الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

فضائل معاوية ابحاث

أبحاث من مسودة كتاب
من فضائل وأخبار معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه
دراسة حديثية
تأليف: محمد زياد بن عمر التكلة
عفا الله عنه 


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهُداهُم إلى يوم الدين، أما بعد:

اعْلَمْ رحمك الله أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من الصحابة الأجلّة الكرام، الذين يجبُ الترضّي عن جميعهم، ولا يجوز الطعنُ فيهم، كما هو اعتقادُ الفرقة الناجية؛ أهلِ السُنَّة والجماعة، كيف وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أنّ أَحدَكُم أنفقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبا؛ ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهمْ ولا نَصيفَه". متفقٌ عليه.
أولئك أصحابُ النبيِّ وحِزْبُه *** ولولاهُمُ ما كانَ في الأرضِ مُسْلِمُ

فلا يجوز الطعنُ في آحادهم، فكيف بمن له فضائل ثابتة -خاصة وعامة- مثلَ معاوية؟
وإنني أورِدُ على عُجالةٍ شذرات من فضائل وأخبار معاوية رضي الله عنه، مُعتَنيا ومُنتَقيا في النقل، كما يرى الناظر بين يديه، وذلك ذبّاً عن صحابة أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم، وكتَبَةِ الوحي، وحَمَلة العلم، ونَقَلَة الدِّين، وأَمانِ الأُمَّة ، ودَفعا لـهَجمات أعداء السُنّة والإسلام ؛ ومَن اغتَرَّ بشُبَهِهِم من الجَهَلة والأغمار، وتيسيرا وخِدْمةً لمَن يتصدَّى لهم بالرَدِّ والمُنافَحة.
إذ رأيتُ غالبَ جهودِ أهلِ السُنَّة مُقتصرةً على دفع الهَجمَات المسعورة ضِدَّ هذا الصحابيِّ الجليل، حتى كادتْ فضائلُه ومناقبُه تُصبحُ نَسْياً مَنْسِياً عند الأُمَّة، فآثرتُ أن أجلِّيَ شيئا منها، وأن أقاومَ الهدمَ بالبِناء، وكلٌّ على ثَغْرٍ وأجر.

وإني لأرجو بعملي هذا وَجْهَ الله تعالى، فأسألُه سبحانَه القَبولَ والنَّفع، وأن يدّخر لي أَجْرَه ليومِ الدين، (يومَ ينظُرُ المرءُ ما قدَّمتْ يَداهُ، ويَقولُ الكافرُ يا لَيْتَني كنتُ تُرابا).

فاللهمّ انصُر دينَكَ، وكتابَكَ، وسُنّةَ نَبيِّك، وعِبادَكَ الصالحين.
سُبحانك اللهم وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرُك وأتوبُ إليك.

قاله أفقرُ العباد: محمد زياد بن عمر التُّكْلَة الدمشقي الأثري .
غفر الله له، ولأهله، ومشايخه، وأحبابه، وللمسلمين، ولمن دعا لهم، إلى يوم الدين.
الخميس 22 جمادى الأولى 1423

تنبيه: هذا المنشور بين يديك عبارة عن مسودة غير مكتملة الأبحاث، ولكن نظرا لقلة اشتغالي فيها الآن لضيق وقتي؛ مع إلحاح عدد من الإخوة طلبة العلم والدعاة المنافحين عن السنة؛ فقد ارتأيتُ انتقاء بعض الأبحاث المكتملة وشبه المكتملة ليستفيد منها أهل السنة في مقابل الهجمات المسعورة من أعدائها، ولعل أن يكون ذلك من المسابقة في الخيرات، والمسارعة إلى المغفرة والحسنات. 
وإني ماضٍ في الجمع والتحرير ما شاء الله تعالى، وأرجو أن ييسر الله الفراغ من الرسالة في أقرب وقت، وأن يتقبلها وينفع بها، ولا أستغني عن دعاء إخواني في الله وإفاداتهم وملاحظاتهم.
وإلى الفراغ منها أحرّج على من يتقي الله عدم طبع هذه المسودة، فضلا أن يحوّرها ويدّعيها مدّع، والله الموعد.
ولا يفوتني التنبيه على أن التحرير في أول المسودة أكثر من آخرها.
والحمد لله أولا وآخرا.
محمد زياد التكلة، الرياض 18/11/1425

معاوية رضي الله عنه في سطور:

هو أبوعبد الرحمن مُعاوية بن أبي سُفيان صَخْر بن حَرْب بن أُمَيَّة بن عبد شَمْس بن عبد مَناف بن قُصي بن كِلاب القُرَشي، وأٌمُّه: هِند بنت عُتبة بن رَبيعة بن عبد شمس.
يلتقي نسبُه مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عبدِ مَناف.
وُلد معاوية قبل البعثة بخمس سنين على الأشهر، وقيل بسبع، وقيل بثلاث عشرة.
تزوج في عهد عمر رضي الله عنه، وله من الأولاد: عبد الرحمن، وأمُّه فاختة بنت قَرَظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، ولم يُعقب.
ويَزيد الذي تولى الخلافة، وأُمُّه مَيْسُون بنت بَحدل الكَلبية، وله عقب.
وعبد الله، ولقبه: مُنقب، وأمُّه فاختة، ولا عقب له من الذكور.
وهِند، ورَمْلة، وصَفيّة، وأمةُ ربِّ المشارق، وعاتِكة.
وتزوج نائلة بنت عُمارة الكَلبية، وقريبة بنت أبي أمية المخزومية، وكَتْوة بنت قرظة .
فأما حِليتُه: فقد كان طويلا، أبيض، جميلا، مَهيبا، أَجْلَح، إذا ضحك انقلبت شَفَتُه العُليا، وأصابته لَقْوَةٌ آخر عُمُرِه.
وكان يخضبُ بالحِنَّاء والكَتم، ويصفّر لحيته حتى تكون كالذهب.
وكان من الكَتَبة الحَسَبة الفَصَحة الفُقهاء ، ويُضربُ المَثَلُ بحِلْمه وعَقْله.
وبعد إسلام أبيه أبي سفيان: انتقلَ وأهلَه إلى المدينة، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين معاوية والحُتات بن يزيد المُجاشِعي، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عن معاوية راضٍ.
مكث أميرا على الشام في خلافة عمر وعثمان عشرين سنة، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.
توفي بدمشق للنصف من رجب سنة ستين، وصلّى عليه الضحاك بن قيس الفِهْري رضي الله عنه.
وعاش معاوية ثمانية وسبعين عاما، وقيل غيرُ ذلك، رضي الله عنه وأرضاه.


يتبع ......

من فضائل معاوية رضي الله عنه في القرآن الكريم:


- قال الله تعالى: (ثمَّ أنزلَ سَكينَتَهُ على رسولِه وعلى المؤمنين، وأنزَلَ جُنوداً لم تَرَوها، وعذَّبَ الّذين كفروا، وذلك جَزاءُ الكافرين) [التوبة: 26]
ومعاوية رضي الله عنه من الذين شهدوا غزوة حُنين المقصودة في الآيات، وكان من المؤمنين الذين أنزل الله سكينتَه عليهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.

- وقال جلَّ وعلا: (لا يَستَوي مِنكم مَن أَنفقَ مِن قَبلِ الفتحِ وقاتَل، أولئكَ أعظَمُ درَجةً مِنَ الذينَ أنفقوا مِن بَعدُ وقاتَلوا، وكُلاً وَعَدَ اللهُ الحُسنى، واللهُ بما تَعملون خَبير) [الحديد: 10]
قلت: ومعاوية رضي الله عنه لا يخلو أن يكون على حالَين: أن يكون قد أسلم قبل فتح مكة كما رجّح وصحّح الحافظُ ابنُ حَجَر فيما يأتي، أو يكون بعد ذلك، وقد أنفق وقاتل في حُنين والطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ممن وعَدَهم الله الحُسنى بنص الآية، والحُسنى: الجنّة، كما قال تعالى: (إنَّ الَّذينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنَّا الحُسْنَى أولئكَ عَنْها مُبْعَدون، لا يَسْمَعون حَسِيسَها وهُمْ فيما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهم خالِدُون) [الأنبياء: 101]

- وقال تعالى: (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ والمُهاجِرينَ والأنْصارِ الَّذينَ اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلوبُ فَريقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِم، إنَّهُ بِهِم رَؤوفٌ رَحيمٌ) [التوبة: 117]
وساعةُ العُسرة هي غزوةُ تَبُوك، وقد شَهِدَها مُعاوية رضي الله عنه .

- وقال تعالى: (يومَ لا يُخْزِيْ اللهُ النَّبيَّ والذينَ آمَنوا مَعه، نُورُهُمْ يَسعى بينَ أيديْهم وبأيْمانِهم) [التحريم: 8]
قال الإمام الآجُرِّي في الشريعة (5/2432) عن معاوية رضي الله عنه: "فقد ضمن الله الكريم بأن لا يُخزيه، لأنه ممَّنْ آمَنَ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم".

وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (4/458-465)

من فضائل معاوية رضي الله عنه ثبوت كونه كاتبا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكتابته الوحي:

- روى مسلم في صحيحه (رقم 2501 أو 16/62 مع شرح النووي) من حديث ابن عباس: أن أبا سفيان قال: يا نبيَّ الله، ثلاثٌ أَعطِنيهنّ. قال: نعم. قال: عندي أحسنُ العربِ وأجملُه أمُّ حَبيبة بنت أبي سفيان؛ أُزوّجُكها. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعلُه كاتبا بين يديك. قال: نعم. قال: وتؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنتُ أقاتلُ المسلمين؟ قال: نعم. 

- روى الطيالسي (4/465) وأحمد (1/291 و335) والآجري (1937) والبيهقي في الدلائل (6/243) وغيرهم بسند جيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اذهب فادعُ لي معاوية"، قال ابن عباس: وكان كاتِبَه.
وصححه ابن عساكر (59/106) والذهبي في تاريخ الإسلام (4/309)، وأصلُه في صحيح مسلم (2604)

- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: إن معاوية كان يكتبُ بين يَدَي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
رواه أبوعوانة (البداية والنهاية 11/403) والبزار (زوائده 3/267 رقم 2722) والآجري (1936) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي كَثير الزُّبَيدي، عن عبد الله به.
قال الهيثمي في المجمع (9/357): "رواه الطبراني، وإسنادُه حسن".
قلت: أبوكثير اختُلف في اسمه، وهو ثقة، والإسناد كما قال الهيثمي أو أعلى.

- وعن سَهْلِ بن الحَنْظَلِيَّة الأنصاري رضي الله عنه: أن عُيَيْنَةَ والأَقْرَعَ سألا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فأمرَ معاويةَ أن يكتُبَ به لهما، ففعلَ، وختَمَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَمَر بدفعه إليهما.. الحديث.
رواه أبوداود (1629) وأحمد (4/180) وابن شبّة في أخبار المدينة (911) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/104) وابن حبان (2/303 و8/187) والطبراني (6/97 رقم 5619) والآجري (1939) وأبونعيم في معرفة الصحابة (3/1310) والبيهقي (7/25) وابن عساكر (67/157 وفيه سقط)
كلهم من طريق ربيعة بن يزيد، حدثني أبوكَبشة السَّلُولي، أنه سمع سهلَ به.
وسنده صحيح، وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم. (صحيح سنن أبي داود الكبير 5/332)

- وغير ذلك من الأخبار، وأمرُ كتابةِ معاوية للوحْيِ؛ وائتمانِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عليهِ مشهور، وفي السِّيَر والمغازي والتواريخ معروفٌ ومسطور .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (4/439): "استَكْتَبَه النبي صلى الله عليه وسلم لخِبْرَتِه وأمانته".

ومن فضائل معاوية رضي الله عنه كونه خال المؤمنين:

فهو أخو أمِّ المؤمنين؛ زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ أمِّ حَبيبة رَمْلة بنت أبي سفيان رضي الله عنهم، ولذلك قال الإمام أحمد: أقول: معاوية خال المؤمنين، وابن عمر خال المؤمنين. رواه الخلال في السنة (2/433) بسند صحيح. 

وروى العجلي في الثقات (1/314) ومن طريقه ابن عساكر (15/88) وابن العديم (6/2897) بسند صحيح أن رجلا سأل الحكم بن هشام الكوفي: ما تقول في معاوية؟ قال: ذاك خالُ كلِّ مؤمن.

- وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "كل سَبَبٍ ونَسب مُنقطعٌ يوم القيامة غيرَ سَبَبي ونَسَبي"، وفي رواية: "غير نسبي وصِهري".
وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير في مسند الفاروق (1/388)، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم، وانظر الصحيحة (2036) ومختصر استدراك الذهبي على الحاكم (3/1521) والروض البسام (1487)
ولا شك أن معاوية داخلٌ في هذا الفضل.

روى الخلال في السنة (2/433) واللالكائي (8/1445) عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، قال: قلت لأحمد بن حنبل: أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلُّ صِهر ونسب ينقطع إلا صهري ونسبي؟ قال: بلى. قلت: وهذه لمعاوية؟ قال: نعم! له صهر ونسب.
إسناده صحيح، ويستفادُ منه تثبيتُ الإمام أحمد للحديث.

ومن فضائل معاوية:

روى البخاري في صحيحه (6/102 رقم 2924 مع الفتح) عن أم حَرَام الأنصارية رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أولُ جيشٍ من أُمَّتي يَغزون البحر قد أَوجَبوا". قالت أم حَرَام: قلت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: "أنتِ فيهم". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أولُ جَيشٍ من أُمَّتي يَغزون مدينة قَيصرَ مغفورٌ لهم". فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: "لا".
ونقل ابنُ حجر والبدر العيني في شرحهما عن المُهلَّب بن أبي صُفْرَة الأندلسي (ت 435) أنه قال: "في هذا الحديث منقبةٌ لمعاوية، لأنه أول من غزا البحر، ومنقبةٌ لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينةَ قيصر".
قلت: أرسل معاويةُ ابنَه يَزيد أميراً على الجيش سنة ثنتين وخمسين ، حتى وصل أسوار القسطنطينية، ومعه عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، ومنهم أبوأيوب الأنصاري، وقد توفي هناك، ودُفن عند سورها كما أوصى يزيدَ بذلك.
قال ابنُ حجر وغيرُه: معنى أَوجَبوا: أي فعلوا فِعلاً وَجَبَتْ لهم به الجنّة.

وقال الفِريابي: وكان أول من غزا [يعني البحر] معاويةُ في زمن عثمان بن عفان. (الشريعة للآجري 5/2441 رقم 1922)
وعلى ذلك المؤرِّخون، وقال ابن عبد البر في التمهيد (1/242): "لم يختَلفْ أهلُ السِّـيَر فيما عَلمتُ أن غَزاةَ معاوية هذه المذكورةُ في حديثِ هذا الباب إذْ غَزَتْ معه أمُّ حَرَام كانت في خِلافة عُثمان".
وقال ابنُ حَجَر إنَّ أصحَّ الأقوال في غزوة معاوية أنها كانت سنة ثمان وعشرين. (فتح الباري 11/75-76)


يتبع

فضيلة أخرى تتصل بسابقتها:


روى البخاري (6282 و6283) ومسلم (1912) عن أنس رضي الله عنه، عن أم حَرَام -وهي خالة أنس، قالت:
أتانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوما فَقَالَ عندَنا، فاستيقظَ وهو يَضحكُ، فقلت: ما يُضحككَ يا رسولَ الله؛ بأبي أنتَ وأمّي؟ قال: "أُريتُ قوما من أمّتي يَركبون ظهرَ البحر كالمُلوكِ على الأَسِرَّة". فقلت: ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهم. قال: "فإنَّكِ منهم". قالت: ثمَّ نام، فاستيقظَ أيضاً وهو يَضحك، فسألتُه، فقال مثل مقالته، فقلتُ: ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: "أنتِ من الأوّلين".
قال: فتزوّجَها عُبادَة بن الصامِت بعدُ، فغَزَا في البحر؛ فحَمَلَها مَعَه، فلمّا أن جاءت قَرَّبَت لها بغلة فركبَتها، فصَرَعَتْها؛ فانْدَقَّتْ عُنُقُها".

قال ابنُ حجر في الفتح (11/74): "قال ابنُ عبد البر [التمهيد 1/232]: أرادَ -واللهُ أعلم- أنَّه رأى الغُزاةَ في البحرِ مِن أُمَّته مُلوكا على الأَسِّرة في الجنّة، ورُؤياهُ وَحْيٌ، وقد قال الله تعالى في صِفةِ أهلِ الجنَّة: (على سُرُرٍ مُتقابِلين)، وقال: (على الأَرائِكِ مُتَّكِئون)، والأرائكُ: السُّرُرُ في الحِجال. [انتهى كلام ابن عبد البر]
وقال عِياض: هذا مُحتَمل، ويُحتَمَلُ أيضا أن يَكونَ خَبَرا عَن حَالِهم في الغَزْو مِن سَعَةِ أَحوالهم، وقوامِ أَمْرِهم، وكَثرةِ عَدَدهم، وجَودة عُددهم، فكأنهم الملوكُ على الأَسِرّة.
قلت: وفي هذا الاحتمال بُعدٌ، والأولُ أَظهرُ، لكنّ الإتيانَ بالتمثيلِ في مُعظَمِ طُرُقِه يَدُلُّ على أنّهُ رأى ما يؤولُ إليه أمرُهم، لا أنهم نالوا ذلك في تِلكَ الحالة، أو موقعُ التشبيه أنهم فيما هم من النّعيم الذي أُثيبُوا به على جهادهم مثلُ ملوك الدنيا على أَسِرَّتهم، والتشبيهُ بالمحسوسات أبلَغُ في نفسِ السامع".

فإذا تبيَّن هذا الفضلُ العظيم، كان معاوية من أولى الناس به، إذ أنه أميرُ تلك الغزاة بالاتفاق؛ كما تقدَّم قريبا، وقد قال ابنُ عبد البر عن هذا الحديث في التمهيد (1/235): "وفيه فضلٌ لمعاوية رحمه الله، إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَتِه مِن الأوَّلين".
وعدّه الآجري (5/2441) واللالكائي (8/1438) وغيرهما من فضائل معاوية رضي الله عنه.

ومما يتصل بفضائل معاوية:

روى الإمام مسلم في صحيحه (4/2009-2010 رقم 2603) حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا، وفي آخرِه: "يا أم سُليم؛ أما تعلمينَ أن شَرْطي على ربي؟ أنّي اشترطتُ على ربي فقلتُ: إنما أنا بشرٌ أرضى كما يرضى البشر؛ وأغضبُ كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوتُ عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهلٍ أن تجعلَها له طهورا وزكاة وقُربة تُقربه بها منه يوم القيامة".
وسبق ذلك عدة أحاديث مثله، عَنْوَن لها النوويُّ بقوله: "باب مَن لعَنهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أو سبَّه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك؛ كان له زكاةً وأجرا ورحمة"، ثم أورد مسلمٌ عَقِبَها مباشرة ضِمنَ الباب نفسه (4/2010 رقم 2604) حديث ابنَ عباس رضي الله عنهما قال: "كنتُ ألعبُ مع الصِّبيان، فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فتواريتُ خلفَ باب، قال: فجاء فحَطَأَني حَطْأة، وقال: اذهبْ وادعُ لي معاوية، قال: فجئتُ فقلت: هو يأكل. قال: ثم قال لي: اذهب فادعُ لي معاوية. قال: فجئتُ فقلت: هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنَه".

قلت: والعلماءُ المعتَبَرون فهموا واستنبطوا من الحديث منقبةً لمعاوية رضي الله عنه، فصنيعُ الإمام مسلم صريحٌ في ذلك، وأكّد عليه الإمامُ النووي في تبويبه وشرحه للصحيح، فقال (16/156): "وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيرُه من مناقب معاوية؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له"، وأشار لهذا البيهقي في دلائل النبوة (6/243) وعنده زيادة: "فما شبع بطنه أبدا"، وكذلك قرن الحديثين معاً الحافظُ الذهبي في السير (3/124 و14/130)، وفي تذكرة الحفاظ (2/699)، وابنُ كثير في البداية والنهاية (11/402 ط. التركي) وغيرُهما، وعدُّوه من فضائل معاوية .
وقال ابن كثير: "وقد انتفعَ معاويةُ بهذه الدعوة في دُنياه وأُخراه، أما فى دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميراً كان يأكلُ في اليوم سبعَ مرات، يُجاء بقصعةٍ فيها لحمٌ كثير وبصلٌ فيأكل منها، ويأكل فى اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: (والله ما أشبع، وإنما أعيا)، وهذه نعمةٌ ومعدةٌ يرغبُ فيها كلُّ الملوك".
وقال عبد الله بن جعفر بن فارس في زياداته على مسند الطيالسي (4/465 ط. التركي): "معناه -والله أعلم: لا أشبعَ الله بطنَه في الدنيا حتى لا يكونَ ممّن يجوعُ يومَ القيامة، لأن الخبرَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: أطولُ الناس شبَعاً في الدنيا أطوَلُهم جُوعاً يومَ القيامة".

ومما أفاده النوويُّ رحمه الله في شرحه لعبارة "لا أشبع الله بطنه": "إن ما وقع من سَبِّه [صلى الله عليه وسلم] ودعائه ونحوِه ليس بمقصود، بل هو مما جَرَتْ به عادةُ العرب في وَصْلِ كلامها بلا نيّة، كقوله: تَرِبَت يمينُك، وعَقْرَى، وحَلْقَى، وفي هذا الحديث: لا كبرت سنُّك، وفي حديث معاوية: لا أشبع الله بطنه، ونحو ذلك، لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقةَ الدُّعاء، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل ربَّه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمةً وكفارة وقُربة وطَهورا وأجرا، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا لعّانا ولا مُنتقما لنفسه".
وأفاد بعض طلبة العلم أن مِن نظائر ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم: "ثكلتكَ أُمُّكَ يا مُعاذ"، ومن كلام العرب الذي لا يُقصد معناه: لا أبا لك، وغير ذلك.
وقد أطنب الإمام الألباني في معنى هذا الحديث (السلسلة الصحيحة 1/164-167 رقم 82 و83 و84)

- وكذلك روى مسلم في صحيحه (1480) حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها؛ لما طلقها زوجها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حَلَلتِ فآذِنيني"، قالت: فلمّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ له أنَّ مُعاوية بن أبي سُفيان وأبا جَهْمٍ خَطَباني، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أمّا أبوجَهمٍ فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِه، وأما مُعاوية فصُعْلوكٌ لا مالَ له.." الحديث.
وفي رواية عند مسلم: "أما مُعاويةُ فرَجُلٌ تَرِبٌ لا مالَ له، وأما أبوجَهمٍ فرجلٌ ضَرَّابٌ للنِّساء".
وفي رواية عنده أيضا: "إنَّ مُعاويةَ تَرِبٌ خَفيفُ الحال، وأبوالجَهمِ منه شِدَّةٌ على النِّساءِ، أو يَضرِبُ النِّساءَ، أو نحو هذا" .

قلت: لو كان في دينِ مُعاويةَ أو خُلُقِهِ شيءٌ لذَكَرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من باب أولى، ولم يكن من حاله عيبٌ إلا أنه خفيف ذاتِ اليد وقتَها، إذ كان في أوَّلِ شبابِه رضي الله عنه، وحالُه في المال يتبيَّنُ في قصة أُمِّه هِندَ -في البخاري ومسلم- وفيها أنها سألت النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أبا سُفيان رجلٌ شَحيحٌ، وليس يُعطيني ما يَكفيني ووَلَدي؛ إلا ما أَخَذْتُ مِنه وهو لا يَعلم؟ قال: خُذي ما يَكفيكِ ووَلَدَكِ بالمعروف". 

ومن فضائل معاوية:

روى ابن سعد (1/112 تحقيق السلومي) ومن طريقه ابن عساكر (59/153) عن مرجانة أم علقمة قالت: "قَدِمَ معاويةُ بن أبي سفيانَ المدينة، فأرسلَ إلى عائشةَ: أن أَرْسِلي إليَّ بأنبجانيّة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشَعْرِه، فأَرْسَلَتْ به معي، حتى دخلْتُ به عليه، فأخذَ الأنبجانيةَ فَلَبسَها، وأخذَ شَعْرَه فدعا بماء فَغَسلَه، فشَرِبَه وأفاضَ على جِلْدِه".
وسنده جيد.
=============
ومن فضائل معاوية:

عن هِند بنت عُتْبة (امرأة أبي سُفيان، وأم معاوية رضي الله عنهم) أنها جاءت إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ الله، والله ما كان على ظهر الأرض أهلُ خِباء أحبَّ إليّ من أن يُذِلَّهُمُ اللهُ من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحبَّ إليَّ من أن يُعزَّهم الله من أهل خبائك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وأيضا والذي نفسي بيده".. الحديث.
رواه البخاري في مناقب هند من صحيحه (رقم 3825) وكذا مسلم (3/1339 رقم 1714)
قال ابن كثير في البداية والنهاية (11/411 ط. التركي): "فالمِدحة في قوله "وأيضا والذي نفسي بيده"، وهو أنه [صلى الله عليه وسلم] كان يَوَدُّ أن هندَ وأهلَها وكلَّ كافر يَذلّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله، يعني أهلَ خبائها".
قلت: والحديث يدلُّ على تخصيص هند وأهل خبائها بالذات، ثم مما يؤكدُ إعزازَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لها بعد الإسلام؛ أنه استَغفرَ لها لما جاءته مبايعةً مع النساء، فنَزل قولُ الله تعالى: (فبايعهُنَّ واستغفر لهن الله)، وجاء وصفُ المبايعات في الآيات بأنهن من (المؤمنات). [الممتحنة آية: 12 وانظر الحُجَّة لقوّام السُنَّة الأصبهاني 2/571]، والحديث السابق يَدخلُ معاويةُ في فضله، فهو من أهل خباء هند.

وكانت لمعاوية منـزلةٌ خاصة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:

روى مسلم في صحيحه (4/2075 رقم 2701) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خرجَ معاويةُ على حَلْقَة في المسجد، فقال: ما أجلَسَكم؟ قالوا: جَلَسْنا نَذكُر الله. قال: آلله! ما أَجلسَكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك.
قال: أَمَا إني لم أستَحْلِفْكم تُهمةً لكم، وما كان أحدٌ بمنْـزِلَتي مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ عَنهُ حديثاً مِنّي، وإنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَج على حَلْقَةٍ مِن أصحابِه، فقال: "ما أجلَسَكُم؟" قالوا: جَلَسْنا نَذكرُ اللهَ ونَحمدُه على ما هدانا للإسلام؛ ومَنَّ به علينا. قال: "آلله! ما أَجلَسَكم إلا ذاك؟" قالوا: والله ما أَجلَسَنا إلا ذاك. قال: "أَمَا إني لم أَستَحْلِفْكُم تُهمةً لَكُم، ولكنّهُ أتاني جبريلُ فأخبرني أن الله عزَّ وجلًّ يُباهي بكم الملائكة".

والشاهد من الحديث قولُ معاوية: "وما كان أحدٌ بمنْـزِلَتي مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ عَنهُ حديثاً مِنّي".
ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/380 رقم 518) والطبراني (19/363 رقم 854) والآجري (1947) من طُرُق عن عبد الأعلى السَّامي، عن سعيد الجُرَيري، عن عبد الله بن بُريدة عن معاوية، بزيادة: "كنتُ ختَنَه، وكنتُ في كُتّابِه، وكنت أُرَحِّلُ له ناقَتَه".
وسندُه صحيح، رجاله ثقات، وعبد الأعلى سمع من الجريري قبل اختلاطه.
والحديث عدّه الآجري من فضائل معاوية.


يتبع
==========
ومن دلائل النبوة الإخبار بخلافة معاوية:

رُوي في التصريح بذلك حديث:
أنَّ معاوية أخذ الإداوة بعدَ أبي هريرة يَتْبَعُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بها، واشتكى أبوهريرة، فبينا هو يُوَضِّئُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَفَعَ رأسَهُ إليه مَرَّةً أو مَرَّتينِ، فقال: "يا معاوية، إنْ وَلِيْتَ أَمْراً فَاتَّقِ الله عزَّ وجلَّ واعْدِلْ".
قال: فما زِلْتُ أَظُنُّ أنِّي مُبتلىً بعَمَلٍ لِقَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى ابتُلِيتُ. 
وهو حديث مقاربٌ قابلٌ للتحسين، كما ذهب البيهقي والذهبي.

ومن دلائل النبوة في الإخبار بأن ولايته رحمةٌ على الأمة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: جرى بعد موت معاوية من الفتن والفرقة والاختلاف ما ظهر به مصداقُ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "سيكون نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون مُلْكٌ ورحمة، ثم يكون مُلْكٌ عَضوض". 
فكانت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم نبوة ورحمة، وكانت خلافة الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة، وكانت إمارة معاوية مُلكا ورحمة، وبعده وقع مُلْكٌ عضوض. 

ومن دلائل النبوة:

روى مسلم في صحيحه (2531) عن أبي موسى رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "النُّجوم أَمَنةٌ لأهل السماء، فإذا ذَهَبَتْ النجومُ أتى السماءَ ما تُوعَد، وأنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذَهَبْتُ أتى أصحابي ما يوعَدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأُمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أُمَّتي ما يوعَدون".
وقد وقع ذلك كما أخير الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، فلما تُوفي ارتدَّ كثير من الناس، ووقع في المسلمين الخوف والضعف، وأتاهم ما يوعدون.
ثم أقام الله الدين بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأعادهم للإسلام، وشرع في فتح الشام والعراق، ثم انتشرت الفتوح والمغازي أيام عمر وعثمان رضي الله عنهما.
فلما شُغل المسلمون بعد مقتل عثمان توقفت الفتوح، ثم عادت لما اجتمعت الأمة على معاوية.
أفاده ابن تيمية، وقال: فلما ذهبت إمارة معاوية كثرت الفتن بين الأمة، ومات سنة ستين، وكان قد مات قبله عائشةُ والحسنُ وسعدُ بن أبي وَقّاص وأبوهريرة وزيد بن ثابت وغيرُهم من أعيان الصحابة، ثم بعده مات ابنُ عمر وابنُ عباس وأبوسعيد وغيرُهم من علماء الصحابة.
فحَدَثَ بعد الصحابة من البِدَعِ والفِتَنِ ما ظَهَرَ به مصداقُ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. 

حول ثبوت الأحاديث الخاصة في فضائل معاوية:

روى ابن عساكر (59/106) وابن الجوزي في الموضوعات (2/24) من طريق أبي عبد الله الحاكم، عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: سمعت أبي يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء.

قلت: وعلى هذه العبارة اتكأ غالبُ مَن ردَّ ما ثبت من أحاديث في فضل معاوية رضي الله عنه، وهي عبارةٌ لم تثبت عن الإمام إسحاق؛ المعروف بابن راهُوْيَه، فالراوي عنه: يعقوب بن الفضل ترجمتُه عزيزةٌ جدا، إذ لم يَذكُرْه ابنُ أبي حاتم ولا ابن حِبّان مع استيعابهما، إنما ذكره الخطيب في تاريخه (14/286) باقتضاب شديد، وترجمه الذهبي في السير (15/453) وتاريخ الإسلام (وفيات 277 ص496)، ولم أجد فيه جرحا ولا تعديلا.
وقال الحافظ ابن عساكر بعد روايته له معقّبا: "وأصحُّ ما رُوي في فضل معاوية حديثُ أبي حمزة عن ابن عباس أنه كاتِبُ النبيِّ [صلى الله عليه وسلم]، فقد أخرجه مسلم في صحيحه، وبعدَه حديثُ العِرباض: اللهم علّمه الكتاب، وبعده حديث ابن أبي عَمِيرة: اللهم اجعله هاديا مهديّا".
فهذا ردٌ منه على الكلام المنسوب لإسحاق، ورأيتُ ابنَ حَجَر الهيتَمي يُشكك في ثبوت التضعيف عن إسحاق، كما في تطهير الجَنان له (ص12)

وربما احتجَّ بعضُهم بقِصةٍ غير صريحة في الباب تُروى عن الإمام النَّسائي رحمه الله من وجوه مختلفة المتن والمكان، انظرها في تهذيب الكمال (1/338-339) وبغية الراغب المُتَمَنِّي للسخاوي (ص127-132 تحقيق العبد اللطيف، ص89-93 تحقيق إبراهيم بن زكريا) .

ويُخالف كلَّ هذا تصحيحُ جَمْعٍ من الحفاظ لأحاديث في فضائل معاوية، وتبويبِ بعضهم لذلك، كالترمذي وغيره، بل وإفرادُ بعضهم لمناقبه، ويأتي شيءٌ من ذلك.
وأشارَ الحافظُ أبوموسى المَديني لثبوت جُملةٍ من الفضائلِ لمُعاوية رضي الله عنه. 

فضيلة خاصة لمعاوية:

ثبت في الحديث الصحيح أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَر معاويةَ رضي الله عنه، فقال: "اللهم اجْعَلْه هادياً مَهْدياً، واهْدِ به". 

فضيلة ثانية خاصة بمعاوية:

ثَبَتَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية فقال: "اللهمَّ عَلِّمْهُ الكِتابَ والحِسابَ، وقِهِ العَذاب". 
========
ذكر بعض من أفرد فضائل معاوية رضي الله عنه بالتصنيف:

صنَّف الحافظ أبوبكر بن أبي الدنيا (ت: 281) كتابا في حِلْم معاوية (الموجود منتقى منه مجرد الأسانيد، مخطوط في الظاهرية، ويُستخرج أغلبُه من تاريخ ابن عساكر)، وصنّف في مناقبه أبوبكر ابن أبي عاصم (ت: 287)، وأبوعمر غلام ثعلب (ت: 345)، وأبوبكر النقاش (ت: 351 -ذَكَر كتابهما ابن حجر في فتح الباري 7/104 وانظر المجمع المؤسس لابن حجر 1/287)، وجمع أبوالفتح بن أبي الفوارس (ت: 412) في فضائل معاوية (منهاج السنة 4/84)، وصنف أبوالقاسم السقطي (ت: 406) جزءا في فضائل معاوية (مخطوط في الظاهرية)، وكذا علي بن الحسن الصيقلي القزويني (التدوين 3/352)، وللحسين بن علي الأهوازي (ت: 446) كتابُ شرح عِقد أهل الإيمان في معاوية بن أبي سفيان (في الظاهرية الجزء السابع عشر منه)، ولأحمد رضا البريلوي (ت: 1340) كتابُ الأحاديث الراوية لمناقب الصحابي معاوية (كما في معجم الموضوعات المطروقة ص595)
وقد طُبعت مؤخرا رسائل: ابن أبي الدنيا، والسقطي، والأهوازي معا، بتحقيق هزايمة وياسين، نشر مؤسسة حمادة، إربد، الأردن، كما طبع رسالة ابن أبي الدنيا لوحدها: إبراهيم صالح في دار البشائر بدمشق.

أما من ذبّ عن معاوية رضي الله عنه ودافع عنه:

فمنهم أبويعلى محمد بن الحسين الفراء في كتابه: تنـزيه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان من الظلم والفسق في مطالبته بدم أمير المؤمنين عثمان (حققه عبد الحميد بن علي الفقيهي، ثم حققه أبوعبد الله الأثري وطبعه بدار النبلاء بعَمّان، ولِكِلا المحققَين مقدمة مفيدة للكتاب)، ولشيخ الإسلام ابن تيمية جواب سؤال عن معاوية بن أبي سفيان (حققه صلاح الدين المنجد، وطبع بدار الكتاب العربي في بيروت، وطُبع ناقصا ضمن مجموع الفتاوى 4/453 وانظر 35/58-79 منه)، ولأحد علماء اليمن سنة 1137: نصيحة الإخوان في ترك السب لمعاوية بن أبي سفيان (كما في ذيل كشف الظنون 4/652)، ولأحمد بن حَجَر الهَيْتَمي: تطهير الجَنان واللسان عن الخوض والتفوّه بثلب معاوية بن أبي سفيان (طبع آخر الصواعق المُحرقة له، وطبع في مكتبة الصحابة بطنطا وغيرها مفردا، واختصره الشيخ سليمان الخراشي، وقدّم له مقدمة مفيدة)، وللشيخ حسن بن علوي بن شهاب الدين العلوي الحضرمي (ت1332): الرقية الشافية من نفثات سموم النصائح الكافية (طبع في سنغافورة عام 1328 ويُعاد طبعه إن شاء الله)، ولعصريّه القاسمي كتابُ نقد النصائح الكافية (طبع)، ولعبد العزيز بن حامد الفرهاوري: الناهية عن الطعن في أمير المؤمنين معاوية (طبع)، وقد جمع الشيخ محمد مال الله رحمه الله كلام ابن تيمية عن معاوية في منهاج السنة (طبع)، وللشيخ زيد الفياض رحمه الله رسالة في الدفاع عن معاوية (لم تطبع، كما في ذيل الأعلام للعلاونة 2/68)، وللشيخ عبد المحسن العباد رسالة: أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية رضي الله عنه (طبع بالجامعة الإسلامية في طيبة)، ولشيخي المؤرخ محمود شاكر ترجمة مفردة لمعاوية ضمن سلسلة خلفاء الإسلام (طبع في المكتب الإسلامي ببيروت)، وللأستاذ منير الغضبان كتاب معاوية بن أبي سفيان صحابي كبير وملك مجاهد (طبع بدار القلم في دمشق)، وللشيخ خالد بن محمد الغيث: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، دراسة نقدية مقارنة (طبع بدار الأندلس الخضراء)، وغيرها من مؤلفات المتأخرين.

وأما مَن ذَكَر فضائله، أو دافع وذبّ عنه ضمنَ الكتب دونَ إفرادٍ فأكثرُ من أن يُحصى، والله يجزيهم جميعا الخيرَ على جهودهم.


يتبع
=============
تاريخ إسلام معاوية:

اختَلف العلماء في تحديده على قولين مشهورين، أحدُهما أنه أسلم في فتح مكة سنة ثمان، والآخر أنه قَبل ذلك ، ولكلٍّ من الفريقين أدلتُهم.
ولكن يفصِلُ الخلافَ ما رواه البخاري (1730) ومسلم (1246) عن ابن عباس، عن معاوية رضي الله عنهم- قال: "قصَّرتُ عَن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بِمِشقَص".
وقد أطال وأطاب الحافظُ ابنُ حجر في شرح الحديث وتحقيق المسألة، فقال رحمه الله في فتح الباري (3/565):
"قولُه: "قصَّرتُ" أي: أخذتُ من شعر رأسه، وهو يُشعر بأن ذلك كان في نُسُك، إما في حجٍ أو عُمرة، وقد ثَبَتَ أنه [صلى الله عليه وسلم] حَلَقَ في حجَّته، فتعيَّنَ أن يكون في عُمرة، ولا سيّما وقد روى مسلمٌ في هذا الحديث أنَّ ذلك كان بالمَروة، ولفظُه: "قصَّرتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمِشْقَصٍ وهو على المروة، أو رأيتُه يُقَصَّرُ عنه بمشقص وهو على المروة".
وهذا يَحتَمل أن يكونَ في عمرة القضية أو الجِعْرانَة".

ثم قال بعدُ (3/565 و566): "وفي كونه في حجَّة الوداع نظرٌ، لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُحِلَّ حتّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فكيف يُقَصَّرُ عنهُ على المروة؟
وقد بالغ النوويُّ هنا في الرد على من زعمَ أن ذلك كان في حجة الوداع فقال [شرح صحيح مُسلم 8/231-232]: "هذا الحديث محمولٌ على أن معاويةَ قصَّر عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجِعْرانَة، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارِناً، وثَبَتَ أنه حَلَقَ بمِنى وفَرَّقَ أبو طلحةَ شَعرَهُ بين الناس، فلا يَصحُّ حَملُ تَقصير معاويةَ على حجَّة الوَداع، ولا يَصحُّ حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعةِ سنة سبعٍ، لأن معاويةَ لم يكن يومئذٍ مُسلما، إنما أسلم يومَ الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور، ولا يصح قولُ مَن حَمَله على حجة الوداع؛ وزعم أن النبَّي صلى الله عليه وسلم كان متمتِّعا، لأن هذا غلطٌ فاحشٌ، فقد تظاهرت الأحاديثٌ في مُسلمٍ وغيرِه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قيل له: ما شأنُ الناس حَلُّوا من العُمرة ولم تحلَّ أنتَ من عمرتك؟ فقال: إني لبّدتُ رأسي وقلَّدتُ هَدْيي، فلا أُحِلُّ حتى أَنْحَر". [انتهى كلام النووي، قال ابن حجر:]
"قلت: ولم يذكر الشيخُ هنا ما مرَّ في عمرة القضيَّة، والذي رجَّحه من كون معاوية إنما أسلمَ يوم الفتح صحيحٌ من حيث السند، لكن يمكن الجمعُ بأنه كان أسلمَ خفيةً، وكان يكتُم إسلامَه، ولم يتمكن من إظهارِه إلا يومَ الفتح، وقد أخرج بن عساكر في تاريخ دمشق من ترجمة معاوية [59/66 و67 وانظر ص57 و60 و62 وقد ذكره غير واحد قبله] تصريحَ معاويةَ بأنّهُ أسلمَ بين الحُدَيبية والقضيَّة، وأنه كان يُخفي إسلامَه خوفا من أبويه، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما دَخَل في عُمرة القضيَّة مكة خرجَ أكثرُ أهلِها عَنها حتى لا ينظرونَه وأصحابَه يطوفونَ بالبيت، فلعلَّ معاويةَ كان ممّن تخلَّفَ بمكة لسَبَب اقتَضاه.
ولا يعارضُه أيضا قولُ سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم وغيرُه: "فعلناها -يعني العمرة في أشهر الحج- وهذا يومَئذ كافرٌ بالعُرُش". بضَمَّتَين، يعني بيوت مكة -يشير إلى معاوية، لأنه يُحمل على أنه أَخبَر بما استَصْحَبه مِن حَالِه؛ ولم يطّلع على إسلامِه لكونه كان يُخفيه.
ويُعكّر على ما جَوَّزوهُ أنَّ تَقصيره كان في عمرة الجِعْرانَة: أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ركب من الجِعْرانَة بعد أن أَحرم بعمرة؛ ولم يَستَصْحِب أحدا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين، فَقَدِمَ مكة، فطاف وسعى وحَلَق، ورَجَع إلى الجِعْرانَة، فأَصبَح بها كَبَائِتٍ، فَخَفِيَت عُمرتُه على كثيرٍ مِن النّاس.
كذا أخرجه الترمذي وغيرُه ، ولم يُعَدّ معاويةُ فيمن صَحِبَهُ حينَئذ، ولا كان معاويةُ فيمَن تخلَّف عنهُ بمكة في غزوة حُنين حتى يقال: لعلَّهُ وَجَدَه بمكة، بل كان مع القوم، وأعطاهُ مثلَ ما أعطى أَبَاهُ مِن الغنيمة مع جُملة المؤلَّفة.
وأخرج الحاكم في الإكليل في آخر قصة غزوة حُنين أن الذي حَلَقَ رأسَه صلى الله عليه وسلم في عمرته التي اعتَمرَها من الجِعْرانَة: أبو هند عبدُ بني بياضة، فإن ثبت هذا؛ وثبت أن معاويةَ كان حينئذ مَعَهُ؛ أو كان بمكة فقَصَّر عنه بالمروة: أمكنَ الجمعُ بأن يكونَ معاوية قَصَّر عنه أولاً؛ وكان الحلاقُ غائبا في بعضِ حاجته؛ ثم حَضَرَ فأَمَرَه أن يُكمل إزالة الشَّعر بالحَلْق -لأنه أفضل- ففعل.
وإن ثَبَتَ أن ذلك كان في عُمرة القضيَّة؛ وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حَلَقَ فيها: جاء هذا الاحتمال بعَيْنه، وحَصَل التوفيق بين الأخبار كلِّها، وهذا مما فَتَحَ اللهُ عَلَيَّ به في هذا الفتح، ولله الحمدُ، ثُمّ لله الحمدُ أبدا".

قلت: وهذا تحقيق نادر ونفيس من الحافظ ابن حجر رحمه الله، وكذلك رجَّح في الإصابة (9/231-232) أن معاوية رضي الله عنه أسلم سنة سبع من الهجرة، وجَزَم في تقريب التقريب (6758) أيضا أنه أسلم قبل الفتح.
وقد قال مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي في التاريخ (4/308): "أسلم قبل أبيه في عُمرة القَضاء، وبقيَ يخاف من الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبيه"، ثم قال: "وأظهر إسلامه يوم الفتح".
 


يتبع
===========
ذِكرُ تثبّت معاوية رضي الله عنه وتوقّيه في السنة النبوية:

- روى الإمام مُسلم في صحيحه (2/718 رقم 1037) عن معاوية رضي الله عنه قال: "إيّاكم وأحاديثَ؛ إلا حديثاً كان في عَهد عمر، فإنَّ عمرَ كان يُخيفُ الناسَ في الله عزَّ وجلَّ، سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "مَن يُرد الله به خَيرا يُفَقِّهْهُ في الدِّين".
وسمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما أنا خازنٌ، فمَنْ أعطيتُه عَنْ طِيبِ نفسٍ؛ فَيُبارَكُ له فيه، ومَن أعطيتُه عنْ مَسْألةٍ وَشَرَهٍ كانَ كالذي يَأكلُ ولا يَشبَعُ".

قال النوويُّ في شرحه على صحيح مُسلم (7/127): "قولُه: سمعتُ معاويةَ يقول: (إياكم وأحاديثَ إلا حديثا كان في عهد عمر، فان عمر كان يخيف الناس في الله): هكذا هو في أكثر النُّسخ: (وأحاديث)، وفي بعضها: (والأحاديث)، وهما صحيحان، ومُراد معاويةَ: النهيُ عن الإكثار من الأحاديث بغير تثبّت –لما شاعَ في زَمَنه مِن التحدُّث عن أهل الكتاب؛ وما وُجد في كتبهم حينَ فُتحت بلدانُهم- وأَمرُهم بالرجوع في الأحاديث إلى ما كان في زمنِ عمرَ رضي الله عنه، لضبْطِه الأمرَ؛ وشِدَّتِه فيه، وخوفِ الناسِ مِن سَطوتِه، ومَنعِه الناسَ مِن المُسارعة إلى الأحاديث، وطَلَبِهِ الشهادةَ على ذلك، حتى استقرَّتْ الأحاديثُ، واشتَهَرَتْ السُّنَن".

- قلت: ومما يدل على تثبّت معاوية وتمسّكه بالحديث، ما رواه البخاري (3500 و7139) عن محمد بن جُبير بن مُطعِم، أنه كان يحدّث: بَلَغَ معاويةَ وهو عنده في وفدٍ من قريش؛ أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدِّثُ أنه سيكون مَلِكٌ من قحطان، فغضبَ معاوية، فقام فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال:
أما بعد، فإنه بلغني أن رجالا منكم يتحدّثون أحاديثَ ليست في كتاب الله تعالى، ولا تُؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأولئكَ جُهّالُكم، فإياكُم والأماني التي تُضلُّ أهلَها، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذا الأمرَ في قُريش، لا يعاديهم أحدٌ إلا كبَّه الله على وجهِهِ، ما أقاموا الدِّين".

- ومن ذلك ما رواه البخاري (7361) عن معاوية رضي الله عنه أنه ذكر كعب الأحبار فقال: "إن كان لَمِن أصدق هؤلاء المحدِّثين الذينَ يُحَدِّثون عن بني إسرائيل، وإن كان مع ذلك لَنَبلُوَ عليه الكذب" .

- وروى صفوان بن عمرو، عن أزهر بن عبد الله، عن أبي عامر الهوزني، عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ، قال: حَجَجْنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة أُخبر بقاصٍ يَقُصُّ على أهل مكة مولىً لبني مخزوم، فأرسل إليه معاوية، فقال: أُمِرْتَ بهذا القَصَص؟ قال: لا. قال: فما حملك على أن تقُصَّ بغير إذن؟ قال: نَنْشُرُ عِلماً علَّمَناه الله. فقال معاوية: لو كنتُ تقدَّمتُ إليك قبل مُدَّتي هذه لقطعتُ منك طائفاً.
ثم قام حتى صلى الظهر بمكة، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهلَ الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين مِلَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلَّة يعني الأهواء- وكُلُّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".
وقال: "إنه سيخرجُ من أمتي أقوامٌ تَتَجارى بهمُ الأهواءُ كما يتجارى الكَلَبُ بصاحِبِه، فلا يَبقَى مِنه عِرق ولا مفصلٌ إلا دخله".
والله يا معشرَ العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم؛ لغَيْرُكم مِن الناسِ أَحْرَى أن لا يقومَ به".
رواه بهذا السياق يعقوب بن سفيان في المعرفة (2/331) وأبوزرعة الدمشقي في الفوائد المعللة (60) ومحمد بن نصر في السنة (50-51) والطبراني في الكبير (19/376 رقم 884) -ومن طريقه أبوالعلاء العطار في فتيا له (12)- وابن بطة في الإبانة (1/371) والحاكم (1/128) والأهوازي في شرح عقد أهل الإيمان (69)
ورواه أبوداود وأحمد وجماعة؛ دون أوله –الذي هو محل الشاهد- مقتصرين على المرفوع.
وهذا سند صحيح .

- وروى الطبراني في الكبير (19/388 رقم 909 والسياق له) من طريق يعقوب بن كعب.
وروى أبونعيم في الحلية (6/128) من طريق دُحَيم، كلاهما عن الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد،
أن معاوية كتب إلى مَسْلَمة بن مُخَلَّد أنْ سَل عبدَ الله بن عمرو بن العاص: هل سَمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأخُذُ ضَعيفُها حَقَّه مِنْ قَوِيِّها وهو غيرُ مُضْطَهد)؟ فإن قال: نعم، فاحْمِلْهُ إليَّ عَلَى البَريد.
فسَألَه، فقال: نعم! فحَمَلَهُ عَلى البريد مِنْ مِصْرَ إلى الشام، فسَأَلَهُ مُعاوية، فأَخبَره، فقال معاوية: وأنا قد سمعتُه، ولكنْ أَحْبَبْتُ أن أَتَثبَّتْ.
وقال الهيثمي: رجاله ثقات. (المجمع 5/209)، وهو كما قال.
وروى الطبراني في الشاميين (1/190 مقتصرا على المرفوع) وابن عساكر (31/240) من طريق هشام بن عمار، عن الوليد بن مُسلم، ومن طريق بَقِيَّة بن الوليد، قالا: ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن يونس بن ميسرة، قال: كَتَبَ مُعاوية إلى مَسْلَمة بن مُخَلَّد وهو بمصر.. فذكره بمثله، وفي آخره: فقال معاوية: وأنا سمعتُ كما سمعتَ.
قلت: ورجال هذا ثقاتٌ أيضا، وقد صرَّحَ الوليدُ وبَقِيَّةُ بالسَّماع، وأما اختلاف الإسناد فمحصورٌ بين أحدِ رَجُلين، وهما يونُس ورَبيعة، فأيُّهما كان الصواب فهو ثقة مُطلَقا؛ وأدركَ معاوية في بلد واحد طويلا، فمن جوَّد الحديث لم يُبعد، والله أعلم .

- وقد صحَّ أن معاوية كان قلَّما يُحَدِّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا.
رواه ابن سعد (1/110 السلومي) وأحمد (4/92 و93 و98) وابن جرير في تهذيب الآثار (1/82 رقم 135 مسند عمر) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (4/390 رقم 1687) وابن قانع (3/72) والطبراني (19/350 رقم 815) والبيهقي في الشعب (9/167 رقم 4528 و18/314 رقم 9825)
كلهم من طريق سعد بن إبراهيم الزهري، عن مَعْبَد الجُهَني به، وسنده صحيح.

- ورُوي مثل ذلك عن أبي هِنْد البَجَلي، رواه أحمد (4/99) وأبوداود (2479) والنسائي في الكبرى وغيرهم، كما ثبت عن أبي إدريس، رواه أحمد (4/99) النسائي (7/81) والحاكم وغيرهما.

- ومن حرص معاوية رضي الله عنه على نشر السنة النبوية: ما رواه أحمد (3/444 رقم 15666 بترقيم الرسالة) وغيره: أن معاوية كتب إلى عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه: أن عَلِّم الناسَ ما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونحوه عنده (15670)، وسنده جيد.


يتبع .....
============
موقف الأُمَّة من الرواية عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما:

مع قِلّة رواية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما للحديث وتوقِّيه الشديد فيه كما تقدم، إلا أن الرواة عنه أكثر من أن يُحصون، وسأسْردُ جماعة ممن جاء ذكر روايته عنه، ليُعلم أن الأُمَّة لم تستنكف أن تروي عنه، وفيهم الصحابة، وأكابر علماء التابعين في مختلف البلدان، ومنهم ابن علي بن أبي طالب، وأعيان أصحاب علي رضي الله عنه، والكوفيين.

فمِمَّن حدّثَ عنه من الصحابة: أُسَيْد بن ظُهَيْر، وأَيُّوب بن بَشير الأنصاري، وجَرِير بن عبد الله البَجَلي، والسَّائب بن يَزيد، وسَبْرَة بن مَعْبَد الجُهَني، وعبد الله بن الحارث بن نَوْفَل، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وعبد الله بن عَبَّاس، وعبد الله بن عُمَر، وعبد الله بن عَمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن شِبْل الأنصاري، ومحمد بن مَسْلَمَة، ومالك بن يَخَامِر، ومُعاوية بن حُدَيْج، والنُّعْمان بن بَشير، ووائل بن حُجْر، وأبوأُمامة بن سَهْل بن حُنَيف، وأبوالدَّرْداء، وأبوذَر الغِفاري - مع تقدمه ، وأبو سعيد الخُدْري، وأبوالغادِية الجُهَني، وأبوالطُّفَيْل عامِر بن واثِلَة، وأبوعامِر الأَشْعَرِي.
فهؤلاء ثلاثة وعشرون من الصَّحْب الكِرام رضي الله عنهم، وقَلَّ أن تجدَ صحابيا روى عنه هذا العدد من الصحابة، رَغْمَ قِلّةِ تحديثِ معاويةَ رضي الله عنه.

ومن التابعين:
روى عنه: إبراهيم بن عبد الله بن قارِظ، وإسحاق بن يَسار، وأَسْلَم مَولى عُمر، وأَيْفَع بن عبدٍ الكَلاعي، وإياس بن أبي رَمْلَة الشامي، وأيوب بن عبد الله بن يَسار، وأيوب بن مَيْسَرة بن حَلْبَس، وبِشْر أبو قيس القنسريني، وثابت بن سعد الطائي، وأبو الشَّعثاء جابر بن زيد البَصري، وجُبَيْر بن نُفَيْر الحَضْرَمي، وأبوالزاهرية حُدَيْر بن كُرَيْب، وحَرِيز؛ وقيل: أبوحَرِيز مَولى معاوية، والحسن البَصري، وحَكيم بن جابر، وحِمَّان (وقيل أبو حِمَّان) أخو أبي شَيخ الهُنَائي، وحُمْران بن أَبان مَولى عُثمان بن عَفَّان، وحُمَيْد بن عبد الرحمن بن عَوْف، وحَنْظَلَة بن خُوَيْلِد، وأبوقَبِيل حُيَي بن هانئ، وخالد بن عبد الله بن رباح السلمي، وخالد بن مَعْدان، وذَكْوان أبو صالح السَمَّان، وراشد بن سعد المَقْرَئي، وراشد بن أبي سَكْنَة المِصْري، ورَبيعة بن يَزيد الدمشقي، ورَجاء بن حَيْوَة، وزياد بن أبي زياد، وزَيد بن جارِية، وزيد بن أبي عَتَّاب؛ ويقال: زيد أبوعَتَّاب؛ مولى معاوية أو أخته أم المؤمنين أم حَبيبة، وسالم بن عبد الله بن عُمر، وسعيد بن عَمرو بن سعيد بن العاص، وسعيد بن أبي سعيد كَيْسان المَقْبُرِي، وسعيد بن المُسَيِّب، وسُلَيْم بن عامر الكَلاعي؛ ويقال: الخَبَائري، وسلمة بن سَهم، وشُرَيْح بن عُبَيْد، وشُعَيب بن زرعة، وشُعَيب بن محمد بن عبد الله بن عَمرو بن العاص؛ والد عمرو بن شعيب، وطاووس بن كَيْسان، وعامِر بن أبي عامر الأَشْعري، وعَبَّاد بن عبد الله بن الزُّبَير، وعُبَادَة بن نُسَيّ، وعبد الله بن بُرَيْدَة بن الحُصَيْب، وعبد الله بن عامر اليَحْصَبي المُقْرئ، وعبد الله بن عُبيد؛ وكان بُدعى ابنَ هُرْمُز، وعبد الله بن علي العدوي، وأبو عامر عبد الله بن لُحَيّ الهَوْزَني، وعبد الله بن مُحَيْرِيز الجُمَحِي، وعبد الله بن مدرك، وعبد الله بن مَوْهَب، وعبد الله بن أبي الهُذَيْل، وعبد الرحمن بن عَبْدٍ القارِيّ، وعبد الرحمن بن عُسَيْلَة الصُّنابِحي، وعبد الرحمن بن أبي عَوف الجُرَشِي، وعبد الرحمن بن هُرْمُز الأَعْرَج، وعبد الملك بن عُمَير الكوفي، وعُبيد بن سعد، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة، وأبو عبدِ ربٍّ عُبَيْدة بن المُهاجِر، وعُرْوَة بن الزُّبَيْر، وعَطاء بن أبي رَباح، وأبوهِزَّان عَطِيَّة بن أبي جَمِيلة، وعطية بن قيس الكِلابي، وعُقبة المُقرئ، وعَلْقَمة بن وَقَّاص اللَّيْثي، وعَمرو بن الأسود العَنْسي؛ وقد يُقال له: عُمَير، وعَمرو بن الحارث السَّكُوني، وعَمرو بن قَيس السَّكُوني، وعَمرو بن يحيى القُرَشي، وعمير بن الحارث السَّكُوني، وعُمَير بن هانئ العَنْسي، والعَلاء بن أبي حَكيم الشامي؛ سَيّاف مُعاوية، وعيسى بن طلحة بن عُبيد الله، والفضل المَدني، والقاسم بن محمد الثَّقَفي، والقاسم بن محمد بن أبي بَكر الصدِّيق، والقاسم أبو عبد الرحمن الشامي، وقَبِيْصَة بن جابر الكوفي، وقَطَن البصري، وقُنْبُر؛ ويقال له: قُتَير، وقَيس بن أبي حازم، وكُريب مَولى ابن عَبَّاس، وكَيْسان أبوحَرِيز مَولى مُعاوية؛ وقد تقدم في حَرِيز، ومالك بن قَيس، ومُحارِب أبوسلمة، ومُجاهِد بن جَبْر، ومحمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، ومحمد بن سِيْرِيْن، ومحمد بن عُقبة مولى آل الزبير، ومحمد بن علي بن أبي طالب؛ المعروف بابن الحَنَفية، ومحمد بن كَعب القُرَظي، ومحمد بن أبي يعقوب، ومحمد بن يوسُف مولى عُثمان، ومحمود بن علي القُرَظي، ومَرْوان بن الحَكَم بن أبي العاص، ومُسْلِم بن بانَك، ومُسْلِم بن مِشْكَم، ومُسْلِم بن هُرْمُز، ومُسْلِم بن يَسار، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، والمُطَّلِب بن عبد الله بن المُطَّلِب بن حَنْطَب، ومعاوية بن عَلي السُّلَمي، ومَعْبَد الجُهَني، ومَعْن بن علي، وأبو الأزهر المُغيرة بن فَرْوَة الثَّقَفي، ومَكْحول الشامي، وموسى بن طلحة بن عُبيد الله، والنُّعمان بن مُرَّة الزُّرَقي، ونُمَير بن أَوْس، ونَهْشَل التميمي، وهَمَّام بن مُنَبِّه، وهِلال بن يِسَاف الكوفي؛ ويقال: ابن إساف، وأبو العُرْيان الهَيْثَم بن الأَسْوَد الكوفي، وأبو مِجْلَز لاحِق بن حُمَيد، ويَزيد بن الأصم، ويَزيد بن جارِيَة الأنصاري، وأبوالمُهَزِّم يزيد بن سُفيان، ويزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهَمْداني، ويزيد بن مرثد، ويَعْلَى بن شَدَّاد بن أَوْس الأنصاري، ويَعيش بن الوليد، ويوسُف؛ والد محمد بن يوسُف مولى عثمان، ويوسُف بن ماهِكَ بن بُهْزاد، ويونُس بن مَيْسَرَة بن حَلْبَس، وأبو إدريس الخَوْلاني، وأبوإسحاق السَّبِيعي الكوفي، وأبوأسماء الرَّحَبي عمرو بن مَرْثَد، وأبوأُمَيَّة الثَّقَفي، وأبوبُرْدة بن أبي موسى الأَشْعَري، وأبوحملة مولى لآل الوليد بن عُتبة، وأبوسعيد المَقْبُري كَيْسان، وأبوسَلَمة بن عبد الرحمن بن عَوْف، وأبو شَيْخ الهُنائي، وأبوعبد الله الجدلي، وأبو عبد الله الصُّنابِحي، وأبوعُثمان الدمشقي، وأبوعطية بن قيس المذبوح، وأبوالفيض موسى بن أيوب، وأبو قِلابة الجَرْمي، وأبوالمعطل مولى بني كلاب، وأبو نَجِيح يَسار المكي؛ والد عبد الله بن أبي نجيح، وأبومَيْمونة، وأبو هِنْد البَجَلي، وابن ذي الكلاع الشامي، وابن أبي مَريم، وابن هبيرة، وجد محمد بن عمر، ومَرْجانة أمُّ عَلْقَمة، وابنة هشام بن الوليد بن المغيرة؛ وكانت تمرض عمارا.
فهؤلاء مائة وأربعون تقريبا، وفيهم عددٌ ممن اختُلف في صُحْبَته، فيكون مجموعُ من وقفتُ عليه من الرُّواة عن معاوية مِائةٌ وستون راويا، على أنني لم أستقصِ كما ينبغي.

واتَّفَقَ البخاري ومسلم على إخراج أربعة أحاديث له، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة، وروى له أحمد في مسنده مائة وعشرة أحاديث، وروى له بَقِيُّ بن مَخْلَد في مسنده مائة وثلاثة وستون حديثا، وروى له الطبراني في المعجم الكبير مائتين وأربعين حديثا، وأفرد الأهوازي مُسندَه في مجلد كما قال الذهبي، واسمه: شرح عقد أهل الإيمان في معاوية بن أبي سفيان، ويوجد بعضه مخطوطا في المكتبة الظاهرية بدمشق، وقد طبع، وذكر له ابن كثير في جامع المسانيد والسُنن مائتان إلا ستة أحاديث.

المصادر: أخبار المدينة لابن شبّة (1/27) ومسند أحمد (5/290 و319 و320) والمعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان الفسوي (1/413 و2/333 و380 و504 و509 و523) والآحاد والمثاني (1/379) والعيال لابن أبي الدنيا (293) ومسند أبي يعلى (31/353 و357 و364 و378) ومعجم الصحابة للبغوي (5/363) وأنساب الأشراف للبلاذري (2/19 بتحقيق العظم) وجزء البطاقة لحمزة الكناني (ص56-65) والثقات لابن حبان (5/322) والمعجم الكبير للطبراني (19/311) والأوسط (6/226) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (5/2497) وحلية الأولياء (5/132 و154 و165) وتاريخ دمشق لابن عساكر (59/55) وتكملة الإكمال (4/254 و648) وتهذيب الكمال للمزي (28/177) وسير أعلام النبلاء للذهبي (3/119) وجامع المسانيد والسنن لابن كثير (11/562 بتحقيق القلعجي)، وإكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (11/266) والإصابة لابن حجر العسقلاني (9/233) والمطالب العالية (18/170 و174 رقم 4417 و4419) والعواصم من القواصم لابن الوزير (3/163) وتطهير الجَنان لابن حجر الهيتمي (ص34)

وقال الحافظ العَلائي بعد أن سَرَدَ جماعةً ممن روى عن معاوية من الصحابة: "واتّفقَ أئمةُ التابعينَ بعدَهم على الرواية عنه وقَبول ما رواه؛ هو وعَمرو بن العاص وكل من قام معهما في الفتنة، فكان ذلك إجماعاً سايقاً على قولِ من قَدَحَ فيهم، حتى إن جعفر بن محمد بن علي روى عن القاسم بن محمد عن معاوية حديثا .
وقال محمد بن سيرين: كان معاوية رضي الله عنه لا يُتَّهم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام أبوبكر الييهقي: كل من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة؛ لم يتهمْه أحد -ممن يُحسن علم الرواية- فيما روى". (تحقيق منيف الرتبة ص90)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن معاوية وعمرو بن العاص ".. لم يتّهمهُم أحدٌ من أوليائهم ولا مُحاربيهم بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل جميع علماء الصحابة والتابعين بعدَهُم متَّفقون على أنَّ هؤلاء صادقون على رسول الله، مأمونون في الرواية عنه". (سؤال في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ص24)
وقال ابن حجر الهيتمي بعد أن سرد جملة من الرواة عن معاوية: "فتأملْ هؤلاء الأئمة أئمة الإسلام الذين رووا عنه؛ تَعلمْ أنه كان مجتهدا أيَّ مجتهد، وفقيها أيَّ فقيه". (تطهير الجنان ص34)

وقد قال العلامة ابن الوزير في العواصم والقواصم (3/163): إن بيان أحاديث معاوية رضي الله عنه في الكتب الستة تُعَرِّفُ ثلاثةَ أشياء: عدمَ انفراده فيما رَوى، وقلّةَ ذلك، وعَدَم نكارته.
ثم سرد أحاديثَ معاوية رضي الله عنه في أكثر من أربعين صفحة، وأَوردَ مَن تابَع معاويةَ مِن الصحابة على روايتها، وشواهدَها، وتكلَّم عليها، ثم قال (3/207): "فهذا جميع ما لِمُعاوية في الكتب الستة ومُسند أحمد حسب معرفتي.." إلى أن قال: "وهو مُقلٌ جدا بالنظر إلى طول مُدّته، وكثرة مُخالطته، وليس فيما يصحُّ عنه بوفاقٍ شيءٌ يوجبُ الريبة والتُّهمة، ولا فيما رواه غيرُه من أصحابه.." الخ

يتبع ....
=========
فأما عدالة عموم الصحابة:

فقد أجمع أهل السُنَّة عليها، ومعاوية منهم، وهذه شذراتٌ من أقوال الأئمة:
قال ابن حِبَّان: "كلهم أئمة سادةٌ قادةٌ عدول، نزَّه الله عز وجل أقدار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يُلزَقَ بهم الوَهَن. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا ليُبلغ الشاهد منكم الغائب"؛ أعظمُ الدليل على أن الصحابة كلهم عدولٌ؛ ليس فيهم مجروحٌ ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم مجروحٌ، أو ضعيف، أو كان فيهم أحدٌ غيرُ عدل لاستَثْنَى في قوله صلى الله عليه وسلم، وقال: ألا لِيُبَلِّغَ فلانٌ وفلانٌ منكم الغائب. فلمّا أجمَلَهم في الذِّكر بالأمرِ بالتبليغِ مَنْ بَعدهم، دلَّ ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدَّله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَرَفاً". (الصحيح، ترتيبهُ الإحسان 1/162)
ونقله ابن رُشَيد في السَّنَن الأبين (134-135)، ثم قال: "واستدلاله بهذا الحديث صحيحٌ حسن، والإجماع شاهد على ذلك".
وقال ابن حبان أيضا: "إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ثقات عدول". (نفسه 16/238)
وقال ابن عدي: "إن أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِحَقِّ صُحبَتهم، وتقادُمِ قَدمهم في الإسلام، لكلِّ واحد منهم في نفسه حقٌ وحُرمةٌ للصُّحبة، فهُم أجلُّ من أن يتكلّم أحدٌ فيهم". (الكامل في الضعفاء 3/1064)
وقال ابن حزم: "الصحابة كلهم عدول رضي الله عنهم، لثناء الله تعالى عليهم". (المحلى 5/92 دار الآفاق الجديدة)
وقال أيضا: "ولا عدول أعدل من الصحابة". (الإحكام 2/231)
ومضى قول البيهقي الذي نقله العلائي آنفا.
وقال ابن عبد البر: "ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله عليه السلام، ولا أعْدَلَ ممن ارتضاه الله لصًحبة نبيِّه ونُصْرَته، ولا تزكيةَ أفضلُ من ذلك، ولا تعديلَ أكمل منه". (الاستيعاب، بهامش الإصابة 1/4-5)
وقال: "إنما وَضَعَ الله عز وجل أصحابَ رسوله الموضعَ الذي وضَعَهم فيه بثنائه عليهم من العدالة والدين والإمامة؛ لتقومَ الحجّةُ على جميع أهل المِلَّةِ بما أَدَّوْهُ عن نبيِّهم من فريضة وسُنّة، فصلى الله عليه وسلم؛ ورضيَ عنهم أجمعين، فنِعمَ العونُ كانوا له على الدينِ في تبليغِهم عنه إلى مَن بَعدَهُم مِن المسلمين". (نفسه 1/30-31)
وقال أيضا: "قد كُفينا البحثَ عن أحوالِهم، لإجماع أهل الحقِّ من المسلمين، وهم أهلُ السنة والجماعة؛ على أنهم كلُّهم عدول". (نفسه 1/37-38)
وقال أيضا: "الصحابة كلهم عدولٌ مرضِيُّون ثقاتٌ أثباتٌ، وهذا أمرُ مجتمعٌ عليه عند أهل العلم بالحديث". (التمهيد 22/47)
وقال الخطيب البغدادي: "عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم بنص القرآن". (الكفاية ص46)
وقال أيضا: "وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم"، فردَّ عليهم، وقال: "ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه من حال العدالة والرضا، إذ لم يثبت ما يزيل ذلك عنهم"، ثم أسند عن أبي زرعة الرازي قوله: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآنُ والسننُ: أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة". (الكفاية ص49)
وقال ابن الأثير: "والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح والتعديل، فإنهم كلهم عدول، لا يتطرق إليهم الجرح، لأن الله عز وجل ورسولَه زكَّياهم وعدّلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره". (أسد الغابة 1/3)
وقال القرطبي: "فالصحابة كلهم عدولٌ، أولياء الله تعالى، وأصفياؤه، وخِيرَتُه من خلقه بعد أنبيائه ورُسُله، هذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم؛ فيلزم البحث عن عدالتهم". (التفسير، آخر سورة الفتح 16/299)
وقال ابن الصلاح: "الأمة مُجْمِعَةٌ على تعديل جميع الصحابة، ومَن لابَس الفِتَنَ منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذين يُعتد بهم في الإجماع، إحسانا للظن بهم، ونظرا إلى ما تمهَّدَ لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نَقَلَةَ الشريعة، والله أعلم". (المقدمة في علوم الحديث 287)
ونقله مستحسنا ابنُ رُشَيد في السَّنَن الأبين (ص135)
وقال النووي: "الصحابة رضي الله عنهم كلهم هم صفوةُ النَّاس، وساداتُ الأمَّةِ، وأفضلُ ممن بعدَهم، وكلهم عدولٌ قدوةٌ لا نُخالةَ فيهم، وإنما جاءَ التخليطُ ممن بعدَهم، وفيمن بَعدهم كانتِ النُّخالة". (شرح مسلم 12/216 وانظر متنه)
وقال ابن جماعة: "الصحابة كلهم عدول مُطلقا، لظواهر الكتاب والسنة، وإجماع من يُعتد به، بالشهادة لهم بذلك، سواءٌ فيه مَن لابَسَ الفِتنة وغيره، ولبعض أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم في عدالتهم تفصيلٌ واختلافٌ لا يعتد به". (المنهل الروي 112)
وقال ابن تيمية: "أهلُ السُنَّة مُتَّفِقونَ على عَدالةِ الصَّحابة". (مجموع الفتاوى 35/54)
وقال العلائي: "وقد تقدَّم قولُ البراء رضي الله عنه: "ولم يكن بعضُنا يُكذِّبُ بعضا"، وهذا هو الأمرُ المستقرُّ الذي أطبقَ عليه أهلُ السنة، أعني القول بعدالة جميع الصحابة رضي الله عنهم، ولا اعتبارَ بقول أهلِ البدع والأهواء، ولا تعويل عليه". (جامع التحصيل 69)
وقال ابن حجر: "اتفق أهلُ السنة على أن الجميع عدول، ولم يُخالف في ذلك إلا شذوذٌ من المبتدعة". (الإصابة 1/10)
وقال الأمير الصنعاني: "الصحابة كلهم عدول عند المحدثين". (سبل السلام 1/21)
وكلام العلماء في ذلك مستفيض، وانظر للاستزادة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/7) والإحكام للآمدي (2/211) وصيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (178) وشرح مسلم للنووي (1/222 و6/161) والسنن الأبين (ص134) والسير للذهبي (2/208) وجامع التحصيل للعلائي (38 و122) وفتح الباري لابن حجر (2/181 و4/57 و6/499 و9/633 و10/575) وغير ذلك كثير.
والمقام لا يسمح بأطول من هذا.

يتبع .
============


ذكر بعض ما جاء من ثناء الصحابة على معاوية، رضي الله عن الجميع:

- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قُبيل وفاته: "اللهم إنّي أُشهدك على أمراء الأمصار، وإنّي إنّما بعثتُهُم عليهم لِيَعدلوا عليهم، ولِيُعلّموا الناسَ دينَهم وسُنَّةَ نبيّهم صلى الله عليه وسلم، ويَقسموا فيهم فَيْئَهُم، ويَرفَعوا إلَيَّ ما أشكلَ عليهم مِن أَمرِهم".
رواه مسلم (567) في صحيحه، وقد توفي عمر ومعاوية أمير الشام .

- وروى أبوعبيد في الأموال (1920) وقوام السنة في سير السلف الصالحين (1/138) عن سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عمير بن سلمة الديلي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في الولاة: "والله ما آلو أن أختار خياركم".

- وروى الطبري في التاريخ (5/330) والبلاذري (4/147)
بسند صحيح عن سعيد المقبُري، قال: قال عمر بن الخطاب: "تَذكرونَ كِسْرَى وقَيْصَرَ ودَهاءَهُما؛ وعندَكم معاوية"!

- كما كان معاويةُ أكبر ظَهيرٍ لعُثمانَ رضي الله عنه أيامَ خلافَتِه، ولا سيما أيام فتنة مقتله رضي الله عنه، وقد صحَّ عن أبي حَبيبة، أنه سمع أبا هريرة في الدارِ مع عثمان رضي الله عنهم، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تَلْقَونَ بَعدي فِتْنَةً واختلافا"، أو قال: "اختلافا وفِتنةً". فقال له قائلٌ من الناس: فمَن لنا يا رسولَ الله؟ قال: "عليكم بالأمينِ وأصحابِه". وهو يُشيرُ إلى عُثمانَ بذلك .

- قال أبوالدَّرداء رضي الله عنه: ما رأيتُ أشْبَهَ صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أميركم هذا، يعني معاوية .

- وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك إن تتبّعتَ عورات الناس أفسدتَهم. أو كِدتَ أن تُفسدَهم". قال أبوالدرداء: كلمةٌ سَمِعَها معاويةُ نفعَهُ الله بها .
قال ابن كثير (11/419): يعني أنه كان جيّدَ السريرة، حَسَنَ التجاوُز، جميلَ العفو، كثيرَ السِّتر، رحمه الله تعالى.

- وعن ابن شهاب الزُّهْري، عن عُروة بن الزُّبَير، أن المِسْوَر بن مَخْرَمة رضي الله عنه أخبره؛ أنه وَفدَ على معاوية فقَضَى حاجتَه؛ ثم خَلا به فقال: يا مِسْوَر! ما فعل طعنُك على الأئمة؟ قال: دَعْنا من هذا وأحسن. قال: لا والله! لَتُكلِّمَنِّي بذات نَفسكَ بالذي تعيبُ عَلَيّ! قال مسور: فلم أترك شيئا أعيبُه عليه إلا بيّنت له. فقال: لا أبرأ من الذنبَ! فهل تَعُدُّ لنا يا مِسْوَر ما نَلِي من الإصلاح في أمر العامة -فإن الحسنة بعشر أمثالها- أم تعُدُّ الذنوبَ وتَترُكُ الإحسان؟! قال: ما نَذكرُ إلا الذنوب! قال معاوية: فإنّا نعترفُ لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تُغفر؟ قال: نعم! قال: فما يجعلك برجاء المغفرة أحقَّ مني؟! فوالله ما ألي من الإصلاح أكثرُ مما تَلي، ولكن والله لا أُخيَّر بين أمرين: بين الله وبين غيره؛ إلا اخترتُ الله على ما سواه، وإني لَعَلَى دينٍ يُقبَلُ فيه العمل؛ ويُجزى فيه بالحسنات؛ ويُجزى فيه بالذنوب؛ إلا أن يعفوَ اللهُ عنها.
قال: فخَصَمَني!
قال عروة: فلم أسمَع المِسْوَر ذَكَرَ معاويةَ إلا صلّى عليه .

- روى أبوعَرُوبة الحرَّاني في الطبقات (ص41) عن مرجانة أم علقمة مولى عائشة، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: إني لأتمنى أن يزيدَ اللهُ عزَّ وجلَّ معاويةَ مِن عُمري في عُمره.
وسنده صحيح.

- وروى أحمد (4/92) والبلاذري (4/265) والطبراني في الكبير (19/319 رقم 723) وابن عساكر (12/229) وابن العديم (5/2129) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن سعيد بن المُسَيِّب، عن مروان بن الحَكَم، أن معاوية قال لعائشة: يا أم المؤمنين، كيف أنا حاجاتك ورسلك وأمرك؟ قالت: صالح.
وعلي بن زيد بن جُدعان ضعيف، وانظر علل الدارقطني (7/65)

- وروى مسلم في صحيحه (2663) عن أم المؤمنين؛ أمِّ حَبيبة رضي الله عنها أنها قالت: "اللهم أمتعني بزوجي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي: أبي سُفيان، وبأخي معاوية".

- وروى الشافعي في الأم (1/290) وعبد الرزاق (3/21) والبيهقي (3/26) وابن عساكر (59/165) بسند جيد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس أحدٌ منا أعلمُ من معاوية .

- وروى البخاري في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (3765) من طريق أخرى عن ابن عباس أنه قال عن معاوية: إنه فقيه.
وفي رواية قبلها (3764): إنه قد صَحِبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

- وروى ابن سعد (1/126 السلومي) ومن طريقه ابن عساكر (59/165) بسند صحيح عن أيوب السختياني، أن ابن عباس قال: إن أمير المؤمنين عالم، أي معاوية.
أيوب عن ابن عباس مُرسل، ويشهد له ما قَبله.

- وروى معمر (20985) ومن طريقه ابن سعد (1/121 السلومي) والبخاري في التاريخ (7/327) وابن قتيبة في الغريب (2/353) وابن أبي عاصم (1/378) والطبري في تاريخه (5/337) والخلال (2/440) والبغوي (5/373) وإسماعيل الصفار في جزئه (62) وابن عساكر (59/174) بسند صحيح عن ابن عباس: ما رأيت رجلا كان أخلق للمُلك من معاوية، كان الناس يرِدون منه على أرجاء وادٍ رَحْب، لم يكن بالضيّق الحَصِر العُصْعُص.

- وثبت من طرق عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ما رأيت أحدا أسود من معاوية، قال الراوي: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرا منه، وكان معاوية أسود منه .
قال الإمام أحمد: "معنى أسود: أي أسخى، وقال: السيّد: الحليم، والسيّد: المعطي، أعطى معاويةُ أهلَ المدينة عَطايا ما أعطاها خليفةٌ قد كان قبلَه".

- وقال مَعمر بن راشد في الجامع (11/337): عن الزهري، أن ابنَ عمر لَفِيَ معاويةَ -أو قال: وفد عليه- فقال له معاوية: حاجتك؟ فقال: ألا يُسفكَ دم دونَك، فإنهم كذلك كانوا يفعلون، ولا يجلسَ على هذا المنبر غيرُك، وأن تُمضي الأعطية للمحرَّرين، فإن عمر قد أمضاه لهم.
ورُوي آخره من طريق أخرى عند أبي داود (2951) وابن الجارود (1114) والطحاوي في شرح المشكل (11/51) والبيهقي (6/349) بمعناه، وأن لقاءهما كان حين قدم معاويةُ المدينة حاجا.
وفي الخبر ائتمانُ ابن عمرَ معاويةَ على دماء المسلمين، وإقرارُه خصوصا على الجلوس على المنبر ، وأنه يناصح معاوية، ويتأملُ منه القَبول والاستجابة، ويصدّقه ما جاء في رواية أخرى عند الطحاوي أن معاوية لما سمعه بدأ بالمحرَّرين فأعطاهم قبل الناس، والله أعلم.

- وروى الإمام أحمد (5/147) وابن عساكر (49/289 و70/218) بسند جيد إلى قُنْبُر -ويقال: قُتَير- مولى معاوية قصة أبي ذر مع مولاه معاوية، رضي الله عنهما، وأن عُبادة بن الصامت وأبا الدرداء وعَمرو بن العاص وأم حَرام الأنصارية رضي الله عنهم كلموا أبا ذر في الكَفِّ عن معاوية.
إلا أن مولى معاوية فيه جهالة، انظر ترجمته في تاريخ ابن عساكر (49/290)

- ورُوي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: ما رأيتُ أحدا بعدَ عثمان أَقضَى بحقٍ مِن صاحِبِ هذا الباب، يعني معاوية. (ابن عساكر 59/161)

- وروى البغوي في الجعديات (2657) وابن عساكر (59/205) من طرق عن زهير بن معاوية، عن الأسود بن قيس، عن نُبيح العنـزي، قال: كنا عند أبي سعيد الخدري وهو متكئ، فذكرنا عليا ومعاوية، فتناول رجلٌ معاويةَ، فاستوى جالسا، ثم قال:
كنا ننـزل رفاقا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنتُ في رفقة أبي بكر، فنـزلنا على أهل أبياتٍ -أو قال: بيت- قال: وفيهم امرأة حُبلى، ومعنا رجلٌ من أهل البادية، فقال لها البدوي: أيسُرُّكِ أن تلدي غلاما؛ إن جعلتِ لي شاة؟ فولدتْ غلاما، فأعطته شاة، فسجع لها أساجيع، فذُبحت الشاة، وطبخت، فأكلنا منها ومعنا أبو بكر، فذُكر أمر الشاة، فرأيتُ أبا بكر متبرزا مُسْتَنْتِلاً يتقيأ.
ثم أُتِيَ عمر بذلك الرجل البدوي يهجو الأنصار، فقال عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله لا أدري ما نال فيها لكفيتُكُموه، ولكن له صحبة.
قلت: في الخبر استعظام أبي سعيد رضي الله عنه الوقيعة في معاوية، حتى كان متكئا فجلس، واستشهاده بموقف عمر مع الأعرابي الصحابي، مع أنه لم يبلغنا من خبره إلا هذان الموقفان، وهما كما ترى.
وإسناده كوفي صحيح، وثبَّته ابن حجر، وقال السخاوي: رجاله ثقات. (فتح المغيث 3/114) 
يتبع ....
============

من أقوال التابعين:

- قال أبوإسحاق السبيعي الكوفي: كان معاوية، وما رأينا بعده مثله.
رواه ابن سعد (1/122 السلومي) والأثرم (منهاج السنة 6/234) والخلال في السنة (2/438) وابن عساكر (59/171) بسند كوفي صحيح.
وزاد ابن سعد أن أبا بكر بن عياش -الراوي عن السبيعي- قال: ما ذَكرَ عمرَ بن عبد العزيز.

- وقال حماد بن أسامة: حدثني الثقة عن أبي إسحاق أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه -أو: أدركتم زمانَهُ- كان المهدي.
رواه الخلال في السنة (2/439)، وسنده صحيح إلى حمّاد، وهو مسلسل بالكوفيين.

- وعن قَبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية، فما رأيتُ رجلا أثقلَ حِلْما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعدَ أناة منه.
رواه الفسوي في المعرفة (1/458) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/377 رقم 509) وابن أبي الدنيا، والطبري في التاريخ (5/337 وعنده سقط) ومحمد بن مروان السعيدي في المجالسة، وابن عساكر (59/178) من طرق عن مُجالد، عن الشعبي، عن قبيصة.
ومجالد ضعيف، وله طريق أخرى يتقوى بها:
فرواه البخاري في التاريخ الكبير (7/175) وابن أبي الدنيا، والطبراني في الزيادات في المكارم وذكر الأجواد (4)، وابن عساكر (49/247) من طريقين عن عبد الملك بن عمير، عن قَبِيصة.
وسنده جيد.

- وروى أبوبكر الأثرم -ومن طريقه الخلال في السنة (2/438) وابن بطة (منهاج السنة 6/232)- قال: ثنا محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة، ثنا محمد بن مروان، عن يونس، عن قتادة، قال: لو أصبحتم في مثل عَمَلِ معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي. وسنده جيد.

- وعن مجاهد قال: لو رأيتم معاوية لقُلْتم هذا المهدي من فضله.
رواه الخلال في السنة (2/438) والبغوي في المعجم (5/368) وأبوعروبة الحرّاني في الطبقات (ص41) والآجري (5/2465) وابن بطة (منهاج السنة 6/233) وابن عساكر (59/172) من طريق الأعمش الكوفي، عن مجاهد.
وسنده صحيح ، رجاله ثقات، وثبّته شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأعمش.
ورواه الطبراني (19/308) عن الأعمش من قولِه مثله، والراوي عنه فيه لِين، والمحفوظ الأول.

- وصح عن أبي هريرة حباب المكتب أنه قال: كنا عند الأعمش؛ فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدلَه، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتُم معاوية؟ قالوا: في حِلمه؟ قال: لا والله! بَلْ في عَدله.
رواه الأثرم (منهاج السنة 6/233) ومن طريقه الخلال في السنة (2/437)، وإسناده كوفي.

- وقيل للحسن البصري: إن أناسا يشهدون على معاوية وذَويه أنهم في النار! قال: لعنهم الله! وما يُدريهم أنه في النار؟
رواه أسد بن موسى (الاستيعاب 10/149) والبغوي في المعجم (5/368) والآجري (5/2467) وابن عساكر (59/206) من طريق أبي هلال الراسبي، عن قتادة، عن الحسن.
وسنده مقارب لأجل أبي هلال، ولكن جاء من طريقٍ أُخرى بأتمّ منه:

فقال الحافظ ابن شاهين (فيما رواه من طريقه ابن عساكر 59/206): حدثنا الحسين بن أحمد بن بِسْطام، عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا بِشر بن المُفَضَّل، عن أبي الأشهب، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد، إن ههنا قوما يَشتمون -أو يلعنون- معاوية وابن الزبير! فقال: على أولئك الذين يَلعَنونَ لعنةُ الله.
وسنده صحيح، رجاله كلهم ثقات .

- وقال أبومُسْلِم الخَوْلاني لمعاوية: فلا والله ما أبغضْناكَ منذ أَحببْناك، ولا عَصَيناك بعدما أَطَعْناك، ولا فارَقْناكَ بعدَما جامَعَنْاك، ولا نَكَثْنا بَيْعَتَنا منذُ بايَعْناك، سُيوفُنا على عَواتِقِنا، إنْ أَمَرْتَنا أَطَعْناك، وإنْ دَعَوْتَنا أَجَبْناك، وإنْ سَبَقْتَنا أَدْرَكْناك، وإنْ سَبَقْناكَ نَظَرْناك.
رواه أحمد في مسائل ابنه صالح (751 ط. الوطن) وفي الزهد، ومن طريقه ابن عساكر (12/224) وابن العديم (5/2126) بسند شامي جيّد.

- روى ابن الجوزي في المنتظم (7/9) من طريق حرملة بن عمران، عن محمد بن ذكوان الأزدي، أن الحجاج سأل سعيد بن جبير: ما تقولُ في معاوية؟ فقال: كاتبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه ابن الجوزي في الثبات عند الممات (139) ومن طريقه ابن العديم (5/2092) من طريق حرملة مختصرا.
وابن ذكوان فيه ضعف.
ورواه أبوالعرب التميمي في المحن (ص212) من طريق أبي عمرو بشر بن إبراهيم، عن محمد بن ذكوان وغيره ممن لا أتهم.
وبشر واه.


يتبع ..........
==============




خاتمة في التنبيه على الأخبار المكذوبة على معاوية:

قال ابن خُلدون في مقدمته (1/13): "وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل، غثا أو سمينا".
وقد طفحت كتب الأخباريين والتواريخ بأخبارٍ عن معاوية، وجُلها مقاطيع ومراسيل، وهي ضعيفة، فهذا أكثر مَن نقل أخبار معاوية، وهو البلاذري في أنساب الأشراف (4/19-317 تحقيق العظم) يقول (4/86): "قال لي هشام بن عمار: نظرتُ في أحاديث معاوية عندكم فوجدتُ أكثرها مصنوعا.."، وذكر أحدها.

ناهيك عن مصادر الأخبار غير الموثوقة أصلا، كتواريخ الضعفاء المتروكين؛ أمثال أبي مخنف لوط بن يحيى الكوفي، والكلبي، والواقدي، والعباس بن بكار، ومثل كتابَي الأغاني ومقاتل الطالبيين لأبي الفَرَج الأصبهاني، أو كتب الرافضة: كالمسعودي، وابن أبي الحديد، أو الكتب الموضوعة المنحولة: كالإمامة والسياسة، وتاريخ اليعقوبي، وكتاب السقيفة المنسوب للجوهري، أو الكتب غير المُسندة، أو غير المختصة: كالعقد الفريد، فضلا عن كتابات أمثال طه حسين والعقّاد !

قلت: وبمثل هذه الأخبار يتعلق أعداء معاوية رضي الله عنه، وقد شاء الله أن يرفع درجات معاوية بكثرة من يسبُّه من الرافضة ومَن لا خَلاق له، وقد قام أولئك بوضع الكثير من الحكايات التي تطعن فيه، بل وصل الأمر إلى وضع أحاديث في ثَلْبه رضي الله عنه ، ولا يُستغرب ذلك من أكذب الناس، وهم الرافضة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر أن الرافضة أعظم الطوائف كذبا وجهلا، وأن دينَهم يُدخِلُ على المسلمين كلَّ زِنديق ومُرتد: "إنهم.. يَعمدون إلى الصِّدق الظاهر يَدفَعونَه، وإلى الكَذِب المُختَلق الذي يُعلَمُ فسادُه يُقيمونَه ، فهُم كما قال فيهم الشَّعبي -وكان من أعلم الناس بهم: لو كانوا من البهائم لكانوا حُمُرا، ولو كانوا من الطيور لكانوا رخما.
ولهذا كانوا أبهت الناس وأشدَّهم فِريَة، مثلَ ما يَذكرونَ عن مُعاوية". (مجموع الفتاوى 4/472)

قلت: ومن أمثلة هذه الأخبار الباطلة جزء مطبوع باسم "أخبار الوافِدِين من الرجال من أهل البصرة والكوفة على معاوية بن أبي سفيان" المنسوب للعباس بن بكار الضبي، وهو رافضي كذاب (لسان الميزان 3/237)، بينما أُراه للحسن بن الحسين بن عاصم الهسنجاني، وهو كذاب أيضا (الجرح والتعديل 3/6 ولسان الميزان 2/200)، وقد أورد أخباره بلا سند!
ومثله كتاب وقعة صفين: لنصر بن مزاحم الكوفي، وهو رافضي جَلْد، تَرَكه الحُفَّاظ، ومنهم مَن كذَّبه. (لسان الميزان 6/157)

- ومن الأخبار الباطلة التي تُروى عن معاوية أنه قال: "يا أهل العراق، أترون أني إنما قاتلتكم لأنكم لا تُصَلُّون؟ والله إني لأعلم أنكم تصلون! أو أنكم لا تغتسلون من الجنابة؟! ولكن إنما قاتلتُكم لأتأمَّر عليكم، فقد أمّرني الله عليكم".
وهذا تفرد بروايته الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد [وليس بالكلبي]، قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الضحى ثم خطبنا، فذكره.
وسويد مجهول لا يُعرف بغير هذا الخبر الباطل، وقال البخاري: لا يُتابع عليه (التاريخ الكبير 3/477 وانظر حاشيته)، وتبعه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (3/1243)، والذهبي في الميزان (2/145)، وضعَّفه ابن حجر في الفتح (2/387)

ومثله ما أورده الطبري (5/323) وغيره أن معاوية لما أوصى إلى ابنه يزيد قال له: "إني لا أتخوّف أن ينازعك هذا الأمر الذى أسسته إلا أربعة نفر: الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر فأما ابن عمر فهو رجل ثقة قد وقدته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك وأما الحسين فان أهل العراق خلفه لا يدعونه حتى يخرجونه عليك فان خرج فظفرت به فاصفح عنه فان له رحما ماسة وحقا عظيما وأما ابن أبى بكر فهو رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله ليست له همة إلا النساء واللهو وأما الذى يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك روغان الثعلب وإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فان هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا".
قلت: وهذا باطل، في سند الطبري أبومخنف، وهو أخباري تالف، ثم إن متنه منكر، وفي سياقه ما يُكذبه، قال ابن كثير: "كذا قال! والصحيح أن عبد الرحمن [أي ابن أبي بكر] كان قد توفى قبل موت معاوية"، ثم أشار راويه عن أبي مخنف إلى مخالفته.

فإذا كان أحاديثٌ وأخبارٌ قد وُضعت لها أسانيد تطعن في الصحابي الجليل معاوية، فكيف بالحكايات التي لا سند لها أصلا؟
ولا شك أن تاريخ معاوية خاصة، وخلفاء بني أُمَيَّة عامة، قد أصابه ظُلمٌ عظيم من قِبَل أعدائه المختلفين -سياسيين وعقائديين- وعلى الباحثين من أهل السنة الاجتهادُ في تخليص الأكاذيب عن ذلك العهد –بل القرن المفضّل- وتجلية واقعه عبر المنهج الحديثي العلمي.
قال شيخي المؤرخ محمود شاكر حفظه الله تعالى: "إن هذه الافتراءات على بني أمية ليس لها سند صحيح، ومعظمها مجهول المصدر، الأمر الذي يدل على كذبها، وبهذا لا يمكن الاعتماد عليها أبدا، وإذا أخذنا بمنهج الحديث في الجرح والتعديل، وهو أفضل منهج للوصول إلى صحة الخبر، فإننا سنطرح هذه الروايات كلها التي تقوَّلت على بني أمية".

- وأختم بالتنبيه على أن الأحاديث التي رُويت في ذم بني أمية مطلقا لا يصح منها شيء ألبتة، ويكفي للدلالة على بطلانها أنها تشمل عثمان بن عفان: ثالث الأمة فضلا ومنـزلة، وأم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان، وغيرهما من الصحابة الأجلاء، ومَن بعدَهم، كعمر بن عبد العزيز، مع ما حصل من التصاهر بين الأمويين والهاشميين وغيرهم، مع قرابتهم أصلا.
فهذه الأحاديث من وضع أعداء الأمويين السياسيين والعقائديين.



يتبع .......

============

قبر معاوية رضي الله عنه:


توفي معاوية رضي الله عنه في دمشق، ودفن فيها، واختُلِف في موضع قبره، والموضع الأشهر عند المؤرخين والمعروف اليوم: هو في الركن الجنوبي لمقبرة باب الصغير، داخل غرفة طينية صغيرة متهدِّمة، وقربه قبور العلماء: نصر المقدسي، وابن عساكر، وابن رجب، والبرهان الناجي، وغيرهم، وقد خرَّبَ القبرَ بعضُ الرافضة، وتُعُمِّدَ إهمالُ القبر بسَعيهم، بخلاف القبور المنسوبة لآل البيت هناك، وهي لهم فوق بيوت الله تعلقا واعتناء.
ومن اللطائف ما ذكره ابنُ حِبَّان في مشاهير علماء الأمصار (ص7) وغيرُه أن يزيدَ بن معاوية دَفَنَ رأسَ الحسين بن علي في قبر معاوية رضي الله عنهم، فإن صحَّ ذلك فيكون الرافضة قد آذوا إمامَهم أيضا!
ولكن شيخَ الإسلام ابنَ تيمية، وابنَ المحب، وابن طولون، يقولون: إن معاوية بن أبي سفيان مدفونٌ قِبْلِي حائط جامع دمشق (الأُمَوي)، وأن القبرَ الذي في باب الصغير هو لحفيده الخليفة الأموي الثالث: معاوية بن يزيد بن معاوية رحمه الله، وهذا ذُكر في ترجمته أنه دفن في الباب الصغير، والله أعلم .
أقول: لستُ بحمد الله ممن يخالف النهيَ الصريح عن الغلو في القبور والبناء عليها، إلا أني أُظهر مثالا مصوَّرا لحقد أعداء الإسلام للصحابة عموما، ولخال المؤمنين معاويةَ خصوصا، فهذه صورٌ للقبر المشتهر اليوم:
(الصور في كتاب دار السنة: دار الحديث النورية ص206 و207)

يتبع .......
===============
بين معاوية وأهل البيت العلويين رضي الله عنهم جميعا:

قدّر الله لحِكمة يشاؤها الاقتتال بين علي ومعاوية، رضي الله عنهما، ولا يشك مسلم أن عليا رضي الله عنه أولى الطائفتين بالحق، وبعيدا عن الخوض في هذه المجريات الأليمة ينبغي تقرير أن الصحابة ليسوا بمعصومين، وأنهم بشر يقع منهم وبينهم الغضب والخصومة والتألم والانزعاج، ثم يقفون على الصلح والمودة، ولا يبلغ ذلك دينهم، والله يغفر لهم:
فهذان خير الأمة أبوبكر وعمر وقع بينهما الخصام، كما في صحيح البخاري (4845) من قصة وفد تميم، وهو سبب نزول قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)
وقد اختصم علي وعمه العباس في قصة فدك إلى عمر، ووقع بينهما كلام أمامه، كما في صحيح البخاري (4033)
بل قد حصل ذلك لمن هو خير منهم، فقد تألم موسى وانزعج من أخيه هارون، وأخذ بلحيته يجره إليه، كما جاء في القرآن الكريم.
وتألم نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة وغضب لها لما بلغه أن عليا رضي الله عنه عزم على الزواج بابنة أبي جهل.
فكل ذلك لم يُنقص رتبتهم، وما ثنانا عن حبهم وتوقيرهم، غير غالين فيهم، ولا مجافين عنهم.
قال الأعمش الكوفي عن شيعة بلده: حَدَّثْناهم بغضب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاتَّخذوه ديناً!
رواه الفسوي في المعرفة (2/765) ومن طريقه ابن عساكر (32/93) وسنده صحيح.

وقال الذهبي في المقدمة الزَّهْرا ضمن كلام بديع في نقض النص الذي تزعمه الشيعة في الإمامة (ص112-113): "فلمّا استُشهد الإمامُ عليّ أقام الحَسَن، ثم أَقْبَلَ في كَتائبَ مِثلَ الجِبال، ومعه مِائةُ ألفِ عنانٍ يموتونَ لمَوْتِهِ، فما الَّذي جَعَلَه في ثِقَةٍ مِنْ تسليمِ الأَمْرِ إلى مُعاوية؛ وإعانَتِهِ على الضَّلالِ وإبطالِ العَهْدِ النَّبَوي إليه وإلى أبيه؟! ثم يُوافِقُهُ على ذلك أخوه الحُسين الشَّهيدُ ويَسْكُت!! فما نَقَضَ يَوماً بيعةَ مُعاويةَ أبداً.
فلمّا ماتَ معاويةُ قامَ الحسينُ، وسار يطلُبُ الإمارةَ، ويخرجُ من القُعودِ عن الحَرْبِ، فقاتَلَ حتَّى استُشْهِدَ رضي الله عنه، فلولا أنَّه رَأَى مُبايَعَتَهُ لمعاويةَ سائغةً لفَعَلَ معه كما فَعَلَ مع يَزيد!
هذا لا يُماري فيه مُنْصِفٌ، فإنَّ السِّبْطَينِ سَلَّما الأَمْرَ إلى مُعاويةَ طائعَيْنِ غيرَ مُكرَهَيْن، وعَنْ مَنَعَةٍ وجَيْشٍ لَجِبٍ، فدَلَّ ذلك على أنهما فَعَلا المُباحَ، وأَصْلَحَ الله تعالى بين الأُمَّةِ بالسَّيِّدِ الحَسَنِ، وحُقِنَتْ الدِّماء، وسَكَنَتْ الدَّهْماء، وانْعَقَدَ الإجماعُ على مُبايعةِ المَفْضولِ الكامِلِ السِّياسَةِ مع وُجودِ الأَفْضَلِ الأَكْمَل، ولله الحَمْدُ.
ولو امْتَنَعَ السِّبْطانِ في ذلك الوَقْتِ - ونَواصي العَرَبِ في يَدِ الحَسَنِ - لأَوْشَكَ أنْ يكونَ لهما النُّصْرَةُ على أهلِ الشام".
ونحتجُّ على الشيعة بما يثبت عندهم، وهو قول علي رضي الله عنه في كتاب نهج البلاغة الذي يصححونه ويحتجون به، فيقول (543) عن معركة صِفِّين: "وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد، إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء".
وهذه المسألة إنما يثيرها الرافضة ومن تأثر بهم، ليست القضية عندهم مسألة أحقية معاوية أو أخذه البيعة ليزيد من بعده، بل عندهم مسألة خلافة الثلاثة من قبل، وإنما مسألة معاوية وبني أمية كلها لأجل إثارة العوام والجهلة فقط وإيقاع الفتنة وإحياء الخلافات، وللأكمة ما وراءها.
قال ابن تيمية في منهاج السنة (4/394): "اتفق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما إنهم كانوا بغاة، لأنهم كانوا متأولين مجتهدين، والمجتهد المخطىء لا يكفر ولا يفسق؛ وإن تعمد البغي، فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة: كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء المؤمنين، وغير ذلك".
وقد نص جماعة، منهم ابن حزم في الفصل (3/6) والذهبي في جزئه "المقدمة الزهرا في إيضاح الإمامة الكبرى" (ص84) أن الحق مع علي، وأن معاوية مخطئ مأجور مجتهد.
وقال عمار رضي الله عنه (كما في مسلم 4/2143) لما سئل: أرأيتم صنيعكم مع علي أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء
ولذلك فقد اعتزل عامة الصحابة القتال، وعلى رأسهم سعد بن أبي وقاص (وهو من العشرة المبشرين)، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة.
وصح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قيل له: ألا تقاتل! فإنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ فقال: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد.
(رواه أبونعيم في معرفة الصحابة 1/135 ويخرج) وانظر تاريخ بغداد 6/44 وابن عساكر 59/141
وقد صح عن عالم التابعين ابن شهاب الزهري أن الأمر كان فتنة مشتبهة، وأن الصحابة وفيهم من شهد بدرا رأوا أن يَهدروا أمر الفتنة، ولا يقام حدٌ ولا قصاصٌ ولا مالٌ استُحلَّ بتأويلٍ فيها. (سنن سعيد بن منصور 2/368 ومصنف عبد الرزاق)
وقال ابن تيمية في المنهاج (4/409-410): "إن الفتن إنما يُعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت، فأما إذا أقبلت فإنها تزين، ويظن أن فيها خيرا.."، إلى أن قال: "والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر، ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت، وصارت عبرة لهم ولغيرهم".


يتبع .....
================
- وثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: قتلايَ وقتلى معاوية في الجنّة .

- وروى ابن أبي شيبة (15/297) وابن عساكر (1/346) وابن العديم (1/303) في تاريخيهما بسند صحيح عن عبد الله بن عروة قال: أخبرني مَن شهد صفّين، قال: رأيتُ عليّا خَرَجَ في تلك الليالي؛ فنَظَرَ إلى أهل الشام، فقال: "اللهم اغفِرْ لي ولهم".

- وروى معمر في الجامع (11/56) وعنه عبد الرزاق (5/451) بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال: قال رجلٌ لعلي: أخبرني عن قريش، قال: أرزنُنا أحلاما إخوتُنا بنو أُميّة.
وروى معمر في الجامع (11/57) عن قتادة، قال: قال رجل لعليّ: حدثني عن قريش، قال: أما نحن قريش فأنجاد أمجاد أجواد، وأما بنو أمية فقادةٌ أدَبَة ذادَة.

وقال الحارث عن علي: لا تكرهوا إمرة معاوية، فلو قد فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر على كواهلها كأنها الحنظل. (ابن أبي شيبة 15/293 والبلاذري 4/61 والسنة لعبدالله بن أحمد 2/550 ومعجم البغوي 5/372 واللالكائي 8/1452 وابن عساكر 59/151 ابن سعد 1/120 السلومي، وابن أبي الدنيا في حلم معاوية 5 والحاكم وغيرهم)، والشيعة ومن تأثر بهم يوثقون الحارث!

روى ابن سعد (1/121 السلومي) من طريق موسى بن قيس الحضرمي، عن قيس بن رمانة، عن أبي بردة قال: قال معاوية رضي الله عنه: "إن كان يقاتل على الأمر، إلا من أجل دم عثمان".

وروى أبوزرعة في تاريخه، وابن عساكر (1/343) بسند صحيح عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، قال: ذُكر عند علي يوم صفين -أو يوم الجمل- فذكرنا الكفر، قال: لا تقولوا ذلك، وزعموا أنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا، فقاتلناهم على ذلك.

- ولما جاء معاوية نعي علي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا فقدوا من العلم والخير والفضل والفقه! قالت امرأته: بالأمس تطعن في عينيه، وتسترجع اليوم عليه؟ قال: ويلك، لا تدرين ما فقدنا من علمه وفضله وسوابقه.
رواه ابن أبي الدنيا في مقتل علي (106) وفي حلم معاوية (19) والسقطي في فضائل معاوية (29) وابن عساكر (59/142) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة بن مِقْسَم، وسنده صحيح إليه، وهو يروي عن جمع من ثقات أصحاب معاوية وعلي رضي الله عنهما.

استفتاء معاوية لعلي: الأم للشافعي 6/30 و137 وعبد الرزاق 9/433 وابن أبي شيبة 9/402 وسعيد بن منصور (1/40) والغريب للخطابي (2/199) وحلم معاوية (37) والكلاباذي في بحر الفوائد (1/466 رسالة دكتوراة)
ابن عساكر (42/415)

- وصح عن عطاء بن مسلم الخفاف الكوفي أنه قال عن قتال معاوية لعلي: "وإنْ كان يُقاتلُهُ فإنَّه كان يَعْرِفُ فَضْلَه".
قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، نا عبيد بن جَنّاد، نا عطاء به، وسنده جيد.
ورواه ابن عساكر (42/414) من طريق ابن أبي الدنيا، وهو في حلم معاوية له (20 منتقى)

- قال مغيرة: أرسل الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه، فبعث لكل منهما بمائة ألف، فبلغ عليا رضي الله عنه، فقال: ألا تستحيان! رجل نطعن في عينه غدوة وعشية تسألانه المال؟ قالا: لأنك حرمتنا وجاد لنا.
رواه ابن أبي الدنيا في حلم معاوية (21) ومن طريقه ابن عساكر (59/193) بسند صحيح عن مغيرة.
وروى الآجري (1962) بسند صحيح عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه جاء إلى عليٍّ رضي الله عنه إلى العراق ليعطيه، فأبى أن يُعطيَه شيئا. فقال: إذاً أَذهبُ إلى رجلٍ أوصلُ منك! فذهب إلى معاوية رضي الله عنه فعَرَف له.

- وصحّ أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا يَقبلان جوائز معاوية.
رواه ابن أبي شيبة (6/89) والآجري (5/2470) واللالكائي (8/1444) وابن عساكر (59/194) من طرق عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن الحسن والحسين.
ورواه الأصمعي (البداية والنهاية) ومن طريقه ابن عساكر (59/194) من طريق أخرى به.
واحتج به الإمام أحمد. (المغني لابن قدامة 6/338)

وروى أبوالقاسم الزجاجي في أخباره (ص98-100) عن عمر بن شبة قال: كان لمعاوية بن أبي سفيان عَينٌ ببلاد الروم، قال: فكتب إليه: إن هذا الطاغية [أي قيصر الروم] قال في مجلسه: إن هذا أوان أستأصِلُ فيه العرب، لأنها قد اختلفت. فكتب إليه معاوية كتابا يحلف له فيه ويقول: لئن عزمتَ على ما أظهَرْتَهُ في مجلِسك لأُصالِحَنَّ صاحبي، ولأَصِيرَنَّ مُقدِّمَتَهُ إليك، فأنزِلُ قسطنطينية الجرامقة، ولأرُدَّنَك أرلسياً كما كنتَ تَرعى الخنانيص.
فكتب إليه ملك الروم يحلفُ له بالبراءة من المعمودية والدخول في الحنيفية: ما هَمَّ بهذا ولا تكلم، وأَهدى إليه هدايا كثيرة، أكثرُها اليُزبون.
وذكره الخطابي في الغريب (2/535) وابن كثير (11/400) وغيرهما من المؤرخين وأصحاب اللغة بمعناه.

وروى يعقوب بن سفيان (3/317 مُستدرَكا من الإصابة 1/330) بسند صحيح إلى هلال بن خباب البصري قال: جمع الحسن بن علي رؤوس أهل العراق في هذا القصر -قصر المدائن، فقال: إنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا.

- وروى ابن أبي الدنيا في المنامات (124 واللفظ له) ومحمد بن مروان السعيدي في المجالسة، ومن طريقهما ابن عساكر (50/140) بسند رجاله ثقات، عن عمر بن عبد العزيز قال:
"رأيتُ رسولَ الله [صلى الله عليه وسلم]؛ وأبوبكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبَينا أنا جالس إذْ أُتيَ بعَليٍّ ومعاويةَ، فأُدخلا بيتاً وأُجيفَ عليهما الباب؛ وأنا أنظرُ إليهما، فما كان بأسرعَ أن خرَجَ عَليٌ وهو يقول: قُضِيَ لي وربِّ الكعبة! وما كان بأسرعَ أن خرج معاويةُ على إثره وهو يقول: غُفر لي وربِّ الكعبة".

وروى سعيد بن منصور (2/369) وابن أبي شيبة (7/547) ويعقوب بن سفيان في المعرفة، وأبوالعرب التميمي في المحن (103) والسراج في تاريخه، وإبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين، وأبونعيم في الحلية (4/143 و9/62) واليهقي (8/174) وابن عساكر (15/346 و17/396) بسند صحيح عن أبي وائل شقيق، قال: رأيت أبا ميسرة عمرو بن شرحبيل، ولم أر همدانيا كان أفضل منه. قلت [أي عمرو بن مرة]: ولا مسروق؟ قال: ولا مسروق. قال: اهتَمَمْتُ بأمر أهلِ صِفِّين؛ وما كنتُ أَعرفُ من الفضل فى الفريقين، فسألتُ الله أن يُريَني مِن أَمْرِهم أَمْراً أَسْكُنُ إليه، فأُرِيتُ في مَنامي أنّي رُفِعْتُ إلى أهلِ صِفِّينَ، فإذا أنا بأصحاب عليٍّ في رَوضة خضراءَ وماءٍ جارٍ، فقلت: سبحان الله! كيف بما أرى وقد قَتل بعضُكم بعضاً؟ قالوا: إنا وجدنا ربَّنا رؤوفا رحيما. قلت: فما فعل ذو الكلاع وحوشب -يعنى أصحابَ مُعاوية؟ قالوا: أمامَك! فإذا سَهْمٌ كالحناحز، فهبطتُ على القوم فى روضة خضراء وماءٍ جار، فقلت: سبحان الله! كيف بما أرى وقد قتل بعضُكم بعضا! قالوا: إنا وجدنا ربَّنا رؤوفا رحيما.
رووه مطولا ومختصرا، وهذا سياق سعيد بن منصور .

وقال أبوحنيفة الدينوري في الأخبار الطوال (225): "قالوا: ولم ير الحسن ولا الحسين طول حياة معاوية منه سوءا في أنفسهما ولا مكروها، ولا قطع عنهما شيئا مما كان شَرَط لهما، ولا تغيَّر لهما عن بِرّ".


يتبع ...
=============
ومن علاقات الأُمَويين والهاشميين:

عقد ابنُ حزم رحمه الله في رسالته نقط العروس (2/107 ضمن جمهرة رسائله) بابا فيمن تزوج مِن بني هاشم في بني أُمَيَّة، ومن ذلك أن الحسن بن علي تزوج عائشة بنت عثمان بن عفان، قلت: والذي زوّجهما معاوية، وأصدق عن الحسن عشرة آلاف دينار، وبقيت عند الحسن حتى توفي رضي الله عنه، على أنه كان مطلاقا.
ثم بوّب (108) من تزوج من بني أمية في بني هاشم: ومن ذلك أن الخليفة عبد الملك بن مروان تزوج بنت علي بن أبي طالب، وبنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
وكذا تزوج عبدُ الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فاطمةَ بنت الحسين بن علي.
وتزوج الخليفة يزيد بن عبد الملك امرأة من ولد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
وتزوج عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان من نفيسة بنت عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، فولدت له عليا والعباس.
وتزوج الخليفة الوليد بن عبد الملك من زينب بنت الحسن بن الحسن بن علي، ثم طلقها، فتزوجها عمه معاوية بن مروان.
وتزوج بكار بن عبد الملك بن مروان فاطمة بنت محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وربيحة بنت محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

ثم بوّب ابن حزم (109) من ولي من بني أمية لبني هاشم.
ثم (110) من ولي من بني هاشم لبني أمية.
ثم (111) بعض غرائب الأسماء في بني هاشم، مثل: خالد بن يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ويزيد بن عبد المطلب بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم.
ثم بوّب ابن حزم (111) لغرائب الأسماء في بني أمية: مثل علي بن يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان.
ومن أراد الاستزادة فليراجع المصدر.
فماذا نفهم من كثرة التصاهر والتزاوج بين الفرعين، وتسمية أولاد الأسرة بأسماء كبار الثانية، واستعمال أمراء كل فريق أعيان الفريق الآخر؟

مُلابَسات قتل حُجْر بن عَدي رحمه الله:
حُجْر بن عَدي الكِنْدي من كبار التابعين على الصحيح، وقيل: إنه صحابي ، وكان من السادة العُبّاد الصالحين، وهو أحد أمراء علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم صِفِّين، ثم بايع للحسن، وكان من المعارضين لصُلحِه مع معاوية، ثم بايع لمعاوية، وبقي في طاعته عشر سنوات.
وكان شديدا في الإنكار على الولاة علانية، قولا وفعلا، ورُوي عنه أنه كان يفعل ذلك مع المغيرة بن شُعبة، الذي كان يحلُمُ ويَسكت عنه ، ثم توفي المغيرة، وتولى الكوفة بعدَه زياد (وقد كان مثل حُجر من أمراء علي)، وبقي حُجْر على طريقته، فحذَّره زياد، فلم يتغيَّر الوضع، واجتمع بعض الشيعة على حُجر، فتكلَّم زياد يوما على المنبر فقال: إن من حق أمير المؤمنين كذا، مرارا، فأخذ حُجر كفّاً من حَصا، فحَصَبه، وقال: كَذَبتَ، كذبتَ؛ عليكَ لعنةُ الله، فانحدر زياد من المنبر وصلَّى، ثم دخل دارَه، واستدعى حُجرا فأبى، فلم يزل به حتى قَدِم، وأرسله مقيَّدا مع جماعة من أصحابه إلى معاوية، وأتْبَعَه زياد برسائل سبقته إلى معاوية: إنْ كان لكَ في الكوفة حاجةً فاكفِني حُجْراً.
وجعل يَرْفَعُ الكُتُبَ إلى معاوية حتى أَلهَفَه عليه، فلما وصل حُجر قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال معاوية مغضبا: أوَ أميرُ المؤمنين أنا؟ قال: نعم، ثلاثا.
وكان معاويةُ قد استشار وجوهَ أصحابه في القادمين، فأشار بعضهم بالقتل، وسكت بعضهم مصرِّحا بطاعته لما سيحكم به معاوية، ثم كان حُكمُه فيهم أن قتل بعضهم؛ وفيهم حُجر، واستبقى بعضهم، ولم يخالِفْه مَن حوله.
وقال حُجر قبل أن تُضرب عنقه: دعوني أصلي ركعتين، ثم قال: لا تحلوا قيودي، ولا تغسلوا عني الدم، فإني أجتمع أنا ومعاوية إذا على المحجة.
وكان مقتله بمرج عَذْراء (واسمها اليوم عَدرا) قُرب دمشق سنة إحدى وخمسين.

هذا أصح ما وقفتُ عليه من جهة الإسناد ، وما أقل الروايات الصحيحة في حادثة مقتله، وقد اختلفت الروايات في قصة مقتله رحمه الله وملابساتها، وتزيَّد فيها الشيعة والضعفاء كعادتهم، بل وُضعت في ذلك أحاديث! والروايات القصة غالبها بلاغات ومراسيل، أما المسندات ففيها ما فيها، وكثير منها من طريق أبي مخنف، وهو شيعي تالف.
ثم أصبح الشيعة يعتمدون على ما وضعوه واختلقوه، مع المبالغة والتهويل، يشنعون بذلك على معاوية رضي الله عنه، فاصلين بين الأسباب والنتائج، وهنا وقفة مهمة:

فقد روى الطبراني في المعجم الكبير (3/70 رقم 2691) عن ابن عُيينة، عن عُبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم، قال: خرجتُ مع الحسن (يعني ابن علي رضي الله عنهما) وجاريةٌ تَحُتُّ شيئا من الحِنَّاءِ عن أظفاره، فجاءتْهُ إِضْبارَةٌ من كُتُب، فقال: يا جاريةَ هاتي المِخْضَب، فصبَّ عليه ماءً، وألقى الكُتُب في الماء، فلم يفتح منها شيئا، ولم ينظر إليه، فقلتُ: يا أبا محمد! ممن هذه الكُتُب؟ قال: من أهل العراق، من قوم لا يرجعون إلى حقٍ، ولا يقصرون عن باطل، أما إني لستُ أخشاهم على نفسي، ولكني أخشاهم على ذلك. وأشار إلى الحسين.
وسنده جيد على شرط مسلم ، وقال الهيثمي في المجمع (6/243): ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن الحكم بن أبي زياد، وهو ثقة.

ومن هذا الخبر يتبيَّن أن الشيعة كانوا يَسْعَونَ للفتنة، ويُزَيِّنونَ الخروج للحسن رضي الله عنه، وأنه كان يعلم منهم ذلك، ويَحْذَرُهم، ويخافُ منهم على أخيه الحُسين، وقد حصل ما كان يَخشاه، فأخرجوا الحُسينَ، ثم خَذَلوه وأَسْلَموه، فكانوا السبب المباشر لاستشهادِه رضي الله عنه.

كذلك كان الأمر مع حُجْر رحمه الله، فقد كانت الشيعة قد يَئِسَتْ من إخراج الحَسَن رضي الله عنه، وكان وُحودُه كفيلا برَدْع هؤلاء المُتربصين للخروج، فلما مات اجتمعوا على حُجْر، وصاروا يُحَرِّضونَه، وقالوا له: أنت شيخُنا، وأحقُّ الناس بإنكار هذا الأمر.

ومما يؤكِّدُ دور أولئك الشيعة في التحريض، وأنهم ما أرادوا بذلك إلا الخروج على الجماعة وقِتالِهم: ما رواه عبد الله بن أحمد، ومن طريقه ابن عساكر (12/220) وابن العديم (5/2124) بسند مُقارِب لا بأس به عن إسماعيل بن عياش أنه سأل شرحبيل بن مُسلم عن أصحاب حُجر: ما كان شأنُهم؟ قال: وَجَدُوا كتابا لهم إلى أبي بلال: إن محمَّداً وأصحابَه قاتَلوا على التنزيل، فقاتِلوهم أنتم على التأويل.
قلت: وأبوبلال هو مرداس بن أدية، من كبار رؤوس الخوارج.

مع أن معاوية في النهاية لا يعدم أن يكون قد أصاب في اجتهاده، فيكون له أجران، أو اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، ويكون خطؤه رضي الله عنه مغمورا في بحر حسناته.
يتبع .....
==============
أخلاق معاوية رضي الله عنه:
قال ابن تيمية: "استعملَ عمرُ معاويةَ مكانَ أخيه يزيد بن أبي سفيان، وبقيَ معاويةُ على وِلايَتِه تمامَ خِلافتِه، وعمرُ ورَعِيّتُه تَشكُرُه، وتَشكرُ سيرَتُه فيهم، وتُواليه وتُحِبُّه لما رأوا من حِلمه وعدله، حتى إنه لم يَشكِه منهم مُشتَكٍ، ولا تَظَلَّمَهُ منهم مُتظلِّم". (مجموع الفتاوى 4/457-458)
وقال الذهبي في المقدمة الزهرا في إيضاح الإمامة الكبرى (ص106): "كان خليقا للإمارة، شريفا، مهيبا، شجاعا، حليما، جوادا، كثير المحاسن، على هنات له، فالله يسامحه ويعفو عنه، فهو أول الملوك، ومن أكبرهم وأحزمهم".
وقال أيضا (تذهيب التهذيب 9/34): "هو أول ملوك الإسلام، وكان حليما كريما سائسا عاقلا كامل السؤدد ذا دهاء ومكر، كأنما خلق للملك".
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (11/397 التركي): "كان حليما وقورا رئيسا سيّدا في الناس، كريما عادلا شهما".

وكان رضي الله عنه جوادا، ويعرف قدر كبراء الصحابة:

وروُي عنه أنه قضى عن عائشة رضي الله عنه ثمانية عشر ألف دينار (الفسوي في المعرفة 2/410 وابن عساكر 59/191 بسند صحيح)، وبعث معاوية مرة إليها بمائة ألف (ابن أبي شيبة 6/90 ابن أبي عاصم 1/376 والمستدرك 4/13 الحلية 2/47 المستجاد من فعلات الأجواد 37 ابن عساكر 59/192)، وأنه أرسل لها هدية فقبلتها (ابن أبي شيبة 6/90)، وانظر الحلية (2/48)، ودخل الحسن بن علي على معاوية، فقال معاوية: لأجيزنّك بجائزة لم يُجزها أحد كان قبلي، فأعطاه أربع مائة ألف (وفي بعض المصادر أربعمائة ألف ألف، ولعله تكرر سهوا)، ومما أقطع الحسن بن علي عين صيد (فتوح البلدان للبلاذري ص366)، وأعطى ابن عباس مرة ألف ألف من بين عَروض وعين، وقال له: اقسمه على أهلك. (انظرها في الآحاد والمثاني 1/374 و376 وأنساب الأشراف للبلاذري 2/399 والأوائل لأبي عروبة 168 والزيادات على المكارم وذكر الأجواد للطبراني 90 وتاريخ ابن عساكر 59/192 و197 ومشيخة ابن البخاري 2/1084 والسير 3/154 و155)
وقصة النعمان بن بشير لما قدم إليه الأنصار فقال لهم: خذوا لسان الأخطل القائل واللؤم تحت عمائم. (الإشراف لابن أبي الدنيا 22)،

وروى الطبراني في الزيادات في المكارم وذكر الأجواد (40): حدثنا عبد الله بن وهيب، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا محمد بن ضمرة، عن علي بن أبي حَمَلَة، عن أبي حفصة الحَبَشي، قال: رأيتُ الأشعث بن قيس بصفين، جاء فوقف على معاوية، فقال: يا معاوية، خل بيننا وبين الماء، قال: نعم يا أبا محمد، ألا ندعو لك بشراب؟ فدعا له معاوية بشراب سويق. [قال]: فشرب ثم انصرف.
قلت: وهذا أعجب ما يكون بين متحاربين، إلا أن تكون لغير الدنيا، وانظر تهذيب الكمال (3/292) نقلا عن كتاب صفين لعبد الله بن أحمد، وابن عساكر.

وروى سعيد بن منصور (1/110) بسند صحيح أن أم المؤمنين صفية بنت حيي باعت حجرتها من معاوية بمائة ألف.

- وكان معاوية إذا لقي الحسن بن علي يقول: مرحبا وأهلا بابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر له بثلاث مائة ألف، وكان يلقى ابن الزبير فيقول: مرحبا بابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر له بمائة ألف.
رواه الأصمعي (البداية والنهاية) والبغوي في المعجم (5/370) والآجري (5/2468) وابن عساكر (59/194) وسنده صحيح.
وانظر حلم معاوية لابن أبي الدنيا (36)

- قال ابن معين (معرفة الرجال رواية ابن مُحْرِز 1/141 رقم 756 و2/79 رقم 177 والتاريخ رواية الدوري 3/367 رقم 1784): حدثنا جرير -يعني ابن عبد الحميد الضبي، عن مغيرة، قال: نهى معاوية أن يُطْعِمَ بالكوفة إلا جعدة بن هبيرة بن أبي وهب.
وأمه أم هانئ بنت أبي طالب.
قلت: فيكون عليٌّ رضي الله عنه خالَه.

- وروى ابن سعد ويعقوب الفسوي في المعرفة (1/492) بسند صحيح أن معاوية بعث إلى ابن عمر بمائة ألف.

ولذلك قال أبوالدرداء: لا رخاء بعد معاوية.
رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/382) والطبراني في الكبير (مجمع الزوائد 9/25) وابن عساكر (59/152) وقال الهيثمي: إسناده حسن، وهو كما قال.

ومع سخائه وجوده فقد كان متواضعا في نفسه، فروى ابن أبي عاصم (1/380) وابن عساكر (59/171) عن عبيد أبي البختري قال: كنت عند معاوية فرأيته متواضعا، ولم أر أسياطا غير مخاريق كمخاريق الصبيان من رقاع فيفقعون بها.
وروى ابن أبي عاصم بسند صحيح (1/379) عن أبي حملة، قال: رأيت معاوية على المنبر وعليه قناء مرقوع.
وروى مُسَدَّد في مسنده (المطالب العالية 3/792 رقم 438 الشثري) من طريق سعد بن إبراهيم، عن أبيه، أن معاوية رضي الله عنه أَمَّهُم في قميص.
وسنده صحيح.

وروى: من أحب أن يتمثل الناس له قياما (المسند 4/91 و100 والآجري 5/2463 وتهذيب الآثار 2/568 وشعب الإيمان 14/311 والصحيحة 357)
وروى ابن سعد (1/116 السلومي) وابن أبي عاصم (1/377) وابن عساكر، قال: إني والله لست بخيركم، ولكني عسيت أن أكون أنكأكم في عدكم، وأنفعكم لكم بولاية، وأحسنكم خلقا".

وأما حلمه ورحابة صدره فمضرب المثل، وأخباره في ذلك كثيرة جدا، وقد أفرد الحافظان ابن أبي الدنيا وابن أبي عاصم تصنيفا في حلم معاوية، وساق ابن عساكر في تاريخه (59/177-190) الكثير من ذلك.
وروى الزبير بن بكار في الموفقيات (336) وابن أبي الدنيا في حلم معاوية (10) ومحمد بن مروان السعيدي في المجالسة، ومن طريقه ابن عساكر (59/185) واللفظ له، بسند صحيح عن هشام بن عروة قال: صلى بنا عبد الله بن الزبير الغداة ذات يوم فوجم بعد الصلاة وجوما لم يكن يفعله، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: لله درُّ ابن هند! أما والله إن كنا نتخدّعُه فيتخادع لنا، وما ابن ليلة بأدهى منه، لله در ابن هند! أما والله إن كنا لنفرقه فيتفارق لنا، وما الليث الحَرِب بأجرأ منه، كان والله كما قال بطحاء العذري:
رَكوبُ المنابر وثّابُها *** مِعَنٌّ بخطبته مُجهرُ
تَرِيعُ إليه فصوص الكلام *** إذا نثر الخطِل المِهْمَرُ
كان والله كما قال قالت بنت رقيقة:
ألا أبكيه، ألا أبكيه *** ألا كل الفتى فيه
وله طريق أخرى عنده (59/236) وانظر البلاذري (4/96) وتاريخ أبي زرعة (1/572)

وروى الأثرم والخلال (2/445) عن عبد الله بن الزبير بن العوام يتشبّه بمعاوية في الحلم.
وقال أحمد في الزهد (ص391): "حدثنا أبوالمغيرة، حدثنا هشام بن الغاز، حدثني يونس الهرم، عن أبي مسلم الخولاني، أنه نادى معاوية رحمه الله ابن ابي سفيان وهو جالس على منبر دمشق فقال يا معاوية انما انت قرب من القبور ان جئت بشيء كان لك شيء وان لم تجيء بشيء لك يا معاوية لا تحسبن الخلافة جمع المال وتفرقته ولكن الخلافة العمل بالحق والقول بالمعدلة واخذ الناس في ذات الله يا معاوية انا لا نبالي بكدر الانهار ما صفت لنا رأس عيننا وانك رأس عيننا يا معاوية انك ان تحف على قبيلة من قبائل العرب يذهب حيفك بعد لك فلما قضى ابو مسلم مقالته اقبل عليه معاوية فقال يرحمك الله يرحمك الله".
ورواه الزبير بن بكار واللالكائي (8/1439) والأهوازي في شرح عقد أهل الإيمان (الجزء 17 رقم 82) وابن عساكر (59/169) وابن الجوزي في المصباح المضيء (2/39)

وساق ابن عساكر أخبارا كثيرة عن كرم معاوية وجوده (59/191-198)


يتبع .
==============

ومن حُبّه الخيرَ للإسلام وأهله:
ما رواه محمد بن الفيض الغساني في الأخبار والحكايات (100) ومن طريقه ابن عساكر (67/246) قال: حدثنا دُحيم، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني أبوالمُعَطَّل مولى بني كلاب: مرَّ بنا مُعاوية ونحن في المكتب يعودُ دُرَّةَ في نحوٍ من عشرة، فقال لنا المُعَلِّم: ما سلَّمتُم على أمير المؤمنين! إذا رجع فسلِّموا عليه.
فلما رجع قُمنا إليه فقلنا: السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ الله وبركاتُه، قال: اللهم بارك في ذراري الإسلام، اللهم بارك في ذراري الإسلام.
وسنده صحيح، أبوالمعطل وثّقه الطبراني (مسند الشاميين 3/406 وتاريخ ابن عساكر) وبقية رجاله ثقات.

وقريب منه ما رواه ابن أبي الدنيا في العيال (293) بسند صحيح عن حماد بن ميسرة الواسطي جار يزيد بن هارون، عن أبي عثمان الشامي، قال: كان معاوية يَخرج علينا ونحن في الكتاب، ويقول للمعلم: يا معلِّم، أَحْسِن أَدَبَ أبناءِ المُهاجرين.

وروى ابن شبّة في أخبار المدينة (1/27) بسند صحيح أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بزق ذات ليلة في المسجد ثم ذهب، ثم رجع بشُعلة مِن نارٍ، فجعلَ يَتتبَّع بَزْقَتَه حتى وجدها، ثم دفنها.

ومن إصلاحاته أنه أول من بلّط المدينة المنورة بالحجارة، وبنى فيها مرافق وحصنا لأهلها. (انظر أخبار المدينة لابن شبة 1/16 و271)، وقد أجرى عيني الأزرق والكظامة على أهل المدينة بأمره. (بهجة النفوس للمرجاني 1/323 و376 وقصة تثني أجساد الشهداء، وممن رواها ابن قتيبة في عيون الأخبار 2/318)، وكان يُرسل الأطعمة إلى المدينة كما كان يُفعل أيام عمر. (فتوح البلدان للبلاذري ص253)، وأمر بحفر نهر مَعْقِل (فتوح البلدان للبلاذري ص439)

وروى أبوعلي القالي (1/198) بسنده أن رجلا قام إلى معاوية، فقال له: سألتُكَ بالرحم الذي بيني وبينك، فقال: أمِن قُريش أنت؟ قال: لا. قال: أفمن سائر العرب؟ قال: لا. قال: فأيَّة رَحِم بيني وبينك؟ قال: رحم آدم! قال: رحم مجفُوَّة، والله لأكونن أوَّلَ من وصلها. ثم قضى حاجته.

وكان يستمع للمواعظ والنصائح، وقد بوّب ابن الجوزي في كتابه المصباح المضيء في خلافة المستضيء (2/38) قائلا: "سياق ما وُعظ به معاوية بن أبي سفيان"، وذكر فيه طائفة مما وُعظ به، وكذا ابن عربي الصوفي في محاضرة الأبرار (2/239)

يتبع .....

===============

رضي الله عنه يحبُّ العرب:
قال مجالد بن سعيد الكوفي: رحم الله معاوية، ما كان أشد حُبَّه للعرب.
رواه الطبراني (19/307-308 رقم 689) ومن طريقه ابن عساكر (59/199) بسند جيد إلى مجالد ، وقال الهيثمي في المجمع (9/358): رجاله ثقات إلى مجالد.

بعض ما رُوي من أقوال معاوية:

روى الطبري (5/335) بسند صحيح عن جويرية بن أسماء، قال: قال معاوية: "إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنبٌ أعظمَ من عَفوي، وجهلٌ أكثر من حِلمي، أو عورةٌ لا أواريها بسِتْري، أو إساءةٌ أكثر من إحساني".
قال: وقال معاوية: "زَيْنُ الشرفِ العَفافُ".
وانظر المجالسة للدينوري (3/164 رقم 801)

وروى الطبري (5/336) بسند صحيح عن جويرية بن أسماء، قال: وقال معاوية: ما مِن شيء ألذُّ عندي من غيظٍ أتجَرَّعُه.
ورواه البلاذري (4/37) وزاد: ..أرجو بذلك وجه الله.

وروى الدينوري (3/186) بسند صحيح عن ابن عيينة، وروى ابن الجوزي في ذم الهوى (ص25) من طريق عبد الله بن الصلت، قالا: سأل عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: ما المروءة؟ قال: ترك اللذة.
وهذا منقطع.

وروى الدينوري (5/288) عن المدائني، قال: نظر معاوية إلى ابنه وهو يضرب غلاما له، فقال له: أتفسد أدبك بأدبه؟ فلم يُرَ ضاربا غلاما له بعد ذلك.

وروى الطبري (5/336) بسند صحيح عن عبد الله بن صالح، قال: قال معاوية: العقلُ والحِلمُ أفضل ما أُعطي العبدُ، فإذا ذُكِّرَ ذَكَر، وإذا أُعطيَ شَكر، وإذا ابتُليَ صَبر، وإذا غضب كظم، وإذا قَدر غَفر، وإذا أساءَ استغفر، وإذا وعَد أنجز.

وروى الطبري (5/336) بسند صحيح عن علي المدائني، قال: قال معاوية لعبد الرحمن بن الحَكَم بن أبي العاص: يا ابن أخي، إنك قد لهجْتَ بالشعر، فإياكَ والتشبيبَ بالنساء، فتعُرَّ الشريفة، والهجاءَ؛ فتعُرَّ كريما، وتستثيرَ لئيما، والمدحَ؛ فإنه طُعمة الوَقاح، ولكن افتخرْ بمفاخر قومك، وقُل من الأمثال ما تزين به نفسَك، وتُؤدبَ به غيرَك.
ورواه المعافى بن زكريا في الجليس الصالح (3/147) من طريق عمر بن شبّة، عن أشياخه به نحوه.
(وانظر البلاذري4/22 و23 والجليس الصالح 3/147)

وروى أبوعلي القالي في الأمالي (1/194) بسنده إلى أبي عبيدة، قال: قال معاوية: "الفُرْصَةُ خُلسة، والحياءُ يمنعُ الرزق، والهيبةُ مقرونٌ بها الخَيبة، والكلمةُ من الحِكمة ضالَّةُ المؤمن".

وثمة حديث عن عبدالله بن بريدة عن معاوية في حبِّه لسماع الحديث الحسن من الناس، ولكن جاء في إحدى طرقه ما يوجب التنبيه:
فالحديث يرويه الحسين بن واقِد، ورواه عنه اثنان: ابنه علي، وزيد بن الحُباب.
فرواه أبوزرعة الدمشقي في تاريخه (2/677) ومن طريقه ابن عساكر (27/127) من طريق علي بن الحسين، عن أبيه، حدثني عبد الله بن بريدة، قال: "دخلت مع أبي على معاوية". انتهى.
وقال ابن أبي شيبة (11/94-95): حدثنا زيد بن الحُباب، عن حسين بن واقد، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، قال: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجْلَسَ أبي على السَّرير، وأَتَى بالطعام فأطْعَمنا، وأتَى بشرابٍ فشَرِبَ، فقال معاوية:"ما شيءٌ كنتُ أستَلِذَّهُ وأنا شابٌّ فآخُذُهُ اليومَ إلا اللَّبَنَ؛ فإني آخُذُه كما كنتُ آخُذُه قَبْلَ اليَومِ، والحديثَ الحَسَنَ".
ورواه أحمد عن زيد به، وجاءت عنده زيادة تفرد بها:
فقال أحمد (5/347) ومن طريقه ابن عساكر (27/127): ثنا زيد بن الحُباب، حدثني حسين بن واقد، حدثنا عبد الله بن بُريدةَ، قال: دخلتُ أنا وأبي على معاوية، فأجلَسَنا على الفُرُش، ثم أُتِينا بالطعام، فأكَلْنا، ثم أُتينا بالشَّرابِ، فشَرِبَ معاوية، ثم ناوَلَ أَبي.
ثم قال: "ما شَرِبْتُه منذُ حَرَّمَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم".
ثم قال معاوية: "كنتُ أجمَلَ شَبابِ قُرَيْشٍ؛ وأَجْوَدَهُ ثَغْراً، وما شَيْءٌ كنتُ أَجِدُ له لَذَّةً كما كنتُ أجدُه وأنا شابُّ غيرَ اللَّبَنِ، أو إنسانٌ حَسَنِ الحديثِ يُحَدِّثُني".
وسنده رجاله ثقات في الظاهر، إلا أنه بهذا السياق معلول، بل هو منكر.
إذ ليس بالإمكان أن يَتَفَرَّدَ راوٍ بحديثٍ مرفوعٍ من طبقة زيد بن الحُباب، ولو كان أوثق الناس، فضلا عمَّن بعد ذلك.
ولا سيما أنَّ ابنَ الحسين بن واقد لم يرو الحديث المرفوع، ولا رواه عن زيد: ابنُ أبي شيبة، وأغلب الظن أن زيد قد وهم فيه، وقد ذُكرت له أوهام، وكذا شيخه.
ومن الواضح أن سياق القصة هكذا ناقص، وهناك محذوفٌ اللهُ أعلم به، أما رواية ابن أبي شيبة فلا إشكال فيها.
ثم هذه الزيادة قد استنكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (5/42)

وقال ابن أبي الدنيا في إصلاح المال (124): حدثني محمد بن الحارث بن عبد الله عن شيخ من قريش قال: معاوية يقول: "إصلاحُ مالٍ في يَدَيك أفضلُ مِن طَلَب الفَضْلِ مِن أيدي الناس، وحُسن التدبير مع الكَفاف أحبُّ إليَّ من الكثير".

وقال أيضا (158): حدثني الحسن بن صالح حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي حدثنا سلام بن سليمان حدثنا عمرو بن عتبة قال قال معاوية: "آفة العلم النسيان و آفة العبادة الرياء و آفة النجابة الكبر وآفة اللب العجب وآفة الإصلاح الشح وآفة السماحة التبذير وآفة الجلد الفحش و آفة الحياء الذل و آفة الحب الضعف و آفة الظرف الإكثار".

وقال أيضا (284): حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي حدثنا مؤمل بن اسماعيل عن محمد بن حرب قال: دخل تاجر على معاوية فجعل يماكسه فقال التاجر لقد بلغني عنك غير هذا قال وما بلغك قال بلغني بؤسك وكرمك قال مه إنما ذلك عن ظهر يد فأما أربد عن عقلي فلا.

ورُوي عن معاوية أنه قال: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت قيل وكيف يا أمير المؤمنين قال كانوا إذا مدوها خليتها وإذا خلوها مددتها".
انظر غريب الحديث لابن قتيبة (2/413)

رأى معاوية يزيد ابنه يضرب غلاما له، فقال: "يا يزيد، سَوءةٌ لك! تضرب من لا يستطيع أن يمتنع؟ والله لقد منعَتْني القُدرةُ مِن ذوي الحِنات". رواه الخطابي في الغريب (2/529) من طريق الأصمعي.

يتبع ...
============

شجاعته وجهاده:

تقدم وصفُ ابنِ الزبير بأن الليث الحَرِبَ ليس بأجرَأَ من معاوية.
وقد شهد معاويةُ مع النبي صلى الله عليه وسلم حُنينا والطائف، وشهد غزوة تبوك، وهي العُسرة.
وفي أيام أبي بكر الصديق شهد حرب المرتدين في اليمامة.
ثم جمع أبوبكر أناسا ووجههم إلى الشام، وأمَّر عليهم معاوية، وأمرهم باللحاق بيزيد بن أبي سفيان، وهي أول مهمة قيادية يتولاها معاوية.
ثم صَحِبَ أخاهُ يَزيدَ أميرَ الشام في فُتوحها، وشهد اليرموك، وفتح دمشق تحت راية يزيد.

وفي عهد عمر بن الخطاب أرسل يزيدُ حملةً بإمرة أخيه معاوية إلى سواحل بلاد الشام فافتتحها.
وكان معاوية من الجيش الذي فتح بيت المقدس، ودخل المسجد مع عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع، وكان أحد أربعة شهدوا على العَهد العُمَري الشهير.
وفي سنة تسع عشرة زمن عمر كانَ معاويةُ قائدَ فتحِ قَيْسَارِيَّة، من المعارك الفاصلة مع الروم، وكان فيها بَطارِقَتُهم، وقد حاصرها معاوية حصارا شديدا (الأموال لأبي عبيد 279)، وأبلى فيها بلاء كبيرا، فروى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/381) بسند صحيح عن عبد الله بن العلاء، قال: ثَغَرَ المسلمون من حائط قيساريةِ فلسطين ثغرة؛ فتحاماها الناس، فكتب عمر إلى معاوية رضي الله عنهما بتوليه قتالها، فتناول اللواء وأنهض الناس وتبعوه، فركز لواءه في الثغرة؛ فقال: أنا ابن عنبسة. يريد الأسد.
وتولى معاوية إمارة دمشق في عهد عمر بعد وفاة يزيد في طاعون عَمَواس سنة 18، ثم تفرد بإمرة الشام آخر عهد عمر، وقام على ثغورها، وفتح عسقلان، وتتبع ما بقي من فلسطين.
وكان قد استأذن عمر في بناء قوة بحرية لمحاربة الروم فلم يأذن.

ثم توفي عمر وهو عن معاوية راض، فأقرّه عثمان بن عفان -رضي الله عنهم جميعا- على إمرة الشام كلها، وكان معاوية يغزو الروم، وكان على رأس صائفة، واستطاع أن يصل إلى عمّورية (موقع أنقرة اليوم)، ومعه عدد من الصحابة، منهم: عبادة بن الصامت، وأبوأيوب الأنصاري، وأبوذر الغفاري، وأبوالدرداء، وشداد بن أوس.
وأعاد معاوية طلب بناء قوة بحرية للمسلمين، فوافق عثمان، فبنى أسطولا، وغزا بنفسه جزيرة قبرص سنة خمس وعشرين (تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/184 وصححه ص186)، وجاء حديثٌ في فضل أوّل من يغزو البحر من الأمة كما تقدّم، وهو أمير تلك الغزوة، ومعه عدد من الصحابة، وقام بتحصين أسوار سواحل الشام عند ذهابه إلى قبرص، مثل عكا وصور، وأنشأ حصونا وشحنها بالجتد. (فتوح البلدان للبلاذري ص140 و152 و158)
ثم أعاد فتح قبرص سنة 33 عندما نقض أهلها العهد.
كما غزا معاوية بلاد الروم على رأس صائفة، فوصل إلى (حصن المرأة) قرب ثغر ملاطية.
وكان لمعاوية إسهام في دحر بقايا الروم في سواحل الشام، مثل طرابلس. (فتوح البلدان للبلاذري ص150)



يتبع ...
===============
الفتوحات بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه مظلوما.
قال سعيد بن عبد العزيز: لما قُتل عثمان واختلف الناس لم تكن للناس غازية ولا صائفة حتى اجتمعت الأمة على معاوية سنة أربعين، وسمّوها سنة الجماعة.
قال سعيد: فأغزا معاويةُ الصوائف وشتّاهم بأرض الروم؛ ست عشرة صائفة تصيفُ بها وتشتُو، ثم تَقفلُ وتدخلُ مُعَقِّبَتُها، ثم أغزاهم معاويةُ ابنَه يزيد في سنة ثنتين وخمسين في جماعة من أصحاب رسول الله في البر والبحر؛ حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينة على بابها، ثم قَفِل.
رواه أبوزرعة في تاريخه (1/188) ومن طريقه ابن عساكر (59/159) بسند رجاله ثقات أثبات.
ورواه ابن عساكر أيضا عن سعيد بزيادة: "فلم يزل معاوية على ذلك حتى مضى لسبيله، وكان آخر ما وصّاهم به أن شُدّوا خناق الروم، فإنكم تَضبِطون بذلك غيرَهم من الأمم".
ولم يقتصر الأمر على الغزو الهجومي، بل وزَّع معاوية الصُنّاع والجند على سواحل الشام، بعد أن كانت الصناعة في مصر فقط. (فتوح البلدان للبلاذري ص140 و150)

وروى أبوعبيد في كتاب الأموال (446) والبلاذري فتوح البلدان ص188) عن هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، وسعيد بن عبد العزيز: أن الرومَ صالَحتْ مُعاويةَ على أن يُؤدي إليهم مالاً، وارتهنَ مُعاوية منهم رهنا، فجعلهم ببَعلبك، ثم إن الرومَ غَدَرَتْ، فأبَى معاويةُ والمسلمون أن يستَحِلّوا قَتْلَ مَنْ في أيديهم مِن رَهنِهم، وخَلَّوْا سَبيلَهم، واستَفتحوا بذلك عليهم، وقالوا: وفاءٌ بغَدْرٍ خَيرٌ من غَدْرٍ بغَدْر.
قال هشام بن عمار: وهو قول العلماء الأوزاعي وغيره.
ورجالُه ثقات .

ثم عادت الفتوحات واتسعت أيام خلافة معاوية ، وأرسل لحصار القسطنطينية، وفي الحديث الصحيح: "أول جيشٍ يَغزون القسطنطينية مغفور لهم".
ثم جدد حصارها ولمدة أربع سنوات (من سنة 53 إلى 57).
وغزا جُزُرَ صقلية، ورودس، وجربا، كريت، وكثير من جزر بحر إيجة قرب القسطنطينية.
وأما في إفريقية، فقد جدد معاوية فتحها، ووصل إلى مكان تونس اليوم، كما فتح مناطق من فزّان، والسودان.
وفي عهده افتتح بعض المناطق في المشرق، مثل الرُّخّج وبعض سجستان، وقوهستان، وغزا أمراؤه بلاد السِّند، وجبال الغور، وبلاد اللان، واجتازوا النهر، وهم أول من اجتازه من جند المسلمين، ودخلوا بخارى، وسمرقند، وتِرْمِذ.


يتبع ...
===============
مسألة سب معاوية لعلي:
لم أجد حتى الآن خبرا واحدا صحيحا -بحسب البحث الأولي- يفيد أن معاوية كان يشتم عليا أو يأمر بذلك، فضلا عن لعنه على المنابر، ولكن لما رأيتُ ما يحتج به الرافضة ومن تأثّر بأقوالهم رأيتُ أن أقوى ما عندهم في ذلك حديث سعد بن أبي وقاص الوارد في صحيح مسلم (2404) وفيه: أمر معاوية سعدا، فقال: ما متنعك أن تسب أبا تراب؟
وهذا لا تصح نسبته إلى مسلم دون بيان أنه إنما أورده في الشواهد لا في الأصول، أي أنه لم يخرجه احتجاجا، فإنه على طريقته المعروفة –والتي نص عليها في مقدمة صحيحه- يقدِّم اللفظ الأصح، والمحفوظ في الرواية، ثم يتبعه بما هو دونه، وقد يُشير في ذلك لعلة في السياق المؤخر، ونص على مثل ذلك في كتاب التمييز له -وهو في العلل- ومن أمثلته ما نحن بصدده الآن.
فالإمام مسلم أورد أكثر من طريق للحديث، ليس فيها هذا اللفظ ولا حتى إشارة له، بل هذا اللفظ تفرد به راو مجهول، وهو ابن مسمار، وخالف بذلك جمعا من الرواة الثقات الذين لم يذكروا السب، فتكون روايته بذلك ضعيفة منكرة.
وعلى فرض أن اللفظ ثابت، فليس صريحا في السب، كما قال النووي في شرحه، ولو ثبت أنه في السب، فما حصل من الاقتتال بينهما أشد من السب!


ومما استدلوا به:
قال ابن ماجه (121): حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا أبومعاوية، قال: حدثنا موسى بن مسلم، عن ابن سابط، وهو عبد الرحمن، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قدم معاوية في بعض حجاته، فدخل عليه سعدٌ، فذكروا علياً، فنال منه. فغضب سعد، وقال: تقول هذا لرجلٍ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه"، وسمعته يقول: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"، وسمعته يقول: "لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله"؟
ورواه الحسن بن عرفة (كما في البداية والنهاية 11/50 هجر، وهو خارج جزئه) ومن طريقه ابن عساكر (42/116) ثنا محمد بن خازم أبومعاوية الضرير به.
ورواه ابن الأعرابي في معجمه (503) - ومن طريقه ابن عساكر (42/111) - نا محمد بن سليمان، نا أبومعاوية به مختصرا. ولفظه: عن سعد، قال: سممعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله". قال: فدفعها لعلي.
ورواه ابن أبي عاصم في السنة (2/610): ثنا أبوبكر وأبوالربيع، قال: ثنا أبومعاوية به، إلا أن ابن سابط أرسله، فقال: قدم معاوية في بعض حجاته، فأتاه سعد.
قلت: وهو بهذا السياق منكر شديد الضعف فيه علل:
1) أبومعاوية ليس بحجة في غير الأعمش، كما نص أحمد وابن معين وأبوداود وابن خراش وابن نمير وعثمان بن أبي شيبة.
نعم، توبع أبومعاوية عند النسائي في الخصائص (12): أخبرنا حرمي بن يونس، قال: حدثنا أبوغسان، قال: حدثنا عبد السلام، عن موسى به.
ورواه أبوالقاسم المطرز ومن طريقه ابن عساكر (42/115) نا إسماعيل بن موسى، نا عبد السلام بن حرب، عن موسى به.
وعبد السلام وإن كان ثقة فقد تكلم فيه غير واحد، وله مناكير، ورُمي بالتدليس، ولم يذكر سماعا من شيخه، فلا تثبت المتابعة.
ولفظ النسائي: "كنت جالسا فتنقصوا عليا"، ولفظ المطرز: "كنت جالسا عند فلان فذكروا عليا فتنقصوه".
2) وعبد الرحمن بن سابط كثير الإرسال، ونص ابن معين أن روايته عن سعد مرسلة.
3) ومن أدلة نكارته أن في متنه مخالفة لرواية مسلم (4/1871 رقم 2404) من طريق عامر بن سعد عن أبيه، حيث عدَّ الثلاثة: أنت مني بمنزله هارون من موسى، وإعطائه راية خيبر، والثالثة قوله في المباهلة لعلي وفاطمة والحسن والحسين: "اللهم هؤلاء أهلي".
فجعلت رواية ابن سابط بدل الأخيرة: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، وهي لا تصح من حديث سعد، إنما رُويت من حديث مسلم الملائي، عن خيثمة بن عبد الرحمن، قال سمعت سعد بن مالك، وقال له رجل: إن عليا يقع فيك أنك تخلَّفتَ عنه.. والحديث رواه الحاكم (3/116) وابن عساكر (42/118)، فذكر أن عليا أُعطي ثلاثا.
والملائي واه، وهو علَّتُه، ولعل أبا معاوية أو ابن سابط تلقَّى هذا الحرف من رواية الملائي.
ورواه ابن عساكر (42/119 وانظر تهذيب الكمال 5/278 وخصائص علي 60) من طريق أخرى تالفة عن سعد بمعناه. 
وههنا نكتة، وهي أن الطعن لما نُسب إلى معاوية تشبث القوم به وطاروا، فلما نُسب إلى غيره ما عرَّجوا عليه! وكلاهما لا يثبت على أية حال.
5) ومع ضعف الحديث فلم يصرِّح أي مصدر بأن السابُّ هو معاوية إلا ما وقع عند ابن ماجة، ولكن وقع التصريح في غيره أن السابَّ غيره.


قال محمد بن عبد الحكم من متقدمي الفقهاء المالكية: من سب أبا بكر وعمر أو واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يُصَلَّى خلفه، ومن صلى خلفه أعاد أبدا. (اختلاف أقوال مالك وأصحابه لابن عبد البر 1/113)


وروى أبونعيم في الحلية (8/15) عن شريك قال: سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية فبكى، فندمتُ على سؤالي إياه، فرفع رأسه، وقال: إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره.


قال البيهقي في الشعب (4/146 السلفية) بعد أن سرد الآيات والأحاديث الموجبة لحب الصحابة جميعا، وأن ذلك من الإيمان: "وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان، فحُبُّهم أن يَعتقد فضائلهم، ويَعترف لهم بها، ويَعرف لكل ذي حق منهم حقه، ولكل ذي غناء في الإسلام منهم غناؤه، ولكل ذي منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلته، ويَنشر محاسنهم، ويدعي بالخير لهم، ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم، ولا يتبع زلاتهم وهفواتهم، ولا يتعمد تهجين أحد منهم ببث ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم، وبالله التوفيق".


روى البيهقي في الشعب (6/201 رقم 2672 و2673 السلفية) من طريقين عن ذي النون بن إبراهيم الزاهد، قال: ثلاثةٌ من أعلام السُّنَّة: المسحُ على الخُفَّين، والمحافظةُ على صلوات الجُمَع، وحبُّ السَّلَف.


قال الخرائطي في اعتلال القلوب (63/1) نا عمر بن شبة، نا خلاد بن كثير بن قتيبة بن مسلم، قال: حدثني علي بن محمد بن عبدالله بن يوسف، قال أنس بن مالك لعائشة بنت طلحة: والله ما رأيت أحسن منك إلا معاوية على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله لأنا أحسن من النار في عين المقرور في الليلة القارة.


قال عبدالله بن أيوب المُخَرَّمي في آخر جزئه (رقم 43): إذا كان حديثٌ لأهل البدع فيه فرَحٌ فلا يسَّر الله لمن يُحَدِّث ولا آجَر. أُراه قال: من سمع.


شعبة، سمعت حبيب التميمي يقول: إن معاوية سأل رجلا من عبد القيس: ما تعدون المروءة فيكم؟ قال: الحِرفة والعفة. (ستة مجالس من أمالي أبي يعلى 84)
وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية. وقال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله e بسوء فاتهمه على الاسلام. (الصارم المسلول 3/1058 وأوله عند الخلال 2/432 بسند صحيح)


قال الذهبي ضمن كلام نفيس: "فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك [يعني ما شجر بين الصحابة] فلا نعرج عليه ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب الروافض رواية الأباطيل، أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ومتى إفاقة من به سكران"؟ قبله كلام مهم عن الكف عن ذكر شجار الصحابة ووجوب كتمانه وطيّه. السير 10/92-93


ولما تكلم الموفق ابن قدامة في لمعة الاعتقاد عن الصحابة إجمالا ختم بقوله: "ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين رضي الله عنهم". فعلّق الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: إنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه. (شرح اللمعة ص107 الطبعة الأولى)


قال حرب الكرماني في المسائل (ص439): سألتُ أبا ثور، قلت: كيف تقول في أصحاب النبي عليه السلام؟ قال: خير هذه الأمة بعد النبي أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم الخمسة، وهم علي وطلحة والزبير ويعد وعبدالرحمن، ورحم الله أبا عبدالرحمن. يعني معاوية.
=============

أول ملوك الإسلام، وما في ملكه من الرحمة

قيّم الخليفة معاوية بن أبي سفيان من خلال أعماله ومساهمته للدولة الإسلامية (الجوانب الإيجابية والسلبية).

الفتوى : 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فالكلام في أعمال ومآثر الصاحبي الجليل معاوية بن أبي سفيان يطول ويتشعب، ولكننا نجيبك إجابة مختصرة نافعه فنقول: معاوية بن أبي سفيان من الذين أسلموا عام الفتح مثل سهيل بن عمرو وعكرمه بن أبي جهل والحارث بن هشام وغيرهم، وهؤلاء سموا الطلقاء.
وقد روي أن معاوية أسلم قبل الفتح، ولكن المتفق عليه أنه أسلم عام الفتح، وكان معاوية من أحسن الناس إسلاماً، وأحمدهم سيرة، لم يتهمه النبي صلى الله عليه وسلم بسوء ولم يتهمه أحد من أهل العلم بنفاق كما اتهم غيره، بل ظهر منه من حسن الإسلام وطاعة الله ورسوله، وحب الله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، وحفظ حدود الله ما دل على حسن إيمانه الباطن.
وقد شهد معاوية غزوة حنين ودخل في قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:26].
وهو داخل في قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد:10].
فقد وعدهم الله بالحسنى، فإنه أنفق بحنين والطائف وقاتل فيهما.
وهو أيضاً داخل في قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100].
فجهاد معاوية مع النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بالتواتر، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي وما اتهمه في كتابة الوحي، وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال، ولو كان ممن يتهم ما ولاه. هذا وقد اتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك كان ملكه ملكاً ورحمة؛ كما جاء في الحديث: يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض.
وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيراً من ملك غيره. انتهى من كلام ابن تيمية.
والله أعلم. 


المصدر 
اسلام ويب


=============
فضائله 

(1) كان أحد الكتاب لرسول الله ، وقيل إنه كان يكتب الوحي، وفي هذه المسألة خلاف بين المؤرخين، وكان يكتب رسائل النبي لرؤساء القبائل العربية.

(2) شهد مع رسول الله حنيناً، وأعطاه مائة من الإبل، وأربعين أوقية من ذهب وزنها له بلال رضي الله عنه.

(3) شهد اليمامة، ونقل بعض المؤرخين أن معاوية ممن ساهم في قتل مسيلمة الكذاب.

(4) صحب رسول الله وروى عنه أحاديث كثيرة؛ في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد.

(5) روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين.

ثناء الصحابة والتابعين عليه قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعد رجوعه من صفين: (لا تَكرهوا إمارة معاوية، والله لئن فقدتموه لكأني أنظرُ إلى الروؤس تندرُ عن كواهلها).

وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (ما رأيت أحداً بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب ـ يعني معاوية-).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما رأيت رجلاً أخلق للملك من معاوية، لم يكن بالضيّق الحصر).

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: (علمت بما كان معاوية يغلب الناس، كان إذا طاروا وقع، وإذا وقعوا طار).

وعنه قال: (ما رأيت بعد رسول الله أسود من معاوية) أي: من السيادة، قيل: ولا أبو بكر وعمر؟ فقال: (كان أبو بكر وعمر خيراً منه، وما رأيت بعد رسول الله أسود من معاوية).

قال كعب بن مالك رضي الله عنه: (لن يملك أحدٌ هذه الأمة ما ملك معاوية).

وعن قبيصة بن جابر قال: (صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أثقل حلماً، ولا أبطل جهلاً، ولا أبعد أناةً منه).

عن أبي إسحاق قال: (كان معاوية، وما رأينا بعده مثله).

حكم سب الصحابة 

ينبغي لكل مسلم أن يعلم أنه لا يجوز له بحال من الأحوال لعن أحد من الصحابة، أو سبّه، ذلك أنهم أصحاب رسول الله، وهم نَقَلة هذا الدين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً، ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » [متفق عليه].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الناس قرني، ثم الذي يلونهم، ثم الذي يلونهم » [رواه البخاري ومسلم].

فهم رضوان الله عليهم خيرٌ من الحواريين أصحاب عيسى، وخير من النقباء أصحاب موسى، وخير من الذين آمنوا مع هود ونوح وغيرهم، ولا يوجد في أتباع الأنبياء من هو أفضل من الصحابة، ودليل ذلك الحديث الآنف الذكر (انظر فتاوى ابن عثيمين رحمه الله).

سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن من يلعن معاوية، فماذا يَجِبُ عليه؟

فأجاب: (الحمد لله، مَن لعن أحداً من أصحاب النبي كمعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص ونحوهما؛ ومن هو أفضل من هؤلاء: كأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة ونحوهما، أو من هو أفضل من هؤلاء: كطلحة والزبير، وعثمان وعلي بن أبي طالب، أو أبي بكر الصديق وعمر، أو عائشة أم المؤمنين، وغير هؤلاء من أصحاب النبي فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين، وتنازع العلماء: هل يعاقب بالقتل، أم ما دون القتل؟ كما بسطنا ذلك في غير هذا الموقع ) [مجموع الفتاوى:35].

ولماذا يُصرّ البعض على الخوض فيما وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما من خلاف، على الرغم من أن كثيراً من العلماء إن لم يكن جُلُّهم؛ ينصحون بعدم التعرض لهذه الفتنة، فقد تأول كل منهم واجتهد، ولم يكن هدفهم الحظوظ النفسية أو الدنيوية، بل كان هدفهم قيادة هذه الأمة إلى بر الأمان، كلٌ وفق اجتهاده ـوهذا ما أقرّه العلماء-.

فمعاوية يعترف بأفضلية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنه خير منه، أورد ابن عساكر رحمه الله تعالى في كتابه تاريخ دمشق ما نصّه: (جاء أبو موسى الخولاني وأناس معه إلى معاوية فقالوا له: أنت تنازع عليّاً أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله! إني لأعلم أن علياً أفضل مني، وإنه لأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً وأنا ابن عمه؟ وإنما أطلب بدم عثمان؛ فأتوه فقولوا له، فليدفع إليّ قتلة عثمان، وأُسلم له).

وإن من العقل والروية؛ أن يُعرِض المسلم عن هذا الخلاف، وأن لا يتطرق له بحال من الأحوال، ومن سمع شيئاً مما وقع بينهم فما عليه إلا الاقتداء بالإمام أحمد حينما جاءه ذلك السائل يسأله عما جرى بين علي ومعاوية، فأعرض الإمام عنه، فقيل له: يا أبا عبدالله! هو رجل من بني هاشم، فأقبل عليه فقال: (اقرأ: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [البقرة:134] )، هذا هو الجواب نحو هذه الفتنة؛ لا أن يتصدر بها المجالس، ويخطأ هذا، ويصوّب ذاك!

فمعاوية صحابيٌ جليل، لا تجوز الوقيعة فيه، فقد كان مُجتهداً، وينبغي للمسلم عند ذكره أن يبيّن فضائله ومناقبه، لا أن يقع فيه، فابن عباس عاصر الأحداث الدائرة بين علي ومعاوية، وهو أجدر بالحكم في هذا الأمر؛ وعلى الرغم من هذا؛ إلا أنه حين ذُكر معاوية عنده قال: (تِلادُ ابن هند، ما أكرم حسبه، وأكرم مقدرته، والله ما شتمنا على منبرٍ قط، ولا بالأرض، ضناً منه بأحسابنا وحسبه).

كان معاوية من المشاركين في معركة اليرموك الشهيرة، وأورد الطبري رحمه الله تعالى أن معاوية كان من الموقعين على وثيقة استلام مدينة القدس بعد معركة اليرموك، والتي توّجها الخليفة عمر بحضوره إلى فلسطين، وكان معاوية والياً على الشام ذلك الوقت. عن الإمام أحمد قال: (إذا رأيت الرجل يذكر واحداً من أصحاب محمد بسوء؛ فاتهمه على الإسلام).

وقيل لابن المبارك: ما نقول في معاوية؟ هل هو عندك أفضل أم عمر بن عبدالعزيز؟ فقال: (لتُرابٌ في مِنْخَري معاوية مع رسول الله خيرٌ -أو أفضل- من عمر بن عبدالعزيز).

فعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه؛ مع جلال قدره، وعلمه، وزهده، وعدله، لا يقاس بمعاوية؛ لأن هذا صحابي، وذاك تابعي!

ولقد سأل رجل المعافى بن عمران رحمه الله تعالى قائلاً: يا أبا مسعود! أين عمر بن عبدالعزيز من معاوية؟ فغضب وقال: ( يومٌ من معاوية أفضل من عمر بن عبدالعزيز عُمُره )، ثم التفت إليه فقال: (تجعل رجلاً من أصحاب محمد مثل رجل من التابعين).

قال الإمام الذهبي رحمه الله: (حسبك بمن يُؤمّر عمر، ثم عثمان على إقليم ـوهو ثغرـ فيضبطه، ويقوم به أتمّ قيام، ويرضى الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم قد تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك).

قال المدائني: (كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب).

ولعل مما تجدر الإشارة إليه في ثنايا هذه الأسطر، أن يُبين كثيراً مما قيل ضدّ معاوية لا حقيقة له، ولعله من دسّ الرافضة؛ الذين يحملون عليه، لا بسبب إلا لامتناعه التسليم لعليّ رضي الله عنه.

ولولا فضل معاوية ومكانته عند الصحابة لما استعمله أمير المؤمنين عمر خلفاً لأخيه يزيد بعد موته بالشام، فكان في الشام خليفة عشرون سنة، وملكاً عشرون سنة، وكان سلطانه قوي، فقد ورد على لسان ابن عباس أنه قال: (ما رأيت بعد رسول الله أسْوَدَ من معاوية)، قيل له: ولا أبو بكر وعمر؟ فقال: (كان أبو بكر وعمر خيراً منه، وما رأيت بعد رسول الله أسود من معاوية) أي في السيادة.

ثم إن معظم من ذكر معاوية -إما بسوء كالرافضة، أو الغلاة الذين ينابذونهم- قد طغوا في ذمّهم إياه، أو مديحهم له بشكل غير مقبول البتة.

قال ابن الجوزي في كتابه الموضوعات: (قد تعصّب قوم ممن يدّعي السنة، فوضعوا في فضل معاوية أحاديث ليغيظوا الرافضة، وتعصب قوم من الرافضة فوضعوا في ذمّه أحاديث، وكلا الفريقين على الخطأ القبيح).

وما أجمل أن نختم هذه الأسطر بقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ولهذا كان من مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم .

وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفوراً. فالخوض فيما شجر يُوقع في نفوس كثير من الناس بُغضاً وذماً، ويكون هو في ذلك مخطئاً، بل عاصياً، فيضر نفسه ومن خاض معه في ذلك، كما جرى لأكثر من تكلم في ذلك؛ فإنهم تكلموا بكلام لا يحبه الله ولا رسوله: إما من ذمّ من لا يستحق الذم، وإما من مدح أمور لا تستحق المدح).

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.





طريق الإسلام

=============


طبيعي أن ينزعج البعض من هذا الموضوع وخاصة إذا كان عن معاوية بن أبي سفيان ويزيد ..... ولم يدعي أحد بأن تاريخ الدولة الأموية كان ناصعا على الدوام .... وسيدي العزيز المآسي والفواجع التي حدثت أيام الدولة الأموية أسبابها كانت الفتنة الكبرى ومقتل عثمان ومسألة الإقتصاص من قتلته وموقعة الجمل وموقعة صفين والتحكيم والنهروان ... لا يمكننا أن نقول بأن السبب فقط معاوية ... الكل أشترك في تلك الفترة في الفتنة الكبرى وقتل أفضل الصحابة رضوان الله عليهم في تلك الفتنة ... وإذا كان أصحاب الرسول لم يسلموا من الإختلاف فيما بينهم فكيف بالآخرين والذين أتوا من بعدهم ... هذا تاريخ يجب أن نقرأه بتمعن ولا بأس أن نختلف ولكن لا يجب أن نستثني أحدا بل يجب أن نتكلم بجرأة وشفافية عن الموضوع وأن نعترف بأنهم كانوا بشرا غير معصومين أصابوا وأخطأوا ويجب أن نعترف بأن المذاهب والطوائف إنما أصلها سياسي وليس ديني والخلاف كان صراعا على الحكم لا غير ... لأنه لم يردنا شيء بأن الخلاف بين الصحابة كان خلافا دينيا وعقديا ..

================


ما حصل أيام معاوية وإبنه يزيد نتاج الفتنة الكبرى والذي أدى إلى مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه وما نتج عنه بعد ذلك حيث طالب بعض كبار الصحابة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن يقتص من قتلة عثمان ولكن عليا رأى أن الوقت غير مناسب لذلك وطلب مهلة حتى تهدأ الأمور .. وهذا الأمر لم يرضي كبار الصحابة ومنهم الزبير بن العوام قريب علي بن أبي طالب وطلحة وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ووقعت معركة الجمل ونتج عنها مقتل الزبير الصحابي الجليل وأحد المبشرين بالجنة وكذلك الصحابي الجليل طلحة وقتل عشرات الصحابة في هذه الموقعة المؤلمة حيث لأول مرة يوجه المسلمون سيوفهم ضد بعضهم البعض وسفكت الدماء الطاهرة على تخوم العراق وأنتصر علي بن أبي طالب في هذه المعركة ... وأعاد أم المؤمنين إلى المدينة المنورة ولكن الفتنة أستمرت حتى مقتل علي بن أبي طالب ... وآلت الأمور في النهاية لمعاوية بن أبي سفيان وهو أيضا صحابي وأبوه سيد من سادات القريش ولا ينازعه في هذا أحد فهو إبن أبو سفيان وهو ينتسب لأشرف بيوتات قريش وكانت لهم السيادة والريادة في مكة .. ومن بعده أستمر الصراع بين إبنه يزيد والحسين بن علي بن أبي طالب حيث أدى ذلك الصراع المستميت على الحكم لمقتل الحسين الذي كان هو الآخر يطمح للحكم والخلافة ... في مأساة سميت بفاجعة كربلاء ... وتلك الفتنة الكبرى أدت إلى تمزق العرب وتمزق الأمة الإسلامية إلى فرق ومذاهب وأحزاب متناحرة إلى يومنا هذا ... وفي الأصل المسألة كانت صراعا على الحكم ولم يكن للدين علاقة في الأمر وكل طائفة وفريق في الصراع لكي يقتع الناس كان يسوق الأدلة الدينية والأحاديث النبوية الشريفة ويجند جيشا من الوعاظ والعلماء لتغليب حجته على الآخرين حتى تحولت تلك المجادلات إلى إتجاهات حيث أصبحت مذاهب كل مذهب يصر على أنه على صواب والبقية على خطأ وللأسف العلماء ورؤوس الأمة دائما يتورطون في هذا الأمر ولم نجد يوما عالما وفقيها نادى وصرخ في وجه الجميع أن الجميع على صواب والجميع على خطأ في نفس الوقت ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق