ب) يستخرج منه بحسن استنباطه و غزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه .

3ج) قلما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد و لفظ واحد ؛ و إنما يوردها من طريق أُخرى لمعان:

1 ـ أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر ؛ و المقصود منه أن يخرج الحديث عن حد الغرابة .

2 ـ يفعل ذلك في أهل الطبقة الثانية و الثالثة و هلم جراً إلى مشايخه ؛ فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار و ليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة .

3 ـ أنه صحح أحاديث على هذه القاعدة ؛ يشمل كل حديث منها معان متغايرة فيورده في كل باب من طريق غير الطريق الأولى .

4 ـ أحاديث يرويها بعض الرواة تامة و يرويها بعضهم مختصرة فيوردها كما جاءت ليزيل الشبهة عن ناقليها .

5 ـ أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم فحدث راو بحديث فيه كلمة تحتمل معنى ؛ وحدث به آخر فعبر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أُخرى تحتمل معنى آخر فيورده بطريقه إذا صحت على شرطه ؛ و يفرد لكل لفظة باباً مفرداً .

6 ـ أحاديث تعرض فيها الوصل و الإرسال و رجح عنده الوصل فاعتمده و أورد الإرسال منبهاً على أنه لا تأثير له عنده في الوصل .

7 ـ أحاديث تعرض فيها الوقف و الرفع و الحكم فيها كذلك .

8 - أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلاً في الإسناد و نقصه بعضهم فيوردها على الوجهين حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر ثم لقيى الآخر فحدثه به فكان يرويه على الوجهين .

9 - أنه ربما أورد حديثاً عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرحاً فيها بالسماع من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في المعنعن .

هذا جميعه فيما يتعلق بإعادة المتن الواحد في موضع آخر أو أكثر .

تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه في أخرى:

1 / لأنه يرى إن كان المتن قصيراً أو مرتبطاً بعضه ببعض ؛ وقد اشتمل على حكمين فصاعداً ؛ فإنه يعيده بحسب ذلك مراعياً مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية ؛ وهى إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك ؛ فيستفيد من ذلك تكثير الطرق لذلك الحديث .

2 / ربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلاّ طريق واحد فيتصرف حينئذ فيه فيورده في موضع موصولاً و في موضع معلقاً ؛ و يورده تارة مقتصراً على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب.

فان كان المتن مشتملا على جمل متعددة لا تعلق لاحداها بالأخرى فانه يخرج كل جملة منها في باب مستقل فرارا من التطويل، وربما نشط مساقه بتمامه، فهذا كله في التقطيع.

أما اقتصاره على بعض المتن :

فإنه لا يقع له ذلك في الغالب إلاّ حيث يكون المحذوف موقوفاً على الصحابي ؛ و فيه شيء قد يحكم برفعه فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع و يحذف الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه .

في بيان سبب إيراده للأحاديث المعلقة :

المراد بالتعليق : ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر و لو إلى آخر الإسناد ؛ وتارة يجزم به ك(قال) وتارة لا يجزم به ك (يذكر).

أما المعلق في المرفوعات على قسمين :

أحدهما : ما يوجد في موضع آخر من كتابه هذا موصولاً .

وثانيهما : ما لا يوجد فيه إلاّ معلقاً .

فالأول قد بينا السبب فيه و أنه يورده معلقاً حيث يضيق مخرج الحديث إذ من قاعدته أنه لا يكرر إلاّ لفائدة ؛ فمتى ضاق المخرج و اشتمل المتن على أحكام فاحتاج إلى تكريره فإنه يتصرف في الإسناد بالاختصار خشية التطويل .

و الثاني : و هو ما لا يوجد فيه إلاّ معلقاً : فإنه على صورتين إما أن يورده بصيغة الجزم و إما أن يورده بصيغة التمريض ، والمسألة معروفة ومبسوطة في كتب في علوم الحديث.

وأما الموقوفـات :

فإنه يجزم منها بما صح عنده و لو لم يكن على شرطه.

و لا يجزم بما كان في إسناده ضعف أو انقطاع إلاّ حيث : يكون منجبراً إما بمجيئه من وجه آخر و إما بشهرته عمن قاله ؛ و إنما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين و من تفاسيرهم لكثير من الآيات على طريق الاستئناس و التقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها الخلاف بين الأئمة ؛ فحينئذ ينبغي أن يقال جميع ما يورد فيه إما أن يكون مما ترجم به أو مما ترجم له، فالمقصود من هذا التصنيف بالذات هو الأحاديث الصحيحة المسندة و هي التي ترجم لها .

و المذكور بالعرض والتبع: الآثار الموقوفة و الأحاديث المعلقة، نعم و الآيات المكرمة ؛ فجميع ذلك مترجم به إلا أنها إذا اعتبرت بعضها مع بعض و اعتبرت أيضاً بالنسبة إلى الحديث يكون بعضها مع بعض منها مفسَّر و منها مفسِّر ؛ فيكون بعضها كالمترجم له باعتبار و لكن المقصود بالذات هو الأصل .







كتاب الإمام مسلم تـ(260 ): ترجمته في (دراسات في الكتب الستة)

منهجه في الصحيح:

1/ لم يقصد الاستيعاب و استيفاء كل صحيح عنده ؛ بل هو كما قال عندما سُئل عن حديث : " و إذا قرأ فأنصتوا " ؛ من طريق ابن عجلان فقال : صحيح . قال سفيان : فلم لم تضعه في كتابك ؟ قال : إنما وضعت فيه ما أجمعوا عليه .

واختلف في مراد الإمام مسلم رحمه الله بقوله : ما أجمعوا عليه . على ثلاثة أقوال :

الأول : ما وجد عنده في شرائط الصحة المجمع عليها ؛ و إن لم يظهر اجتماعها في بعض الأحاديث.

قاله ابن الصلاح و تبعه غيره .

الثاني : أنه أراد ما أجمع عليه هؤلاء الأئمة الأربعة : أحمد ابن حنبل ؛ و سعيد بن منصور ؛ ويحيى بن يحيى ؛ وعثمان بن أبي شيبة .

الثالث : أنه أرد ما لم يختلف الثقات فيه في الحديث نفسه متناً و سنداً ؛ دون ما اختلفوا فيه في توثيق بعض رواته .

وهو الذي رجحه السخاوي و غيره .

ولعل الراجح هو القول الأول و الله أعلم ؛ وذلك لأن القول الثاني فيه تخصيص و تحكُّم من غير نص؛ و القول الثالث يرده و جود أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها .

2 / يخرج عن ثلاث طبقات من الرواة وكان له رحمه الله منهج دقيق في ترتيب كتابه،يركز على الأحاديث في جميع أبوابها التي تضم اكثر من حديث ،وذلك وفق مقتضى الخصائص الإسناد يه والفوائد الحديثيه التي تتوافر في كل حديث من تلك الأحاديث ،فيصدر الأبواب بأصح ما عنده من أحاديثها.

3/ جمع طرق الحديث إن كان له اكثر من طريق في موضع واحد ،وهذا منهجه في معظم كتابه عدا الثمن الأخير منه فانه لم يحصل له ذلك .

4/ يسوق متن الحديث بتمامه وكماله ،من غير اختصار ولا تقطيع ،وما وقع في الأصول مختصرا فانه ينص عليه ،وما أورده مختصرا من غير  نص على انه  مختصر فإنما يورده في المتابعات لا في الأصول .

5/ يفرق بين الصيغ ،في  حدثنا واخبرنا ،وان لفظ حدثنا لا يجوز إطلاقه إلا فيما سمعه من لفظ الشيخ خاصة ،وأما اخبرنا فلما قرى علي الشيخ ،وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق .

6/ يكثر من الإتيان ب(ح) للفصل بين السندين .

7/ لا يرى جواز الرواية بالمعنى خلافا للبخاري وغيره .

8/ الإشارة لصاحب المتن في اللفظ وصيغ الأداء .

9/ يأتي بالزيادات وينسبها لقائليها .

10/  الدقة في ضبط لفظ الحديث ،من ذلك بيان ما عند الراويين من (النبي )و(الرسول) .

11/ إرداف العام بالمخصص .

12/ إرداف المجمل بالمبين المنصص .

13/ إرداف المنسوخ بالناسخ له .

14/ يكثر من كنايته عن الضعيف إذا قرن في الرواية بثقة .

15/ يبين المهمل .

16/ يفسر بعض الألفاظ  الغريبة و التي تحتاج إلى توضيح  .

17/ لا يورد أقوال العلماء في الحديث إلا نادرا .

18/ كان له منهج في الحديث المعل علي ثلاث  محاور:

1 - حذف موطن العلة مع التصريح به .

2 - حذف موطن العلة مع عدم التصريح به ، وقد يشير أحيانا .

3 - يخرج طرفا من الرواية المعلة ويختصر باقيها ،مع إشارة خفيفة يفهم أن في الرواية عله 0

19 /  بيان ما وقع فيه الرواة من تصحيف وتحريف .

20/ الاحتياط والتحري والورع في روايته عن صحيفة همام بن منبه عن أبى هريرة ،فانه إذا أوصل الإسناد إلى همام قال :

( هذا ما حدثنا  أبو هريرة  عن محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم  فذكر أحاديث منها ،وقال رسول الله عليه وسلم 000)

قال النووي  فيما نقله النعيمي عنه :" وذلك لان الصحائف والأجزاء والكتب  المشتملة  علي أحاديث بإسناد واحد ، إذا اقتصر عند سماعها علي ذكر  الإسناد في أولها  ولم يجدد  عند كل  حديث  منها  واراد  إنسان ممن  سمع  ذلك أن يفرد حديثا منها غير الأول بالإسناد المذكور في أولها  فهل يجوز له ذلك ،فقد ذهب الاكثرون إلى جواز ذلك لان الجميع معطوف علي الأول ،ومنع الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني ،وقد سلك مسلم رحمه الله هذا الطريق ورعا واحتياطا وتحريا "

21/ يحتج بخبر  الآحاد .

22/ لا يحتج بالمرسل حيث قال :" المرسل في اصل قولنا وقول أهل العلم  بالأخبار ليس بحجه " .

23/ لا يفرق بين الأسماء المتشابه إلا نادرا .

24/ يحتج بالإسناد المعنعن - كما ذكر  في مقدمه صحيحه – بشرطين :

               أ---أن يكون راويه غير معروف بالتدليس .

              ب___وان يكون الراوي أدرك من روى عنه  وعاصره وأمكن لقاؤه وسماعه .

 25/ الاقتصار علي الصحيح من الأحاديث المتصلة المرفوعة ،سيرا علي نهج البخاري رحمه الله تعالي في ذلك .

26 / عدم التهاون في صحة الحديث وان كان في الترغيب والترهيب ،فقد قال مسلم رحمه الله تعالي :"000اذالاخبار في أمر الدين إنما تأتى بتحليل أو تحريم أو أمر ،أو نهي ،أو ترغيب ، أو ترهيب 000" قال ابن رجب :"وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمه كتابه يقتضي انه لا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام "

27/ بيان ما وقع من الرواة من تصحيفات و تحريفات في الإسناد أو المتن ،وقد يقتصر علي إثبات الوجه الصحيح دون بيان

28/ بيان ما ادرج في حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم صراحة أو إشارة .

مـمـيـزات صـحـيـح مـسـلـم :

نجد كثيراً من أهل العلم أعجب بصحيح مسلم غاية الإعجاب و ذلك بسبب حسن ترتيبه و تلخيصه لطرق الحديث بغير زيادة و لا نقصان بالإضافة إلى احترازه من التحويل في الإسناد عند اتفاقها من غير زيادة و لا نقصان ؛ وتنبيهه على ألفاظ الرواة من اختلاف في المتن أو الإسناد و لو في حرف .

عـدم تـبـويـب الـإمـام مـسـلـم لـكـتـابـه :

فإنه رحمه الله لم يبوب كتابه بل ساق الأحاديث بناء على الترتيب الفقهي ابتداءً بكتاب الإيمان ثم الطهارة ثم الصلاة و هكذا ؛ ولكن الشراح هم الذين وضعوا الأبواب، و تبويب القرطبي رحمه الله أجود من تبويب النووي ، والله أعلم.













من التزم الصحة في كتابه غير الشيخين (البخاري ومسلم)

وهم حسب الترتيب الزمني : ابن خزيمة ثم ابن حبان ثم الحاكم.

أولا: ابن خزيمة؛   والكلام على صحيح ابن خزيمة على اعتبار أحد الكتب الثلاثة التي ألفت في الصحيح المجرد زيادة على الصحيحين، والمقصود بالصحيح المجرد: هو الصحيح الذي لا يخالطه شي من غيره من أنواع الحديث كالضعيف و غيره.

ومعلوم أن البخاري ومسلما-رحمهما الله – قصدا التأليف في الصحيح المجرد.

والحاكم يستدرك على الشيخين أحاديث لم يخرجاها وعلى شرطهما حسب زعمه.

فابن خزيمة هو أقدمهم لأنه توفي سنة 311هـ ثم ابن حبان الذي توفي سنة 345 هـ ثم الحاكم وقد توفي سنة 405هـ.

وهذا الترتيب حسب الأصحية أيضاً، فأصح هذه الكتب الثلاثة: هو صحيح ابن خزيمة، ثم صحيح ابن حبان ثم مستدرك الحاكم.

وهذا الترتيب بعد الصحيحين لأن أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى صحيح الإمام البخاري ثم صحيح الإمام مسلم.

يقول السيوطي: صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح ابن حبّان لشدة تحريه، حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى الكلام في الإسناد فيقول: إن صح الخبر، أو إن ثبت كذا ونحو ذلك..

ترجمة الإمام ابن خزيمة

اسمه ولقبه وكنيته:

هو شيخ الإسلام وإمام الأئمة في عصره وفقيه الآفاق: أبو بكر عمر بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السًُّلمي النيسابوري الحافظ الحجة صاحب التصانيف.

مولده ووفاته وشيوخه:

ولد سنة 223هـ وتوفي سنة 311هـ واعتنى منذ صغره بالحديث والفقه حتى صار يضرب به المثل في سعة العلم والإتقان.

وقد حدّث عن خلق كثير من الشيوخ منهم البخاري ومسلم وقد حدّثا عنه أيضا في غير الصحيحين

وهذا يسمى في علوم الحديث بالمدبج.

ثناء العلماء عليه:

قال الدار قطني – رحمه الله - : كان ابن خزيمة إماماً ثبتاً معدوم النظير.

ويقول تلميذه ابن حبّان " ما رأيت على وجه الأرض من يحفظ صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن السنن كلها بين عينيه إلا محمد إسحاق بن خزيمة فقط.

اسم كتابه:

اشتهر ب(صحيح ابن خزيمة ) هذا هو المشهور.

يوجد من كتاب ابن خزيمة الربع فقط مطبوع في أربع مجلدات تحقيق الدكتور محمد الأعظمى.

مثله مثل صحيح البخاري كان اسمه غير هذا – كما سبق - لكن العلماء أطلقوا على كتابه (صحيح البخاري) وكذلك (صحيح ابن حبّان).

وصحيح ابن خزيمة اسمه (مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم) ويقول أحياناّ في صحيحه (وذكرناه في المسند الكبير) فمعنى هـذا أن لـه المسند الكبير، وأحيانا يقول (الكتاب الكبير) لكن الموجود هو المختصر أو الربع من المختصر كما قال بعض العلماء، وهو الواقع.

يقول الإمام ابن كثير: قد التزم ابن خزيمة وابن حبّان الصحة وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيد متوناً.

ثم يأتي السؤال الذي يفرض نفسه.

? هل يسلم لجميع ما في صحيح ابن خزيمة بالصحيحة كما يظهر من كلام العلماء؟

? هل الأحاديث التي  أوردها ابن خزيمة مثل الأحاديث التي أوردها الشيخان في صحيحهما؟

? يعني هل يكفي مجرد كونه في كتاب ابن خزيمة أن نقول إن الحديث صحيح؟

هذا ما يقول ابن الصلاح، فابن الصلاح له منهج في التصحيح والتضعيف، إذ يقول: يتعذر التصحيح والتضعيف للمتأخرين … لكن كلامه غير دقيق ، والذين أتوا من بعده من العلماء النقاد صححوا أحاديث كثيرة، حسب ما ظهر لهم بالاجتهاد بالنظر إلى الرجال والمتون من حيث العلل وبالشواهد والمتابعات.

إذن هل يُسلم لجميع ما في صحيح ابن خزيمة بالصحة ؟!

نرى أن ابن خزيمة وابن حبان لم يلتزما في كتابيهما إخراج الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف – يعني ابن الصلاح – لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل الحسن قسم من أقسام الصحيح .

لذا نجد في صحيح ابن خزيمة وابن حبان أحاديث يمكن أن يُحكم عليها بالحسن، لأنهما لم يفرقا بين الحسن والصحيح، وعلى الرغم من أنهما التزما الصحة إلا أننا نجد أحاديث تُعد من الصحيح لغيره وهو في أصله حسن لذاته ، وقد يتقوى بمجيئه من طريق أخرى فيرتقي إلى الصحيح لغيره .

لذا فإن الأحاديث التي في صحيح ابن خزيمة وابن حبان تدور بين الصحيح والحسن ، بل هنالك ما يكون دون مرتبة الصحيح كما سيأتي عن ابن حبان ومنهجه في الحكم على بعض الرجال الذين لم يجد فيهم جرحاً وتعديلاً .

وكذا ابن خزيمة لم يجزم بالصحة في  بعض الأحاديث لوجود علة ما، أو رجل متكلم فيه ويقـول : إن صـح الخـبر ( أي لم يترجح لديه صحة الخبر ولم يتيقن منه ولكنه يورده مع بيان العلة أحيانا) .

ويقول الدكتور الأعظمي الذي حقق هذا الكتاب : (إن صحيح ابن خزيمة ليس كالصحيحين بحيث يمكن القول بأن كل ما فيه صحيح ، بل فيه الصحيح ، والحسن ، والضعيف أيضاً ، وهذا يتضح لمن سبر الكتاب لكن نسبة الضعف به ضئيلة جداً إذا ما قورنت بالصحيح والحسن ).

إذن فالكتاب يشتمل على بعض الأحاديث الضعيفة ، وتكاد لا توجد فيه أحاديث واهية ، أو أحاديث شديدة الضعف إلا نادراً .

لذا لا نستطيع الاعتماد على صحيح ابن خزيمة كُلياً بحيث نحكم على كل ما وجدناه فيه بالصحة.

وهناك بعض الأحاديث شديدة الضعف كما ذكرنا سابقاً ومنها حديث مشهور عن فضل رمضان  ويتناقله الناس فيما بينهم وهو حديث ( أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار) وهذا الحديث ضعيف ، ورغم ذلك أورده ابن خزيمة في صحيحه .

هل صحيح ابن خزيمة مقدم على صحيح ابن حبان أو العكس ؟.

قدم العلماء كتاب ابن خزيمة على كتاب ابن حبان ، وابن خزيمة شيخ ابن حبان ، لكن الشيخ شعيب الأرناؤوط يقدم صحيح ابن حبان على صحيح ابن خزيمة .

ولكي نقول بقوله هذا : يجب عقد موازنة بينهما، ولكنه لم يعقد تلك الموازنة بل كان تقديمه قائماً على اجتهاده، وكان يميل إلى رأي ابن حبان وهو تعديل من لا يوجد فيه جرح ولا تعديل ، وهذا لا يوافقه عليه كثير من المحدثين والنقاد.

يقول الأرناؤوط:- إن ما ذهب إليه السيوطي لا يسلم له وهو تقديم ابن خزيمة على ابن حبان – إذ أن صنيع ابن خزيمة هذا يدل على أنه أدرج في صحيحه أحاديث لا تصح عنده ونبه على بعضها ولم ينبه على بعضها الآخر ويتبين ذلك بجلاء من مراجعة القسم المطبوع من صحيحه ففيه عدد غير قليل من الأسانيد الضعيفة بالإضافة إلى أن عددا لا بأس به من أحاديثه لا يرتقى عن رتبة الحسن فأين هو من صحيح ابن حبان الذي غالب أحاديثه على شرط  الصحيح".

إلى أن يقول " إن صحيح ابن حبان أعلى مرتبة من صحيح شيخه ابن خزيمة بل أنه ليزاحم بعض الكتب الستة وينافس بعضها في درجاته"

وهذا الكلام يدل على أن الأرناؤوط يجعل الكتب الستة في مرتبة واحدة ، ولكن الكتب الستة على مراتب فالصحيحين في مرتبة ثم السنن الثلاثة ثم ابن ماجة، وابن ماجة في مرتبة أقل.

والكلام هنا غير دقيق فالدكتور سعد بن حميد يقول الأولى أن يكون هناك دراسة فيها مقارنة بين هذا الموجود من صحيح ابن خزيمة وما يقابله من نفس الأبواب من صحيح ابن حبان فيستبعد ما اتفقا على إخراجه من الحديث وينظر فيما زاده كل منهما على الآخر، وفق قواعد أهل الاصطلاح مع الأخذ بعين الاعتبار بأن ابن خزيمة – رحمه الله – يذهب إلى عدم تصحيح الرواي الذي لا يُعرف بعدالة ولا جرح وأما ابن حبان فإنه يصحح حديث الراوي الذي بهذه الصفة، ويوافقه عليه شعيب الآرنؤوط فهذا يعتبر تغيرا منهجيا عندهم.

فابن خزيمة استبعد أحاديث يمكن أن يخرجها في صحيحه لو خرجها لأصبحت جملة الصحيح – بناء على نظرة ابن حبان وشعيب الأرناؤوط – كبيرة ، ولكن ابن خزيمة يستبعدها لأنه لا يرى تصحيح حديث من لا يعرف بعدالة ولا حرج ، وإذا خرّج شيئا من هذه الأحاديث على قلتها فإنه ينص على التوقف عن الحكم على هذه الأحاديث بالصحة.

ثم ننظر في عدد الأحاديث المنتقدة على كل منهما – على ابن خزيمة وابن حبان – ومن خلال ذلك نحكم أي الكتابين أرجح وأيهما أصح حديثا.



منهج ابن خزيمة في صحيحه :

 أما منهجه في كتابه نقلنا عبارته من كتاب الصلاة و كتاب الزكاة و كتاب الصوم قال :

"المختصر من المختصر من المسند عن النبي صلى الله عليه و سلم على الشرط الذي ذكرنا بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه صلى الله عليه و سلم من غير قطع في الإسناد و لا جرح في ناقلي الأخبـار إلا ما نذكر أن في القلب من بعض الأخبار شيئاً إما لشك في سماع راوٍ ممن فوقه أو راوٍ لا نعرفه بـعـدالـة و لا بجرح فنُبَين أن في القلب من ذلك الخبر ، فأنا لا نستحل التمويه على طلبة العلم بذكر خبر غير صحيح لا نُبَين علته فيغتر به بعض من يسمعه ؛ فالله الموفق للصواب"..

فهذه العبارة تبين منهج ابن خزيمة في انتقاء الأحاديث في كتابه الصحيح لكن الكتاب أيضاً بحاجة إلى دراسة وافية من حيث الصحة .

ومن منهجه أنه يختصر الأحاديث مثل الإمام البخاري وخاصة الأحاديث الطويلة يختصرها.

وأيضاً : ابن خزيمة - كما سبق أن قلنا عن البخاري - عنده استنباطات فقهية دقيقة يعنون بها كل باب.

وأيضاً :  هناك تعليقات مهمة على كثير من الأحاديث إما تفسير غريب أو توضيح معنى لا يفهم أو رفعا لإشكـال أو إزالة الإبهام كما سيأتي أمثلة لذلك .

 ويتكلم في بعض الرجال جرحاً و تعديلاً ؛ و يرد رواية المدلسين إذا كانت بالعنعنة كما سبق و أن قلنا؛ كذلك رواية بعض الضعفاء و المختلطين إذا كانت في وقت الاختلاط  ؛ كما يبين بعض العلل و يبين القلب في المتن أو القلب في الإسناد.

مثال على الاستنباطات الفقهية :

 قوله باب ( إسقاط فرض الجمعة على النساء ) ..

و الدليل على أن الله عز و جل خاطب بالأمر بالسعي إلى الجمعة عند النداء بها في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } الرجال دون النساء إن ثبت هذا الخبر من جهة النقل ؛ و إن لم يثبت فاتفاق العلماء على إسقاط فرض الجمعة على النساء كاف من نقل خبر الخاص فيه .

ويقصد بذلك إجماع العلماء على إسقاط الجمعة على النساء، وهو يكفي عن الخبر الذي هو متشكك من صحته .

أمثلة لذكره الغريب :

 أورد حديثاً : أن منبر الرسول صلى الله عليه و سلم من أثل الغابة .

 ثم قال : الأثل هو الطرفاء .

 و ذكر حديث " أن الجذع حنّ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حنين الواله "

 ثم قال : الواله يريد به المرأة إذا مات لها ولد .

مثال  إزالتـه للمشكل و دفعه للتعارض :

 ما ذكره بقوله ( باب ذكر أبواب ليلة القدر و التأليف بين الأخبار المأثورة عن النـبـي صلــى الله علــيـه و سلم فيها ).

هناك أقوال كثيرة ذكرها كلها ثم رجح أنها ليست في جميع العام كما ظنه بعض العلماء بل هي في رمضان ثم أخذ يقرر أنها في العشر الأواخر من رمضان ثم انتقل إلى ترجيح أنها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان لا في الشفع .

دقة ابن خزيمة :

ينتقد بعض العلماء الأحاديث الموجودة في كتاب ابن خزيمة مع أنه توقف في الحكم عليها، إذ يقول:  باب كذا إن صح الخبر، وقد أخرج حديثاً في صحيحه من طريق عاصم بن عبيد الله ثـم قال " أنا بريء من عهدة عاصم" فمعنى هذا أنه يعرف أن عاصما فيه ما فيه من الضعف وكلام العلماء النقاد.

كما يذكر حديثا عن كليب بن ذهل الحضرمي عن عبيد بن جبير ثم قال " لست أعرف كليب بن ذهل ولا عبيد بن جبير ولا أقبل دين من لا أعرفه بعدالة "

أمثلة للأحاديث التي أخرجها لصحة متنها وهو يعلم ضعفها:-

أحيانا يُخرج الحديث الضعيف ثم بين الصحيح وأن هذا الضعيف يتقوى مثل حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) وأخرجه من طريق ثوبان رضي الله عنه ثم أخرج عقبة من طريق الحسن البصري عن ثوبان، ثم قال : الحسن لم يسمع من ثوبان ، ثم قال: هذا الخبر – خبر ثوبان – عندي صحيح في هذا الإسناد، بمعنى أنه أخرج هذا الحديث من طرق الحسن البصري عن ثوبان مع أن الحسن لم يسمع من ثوبان، لأن هذا الحديث صحيح من الطريق الأول، فهذا الطريق تعتبر متابعة ، ولا يعتبر هذا الحديث لازما لابن خزيمة على أنه أخرج حديثا في سنده انقطاع.

لأن الحديث المرسل بتقوى بمعضدات كما ذكر ذلك الإمام الشافعي في كتابه الرسالة وغيره من العلماء كما لا يخفى.

أمثلة للأحاديث التي أخرجها لكونها عارضت ما ذهب إليه:-

بوب في كتاب الصيام في صحيحه بابا فقال: باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعاً، ثم أورد أدلة الفريقين وتكلم عليها.

ومن جملة الأدلة التي أوردها للمخالفين : أورد حديث " ثلاث لا يفطرن الصائم : الحجامة والقيء والحلم" أورده من طريق عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أعله فقال: هذا الإسناد غلط، ليس فيه عطاء بين يسار ولا أبو سعيد ، وعبد الرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبيت بحديثه لسوء حفظه للأسانيد؛ وهو رجل صناعة العبادة والتقشف والموعظة والزهد ، وليس من حفاظ الحديث الذي يحفظ الأسانيد.

فلم يورده ابن خزيمة لأجل أنه صحيح محتج به وإنما أورده ليبين علة في الإسناد فبين العلة وأوضحها.

وأيضا مما يظن بعض الناس أن ابن خزيمة يورد أحاديث ضعيفة:

الحافظ ابن حجر يقول في حديث ظن بأن ابن خزيمة أخرج هذا الحديث وهو صحيح ، ثم بدأ يذكر علل الأحاديث.

وهو حديث أخرجه من طريق ابن المطوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من أفطر يوما من رمضان في غير رخصة رخصها الله لم يقضه عنه صوم الدهر".

يقول الحافظ بن حجر – رحمه الله- في فتح البارئ صححه ابن خزيمة ثم أخذ يذكر علل هذا الحديث.

وهذا غلط من الحافظ على ابن خزيمة ، فابن خزيمة لم يصحح الحديث وإنما قال إن صحح الخبر فإني لا أعرف ابن المطوس ولا أباه؛ فمعنى هذا أنه لم يعرف  الرجلين، فتوقف في الأمر.

الدكتور سعد يقول "ومع هذا فلسنا نبرئ ابن خزيمة من الوهم والغلط والخطأ، بل كل يخطئ،  لكن كثيرا من العلماء لم يفهموا منهجه، وبالتالي طعنوا فيه أو ألزموه ما لا يلزمه".

من منهجه شدة تحريه:-

يذكر الذهبي في (سير أعلام النبلاء) فيقول " كان هذا الإمام جهيرا بصيرا بالرجال فقال فيما رواه عنه أبو بكر بن محمد بن جعفر شيخ الحاكم: لست أحتج بشـهـر حــوســب ولا بـحـرير بـن عـثمـان لـذهبه ولا بعـبد الله بن عمر – ليس الصحابي وإنما أحد الرواة المضعفين – ولا ببقية – يعني ابـن الــولـيـد – ولا بمقاتل بن حبان ولا بأشعب بن سوار ولا بعلي بن جدعان لسوء حفظه، ولا بعاصم بن عبـيـد الله، ولا بابن عقيل، ولا بابن يزيد بن أبي زياد، ولا بمجالد، ولا بحجاج بن أرطاة، إذا قال عن ، لأن هؤلاء مدلسين، فلم يحتج بهم، وهذا يدل على أنه شديد التحري والانتقاء في الرجال .

أمثلة لإزالته الاشتباه أسماء الرواة و بيان اسم الرجل المذكور بكنيته أو لقبه :

ذكر حديثاً من طريق عبد الرحمن بن إسحاق ؛ عن النعمان بن سويد عن علي ـ رضى الله عنه ـ ؛  فهناك راويان يشتبه كل منهما بالآخر وهما : عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الكوفي و هذا ضـعيـف ؛ و  عبد الرحمن بن إسحاق الملقب بـ" عبّاد " و هو صالح الحديث .

 فَبَيّن ابن خزيمة أن الذي في الحديث هو الضعيف .

 يعني يصرح بالرجل حينما يكون هناك اشتباه أو اتفاق و افتراق.

كما أخرج حديثاً عن أبي القاسم الجدلي ثم قال : أبو القاسم الجدلي هو حسن بن الحارث من جديلة قيس .

و أخرج حديثاً من طريق أبي حازم : قال أبو حازم مدني، اسمه سلمة بن دينار .

كل هذا يبين أن من منهجه يزيل الالتباس بين أسماء الرجال ؛ أو إذا ورد بالكنية يبين من هو .

 أيضاً له كلام في الجرح و التعديل ولو كان قليلا:

 قوله عن عبد الرحمن بن إسحاق الملقب بـ" عبّاد" هو صالح الحديث ، فهذا تعديل .

و قال في موضع آخر : عاصم العنزي و عبّاد بن عاصم مجهولان لا يدرى من هما ؟ .

 أمثلة لرده لرواية المدلسين :

 أما خبر أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة فإن فيه نظرا لأني لم أقف على سماع إسحاق لهذا الخبر من الأسود .

 ولم أقف على سماع حبيب بن أبي ثابت لهذا الخبر من ابن عمر ؛ وهل سمع قتادة الخبر من مورّق عن أبي الأحوص أم لا ؟.

إيراده عن الضعيف متابعة:

يقول : أورد رواية عبد الله بن لهيعة الضعيف، الذي ضعف في بعض الرجال ورواياته ضعيفة إلاّ إذا روى عن العبادلة الأربعة ومن شابههم؛ فيقول يورد حديث ابن لهيعة متابعة .فقال : أخبرني ابن لهيعة و جابر بن إسماعيل الحضرمي عن عقيل بن خالد ثم ذكر الحديث .

 فقال : ابن لهيعة ليس ممن أُخرج حديثه في هذا الكتاب إذا أنفرد برواية  و إنما أخرجت هذا الخبر لأن جابر بن إسماعيل معه في الإسناد ؛ و هذا يسمى متابعة .

 أمثلة نصه على عدم سماع بعض الرواة من آخرين :

عبد الرحمن ابن أبي ليلي لم يسمع من معاذ بن جبل و لا من عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان. فغير جائز أن يحتج بخبر غير ثابت على أخبار ثابتة .

أمثلة بيانه للعلل الخفية  في الأحاديث :

 العلل نوعان : علل خفيه وعلل ظاهره  ؛ علل قادحة وعلل غير قادحة ..

حديث رواه خالد الحذاء عن رجل عن أبى العالية عن عائشة رضي الله عنها في دعائه صلي الله عليه وسلم في سجود التلاوة الذي فيه :"ا للهم أنى لك سجدت وبك أمنت وعليك توكلت سجد وجهي للذي خلقه …..إلى أخر الحديث

قال ابن خزيمة : هكذا  رواه إسماعيل بن إبراهيم بن عليه ؛ ورواه عبد الوهاب بن المجيد الثقفي وخالد بن عبد الله الواسطي كلاهما عن خالد الحذاء عن  أبى العالية عن عائشة بإسقاط  الراوي بين خالد الحذاء وبين  أبى العالية .

فَبيّن ابن خزيمة هذه العلة التي لا يفطن لها وأنها  السبب في عدم  إخراجه للحديث فقال :

 إنما تركت إملاء خبر أبى العالية عن عائشة أن النبي  صلي الله عليه وسلم  كان  يقول  في سجود القران بالليل :" سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته " ؛ لان بين خالد الحذاء وبين أبي العالية  رجلاً غير مسمي ؛ و لم يذكر الرجل  عبد الوهاب بن عبد المجيد  وخالد بن عبد الله  الواسطي .

وبَيّن : أن الذي ذكره إنما هو ابن عليه ثم اخرج جميع الروايات الثلاث  ثم قال :

و إنما  أمليت  هذا  الخبر  وبينت علته  في هذا الوقت مخافة أن يُفتَن بعض طلاب  العلم برواية الثقفي وخالد بن عبد الله  فيتوهم أن رواية عبد الوهاب وخالد بن  عبد الله  صحيحه .

 فهذا  مثال للعلة  التي بسبب  سقط  في الإسناد.

و يتحدث عن العلل  في كثير من المواضع، أو في الأحاديث التي  يظهر له فيها عله .

ومن ذلك أخرج حديثاً عن طريق موسى بن أبي عثمان عن أبي هريرة ثم قال " غلطنا في إخراج هذا الحديث لأن هذا مرسل، وموسى بن أبي عثمان لم يسمع من أبي هريرة، و أبوه أبو عثمان التّبّان روى عن أبي هريرة أخبارا لم يسمعها منه أيضاً.

ومن هذا يتبين أنه تنبه للعلة فبينها.

 مثال بيانه للمتن  المقلوب :

قال : " ورجل تصدق بصدقه  أخفاها  حتى لا تعلم يمينه  ما تنفق شماله " .

وان الصواب  " حتى لا تعلم  شماله  ما تنفق يمينه "

فابن خزيمة - رحمه الله - بين أن يحي بن سعيد، برغم انه  إمام جبل وثقه وحافظ ومتقن، أخطأ في هذا الحديث  فانقلب عليه المتن  وهو علي الصواب  مخرج  عند البخاري  في صحيحه  في عدة  أبواب.

مثال بيانه للسند المقلوب :

حديث  يرويه  سعيد بن أبى سعيد المقبري  رواه  عنه داود  بن  قيس و انس بن  عياض ومحمد بن عجلان  وابن أبي ذئب  علي اختلاف  فيما بينهم .

فَبَيّن ابن خزيمة علل  هذا الحديث :

وانه  انقلب  سنده  علي بعض الرواة واحتاط هو في روايته  فقال ــ بعد  أن  ذكر علل هذا الحديث: ولا احل لأحد أن  يروي عني هذا الخبر إلا على هذه  الصيغة  فان  هذا إسناد  مقلوب ، فيشبه أن يكون  الصحيح  ما رواه  انس  بن عياض لأن داود  بن قيس أسقط من هذا الإسناد أبا سعيد المقبري  فقال : عن سعد بن إسحاق عن أبي ثمامة .

و أما  ابن عجلان  فقد  وهم  في الإسناد وخلط فيه ، فمرة  يقول : عن أبي هريرة ، ومرة يرسله ، ومرة يقول : عن سعيد  عن كعب .

وابن أبي  ذئب  قد بين أن المقبري  سعيد بن أبي سعيد  إنما  رواه عن رجل من بني سالم وهو عندي  سعد بن إسحاق  فقال : عن أبيه  عن جده  عن جده كعب .

وداود بن قيس وانس بن  عياض قد  اتفقا علي أن هذا الخبر  إنما هو عن أبي ثمامة .

" وبيانه رحمه الله  تعالي للعلل في كتابه كثير و هذه العلل لا تعرف إلا بجمع الروايات والطرق، وخاصة  إذا كان  الحديث في غير الصحيحين عن راو ضعيف  مثل : مقبول، أو مستور أو صدوق يهم أو اختلط أو نحوهم.

 ويتوصل الناقد إلى هذا النوع من المعرفة وهو حصول السقط في الإسناد، بحفظه للأسانيد الأخرى الصحيحة، وهو علم دقيق لا يُتوصل إليه إلا بعد بحث طويل وممارسة.



المؤلفات حول صحيح  ابن خزيمة :

يقولون ألف حول صحيح ابن  خزيمة  المنتقي لابن الجار ود فيما يتعلق عن صحيح ابن خزيمة لكن الصواب المنتقي كتاب  مستقل لابن الجار ود وصحيح ابن خزيمة كتاب آخر .

توصل إلى ذلك بالموازنة الشيخ محمد مصطفي الأعظمي يقول :

هذا الاستنتاج  وهذا القول غير دقيق بان كل كتاب من ابن خزيمة أو المنتقي لابن الجار ود كتاب مستقل في بابه ..

كذلك الشيخ احمد شاكر - رحمه الله - يقول : وهو فيما رأينا من كتابه قد اخرج كتابه  مستقلا لم يبنه علي الصحيحين ولا علي غيرهما  إنما اخرج كتابا كاملا .

رجال ابن خزيمة :

قام ابن الملقن باختصار  تهذيب الكمال للحافظ المزي وذيل عليه برجال ستة كتب أخرى هي " مسند احمد ، صحيح ابن خزيمة ، ابن حبان، ومستدرك الحاكم ، وسنن الدار قطني ، وسنن البيهقي " وسماه "إكمال تهذيب الكمال " لكن يقول الحافظ ابن حجر لم اقف علي الكتاب  و السخاوي يقول  رأيت  منه مجلدا ..

الأطراف :

صنف الحافظ ابن حجر كتابا سماه "إتحاف المهرة بأطراف العشرة "

ذكر عشره كتب أضافه إليها ابن خزيمة لان صحيح ابن خزيمة لا يوجد منه إلا الربع.

فهرسته

قام محمد ايمن بن عبد الله  الشبراوي بصنع فهرس لصحيح ابن خزيمة ..

تصحيح أغلاطه :

الكتاب حققه الشيخ محمد  مصطفي الأعظمي  عليها  تعليقات للشيخ محمد ناصر الألباني لكن  الطبعة  مليئة بالأخطاء المطبعية و التصحيفات  والسقط وما إلى ذلك ، وقد قام الشيخ الدكتور/ عبد العزيز بن عبد الرحمن  العثيم الأستاذ  المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعه أم القرى قسم الكتاب والسنة، بتتبع الكتاب واستخراج ما وقف عليه من  تصحيف  وسقط  وجمع  ذلك في كتاب سماه  " النقط لما وقع في صحيح ابن  خزيمه من التصحيف والسقط "

































ثانيا: صحيح ابن حبان :

اسمه ونسبه :

هو: محمد بن حبان بن  احمد بن حبان أبو حاتم التميمي البستي السجستاني.

ولد  سنه 280 هـ  وتوفي سنة 354 هـ .

رحلاته : عرف ابن حبان بسعة الرحلة ، وقد رحل إلى كثير من البلدان ، وتشمل رحلته سجستان، وهراة، ومرو وطشقند وبخارى، ونسا، ونيسابور، والموصل، وبيروت، ودمشق، وبيت المقدس، وغيرها من البلدان .

شيوخه : تلقى العلم عن أكثر من ألفي شيخ ، لكن روى في كتابه الصحيح المسمى ( التقاسيم والأنـواع ) عن 150 شيخاً، وأشهر شيوخه أبو يعلى الموصلي صاحب المسند، وابن خزيمة، والحسن بن سفيان صاحب المسند .

تلاميذه : تكاثر عليه التلاميذ للأخذ عنه، والإفادة منه ولتحصيل الأسانيد العالية .

من أشهر تلاميذه : الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي يعقوب إسحاق بن منده الأصبهاني صاحب معرفة الصحابة ، وأبو الحسن علي بن عمر الدار قطني صاحب السنن .

مكانته العلمية : قال أبو سعد الإدريسي ( كان أبو حاتم على قضاء سمرقند مدة طويلة، وكان من فقهاء الدين، وحفاظ الآثار، والمشهورين في الأمصار والأقطار، عالماً بالطب والنجوم، وفنون العلم...ألف المسند الصحيح والتاريخ والضعفاء، وغيرها من الكتب .

فقّه الناس بسمرقند، وبنى له المظفر بن نصر بن أحمد صفة لأهل العلم خصوصاً لأهل الحديث ثم تحول من سمرقند إلى سبت ومات بها .

الاسم الكامل لكتابه :

المسند الصحيح على التقاسيم و الأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقلها .

سبب تأليفه الكتاب :

ذكر انه رأي بان السنة كثيرة وحفظها صعب فأراد أن يسهل لطلاب العلم حفظ السنن علي طريقه القران، والقران مقسم علي ثلاثين جزء وكل جزء يشتمل علي بعض السور وكل سوره تشتمل علي عدد من الآيات .

وهو أيضا قسم الكتاب علي أقسام وذكر تحت كل قسم أنواعا، وتحت كل نوع الأحاديث الواردة الثابتة.

رأى - رحمه الله - أن السنن تنقسم إلى خمسه أقسام :

القسم الأول :الأوامر التي أمر الله عباده بها .

القسم الثاني : النواهي التي نهي الله عباده عنها .

القسم الثالث :الأخبار ؛أي أخباره جل وعلا ــ عما احتيج إلى معرفته .

القسم الرابع : الإباحيات المباح ارتكابها .

القسم الخامس: أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي انفرد بفعلها يعني عن سائر آلامه.

وتحت كل قسم أنواع :

 القسم الأول والثاني جعل تحت كل قسم منها مائه وعشره أنواع .

والقسم الثالث جعل تحته ثمانين نوعا .

والقسم الرابع والخامس جعل تحت كل قسم منها خمسين نوع .

شروط ابن حبان فيمن روى لهم :

ذكر خمسه شروط:

الشرط الأول : العدالة في الدين بالستر الجميل .

الشرط الثاني : الصدق في الحديث بالشهرة فيه .

الشرط الثالث : العقل بما يحدث من الحديث .

الشرط الرابع : العلم بما يحيل من معاني ما يروى .

الشرط الخامس : تعرى  خبره عن التدليس .

يقول فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتج بحديثه و أورده في كتابه .

يناقشه الدكتور سعد آل حميد في هذه الشروط الخمسة ويبين ما فيها :

فيقول ما معناه: لو رجعنا لهذه الشروط بالنسبة للشرط الأول يقول: (العدالة في الدين بالستر الجميل) مقصود ابن حبان بالعدالة يخالفه فيه بعض العلماء، فابن حبان يرى أن الراوي الذي يعتبر مجهول الحال  الذي لا يعرف بعدالة ولا جرح؛ يعتبر أن الأصل فيه العدالة، ولا يشترط وجود من عدّله.

وشرطه هذا  غير دقيق يخالفه فيه معظم النقاد، وليس هذا فقط بل انه يضم إلى هذا عدة شروط فيقول: إن الراوي قد يكون معروفا بالعدالة ولكنه لا يعتبر صادقا في حديثه، كأنه يقصد بالصدق الحفظ، أي يشترط أن يكون الراوي يعقل بما يحدث من الحديث مع العدالة.

كذلك الشرط الرابع أن يكون عالما بما يحيل من معاني ما يروى ، يعني يفهم ما يروي، ولا يجوز له أن يروي بالمعنى، وهذا خلاف ما عليه كثير من المحدثين من جواز الرواية بالمعنى بشروطها.

مع أن العقل والصدق والعلم داخله تحت مسمى الضبط، عند المحدثين بنوعيه ضبط صدر أو ضبط كتاب.  

الشرط الخامس ( تعري خبر الراوي عن التدليس ) وهذا الشرط عند الجميع أن لا يكون الرجـل مدلسا.

تساهله في التوثيق وتشدده في الجرح :

جرح محمد بن الفضل السدوسي الملقب بــ (عارم) فهو إمام جبل ثقة ولكن ابن حبان جرحه .

لكن في التوثيق متساهل بحيث يوثق من لم يجد فيه جرحا ولا تعديلا .

 عدم تفريقه بين الحديث الصحيح والحسن :

وكذلك ابن حبان مثل شيخه ابن خزيمة ممن لا يرى التفريق بين الحديث الصحيح والحديث الحسن فعنده أن الحسن قسم من الصحيح وهو داخل فيه .

قلت: حتى عند البخاري ومسلم، وأيضا ما كانت هذه التقسيمات في تلك الفترة بدليل ان البخاري روى من الطبقة الثانية، ومسلم كذلك في المتابعات والشواهد.

 المتابعة : ما يوردها إلا لضعف أو خلل أو لعله في بعض الرواة، وبالتالي إذا كان فيه عله فدرجه الحديث أقل من الصحيح .

طبعا إذا قلنا ذلك لا يعني أن الحسن كثير في الصحيحين لكن هناك أحاديث قد تكون قليلة، وكذا الرجال  المنتقدون كما سبق وكما هو معروف، لا يتجاوز عددهم عن 160 في مسلم وفي البخاري 80 راويا.

الحافظ العراقي – رحمة الله- له كتاب بعنوان (رجال ابن حبان ).

وهذا الكتاب يذكره عنه ابن فهد المكي في كتابه لحظ الألحاظ..

تخريج زو ائده للحافظ مغلطاي هذا الكتاب غير موجود لكن الموجود كتاب الهيثمي الذي اسماه (موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان). وزوائده على الصحيحين :

ونجد أيضا هناك من فهرس هذا الكتاب على الأطراف فالحافظ ابن حجر في كتابه (إتحاف المهرة )

كم رتب الكتاب على الأبواب الفقهية، ابن بلبان، وسماه الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان.

وكتاب ابن حبان صعب المنال، وهو مفقود وقد كان موجودا إلى زمان ابن بلبان(739هـ) إذ قام بالترتيب بالرجوع الى الأصل, والله أعلم.

ثالثا: الحاكم (321- 405هـ):

هو: محمد بن عبد الله  بن حمدويه بن نعيم المعروف بابن البيع الشافعي النيسابوري، اشتهر بأبي عبد الله الحاكم، ولقب به إما لتوليه القضاء فترة من الزمن، أو أنها رتبة لدى المحدثين تلي مرتبة أمير المؤمنين في الحديث، وقد يروى البيهقي عنه كثيرا فيقول حدثنا أبو عبد الله الحافظ، لقوة حفظه.

حياته:

ولد سنة 321هـ في ربيع الأول، وتوفي سنة 405هـ وكان من بيت علو وفضل وصلاح وورع، وقد اهتم والده وخاله بتعليمه وإسماعه الحديث، وكان بداية سماعه وهو في سن التاسعة من عمره.

ورحل الى العراق وحج وجاال في بلاد خراسان وما وراء النهر طلبا لعو الاسناد، وسمع من نحو أفي شيخ بنيسابور وغيرها.

وأهم شيوخه: محمد بن يعقوب الأصم، وأحمد بن سليمان النجاد، وأبو محمد دعلج بن أحمد السجزي، وغيرهم. 

وأهم تلاميذه: البيهقي، وأبو يعلى الخليلي، وأبو ذر الخروي وغيرهم.

ثناء العلماء عليه:

قال الخطيب البغدادي: كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ، وله في علوم الحديث مصنفات عدة.

وقال عبد الغفار بن إسماعيل: هو إمام أهل الحديث في عصره العارف به حق معرفته.

أشهر مؤلفاته:

المستدرك على الصحيحين // معرفة علوم الحديث //  المدخل الى الكليل  // المدخل الى الصحيح // تاريخ نيسابور.

الأسباب التي دعت الحاكم الى تصنيف كتابه المستدرك:

قال الحاكم : لقد صنف الشيخين في صحيح الأخبار كتابين مهذبين انتشر ذكرها في الأقطار ، ولم يحكما ولا واحد منهما انه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه ، وقد سألني جماعة ان أجمع كتاباً يشتمل  على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها ، إذ لا سبيل إلى اخراج كل ما لا علة له فإنهما ـ رحمهما الله ـ لم يدعيا ذلك لأنفسهما .

..... وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات ، وقد أحتج بمثلها الشيخان ـ رضي الله عنهما ـ أو أحدهما ،  وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الاسلام ، إن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة ، والله المعين على ما قصدته وهو حسبي ونعم الوكيل  .

قال ابن الصلاح : لم يستوعبا (أي الشيخين) الصحيح في صحيحيهما ولا التزما ذلك ، فقد روينا عن البخاري أنه قال : ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح ، وتركت من الصحاح لملال الطول .

وروينا عن مسلم أنه قال : ( ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا ـ يعني في كتاب الصحيح ـ وإنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه ) .   

قال العراقي - أراد والله أعلم ـ انه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه ، وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عن بعضهم  .

وقول الحاكم في الموضعين السابقين (بمثلها) اختلف العلماء في مراده بها:

فمنهم من قال: إن المقصود بمراده بالمثلية: هو نفس الرواة الذين اخرج لهم الشيخان أو احدهما، ويعبر عن ذلك بأنه أراد المثلية الحرفية.

ومنهم من قال: إن المقصود بمراده بالمثلية (المثلية المجازية) وينون بها أن المقصود وصف الرواة الذين احتج بهم البخاري ومسلم أو أحدهما، وهذا يعنى أن الحاكم يخرج لرواة لم يرو لهم الشيخان أو أحدخما، ولكنهم موصوفون بتوثيق يماثل في درجته درجة من أخرج لهم الشيخان.

ويقول الحافظ العراقي: بمثلها أي بمثل رواتها لا بهم أنفسهم، ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وإنما تكون مثلها إذا كانت بنفس رواتها وفيه نظر.

ويفهم من القول أن العراقي يرجح: أن مراد الحاكم أوصاف رواة الشيخين أو أحدهما لا نفس الرواة

ويقول ابن حجر: وتصرف الحاكم يقوي أحد الاحتمالين الذين ذكرهما العراقي، فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا أو أحدهما لرواته، قال: صحيح على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما، وإن كان بعض رواته لم يخرجا له قال: صحيح الاسناد، فحسب.

طريقته في كتابه:

ترتيب المستدرك مثل ترتيب كتب السنن على الأبواب الفقهية، يورد الأحاديث التي يراها صحيحة على شرط الشيخين أو أحدهما، وأحاديث أخرى يرى أنها توفرت فيها الشروط من اتصال السند وثقة الرواة وضبطهم وعدم الشذوذ والعلة.





أقسام الحديث في مستدرك الحاكم:

1-              أحاديث أخرجها الحاكم بأسانيد احتج البخاري ومسلم برواتها في صحيحيهما وهذا الذي يقول عنه الحاكم: إنه على شرط الشيخين.

2-               أحاديث أخرجها الحاكم بأسانيد احتج البخاري برواتها في صحيحيه وهذا الذي يقول عنه الحاكم: إنه على شرط البخاري.

3-              أحاديث أخرجها الحاكم بأسانيد احتج مسلم برواتها في صحيحيه وهذا الذي يقول عنه الحاكم: إنه على شرط مسلم.

4-              أحاديث يخرجها الحاكم ويحكم عليها بالصحة على شرط الشيخين، ونجد أن بعض رواتها لم يخرج لهم الشيخان احتجاجا وإنما في الشواهد والمتابعات والمعلقات.

5-              أحاديث يخرجها الحاكم ويحكم عليها بالصحة على شرط البخاري، ونجد أن بعض رواتها لم يخرج لهم البخاري احتجاجا وإنما في الشواهد والمتابعات والمعلقات.

6-              أحاديث يخرجها الحاكم ويحكم عليها بالصحة على شرط مسلم، ونجد أن بعض رواتها لم يخرج لهم مسلم احتجاجا وإنما في الشواهد والمتابعات.

7-              أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط الشيخين، ونجد بعد النظر في أسانيدها أن الشيخين لم يخرجا لرواتما على صورة الاجتماع.

8-              أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط البخاري، ونجد بعد النظر في أسانيدها أن البخاري لم يخرج لرواتها على صورة الاجتماع.

9-              أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط مسلم، ونجد بعد النظر في أسانيدها أن مسلما لم يخرجا لرواتها على صورة الاجتماع.

10-       أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها ولكن ليس على شرط الشيخين، ولا أحدهما وبعد النظر نجد أن الحديث صحيح الاسناد كما قال الحاكم.

11-       أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط الشيخين، ويذكر أنهما لم يخرجا تلك الأحاديث،  وبعد النظر والبحث نجد الشيخين قد أخرجا تلك الأحاديث في صحيحيهما .

12-       أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط البخاري، ويذكر أنه لم يخرج تلك الأحاديث،  وبعد النظر والبحث نجد البخاري قد أخرج تلك الأحاديث في صحيحه .

13-       أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط مسلم، ويذكر أنه لم يخرج تلك الأحاديث،  وبعد النظر والبحث نجد مسلما قد أخرجا تلك الأحاديث في صحيحه .

14-       أحاديث يخرجها الحاكم ويذكر أنها صحيحة على شرط الشيخين، أو أحدهما، وبعد النظر والبحث نجد في رواتها من لم يخرج له الشيخان ولا أحدهما.

15-       أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط الشيخين، أو أحدهما أو يصححها فقط دون أن يذكر شرط الشيخين، وبعد النظر والبحث نجد أنها حسنة الإسناد فقط.

16-       أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط الشيخين، أو أحدهما أو يصححها فقط ، وبعد النظر والبحث نجد أنها ضعيفة الإسناد ولكنها ارتقت الى الحسن لغيره بمجموع الطرق.

17-       أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط الشيخين، أو أحدهما أو يصححها فقط ، وبعد النظر والبحث نجد أنها ضعيفة الإسناد وليس هناك ما يشهد لها.

18-       أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط الشيخين، أو أحدهما أو يصححها فقط ، وبعد النظر والبحث نجد أنها شديدة الضعيف .

19-       أحاديث يخرجها الحاكم ويصححها على شرط الشيخين، أو أحدهما أو يصححها فقط ، وبعد النظر والبحث نجد أنها موضوعة، وهي قليلة جدا.



صور عمل الذهبي في كتابه التلخيص:

فاذا قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووجد الذهبي أن كلام الحاكم صحيح حكاه وذكره ولم يتعقبه بشيء فيقول بعد الانتهاء من الحديث (خ م) أي على شرط البخاري ومسلم.

وإذا صححه الحاكم على شرط البخاري فقط ، ورأى الذهبي أن ذلك صواب قال (خ) أي على شرط البخاري.

وإذا صححه الحاكم على شرط مسلم، ورأى الذهبي أن ذلك صواب قال (م) أي على شرط مسلم.

وإذا صححه الحاكم فقط، ولم يذكر أنه على شرط الشيخين أو أحدهما، قال الذهبي صحيح.





قد يصحح الحاكم حديثا على شرط الشيخين :

لكن يقول الذهبي: (خ) أي ليس الحديث على شرط الشيخين وإنما هو على شرط البخاري.

وقد يقول (م) أي ليس الحديث على شرط الشيخين وإنما هو على شرط مسلم.

وقد يقول: (صحيح) أي ليس الحديث على شرط الشيخين ولا أحدهما وإنما هو صحيح فقط.

واذا قال الذهبي: (قلت: فيه فلان لم يخرجا له) أي ليس الحديث على شرط الشيخين لأن فيه فلانا ولم يخرج له الشيخان.

ومثله اذا قال الحاكم (فيه فلان لم يخرج له البخاري) أو (لم يخرج له مسلم)  أو قال الحاكم: (صحيح على شرط البخاري أو على شرط مسلم).

وقد يكون تعقب الذهبي بالنص على أن الشيخين أو أحدهما قد اخرجا الحديث، فاذا قال الحاكم(هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) وكان قد أخرجاه، فيحكي الذهبي كلام الحاكم فيقول (خ م ) ثم يقول: (قلت: قد اخرجاه) أو أخرجه (خ) أو أخرجه (م).

وقد يكون تعقب الذهبي للحكم بتضعيف الحديث فيكون الحاكم قد حكم بالصحة على شرط الشيخين أو أحدهما أو بالصحة فقط، فيقول الذهبي: فيه فلان وهو ضعيف، أو واه، أو له مناكير، أو ينقل الذهبي أقوال النقاد فيه، فيه فلان ضعفه أبو حاتم، أو النسائي، مثلا.

وقد يكون تعقب الذهبي للحكم بسبب انقطاع في سند الحديث فيقول:  (مرسل) ونحو ذلك.

أما سكوت الذهبي بأن يترك كلام الحاكم فلا يتعقبه بأي كلام بل يكتفي بذكر الحديث فقط، وهذا بحاجة الى بحث ودراسة لمعرفة المنهج والهدف.

أوهام الذهبي:

قد وقع الذهبي في أوهام كثيرة في كتابه التلخيص، في موافقاته أو في كلامه على بعض الرواة، وعذره في ذلك أنه الفه في مقتبل العمر، ولم ينضج آنذاك، ويتضح ذلك في اختلاف رأيه في بعض الرجال بين كتابه التلخيص وبين كتبه المتأخرة كميزان الاعتدال، وقد اعترف بنفسه وأن هذا العمل يحتاج الى اعادة نظر وتحرير.









مما ألف حول كتاب المستدرك للحاكم:

كتاب التاخيص للذهبي: وهو مما  لايعتمد عليه المتخصص في الحديث وعلومه، لأنه ألفه في بداية عمره، فكثير من الأحكام التي ذكرها من حيث الصحة أة الحسن لايصادف الحق.

ونجد أنه يحذف بعض الإسناد ويذكر بعضه، ويذكر المتن وقد يختصره أو يتصرف فيه أحيانا، ثم يذكر كلام الحاكم بالرمز الدال على الموافقة، أو يخالفه، أو يسكت عنه.

وعندما يحذف الذهبي بعض الاسناد إنما يحذف الرواة الذين لا كلام له فيهم، ويبقي في الاسناد الرجل الذي يريد أن يتكلم عنه، أو على الأقل الذين اختلفت فيهم عبارات الأئمة.

وقد لا يورد الذهبي الحديث إطلاقا: وذلك للأسباب التالية:

1-              قد لا يكون الحديث في نسخة الذهبي من المستدرك.

2-               قد يكون الحديث سبق في موضع سابق فيحذفه دفعا للتكرار.

3-               قد يكون الحديث سقط من تلخيص الذهبي.


[ الموطآت ]

+ أول من ألف في الموطآت :

[عبد العزيز بن ماجشون ]  توفي : 164هـ

كان كتابه جامعا لأقوال العلماء ولم يشمل الأحاديث والآثار .

ـ ثم موطأ الإمام  مالك ، وقد قيل إنه ألف الكثير باسم الموطأ في عصره ، وكان يقول : ما كان الله أبقى .

ـ وهناك موطأ لعبد الله بن وهب .

ـ وموطأ الإمام محمد بن الحسن الراوي عن مالك ، ولكن في موطئه زيادة أقوال في المذهب الحنفي.

 [ الإمام مالك ]

إمام دار الهجرة ، وحجة الإسلام ، الحميري ، المدني ، من اليمن.

ولد عام 73هـ في ذي المروة شمالي المدينة ثم حمله أبوه – أنس - إلى العقيق وبها توفي ، وأمه: العالية بنت شريك  .

ونشأ في رفاهية وتجمل .

وأقام في دار عبد الله بن مسعود الصحابي ، أدرك سبعة من خلفاء بني أمية ، وخمسة من خلفاء بني العباس ، وثلاثين والياً من المدينة .

ـ طلب العلم وهو بضع عشر وتأهل للفتيا وجلس للتحديث وله إحدى وعشرون سنة .

لم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه الإمام مالك في العلم والتحصيل والحفظ ، حتى قيل لا يفتى ومالك في المدينة .

ـ يذكرون بعض أوصافه :

يقول عيسى بن عمر : ما رأيت قط أشد بياضاً ولا حمرة أحسن من وجه مالك ، ولا اشد بياض ثوب من مالك .

ـ كان طوالاً جسيماً ، عظيم الهامة ، أشقر ، أبيض الرأس ، عظيم اللحية .

 يقول أشهب : كان مالك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه ويستدل طرفها بين كتفية .

ـ ألف في مناقبه جملة من العلماء :

1 ـ ابن عبد البر ،

2 ـ الوليد الباجي .

3 ـ القاضي عياض له كتاب في ترجمة مالك ، وغيرهم كثيرون.

ـ مؤلفاته غير الموطأ :

1 ـ رسالة في القدر .

2 ـ رسالة في منازل القمر .

3 ـ رسالة في الأقضية .

4 ـ له جزء من التفسير .

5 ـ له كتاب السر.

+ مكانته الحديثية :

ـ الإمام مالك حافظ ضابط وله كلام في النقد ولكنه قليل .

ـ وقد استخدم الإمام الوسيلتين في طلب الحديث  التلقي والكتابة .

ـ يروي عن أكثر من ثمان مئة شيخ .

 ويقول يحيى بن سعيد القطان : ما في القوم أحد أصح حديث من مالك بن أنس ، كان إماماً في الحديث .

ـ أيضاً الإمام مالك يعتني بمتن الحديث ويهتم بصحة الإسناد وصحة المعنى، لذا ترك الرواية عن مجموع من الناس من الكذابين ، والرواة الذين يتصفون بصفات الوضع والضعف ، والإفتراء والكذب والنسيان والغلط والترويج والإغراب ، ولا يروي إلا عن الثقات .

 قال ابن عيينة : رحم الله مالكاً ما كان اشد انتقاده للرجال .

 قال ابن المديني : لا أعلم أحداً يقوم مقام مالك في ذلك .

ـ وروى ابن وهب عن مالك أنه قال : ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء .

وهو القائل : أعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ، ولا يكون إماماً أبداً وهو ويحدث          بكل ما سمع .

ـ الإمام مالك لا يحدث عن الزهاد لأنهم اشتغلوا بالزهد ولم يهتموا بحفظ النصوص ومعرفة الرجال.

 قال أحمد بن صالح : ما أعلم أحداً أشد تنقياً للرجال والعلماء من مالك ، ما أعلمه روى عن أحد فيه شيء .

ـ وهو ينقل من العالم ولا يأخذ من العابد والزهد .

 قال ابن وهب : لقد أدركت بالمدينة أقواماً لو استسقي بهم القطر لسقوا ، وقد سمعوا من العلم والحديث شيئاً كثيراً ، وما أخذت عن واحد منهم ، وذلك أنهم ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد .

ـ وكان مالك يتبع الرواة في أعمالهم ومجالسهم ، فإن وجد بعضهم في حالات تتنافى مع الرواية تركه إلى غيره .

فالراوي – في نظره - لابد أن يكون حافظاً وعالماً وعاملاً .

ـ وكان يتشدد في رواية الحديث بالمعنى .

ـ وكان يقول : لا يؤخذ العلم من أربعة ويؤخذ ممن سواهم : لا يؤخذ من سفيه ، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعوا إلى بدعته ، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس ، وإن كان لا يتهم على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يفرق ما يحمل وما يحدث به .

ـ كتاب الإمام مالك جمع بين الحديث والفقه ، وأيضاً صنف في الحديث والفقه .

[ راويات الموطأ ]
أشهر من روى عنه :

1 ـ يحيى بن يحيى الليثي .

2 ـ وابن بكير .

3 ـ أبو مصعب .

4 ـ ابن وهب .

 رواية يحيى بن يحي الليثي  . ت : 234هـ

ـ أخذ الموطأ أولاً من زياد بن عبد الرحمن بن زياد المعروف بشبطون ، وهو الذي أدخل مذهب مالك في الأندلس ، وارتحل يحيى إلى المدينة فسمع الموطأ من مالك بلا واسطة إلا ثلاث أبواب       من كتاب الاعتكاف : باب خروج المعتكف إلى العيد ، وباب قضاء الاعتكاف ، وباب النكاح في الاعتكاف، وكان سماعه منه في السنة التي مات فيها مالك سنة 179هـ .

والسبب في اختلاف الروايات عن مالك :

لأنه عند ما ألف الموطأ صار ينقح كل سنة ويحذف بعض الأحاديث فتكون الرواية الأخيرة هي أصح وأضبط الروايات .

ورواية يحيى هي المعتمدة والمشهورة في المشرق والمغرب وكل بلاد الإسلام .

يقول ابن فرحون: عدّ القاضي عياض من عني بالموطأ فذكر نحوا من تسعين رجلاً .


شروح الموطأ :

1 ـ التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد . ليوسف بن عبد البر .

 قال فيه ابن حزم : لا أعلم في الكلام عن فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه .

2 ـ ثم اختصره في كتاب (( التقصي في الحديث النبوي )) بعنوان (( التجريد )) .

3 ـ الاستذكار  في شرح مذاهب علماء الأمصار مما رسمه الامام مالك في الموطأ من الرأي والآثار،  فتوسع في الرواة وأقوال العلماء ، إذ التمهيد على ترتيب الشيوخ ،  وكتاب الاستذكار  على طريقة الأبواب الفقهية .

4 ـ المنتقى في شرح الموطأ : سليمان الباجي .

5 ـ المسالك عن موطأ الإمام مالك لأبي بكر العربي .

6 ـ شرح الموطأ للقرطبي .

7 ـ تنوير الحوالك شرح موطأ مالك للسيوطي .

 8 ـ شرح الموطأ . للزرقاني .

9 ـ أوجز المسالك . لمحمد زكريا دهلوي ، من آخر الشروح وأوسعها في 15 مجلد .

 [عدد الأحاديث في موطأ الإمام مالك ] 

ـ جملة في الموطأ من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه والتابعين :
 ألف وسبعمائة وعشرون حديثاً .
ـ الموقوف : ستمائة وثلاثة عشر .
ـ أقوال التابعين : مائتان وخمسة عشر .
 ويقول الغافقي :
الأحاديث المرفوعة : ستمائة وستة وستين حديثاً .
وذلك لأن الروايات تختلف فقد تكون رواية أقل من رواية أخرى لأن الإمام مالك كان يحذف بعض الاحاديث بين الحين والآخر.

 يقول أبو سعيد العلائي : يروي الموطأ عن مالك جماعة كثيرة وبين رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير وزيادة ونقص، وأكثرها زيادة رواية أبي مصعب .

 ويقول ابن حزم :  في موطأ أبي مصعب زيادة على سائر الموطأت نحو مائة حديث .

 ويقول ابن الهيَّاب : أن ( مالكا) روى مائة ألف حديث، جمع منها الموطأعشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والأخبار حتى رجعت الى خمسمائة.

ويقول ابن حزم: أحصيت ما في الموطأ فوجدت من المسند خمسمائة ونيف، وفيه ثلاثمائة ونيف مرسلاً ،   وفيه نيف وسبعون حديثاً قد ترك مالك نفسه العمل بها ، وفيه أحاديث ضعيفة وهنها جمهور العلماء .

 يقول اللكنوي : المراد بالضعف هو اليسير الذي يتقوى .
[ أنواع الأحاديث في موطأ مالك ]
المسند ، الموقوف ، المنقطع ، المرسل ، البلاغ . كما توجد هناك أقوال وفتاوى للإمام مالك .

ـ وسمى الذهبي غير المسند بـ ( المقاطيع ) .

ـ المسند : هو الحديث المروي عن النبي e بإسناد متصل . 

ـ الموقوف : أقوال الصحابة .

ـ المرسل : ما سقط منه الصحابي أو ما عزاه التابعي إلى النبي e .
ـ المنقطع : ما سقط منه راوي غير الصحابي .

ـ البلاغ : الحديث الذي يقول فيه مالك : بلغني أن الرسول e وعددها 61 بلاغ .

ـ هذا ما يتعلق بالحديث ، أما الفقه فله جانب كبير في موطأ الإمام مالك ، فهو يهتم بالجانب الفقهي لأنه محدث فقيه .

ـ وقد أخذ فقهه من ثلاث جوانب :

1 ـ ما تلقاه من مسائل الفقه عن شيوخه الذين عاصرهم وروى عنهم .

2 ـ ما استنبطه من أصول تشريعية من الكتاب والسنة والإجماع .

3 ـ أو ما طلع عليه من فقه العراقيين والشاميين والمصريين في مناقشاته مع علمائهم .

[ مسائل الفقه في الموطأ ]
أولاً : مسائل فقهية واضحة في متن الحديث .

مثال : باب دلوك الشمس ، كتاب الحج ، لا تحتاج إلى تفسير، وفي هذا الجانب يماثل الموطأ المصنفات الحديثية  مثل الصحاح والسنن ، بل يوجد بينها اتفاق في هذا الجانب.

 ثانياً : مسائل فقهية خالصة :

ـ بدون إسناد من هذا الجانب يخالف الصحاح والسنن .

ـ يذكر أحياناً بعض الأبواب ولا يذكر فيهما حديثاً ، وإنما يذكر ما استفاد أو استنبط من الأحاديث أو من بعض الآيات .

ـ ومن الكتب والأبواب التي فيها مسائل فقهية خالصة : باب العتق ، باب الوصية ، كتاب القراض ، باب جامع الفدية . النكاح في الاعتكاف .

ومن هذه الزاوية لا توافق بين الصحاح والسنن والموطأت .

ثالثا : مسائل فقهية يصرح في مقدمتها بأدلتها من المروي :

يذكر الحديث ثم يذكر الفقه وقد يعكس فيذكر المسالة ثم يؤيدها بالدليل القرآني أو المروي .

رابعاً : مسائل تبدو فيها خبرة مالك العمليه بمعايش الناس ومعرفته بأنواع المعادن والنبات والثياب المتداولة وغيرها .

ـ عندما يتكلم عن الذهب والنحاس والرصاص والحديث من أنواع القماش من الكتان، والشطوي، والقصبي والاتريبي .

ـ وكذلك أنواع الأنعام مثل : الإبل النواضح ، البقر السواني ، الشاه .

ـ أنواع البيوع الجائزة وغير الجائزة ، الجراحات ، الديات ، القسامة والقضاء .

ـ أيضاً له اهتمام بتفسير الكلمات الغريبة ، يفرق بين الأشياء مثل الموازنة بين الخليط والشريك .

الخليط : الذي يعرف ماله من مال صاحبه . والشريك الذي لا يعرف مال أحدهما من غيره.

[ منهج الإمام مالك في الموطأ ]
ـ روى الإمام مالك  عن جملة كبيرة من الصحابة ،  حتى وإن كانت الرواية عن بعضهم قليلة ، فيكثر من المكثرين ويقل من المقلين.
ـ أكثر من روايات أمهات المؤمنين وبخاصة السيدة عائشة رضي الله عنها .
ـ روايته عن آل بيت النبوة عن الإمام علي بن أبي طالب وابن العباس وفاطمة بنت الرسول e والحسن والحسين .
ـ أكثر من آراء التابعين وأكثر من البلاغات عن التابعين، مثل : سعيد بن المسيب ، وزيد بن أسلم، والقاسم بن محمد .
ـ وكذلك إجابات الإمام مالك الفقهية غنية بالأدلة ، وقد يقول بلغني ولا يذكر لنا إسناداً فوصل ابن عبد البر كل البلاغات إلا الأربعة وصلها ابن الصلاح في مؤلف صغير .
ـ التعقيب على النصوص بالتأكيد أو الشرح أحياناً  .
ـ يعتنى بأصول الفقه ويوسع مفهومها ، ويضع الحكم الفقهي الواحد في دليل واحد .
ـ وفي أحاديث العقيدة لا يعقب إلا قليلاً . ويؤثر عنه حينما سئل عن الاستواء: ( الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب ) .
ـ إذا عرفنا هذه النقاط نستطيع أن نبين مكانة الموطأ :
 يقول الإمام الشافعي :
 ما على بطن الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك .
وفي لفظ : ( ما على ظهر الأرض كتاب هو أقرب للقرآن من كتاب مالك ) .
وفي لفظ : ( ما بعد كتاب الله أكثر صواباً من موطأ الإمام مالك ) .
وفي لفظ : ( ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ ) . 
إذاً الموطأ : الأصح رواية ، الأقرب إلى فهم القرآن ، وأكثر صواباً ونفعاً . مزايا وصفات نقدية صحيحة تنفع في الموازنة ، ومن ثم أطلق بعضهم على كتاب الموطأ الصحيح ، واعترضوا على أن المعروف والمشهور أن أول من صنف في الصحيح  البخاري ، فموطأ مالك كل أحاديثه صحيحة ، لكن الإمام البخاري اختص بالصحيح المجرد ، والبعض يقول توجد تشابه بين الموطأ وصحيح الإمام البخاري ، إذ يذكر البخاري المعلقات ومالك يذكر البلاغات.

 أيضاً يقول ابن حجر :
استشكل بعض الأئمة إطلاق تفضيل صحيح البخاري على كتاب مالك مع اشتراكهما في اشتراط الصحة ، فأيضاً الإمام مالك في نقد الرجال انتقى الأحاديث انتقاء، وإن كانت قليلة، فالأحاديث المسندة المرفوعة أقل من 600 // أو( 500 ونيف ) .
الجواب : شرط الإمام البخاري أشد من شرط الإمام مالك ، مالك لا يرى الانقطاع قادحا لذلك يخرج المراسيل والمنقطعات والبلاغات ، لكن البخاري يرى الانقطاع علة ، وبالتالي ما كان من الأحاديث أو الروايات أقل من شرطه أورده تعليقاً ليخرج هذه الآثار عن أصل كتابه .
 ويمكن  الموازنة بين تعليقات البخاري وبلاغات الإمام مالك :
(1) يقال أن مالكا يتحقق من رواية البلاغ يقول : بلغني والبخاري أحياناً لا يجزم ، فمعنى ذلك أن الإمام مالك أقوى ، لأنه يجزم  إذ يقول بلغني ، لكن البخاري يقول يذكر عن فلان ويروي عن فلان بصيغة التمريض .
(2) يغلب على مالك حذف السند كله ، ويغلب على التعليقات حذف بعضه ، وحين وصل العلماء بلاغات مالك وجدوا أن عمومها أقوى من تعليقات البخاري عموماً ، هكذا يقولون  (النوعين : ما كان بصيغة الجزم وما كان بصيغة التمريض ) .
 وفي مجال أسبقية المصنفات في الحديث :
أول من صنف الصحيح مالك ويتردد ابن حجر في أسبقية الموطأ على غيره . ويقول : قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منصف القرن الثاني فدونوا الكتب ، فصنف الإمام مالك الموطأ ، وتوخّى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ، وصنف ابن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، والثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهشيم بواسط ، ومعمر الصنعاني باليمن، وابن المبارك بخراسان ، وجرير بن عبد الحميد بالري ، وكل هؤلاء ألفوا لكن لا يدري أيهم أسبق لكن البقاء كتب لكتاب الإمام مالك .
إذاً كتاب الإمام مالك أقدم مصنف مدني مشهور في الحديث النبوي والفقه وإن كانت هناك مؤلفات كلها في عداد المفقود .
ولعل الأسبقية الزمنية واستيعاب الموطأ لأبواب الفقه ، لأنه قبل عبد الرزاق وابن أبي شيبة ، إذاً تبويب الأمام مالك كتابه على الأبواب الفقهية ميزة لم يسبقه فيها أحد ، والذين ذكر ابن حجر كل هؤلاء ألفوا في الأحاديث والأثار المسندة .
إذاً الأمام مالك أقدمهم جميعاً في تبويب كتابه على الأبواب الفقهية حتى قال أبو بكر بن العربي: (الموطأ هو الأصل واللباب ، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب ، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي ) .
[ مراسيله وبلاغاته ]
أوصلها ابن عبد البر كلها إلا أربعة أحاديث، أوصلها ابن الصلاح في مؤلف صغير .

ابن حزم ينقد بعض روايات الموطأ ، إذ يقول : وفيه نيف وسبعون حديثاً وقد ترك مالك نفسه العمل بها ، وفيه أحاديث ضعيفة وهنها جمهور العلماء.

وعقب اللكنوي: وبين أن مراده بالضعف الضعف اليسير … وليس فيه حديث ساقط ولا موضوع كما لايخفى على الماهر.

و أغلب الظن أنه يقصد بالأحاديث المتروكة : الأحاديث المتعارضة لعمل أهل المدينة .

والامام الذهبي ذكر في ترجمة ابن حزم أنه ذكر كتب الصحاح والمصنفات وكتبا متعددة وجعل مرتبة الموطأ السابع والعشرين عموماً ـ فقال الذهبي : ما أنصف ابن حزم ، بل رتبة الموطأ أن يذكر تلو الصحيحين مع سنن أبي داود والنسائي .

فيقال : لعله ذكر الكتب والأحاديث المجردة بدون فقه ثم ذكر الكتب التي فيها فقه .

وابن حزم أيضا له رأي في الإمام مالك يقول إنه مدلس .

وذكره ابن حجر في المرتبة الأولى من الموصوفين بالتدليس  .

وكان مالك يدلس في رواية عن عكرمة ، لكن لا يروي عنه إلا متابعة ، ومن ثم أحياناً لا يذكره لوجود بعض الكلام في عكرمة ، فلعله يحذف اسمه فيروي عمن يروي معه ويحذف اسمه حتى لا يظن أنه ضعيف لوجود عكرمة مع أنه ثقة مشهور وثقة النسائي وغيره .

الموطأ صحيح عند مالك ومقلديه يعني أتباع مالك وإن كانت هناك بعض المراسيل ، وكلها صحيحة عند أتباع الإمام مالك حتى المراسيل ، لأنه المرسل لا يحتج به إلا إذا اعتضد ، وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد .

ويقال : إن الموطا صحيح لا يستثنى منه شيء ، وقد صنف ابن عبد البر كتاباً في وصل ما في الموطأ من المراسيل والمنقطع والمعضل إلا أربعة أحاديث أوصلها ابن صلاح .

[ بعض خصوصيات الموطأ ]

أخذ الإمام مالك عن ( 900 ) شيخ ، منهم ( 300 ) من التابعين و (600 ) من أتباع التابعين ،  واصطفى وانتقى واختار ممن ارتضاه لدينه وفضله وقيامه بحق الرواية وشروطها وسكنت النفس إليه، وترك الرواية عن مجموعة من الناس الذين أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية .

وشيوخ مالك في الموطأ لا يتجاوزون المائة إلا قليلا ، أي ترك الرواية عن سبعمائة وكسر، مما يدل على أنه يستعمل النقد الدقيق والانتفاء الشديد والفهم الواضح الذي كان الإمام مالك ينتهج في الأخذ والتلقي والتحمل.

 يقول الإمام مالك :  ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء .

 ويقول شعبة : كان مالك أحد المميزين وقد سمعته يقول : ليس كل الناس يكتب عنهم ، وإن كان لهم فضل في أنفسهم وإنما هي أخبار رسول الله e فلا تؤخذ إلا من أهلها.

ممكن يعقد موازنة بين الموطأ وكتب السنة المشهورة.

في عدد الأحاديث :

في صحيح البخاري أربعة الآف حديث بغير المكرر، وفي عد ابن حجر يقول ( 2602 ) ، ومن المتون المعلقة المرفوعة (159) فمجموع ذلك (2761).

 وفي صحيح مسلم : اثنا عشر ألف حديثا، وبغير المكرر ( 3033 ) وقال بعضهم ( 4000 ) .

وفي سنن أبي داود : ( 5274 ) .     

وفي سنن الترمذي : ( 3963 ) .

وفي سنن ابن ماجه : ( 4341 ) .

وأما الموطأ فلم تتجاوز أحاديثه على كل حال (650) حديثا ، كما سبقت الاشارة إليه.

المؤلف في رجال الموطأ :

ألف في رجاله القاضي أبو عبد الله بن الحذاء، وأبو عبد الله مفزع، وأبو عمر الطلمنكي. والسيوطي له كتاب إسعاف المبطأ في رجال الموطأ..

شرح الغريب :

البرقي ـ وأحمد بن عمران الأخفش وأبو القاسم العثماني المصري  .





[ عبد الله بن وهب ] ولد سنة 125هـ توفي سنة 197هـ .

طلب العلم وله 17 سنة يروي عن الإمام مالك وابن جريج ويونس بن يزيد والليث .

لقي بعض صغار التابعين وكان من أوعية العلم وكنوز العمل .

ويقول عبد الله بن وهب عن نفسه : الشيطان لعب بي وقال: من خلق عيسى وكيف خلقه الله تعالى؟ فشكوت ذلك إلى شيخي ، فقال : أطلب العلم فكان سبب طلبي للعلم .

+ ويقول الذهبي :

موطأ ابن وهب كبير ولم أراه ، وله من المؤلفات :

كتاب الجامع ، كتاب البيعة ، كتاب المغازي ، كتاب الردة ، كتاب تفسير غريب الموطأ .

ـ شيخه الليث بن سعد يروي عنه .

 يقول محمد سلمه :

سمعت ابن قاسم يقول : لو مات ابن عيينة لضربت إلى ابن وهب أكباد الإبل ، ما دون العلم أحد تدوينه .

وحديث ابن وهب كثير في الصحاح وفي السنن ودواوين الإسلام ، ووثقه الكثيرون ؛ ابن معين والنسائي وابن عدي وغيرهم .

 يقول أبو زرعة  الرازي :

نظرت في أكثر من 30 ألف حديث لابن وهب ولا أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له .

وكتاب ابن هب (الموطأ الصغير) موجود قطعة منه ، حقق في الجامعة الإسلامية بإشراف الدكتور / سعدي ، قبل عشرة سنوات 1413هـ ـ من بداية الكتاب حتى نهاية كتاب الصوم .

المطبوع من الموطأ حققه أستاذ من قسم العقيده وأخرجه بدون تخريج للحديث ولا حكم على الأسانيد.

والكتاب قطعة من كتاب الأشربه وكتاب المناسك  والزكاه والصلاة والنكاح والصوم والقسامة والعقود والديات . فقط .


(محمد بن الحسن الشيباني) : ولد سنة 132هـ وتوفي سنة 189هـ . 

يروي عن الإمام الشافعي ، شهد له العلماء بالإمامة في الفقه والعربية ، أخذ الموطأ عن الإمام مالك في ثلاث سنوات .

 يقول الشافعي : كنت أظن إذا رأيته يقرأ القرآن كأن القرآن نزل بلغته .

 منهج محمد بن الحسن في روايته :

ـ يذكر كل ما روى عن الإمام مالك لكن هناك إضافات .

ـ إذاً أغلب الروايات عن الإمام مالك ولكن هناك بعض الإضافات في الآراء لأن الإمام محمد     بن الحسن مذهبه حنفي .

ـ يذكر ترجمة الباب ويذكر متصلاً به روايته عن الإمام مالك موقوفه كانت أو مرفوعة .

 ـ لا يذكر في صدر العنوان إلا لفظ ( الكتاب ) أو ( الباب ) . يعني لا يذكر الفصل ، ويمكن     أن يكون سقط من النساخ والله أعلم .

ـ يذكر بعد الحديث أو الأحاديث اجتهاده مخالفاً أو موافقاً للإمام مالك معبراً عن ذلك بقوله :

وبه نأخذ ، وعليه الفتوى ، وبه يفتي ، وعليه الإعتماد ، وعليه عول الأمة ، وهو الصحيح ، وهو الظاهر، وهو الأشهر .

ـ لم يذكر مذهب أبي يوسف في موطئة . 

ـ فيه بعض الأحاديث الضعيفة ، وبعضها ينجبر بكثرة الطرق .وبعضها شديد الضعف .

 من شروح الرواية :

1 ـ فتح المغطى شرح الموطأ : للقاري الهروي . ت : 1014هـ .

2 ـ شرح الموطأ : إبراهيم بن حسين بيري زادة . ت : 1096هـ

3 ـ المهيأ في كشف أسرار الموطأ : لعثمان بن يعقوب الأسلامبولي .

المعاجم الثلاثة للإمام الطبراني

هو سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، ولد سنة 260هـ وتوفي سنة360هـ

وقد ألف تلميذه ابن مندة كتابا في ترجمته (مناقبه ومولده ووفاته وعدد تصانيفه) مطبع مع المعجم الكبير للطبراني في الجزء 25.

أسرته: له ولد يسمى محمدا، وابنة تسمى فاطمة، وأمها: أسماء بنت أحمد بن محمد بن شدرة الخطيب.

وأصله من طبرية الشام وانتقل الى أصبهان.

اهتم به والده من صغره وارتحل به وكان أول سماعه وعمره ثلاث عشرة سنة، وأول رحلاته الى القدس والبلدان المجاورة لها، ثم تنقل في مدائن الشام حمص وحلب ودمشق، ثم ارتحل الى مصر واليمن، ورحل الى الحج عام 283هـ فسمع من علماء مكة والمدينة، ثم رجع الى مصر ثم الى العراق، بل أقام في الرحلة ثلاثا وثلاثين سنة وسمع الكثير، ولما قضى وطره من الرحلة قدم أصبهان سنة 290هـ.

وكان الطبراني حريصا في طلب العلم مهتما بحفظه مكثرا، وقد رزق القناعة بالقليل من متاع الدنيا ونعيمها، ولم يتعب نفسه في الحصول على الجاه أو جمع المال.

ولقد عزى الذهبي كثرة روايته وعلو إسناده الى طول عمره، فقال: وإلى الطبراني المنتهى في كثرة الحديث وعلوه فانه عاش مائة سنة، وسمع وهو ابن ثلاث عشرة سنة.

شيوخه:

حدث عن ألف شيخ أو يزيدون بل روى في المهجم الصغير عن أكثر من 1289 شيخ.

وقال أبو نعيم: روى عن النجوم والأكابر.

تلاميذه:

كثيرون منهم الأجلاء؛ ابن مندة، وابن فورك الأصبهاني، وأبو نعيم، وغيرهم لا يحصون

أثنى عليه تلميذه ابن مندة: فيقول: أن الله تعالى تفضل وامتن على أهل اصبهان بقدوم الطبراني لعلمه وديانته وحفظه واتقانه وطوله ورزانته وحلمه وحسن سيرته الجميلة وطريقته القوية المستقيمة، فشر ما سمعه من الأحاديث في المدائن والأمصار، وإلحاقه الأصاغر بالأكابر بلعو أسانيد الأخبار.

أقوال العلماء فيه:

قال جعفر بن أبي السري: ما أعلمني رأيت أحدا أعرف بالحديث ولا أحفظ للأسانيد منه.

وقال أبو بكر بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن: كان واسع العلم كثير التصانيف وقد ذهبت عيناه في آخر أيامه.

وقال السمعاني: حافظ عصره، صاحب الرحلة، رحل وأدرك الشيوخ، وذاكر الحفاظ، وسكن أصبهان في آخر عمره، وصنف التصانيف.

وقال ابن عساكر: أحد الحفاظ المكثرين والرحالين.

وقال ابن خلكان: كان حافظ عصره.

وقال ابن العماد الحنبلي: كان ثقة صدوقا واسع الحفظ بصيرا بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف.

مؤلفاته:

ذكر ابن مندة 107 كتابا ألفها الطبراني، معظمها في الأحاديث والمسانيد فمنها:

المعاجم الثلاثة، وكتاب دلائل النبوة في عشر مجلدات، وكتاب الدعاء، وكتاب فضل الإمام أحمد، وغيرها.

منهجه في المعاجم:

1)  المعجم الصغير، وهو في مجلد لطيف، يقول مؤلفه عنه في مقدمة كتابه: هذا أول كتاب فوائد مشايخي الذين كتبت عنهم بالأمصار، خرجت عن كل واحد منهم حديثا واحدا، وجعلت أسماءهم على حروف المعجم.

وقد يذكر حديثين أو أكثر وذلك نادر جدا، وأكثر ما ذكر خمسة أحاديث عن شيخه يحيى بن محمد بن أبي صغير الحلبي.

ويذكر بعض التعليق على الحديث من حديث التفرد، أو العلل في الاسناد، كأن يقول: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وهكذا، وقد يتكلم على الرجال فيقول: فلان وكان ثقة، وذلك قليل جدا.

‌‌@ وقام الأستاذ محمد شكور محمود الحاج أمرير بتخريج احاديثه والحكم عليها، في كتاب سماه (الروض الداني الى المعجم الصغير للطبراني) طبع في مجلدين في بيروت.

$ ورتب أحاديثه مبارك بن مصبح فحان العازمي، وسماه: التيسير في ترتيب أحاديث الطبراني الصغير.

2)  المعجم الأوسط، قال الذهبي عنه: يقع في ست مجلدات كبار على معجم شيوخه يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب الأفراد للدارقطني، بين فيه فضيلته وسعة روايته، وكان يقول هذا الكتاب روحي فإنه تعب عليه، وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر.

ورتبه أيضا على أسماء شيوخه، لكنه يروي من طريق كل شيخ عددا من الأحاديث قد تزيد على خمسين حديثا، وقد تقل حتى تكون بضعة أحاديث، ويعود السبب في ذلك إلى عدة أمور:

أ‌)      كثرة الرواية عن هذا الشيخ  أو الاقلال منها.

ب‌)      أغراضه في إيراد تلك الروايات وإخراجها، فكثيرا ما يكون غرضه من إخراج الحديث بيان التفرد الذي يقع من بعض الرواة عن بعض، فلا يكاد يورد حديثا إلا ويقول عقبه (لم يروه عن عن فلان إلا فلان) أو (تفرد به فلان) فيأتي في هذا الكتاب عن كل شيخ بما له من الغرائب.

أما درجة أحاديثه: ففيه الصحيح والحسن بنوعيه، والضعيف والواهي، بل فيه الموضوع أيضا.

أما عدد الأحاديث (12000 حديث ) تقريبا كما قال الدكتور محمود الطحان، إذ أراد أن يخرج الكتاب في (12) مجلدا، في كل مجلد ألف حديث.

3)  المعجم الكبير، يقول المؤلف في اول الكتاب، هذا كتاب ألفناه لعدد م انتهى إلينا ممن روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء، على حروف ألف ب ت ث ، بدأت فيه بالعشرة رضي الله عنهم، لأن لا يتقدمهم أحد غيرهم، خرجت عن كل واحد منهم حديثا وحديثين وثلاثا وأكثر من ذلك على حسب كثرة روايتهم وقلتها، ومن كان من المقلين خرجت حديثه أجمع، ومن لم يكن له رواية عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم وكان له ذكر من أصحابه من استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تقدم موته ذكرته من كتب المغازي وتاريخ العلماء، ليوقف على عدد الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أصحابه رضي الله عنهم، وسنخرج مسندهم بالاستقصاء على ترتيب القبائل بعون الله وقوته، أن شاء الله وحده.

والموجود من الكتاب الذي قام بتحقيقه حمدي السلفي، كامل الكتاب إلا الأجزاء (13/ 14/ 15/ 16/ 24) وبلغ عدد الأحاديث (21546 حديثا)

وقام بعمل الفهرسة لأحاديث الكتاب الأستاذ عدنان عرعور في ثلاث مجلدات.

هذا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا،   والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق