الجمعة، 8 مايو 2015

عيوب الجيوش العربية



مدخل: هنا نحاول القاء الضوء على جانب هام مؤثر وحاسم في التاريخ العربي الحديث وهو الأداء العسكري السيء للجيوش العربية طوال الخمسين سنة الفائتة, عبر استعراض الجوانب العسكرية والتبريرات التي أعطيت لهزائم الجيوش العربية, وإلى أي مدى كانت مقولات مسؤولية القيادات العليا او عدم التوازن التكنولوجي او جبن الجنود العرب وغيرها, عن مسؤولية هذه الهزائم ومحاولة الوصول إلى نقطة الخلل المفصلية في ضعف الأداء العسكري العربي عبر استعراض جوانب عسكرية بحتة من خلال دراسة قام بها المؤلف والخبير العسكري الامريكي كينيث بولاك Kennteh Pollcak لتاريخ ستة جيوش عربية في كتابه العرب في الحرب: الفعالية العسكرية 1948-1991 Arabs at War: Military Effectivness 1948-1991 الذي صدر قبل فترة قصيرة من الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق, ومن ثم طرح بعض الأسئلة ذات البعد السياسي والثقافي والاجتماعي المؤثرة في الضعف العسكري للجيوش العربية وربما محاولة ايجاد تساؤلات ذات رابط بالآراء والمناقشات الاجتماعية والثقافية والسياسية المطروحة أيضاً على صفحات ايلاف في الفترة الماضية.



لماذا يُهزم العرب مرة تلو أخرى؟
يحاول هذا الكتاب للمؤلف الامريكي كينيث بولاك تقديم حل للغز عويص استعصى على العرب طوال النصف الثاني من القرن العشرين حلّه وهو سر الأداء العسكري المتواضع للجيوش العربية طوال فترة 1948-1991, وهو أداء مخيب للآمال في معظم مراحله وخاصة ان المؤسسات العسكرية العربية جربت حلولاً كثيرة ودأب المحللون على تشخيص مشاكل بعينها ظناً منهم انها هي المفتاح الى حل هذا المشكلة الحيوية ذات النتائج الحاسمة والمصيرية في التاريخ العربي. وقد تراوحت التشخيصات لمشلكة الجيوش العربية بين عدم التوازن التكنولوجي في المعدات وابتعاد الاحتراف عن معايير اختيار الضباط على اساس الكفاءة وتغليب الولاء السياسي وتركيز اعمال القوات العسكرية على جوانب الأمن الداخلي على حساب الاستعداد الخارجي, او انعدام استراتيجيات كفؤة وعملية للدخول للمعركة وبالتالي إلقاء اللوم على القادة السياسيين والقادة العسكريين الكبار, او انعدام وسوء التموين مما يترك الوحدات العسكرية العربية بدون احتياجاتها الضرورية للقتال, في حين اتجهت بعض اصابع الاتهام غير العربية الى اتهام الجندي العربي بالجبن او عدم الانضباط او انعادم تماسك الوحدات, وغيرها كثير من التفاسير التي يجد فيها كل محلل أو مؤرخ مفتاح حلّ المشكلة.
في هذا الكتاب يحاول كينيث بولاك الوصول الى هذا الحلّ الذي كان العامل الرئيسي في الأداء العسكري الضعيف للجيوش العربية عبر استعراض تاريخ ستة جيوش عربية ذات تجارب مختلفة ومتباينة فيما بينها في شتى المعايير سواءاً على صعيد المستوى القتالي للخصوم الذين واجهتهم هذه الجيوش العربي او النظام السياسي الموجود في البلد او درجة الاحتراف في سلاح الضباط او القدرة التكنولوجية والقدرة على التزود او عدم التزود بآخر انظمة السلاح الحديث او الامكانات التموينية، وكل ذلك يتم دراسته طوال الفترات والحروب المختلفة التي مرت بها هذه الجيوش منذ 1948 حتى حرب 1991 والمناورات والتجارب التي مرت بها هذه الجيوش في السنوات العدة التالية.
وقد تمت دراسة ستة جيوش هي الجيوش المصرية، العراقية، السورية، الأردنية، الليبية والسعودية ودراسة تجاربها المختلفة في الفترات المختلفة وكيفية حل المشاكل الموجودة من قبل كل جيش وذلك للوصول الى القاسم المشترك في ضعف العمليات القتالية لهذه الجيوش العربية والوصول الى أي من العوامل التي طرحها المؤرخون العسكريون تنتمي الى ميدان الحقيقة واي منها ينتمي الى ميدان الأساطير، وتبيان ليس فقط نقاط الضعف بل نقاط القوة في هذه الجيوش.
ولا شك أنه في ظل الحرب التي شُنت على العراق واستمرار مزيد من الدول العربية في محاولة التزود بأسلحة متطورة والترقب لحروب محتملة قادمة فلا شكّ أن هذا الكتاب يلقي بكثير من الضوء الذي بالتأكيد سيكون عاملاً مهماً ومساعداً في استيعاب دروس الاخفاقات السابقة ورفع الغشاوة عن بعض الاوهام في التاريخ العسكري العربي كيما يتم تجنّب نقاط الضعف الكارثية تلك في الحرب القادمة او على الأقل تقديم أداء عسكري أفضل يؤدي الى هزيمة "مشرفة" بدلاً من أن تكون ماحقة كما كان الحال في 1967 و1991 و2003. وربما كان من الأفضل ان اقدم هذا العرض بتقديم للنقاط التي اعتبرها المؤلف ايجابية في عدد من الجيوش العربية وازالة بعض اللغط عن نقاط اخرى قبل الدخول في لبّ المشكلة وهو أين الخطأ في الأداء العسكري العربي.



شجاعة أم جبن؟ تماسك أم تفكك؟
يخلص الكاتب الى استنتاج يقيني إلى ان الاتهامات للجندي العربي بالجبن ما هي إلا أسطورة غير مبنية على أية حقائق، ورغم الاعتراف بأن حالات من الجبن او التخاذل ظهرت في جيوش عربية مختلفة في حروب مختلفة إلا أن مثل هكذا حالات وُجدت دائماً في كل الجيوش ومختلف الحروب حتى عند الجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية الذي كان معروفاً بشجاعة عالية. وبالتالي فالقاعدة الغالبة على الجندي العربي حتى بشهادة الأعداء وأبرزهم العسكريون الإسرائيليون هي الشجاعة التي كانت تصل أحياناً الى درجة الشجاعة المتهورة بل والانتحارية. إذ دافع المصريون عن تحصيناتهم على الخط الأمامي في 1956 و1967 وكان يتعين التعامل معهم وقتلهم في بعض الأحيان واحداً واحداً، كما أنه في أثناء حرب الاستنزاف وفي أعقاب الخسائر الكبيرة للطيران المصري تقرر تعليق الطلعات الجوية فنظم الطيارون إضراباً احتجاجاً على منعهم من القتال رغم الخسائر العالية في صفوفهم, وكذلك في المعارك الشرسة حول ما سمي بالمزرعة الصينية في حرب 1973 وما سبقها من العبور وصد الهجمات المدرعة الاسرائيلية.

كما شهد الإسرائيليون للعراقيين في حرب 1973 بعنادهم وإصرارهم على الهجوم على المواقع الاسرائيلية مرة تلو أخرى رغم النيران الاسرائيلية القاتلة، وكذا الحال في معارك الحرب العراقية الايرانية وخصوصاً عند الدفاع داخل الأرض العراقية، بل إن المؤلف يرى في حرب الخليج 1991 أن ما يلفت النظر هو ليس تسرب او استسلام مئات الآلاف من الجنود العراقيين اذ رأى فيه أمراً طبيعياً بل إن الملفت للنظر هو أنه بعد اكثر من اربعين يوماً من القصف الجوي وانقطاع خطوط الامداد ونقص التموين وتفوق العدو تكنولوجياً وعدة وعدداً في بعض الأحيان ورغم عدم الايمان عند الغالبية بقضية المعركة أقول رغم كل ذلك فإن ما يلفت النظر هو أنه حوالي بين المئة الى مئتين الف قرروا اتباع الأوامر والقتال وبعضهم بشراسة وضرب مثلاً المعركة التي خاضتها بشراسة (وإن كان بدون فعالية) فرقة توكلنا وبقايا الفرقة 12 المدرعة ضد الفيلق السابع الامريكي المتفوق بالاعداد والتكنولوجيا، حيث كان عدد الأسرى فيها قليلاً، وكانوا بعد تدمير دباباتهم وعرباتهم المدرعة يهاجمون بأسلحتهم الخفيفة على أقدامهم.
وكذلك الأمر ينطبق على الليبيين عند الدفاع في مواجهة القوات التشادية والسعوديين اثناء الفترة القصيرة التي شاركت بها في حرب الخليج في الهجوم على الخفجي (وقد فاجؤوا بذلك المراقبين الغربيين الذين توقعوا منهم أن يهربوا من أول اشتباك) ونفس الأمر ينطبق على الأردنيين سواءاً في حرب 1948 او في المعارك التي دارت في 1967 وبالذات في مدينة القدس حيث وقعت خسائر كبيرة للاسرائيليين في قتال الشوارع الذي دار فيها او في التصدي للهجوم الاسرائيلي اثناء معركة الكرامة.

ولكن المؤلف يفرد السوريين بمديح خاص فيما يتعلق بشجاعة جنودهم إذ قاوم كثير من الجنود السوريين في مواقع دفاعية على الجولان في 1967 حتى آخر رجل حتى بعد ان يتم عزلهم وحصارهم وكان على الاسرائيليين ان يجتثوهم واحداً واحداً وحتى في بعض الحالات التي حاول فيها الضباط الفرار قام الجنود بقتل ضباطهم والبقاء في مواقعهم للقتال. وفي حرب لبنان 1982 شهد الاسرائيليون نفس العناد والتصميم خاصة عند وحدات القوات الخاصة السورية التي كلفت بلعب دور حرس المؤخرة لحماية انسحاب القطعات السورية وقاتل كثير منها حتى آخر جندي، فقط من أجل ضمان عدم تطويق الجيش السوري في لبنان وبالتالي لعبوا دوراً رئيسياً في انقاذ الجيش من التدمير (وربما بالتالي أنقذت شجاعة القوات الخاصة الدور السياسي لسوريا في لبنان مع ما رافق ذلك من تبعات سياسية اقليمية) كما كان للطيران السوري في نفس تلك الحرب شجاعة لا تقل نظيراً عن القوات البرية وهو أمر شهد به الطيارون الاسرائيليون أنفسهم اذ رغم تكبد الطيران السوري خسائر هائلة في الطائرات بلغت 86 طائرة فإن الطيارين السوريين كانوا يستمرون في دخول المعركة رغم معرفتهم بأنه سيتم اسقاطهم وكان أداؤهم أشبه بالهجوم الانتحاري وكل ذلك كي يمنعوا انفراد الطيران الاسرائيلي بالقوة البرية السورية وبالتالي عزل العامل الجوي الاسرائيلي من المعركة على الأرض.

إذن فاستنتاج المؤلف يذهب إلى أن القاعدة العامة كانت الشجاعة في الجنود العرب وكان الجبن هو الاستثناء, وكذا الأمر فيما يتعلق بتماسك الوحدات إذ يرفض بعد الأبحاث التي أجراها تهمة أن الوحدات العسكرية العربية سرعان ما تتفكك عند اصطدامها بالعدو وكان استنتاجه أن القاعدة العامة أن الوحدات العسكرية العربية يغلب عليها التماسك حتى في ظروف عصيبة وتدميرية بل وكارثية كما هو الحال في معظم الوحدات السورية في 1982 وكثير من الوحدات العراقية في الحرب مع ايران او حرب 1991 او الاردنية في الحروب المختلفة مع اسرائيل وبقية الجيوش العربية كذلك. والحالات الاستثنائية حيث حصل تفكك للوحدات وانهيار فيها كان ذلك ليس عند بدء المعركة وأثناءها بل بعد أن حُسمت المعركة وعُزلت هذه الوحدات او اصبح طرق الانسحاب منغلقاً كما هو الحال مع بعض الوحدات العراقية في 1991 او وحدات مصرية وسورية واردنية في 1967 رغم ان هذه الصفة كانت استثناءاً وليست قاعدة.



معجزات لوجستية؟
اذا كانت الشجاعة من نقاط القوة في الجيوش العربية فإن المسائل اللوجستية المتعلقة بالتموين والنقل كانت بشكل عام من النقاط الايجابية أيضاً في الجيوش العربية. فالجيوش العربية بالشكل الأعم كان يتم تموينها بشكل جيد وان ظهر خلل أحياناً في فترة أو أخرى ولكن القاعدة العامة هي أن هذه الجيوش لم تعان من أزمة فقر في الوقود أو الذخيرة او قطع الغيار او في عملية نقل القوات أثناء المعركة. وحيثما حصل فقدان حاد للمؤن كما كان الحال بشكل بارز وجلي مع الجيش العراقي في 1991 فالخلل بالدرجة الاولى لم يكن بسبب سلاح التموين والنقل بل في عدم قدرة الوحدات القتالية العراقية وسلاحه الجوي والدفاع الجوي على تأمين حماية للطرق ولقوافل الامداد. والمؤلف يخصص الجانب اللوجستي في كل من الجيوش العراقية والمصرية والليبية بثناء خاص, بسبب مرونتها واستجابتها السريعة للتغيرات في المعركة والحاجات المتجددة للجيش وبسبب قدرتها على أداء وظيفتها بالشكل الممتاز وصل في كثير من المراحل الى تحقيق ما سمّاه المؤلف "معجزات لوجستية" في ظل ظروف بالغة الصعوبة جعلت الجانب اللوجستي في هذه الجيوش الثلاثة ترتقي الى مستويات ممتازة عالمياً.
فالجيش العراقي لم يعان من مشاكل في التموين اثناء حملة 1948 في فلسطين حيث تم تموينه عراقياً دون اعتماده على المصادر الاردنية, وكذلك الحال في الأداء الممتاز في 1973 حيث فوجئ العراق باندلاع الحرب وقام بسرعة بنقل سريع لعدة فرق على مسافة بعيدة باتجاه الجولان دون وجود مجال للاستعداد بشكل مناسب ورغم ذلك تمكن من تحقيق ذلك ومن الإستمرار بدون مشاكل بتزويد قواته باحتياجاتها دون الاضطرار الى الاعتماد على الموارد السورية, كما كان العراقيون قد بذلوا جهود ممتازة في اثناء الحرب مع ايران في نقل قواتهم بشكل فائق السرعة على امتداد الجبهة الطويلة مع ايران لضمان تواجدهم في الوقت المناسب في مكان يتقدم منه الايرانيون. كما أبدى العراقيون مرونة وابتكاراً في تشكيل نظامهم التمويني فمزجوا نظام "الجر" البريطاني بنظام "الدفع" السوفييتي، بشكل سمح لهم بالاستفادة من الاثنين.

كما برز الليبيون بشكل ممتاز في عملية تموين قواتهم في العمليات التي خاضوها في تشاد وكذلك بشكل خاص في اوغندا حيث تعين عليهم تزويد قواتهم في أماكن نائية جداً وأرض صعبة وأدغال وصحاري وأمكنة لا تمتلك بنية تحتية كافية تسمح بالاستفادة من الموارد المحلية وبالتالي اضطروا ونجحوا في ابقاء قواتهم مزودة بما تحتاجه من ذخيرة واسلحة ووقود بشكل يرتقي الى مستويات من الدرجة الاولى في الامداد والنقل.

نفس النوع من المرونة والاستجابة السريعة وتلبية حاجات القوات شهدها الجيش المصري بشكل عام في معظم تاريخه وبشكل ابرز في القدرة على الاستمرار (رغم عدة مشاكل) في تموين القوات المصرية في فلسطين 1948 وكذلك في المقدرة على الاستمرار لسنوات في تموين الحملة المصرية في اليمن رغم بعد المسافة وصعوبة التضاريس هناك وحجم القوات الكبير وكذلك في حملة 1973 وما برز فيها من مهارات عالية في نقل القوات السريع عبر القناة, وابقائها مجهزة بما تحتاجه.
كذلك الحال مع السعوديين الذين لم تعان وحداتهم اثناء حرب الخليج 1991 من مشاكل في المؤن والذخيرة بالرغم من النظام اللجوستي السعودي آنذاك كان يديره خبراء وفنيون اجانب بشكل كامل تقريباً وبالتالي لم يمكن للمؤلف الحكم على بقاء نفس هذا المستوى من الكفاءة في حالة ما استلم السعوديون انفسهم ادارة هذه الأعمال.

ورغم ان الاردنيين لم يعانوا من نفس التحديات والمشاكل في تموين نقل قوات على مسافات بعيدة جداً كما كان الحال مع المصريين والليبيين والعراقيين فإنهم قواتهم لم تعان من مشاكل لوجستية بشكل عام وبقيت قواتهم مزودة بما تحتاج، وساهم قرب الموارد الاردنية من جبهة القتال في ذلك.

وكما خص المؤلف السوريين بمديح خاص لشجاعتهم فقد خصهم بانتقاد خاص في أدائهم التمويني, الذي كان في كثير من المراحل أداءاً متواضعاً وكثيراً ما عانت القوات السورية من مشاكل انعدام قطع الغيار والوقود والذخيرة، ولم يستجب النظام التمويني بسرعة لمتطلبات المعركة وكثيراً ما اضطرت وحدات سورية )كما الحال مثلاً في 1982) الى الانسحاب من ميدان القتال بسبب نفاذ الذخائر رغم ان هذه المشكلة الاخيرة كان اللوم فيها يقع جزئياً على الاستخدام المفرط للسوريين لذخائرهم بشكل أكثف من اللازم, الأمر الذي لا يبرئ الأداء التمويني السوري.

الهندسة:
نفس روح المبادرة وحل المشاكل الطارئة والمرونة والاستعداد الجيد برز عند سلاح الهندسة ويبرز المؤلف هنا سلاحي الهندسة المصري والعراقي بسبب طبيعة التحديات التي واجهتها.
فلا داعي للتذكير بالجهود الهندسية الضخمة والفاعلة التي حققها المصريون في عمليات العبور عبر القناة واختراق التحصينات على الضفة الأخرى من الممر المائي بخراطيم المياه في سنة 1973، وكذلك عن بناء التحصينات على خط الجبهة في سيناء وغزة في 1956، وكذلك ضرب مثالاً في 1948 حين علقت وحدات مصرية في منطقة اشدود فقام سلاح الهندسة بالارتجال الفوري وانشاء "طريق" سمح للقوات والعربات بالمرور فوق رمال الشاطئ لتخليصها من الوقوع في الفخ.

نفس هذه الصفات شوهدت في سلاح الهندسة العراقي وبشكل بارز أثناء الحرب مع ايران، أثناءالتغلب على العراقيل والعوائق وخاصة أثناء عمليات عبور الممرات المائية ونصب الجسور وأثناء العمليات البرمائية (الهجوم على جزر مجنون على سبيل المثال) في السنة الأخيرة الحاسمة من الحرب، وفي بناء الطرق السريعة القادرة على نقل قوات كبيرة على مسافات طويلة على امتداد الجبهة، وكان للمهندسين العراقيين دور بارز في اقامة التحصينات الدفاعية وتطويرها أثناء الحرب مما ساهم بالدور الفعال في صد الهجوم الايراني على مدينة البصرة في 1982, وفي انشاء خطوط دفاعية منيعة وذات عمق كانت ناجحة في ايقاف الهجمات الايرانية المتوالية على طول الجبهة لأربع سنوات متتالية 1982-1986. ثم في صد الهجوم الايراني الثاني على البصرة 1987 (عمليات كربلاء 5) حيث تعين على الايرانيين اختراق ستة حلقات دفاعية من التحصينات كل واحدة تحيط بالأخرى فنجحوا بمشقة في اختراق خمسة قبل الاصطدام بالسادسة على بعد كيلومترات قليلة من البصرة.



انعدام التوازن في العتاد والتقنية؟
وهذه واحدة من الأسباب المطروحة دائماً في أعقاب كل أداء عسكري عربي متواضع ويبرز في ذلك بشكل كبير أثر القوة الجوية المتفوقة للعدو, وكان من مشاهد نتائجه في 1967 و1991 الأمثلة الأبرز. لكن المؤلف رغم اعترافه بأهمية الجانب التكنولوجي فإنه يذهب الى اعطاء ذلك البعد أهمية ثانوية وخاصة أنه في حالات كثيرة كان الجانب التكنولوجي بين طرف صراع عربي وآخر متعادلاً بل أحياناً متفوقاً لصالح الطرف العربي. بالتأكيد أن المؤلف لا يغبن التكنولوجيا حقها بل إنه يذهب إلى تأييد ذلك بشكل قوي فيما يتعلق بحرب الخليج الثانية 1991 حيث كان الدور الذي لعبته التكنولوجيا الأمريكية أمراً ذا بعد مدمر في المعركة. ولكن هذا التفسير الذاهب الى إلقاء اللوم على انعدام التوازن التكنولوجي غير صحيح في كثير من الحالات.

فمن الأمثلة التي ظهر فيها العرب على قدر متساو مع الخصم على المستوى العتاد ودرجة تقدمه نرى الكثير. وربما كانت إحدى أكثر هذه الأمثلة وضوحاً هو في الحرب (أو الحروب من سنة 1978 الى 1987) التي خاضتها ليبيا ضد قوات FAN والمعروفة لاحقاً بـ FANT التشادية حيث تمتع الليبيون طوال فترة الحرب بسيطرة جوية إذ لم تكن للتشاديين قوة جوية قادرة على الرد, كما امتلك الليبيون قوات مدرعة متفوقة وسلاح مدفعية وقوة نارية هائلة مقارنة بالتشاديين وكان الليبيون في كل مجال تكنولوجي وفي العتاد متفوقين على التشاديين الذين كان تسليحهم لا يزيد على الأسلحة الخفيفة والقذائف الصاروخية المضادة للدبابات والطائرات والتي رغم ذلك كانوا يستخدمونها بشكل بدائي وكان تصويبهم سيئاً جداً، كما لم يمتلكوا دبابات بل كانوا يقومون بمناورات باستعمال سيارات البيك آب من طراز تويوتا، ورغم كل ذلك أنزل التشاديون بالليبيين هزائم قاسية وأحياناً وصلت حد الكوارث العسكرية.

نفس الأمر ظهر مع الجيش العراقي الذي خاض حربيه مع اسرائيل في 1948 و1973 بدون أن يكون العامل التكنولوجي عاملاً معيقاً وفي 1948 على الأقل كان الاسرائيليون بالتأكيد لا يمتلكون تفوقاً تكنولوجياً على العراقيين (وعلى عموم الجيوش العربية عندها). وكان للجيش العراقي اليد الطولى في القوة النارية والتكنولوجيا والتفوق الجوي الكامل فيما سمي بحرب (أو حروب) الشمال ضد الأكراد. وكان العراقيون بالتأكيد متفوقين بالعتاد والتكنولوجيا العسكرية والقوة النارية على الايرانيين الذي كانت وسائل النقل والمركبات المدرعة الضرورية للقيام بحرب مناورة قليلة ومحدودة وكان يصعب عليهم تعويض خسائرهم في هذا القطاع, وكثيراً ما اضطروا الى القيام باختراقاتهم وعمليات الالتفاف والمناورة سيراً على الأقدام, وتعويض نقص الدبابات وإمكانيات الحركة السريعة بأعداد هائلة من الجنود والمتطوعين. وكان التفوق العراقي على الايرانيين في قطاع معين من المعارك في أعداد الدبابات يصل إلى أضعاف ما يمتلكه الايرانيون. ورغم ذلك تعرض الجيش العراقي لعدة هزائم لا تتناسب مع التوازن في العتاد والتكنولوجيا والذي كان لصالحه, وحتى الانتصارات التي حققها فقد تمت بصعوبة كبيرة (باستثناء العمليات الخاطفة والحاسمة في السنة الأخيرة من الحرب) رغم التفوق في القوة النارية والسلاح الثقيل والطيران وحتى السلاح الكيمياوي. وفي حرب 1991 التي كان التفوق التكنولوجي كله للأمريكيين كان العراقيون متفوقين في العتاد في جانب واحد فقط وهو امتلاكهم لمدافع ميدان أبعد مدىً من تلك التي يمتلكها الأمريكان ورغم ذلك خسرت المدفعية العراقية المواجهة مع المدفعية الامريكية ليس بفعل طائرات التحالف بل بفعل المدفعية المعادية التي كانت أكثر دقة وتصويباً وإدارة للقتال.

وخاض المصريون المعركة ضد الاسرائيليين في 1948 بعتاد متفوق على الاسرائيليين (رغم ما سمي بفضيحة الأسلحة) وفي 1956 لم يكن الاسرائيليون تفوقاً في تكنولوجيا السلاح على المصريين بل كانوا أقرب الى التساوي, وربما امتلك المصريون أسلحة أحدث. نفس الأمر في 1967 حيث امتلكت القوة الجوية المصرية 450 طائرة قتالية بينها 200 ميغ 21 حديثة وكلها يمكن تركيزها ضد هدف واحد هو اسرائيل مقابل 207 طائرة قتالية اسرائيلة بينها 72 ميراج فرنسية حديثة ومقسمة على عدة جبهات في وقت واحد, وامتلك الاسرائيليون دبابات سنتوريون مقابل دبابات تي 55 المصرية المكافئة لها. أما في حرب اليمن فكانت القوات المصرية تمتلك دائماً قوة نارية أكبر من قوات الملكيين في اليمن وسيطرة على المجال الجوي, ورغم ذلك كان التقدم المصري يتعرقل كثيراً ويصاب بالإحباط. وفي 1973 دخلت مصر الحرب بسلاح سوفييتي جديد جعلها قادرة على مواجهة القوة الجوية الاسرائيلية الحديثة وقواتها المدرعة كذلك بأسلحة قادرة على اصابتها وتدميرها, ورغم ذلك انتهت العمليات العسكري الى اختراق اسرائيلي للقناة وحصار الجيش الثالث.

ويمكن قول نفس الشيء عن الجيش الاردني والسوري في بعض مراحل الصراع مع الاسرائيليين, وهُزمت الدبابات الاردنية في 1967 في عدة معارك من بينها معارك كانت هي المتفوقة فيه في أعداد الدبابات ومتساوية في المستوى التقني للدبابة. ولم تؤد الأسلحة الحديثة التي زوّدت بها القوات السعودية (وغيرها من القوات الخليجية المزودة بشكل مستمر بسلاح امريكي حديث) الى تحسين المستوى القتالي بما يزيد على نظيرتها من الدول العربية الأخرى.

إذن بالرغم من ان الجيوش العربية دخلت في حروب عدة كانت تفتقر فيه الى التفوق التكنولوجي والأمثلة على ذلك كثيرة فإنه بالمقابل نرى في الأمثلة المطروحة أعلاه أنه حتى عندما حقق العرب توازناً تكنولوجياً وحتى تفوقاً على خصومهم في هذا الميدان بشكل عام وكلي (كما في الحالة الليبية في تشاد) أو في بعض النواحي التكنولوجية الجزئية (كما في حالة المدفعية العراقية 1991) فإن ذلك لم يكن كافياً لتحقيق النصر, مما يخرج عامل عدم التوازن التكنولوجي وعدم التوازن في العتاد من كونه عاملاً حاسماً رغم أهميته من ناحية أن انعدام التوازن التكنولوجي يزيد من فداحة الخسارة, رغم أنه ليس العامل المسبب الرئيس في حصولها.

التفوق الجوي:
أيضاً كان لعامل التفوق الجوي للعدو حصة تقارب حصة الأسد في بعض الأحوال في تفسير الهزائم العربية كونها تنكشف طوال مدة المعركة للضربات الموجعة للقوات الجوية المعادية, وبرز هذا بشكله الأكبر في هزيمة 1967 وبشكل خاص في 1991, رغم أن هاتين الحربين لم تكونا الوحيدتين اللتين ألقي فيهما اللوم على القوات الجوية العدوة في هزيمة الجيوش العربية. ولكن إلى أي مدى يصحّ ذلك؟
في الحالة الليبية فالنتيجة محسومة اذ لم يكن للعدو في أوغنده وتشاد سيطرة جوية أو حتى أي نوع من التحدي الجوي وفي حالة التشاد فلم تواجه القوات الليبية أي تحد جوي. وفي المرات القليلة التي تدخل فيها الطيران الفرنسي فإن كان ذلك لحماية خط العرض 16, وليس فوق ذلك الخط, والمعارك الهامة والحاسمة في اواسط الثمانينات وقعت شمال هذا الخط دون تدخل فرنسي, كما أن أكبر الهزائم الساحقة التي أصيبت بها القوات الليبية وقعت في معارك لم يتدخل فيها الفرنسيون وكان الليبيون يتمتعون لوحدهم بتفوق جوي أمام التشاديين المحرومين من هذا العامل.

وفي حرب 1948 لم تكن اسرائيل تملك قوة جوية تستحق الذكر واقتصرت على عدد قليل من الطائرات لم يكن لها أي أثر مادي يُذكر. وفي حرب اليمن وحرب الشمال في العراق كان كل من المصريين والعراقيين يتمتعون بتفوق جوي ضد رجال العصابات على الجانب المعادي ولم يكن أحد لينازعهم على هذا التفوق.

وإذا انتقلنا الى حرب 1967 وهي الحرب التي أعتبرت انتصاراً للتفوق الجوي بامتياز, فصحيح أن الطيران الاسرائيلي كان له دور بارز وهام في تحييد القوة الجوية للعرب وفي مطاردة القوات البرية العربية وبالتالي أيضاً خلق مناخ نفسي سيء في ظل غياب قوة جوية عربية, ولكن الصحيح أيضاً أنه لم تتعرض كلّ القوة الجوية العربية الى التدمير على الأرض إذ حصلت مواجهات جوية بين الطائرات المصرية والاسرائيلية كان في بعضها يتفوق عدد الطائرات المصرية على الإسرائيلية وبالتالي فإن التفوق الجوي لم يكن محصلة الضربة المفاجئة فقط بل وأيضاً لأن الطيران العربي خسر المعركة في الجو ولم يستطع الصمود أمام الطيران الإسرائيلي في المعارك الجوية. ولكن إلى أي حد كان تأثير السيطرة الجوية الإسرائيلية على مقدار التدمير الذي أصيبت به القوات البرية العربية؟ وهنا يأتي المؤلف بالاستنتاج الذي خرجت به فرق دراسة الميدان الإسرائيلية والأمريكية في أعقاب 1967 للدبابات العربية المدمرة والمهجورة في المعركة, وتبيّن من الدراسة أن 8% فقط من الدبابات التي خسرها العرب أصيبت بقذائف جوية, وأن ما بين 2 - 3% فقط من مجمل الخسائر في الدبابات دُمرت بفعل هذه القذائف الجوية, مما ترك 97-98 % من الخسائر في الدبابات وهي إما هُجرت أو دُمرت بالنيران البرية من دبابات ومدفعية وغيرها, وبالتالي أن الخسائر في المعدات البرية كان بدرجة أساسية نتيجة المعركة البرية وليس نتيجة كونها فريسة سهلة للطيران.

أما في حرب 1973 فقد نجح السوريون والمصريون خلال معظم فترات القتال في تحييد القوة الجوية الإسرائيلية ومفاجأتها بخسائر كبيرة عبر الصواريخ السوفييتية الجديدة أبقتها خارج المعركة فترة طويلة ولم تعد القوة الجوية الاسرائيلية الى لعب دور حاسم على الجبهة المصرية إلا بعد تحييد الدفاعات الجوية المصرية وهو الأمر الذي تم على يد القوات البرية الإسرائيلية, كما كانت عودة الطيران الاسرائيلي الى لعب دور هام على الجبهة السورية بعد وقت طويل وبعد انشغالها بتحييد الدفاعات الجوية السورية, ولعب إفراط سلاح الدفاع الجوي باستخدام كميات من الصواريخ هائلة دوراً هاماً في نفاذ ذخيرة هذه الدفاعات وبالتالي تقليل دورها اللاحق في المعركة رغم النجاحات الجيدة في الأيام الأولى. وتمكن الطيران الاسرائيلي من لعب دور اوسع في الاشتباكات الارضية فقط بعد الهجوم الاسرائيلي المضاد وليس قبل ذلك. وقد بولغ في تقدير دور الطيران الإسرائيلي في ايقاف التقدم السوري للاستيلاء على نهر الأردن وكشفت دراسات أن الطائرات الاسرائيلية التي كلفت بايقاف الهجوم السوري في الجولان رغم إلقائها كميات كبيرة من القذائف إلا أنها تبين أنها لم تكن دقيقة بالمرة في اصاباتها )احدى الدراسات لم تجد دليل على تدمير اكثر من خمس دبابات سورية على يد الطائرات) وكان تأثيرها نفسياً أكثر منه عملياً, كما انخفضت فعالية الطيران الاسرائيلي بسبب الدفاعات الجوية السورية, وبالتالي لم سلاح الجو هو الذي أوقف التقدم السوري’ لذلك فإن العامل الحاسم كما يراه المؤلف في حرب 1973 كان القوة البرية المعادية التي كان تأثيرها هو الحاسم وكان العامل الجوي رغم أهميته وتأثيره عاملاً مساعداً وليس رئيسياً لم يكن غيابه ليغير من نتيجة المعركة.
كما أنه في حرب 1982 قدم الطيران السوري تضحيات هائلة تمثلت بـ 86 طائرة لإبقاء القوة الجوية الاسرائيلية خارج المعركة وعدم التأثير على القوة البرية السورية ومنع انخفاض المعنويات الناجم عن السيطرة الكلية لطيران العدو على المجال الجوي, ونجحت القيادة السورية بالفعل في إبقاء الطيران الإسرائيلي خارج المعركة معظم الوقت.

وفي الحالة العراقية فإن العراق في حربه مع ايران لم يكن يعاني في معظم فترات الحرب من سيطرة الطيران الإيرانية وخاصة بسبب التفاقم اللاحق لمشكلات الطيران الإيراني في ايجاد قطع غيار بسبب المقاطعة الدولية. وكان العراق بشكل عام هو الأكثر تفوقاً من ناحية الأعداد أو مستوى الطائرات مقارنة بالإيرانيين. أما في حرب 1991 فبالتأكيد لا يمكن إنكار التأثير الهائل لطيران التحالف والذي تمثل بشكله الأبرز في إلحاق ضرر ودمار كبير بشبكة الإمداد والتموين العراقية, ورغم ذلك فإن المؤلف يضع اللوم جزئياً على القيادة العراقية التي قصرت في نشر وحدات الدفاع الجوي لحماية طرق الإمداد المهمة هذه, وهو ما كان مبنياً على خبرة الحرب الإيرانية حيث تركز نشاط طيران العدو على خطوط الجبهة الأمامية, وبالتالي كان الاعتقاد مبنياً على تركز نشاط العدو الجوي على الخطوط الأمامية والمواقع الاستراتيجية وأبرزها بغداد وكان التركيز في الدفاع الجوي بناءاً على هذا الاعتقاد, فلم يتم حماية طرق الإمداد وكان يمكن تخفيف الضرر على هذه شبكة التموين.

وبالتالي رغم الدور الهام الذي لعبه التفوق الجوي وبشكل نفسي أكثر منه مادي فإننا نرى حالات في المقابل كانت الجيوش العربية تتمتع أحياناً بالتفوق الجوي أو نجحت في تحييد التفوق الجوي المعادي لفترات طويلة من الوقت, وبقيت النتائج في معظم الأحوال متواضعة. أي أن عامل السيطرة الجوية المعادي له دور هام في مضاعفة التأثير السلبي على الجيوش العربية ولكنها كانت دائماً تقريباً ذات تأثير يقع في الدرجة الثانية من ناحية التدمير وبقيت قوات العدو البرية هي المسبب الأكبر لخسائر الجيوش العربية, ولا يمكن اعتبار العامل الجوي المعادي هو صاحب الدور الحاسم في النتائج العسكرية العربية.



إذن أين المشكلة؟
اذا كان الأمر كذلك واذا كان للجيوش العربية نقاط القوة السابقة الذكر في حين لم يكن عامل التوازن او عدم التوازن التكنولوجي حاسماً فأين هو الخلل في الأداء العسكري العربي؟
المؤلف يقدم ثلاث عوامل رئيسية لتفسير هذا الخلل في ميدان المعركة لا بأس أن نعرج على اثنين منها قبل أن نصل إلى العامل الرئيسي فيها ثم نتابع بعض النقاط الأخرى ذات التأثير. وهذه العوامل: هي بؤس الصيانة والعناية بالسلاح - اساءة ادارة المعلومات والتضليل - وأخيراً العامل الأهم وهو صغار (وليس كبار) الضباط أو ما اسميناه هنا (ماكو اوامر ... ما فيش أوامر) كما سيأتي في الحلقات القادمة.




=========




- 2 -


العرب في الحرب (2/4)
سر الضعف العسكري للجيوش العربية في القرن العشرين






(اتينا في الحلقة الماضية على نقاط القوة في الجيوش العربية ورفع بعض
الاوهام عن مبررات أخرى سيقت لتسويغ الهزائم العربية، هذا كما يراها صاحب
الدراسة العسكرية كينيث بولاك في كتابه العرب في الحرب: الفعالية العسكرية
1948-1991)


إذن أين المشكلة؟
اذا كان الأمر كذلك واذا كان للجيوش العربية نقاط القوة السابقة الذكر (في
الحلقة الفائتة) في حين لم يكن عامل التوازن او عدم التوازن التكنولوجي
حاسماً فأين هو الخلل في الأداء العسكري العربي؟
المؤلف يقدم ثلاث عوامل رئيسية لتفسير هذا الخلل في ميدان المعركة لا بأس
أن نعرج على اثنين منها قبل أن نصل إلى العامل الرئيسي فيها ثم نتابع بعض
النقاط الأخرى ذات التأثير.

بؤس الصيانة والعناية بالسلاح:
يبدو أن هذه كانت مشكلة كبرى تعاني منها معظم الجيوش العربية وكان لها آثار
هامة على صعيد المعركة، وتفاوتت درجة تفاقم المشكلة بين جيش وآخر ووصلت في
بعض الجيوش درجة سيئة من الإهمال حتى فيما يتعلق بالسلاح الشخصي. لكن
الأهم هو المشاكل المتعلقة بصيانة الأسلحة الثقيلة من دبابات ومدافع
وطائرات. إذ كان لها دور كبير في تحديد الجاهزية العملياتية للجيوش العربية
قبل دخول المعركة وكان متوسط هذه الجاهزية يبلغ 50-65 % بشكل عام في حين
كانت نسب 70-80% نادرة ونسب 25-30% ليست قليلة. وهذا أدى في قسم من الحالات
إلى دخول بعض الجيوش العربية الحرب دون قدراتها الكاملة. وتبرز هذه
المشكلة في انعدام تعليم المهارات الفنية والتقنية لاعداد واسعة من القوات،
مما أدى بالتالي إلى انعدام قدرات الصيانة وتصليح المعدات في المستويات
الدنيا. ويظهر هذا بشكل واضح فيما يتعلق بالدبابات، فقد برزت في تاريخ
الصراعات التي شاركت فيها جيوش عربية حالات كثيرة من هجر الجنود العرب
لدباباتهم ومدافعهم بسبب أعطاب بسيطة او متوسطة لم يتمكن هؤلاء الجنود من
اصلاحها. ويُلاحظ أن الاعطاب البسيطة في المركبات التي يتم معالجتها من قبل
طاقم المركبات انفسهم في الجيوش الغربية لا يتم في الجيوش العربية اصلاحها
إلا على مستوى كتيبة، أما الاصلاحات التي تتم في الغرب على مستوى كتيبة
فإنها في الجيوش العربية لا تتم إلا في مرآب مركزي على مستوى وحدات أعلى
كفرقة او فيلق أو حتى مآرب قليلة متركزة قرب المدن الكبرى. وقد أدى ذلك إلى
ترك أعداد كبيرة لا يمكن تعويضها من السلاح الثقيل بسبب هذه الأعطال
الفنية البيسطة مما أدى كما في حالة اسرائيل مثلاً الى استيلاء
الإسرائيليين على اعداد كبيرة من الدبابات شكلت زودت بها وحداتها المدرعة
بهذه الدبابات الحديثة. كما لاحظ الامريكيون في 1991 أن كثيراً من الدبابات
والمدافع كانت مهجورة بسبب أعطال خفيفة، وبما أن الطرق الرئيسية كانت
معرضة للضرب الدائم فلم يمكن للعراقيين ارسال هذه الآليات والأسلحة الثقيلة
الى المآرب الخلفية المركزية، وبما أن المستويات الدنيا لم تكن مؤهلة
لإصلاح هذه الآليات والأسلحة في الموقع فكان يتعين هجرها (حالة العراق في
1991 كانت استثنائية بسبب تركيز طيران التحالف على المركبات المدرعة
العراقية مما شجع طاقمها على تركها - مع ذلك لم يكن هذا السبب الوحيد)، كما
أن 20 % من الطائرات العراقية كانت على غير جاهزية للعمل بسبب الافتقار
إلى الصيانة الكافية، وخسر العراق عدداً لا بأس به من الطائرات في حربه مع
ايران بسبب الحوادث وانعدام أعمال الصيانة. نفس هذا النوع من المشاكل اصابت
الأردنيين في الحرب على الضفة الغربية. كما عانى السوريون من نفس المشاكل
في 1982 مثلاً وكان يتعين سحب دباباتهم المصابة بأعطال إلى مآرب تصليح على
مستوى لواء أوفيلق، ثم اعادتها الى المعركة مع ما يؤدي ذلك الى ضياع وقت
هام وحاسم.
وكان الليبيون من بين الأقل اهتماماً بمسائل الصيانة وتجهيز قواتهم وجنودهم
بهذه المهارات، وكانوا يعتمدون على مآرب اصلاح مركزية مجهزة في الأغلب
بخبراء أجانب (كوبا - كوريا الشمالية - المانيا الشرقية الخ)، وكانت قواتهم
الجوية تمتلك جاهزية عملياتية لا تتجاوز الـ 50%.

ولم يكن السعوديون أفضل حالاً حتى فيما يتعلق بالعناية بالأسلحة الشخصية
وكان يتوجب تزويدهم بوجبة جديدة من هذه الأسلحة كل ستة أشهر !!، في حين
اعتمدوا كلياً على الخبرات الأجنبية في عمليات صيانة الطائرات والدبابات
ومختلف صنوف الأسلحة الثقيلة.
واعتبر الأردنيون الأفضل بين الجنود العرب في مسألة العناية بالسلاح الشخصي
بسبب ارتفاع المستوى المحترف للجندي الأردني كون الجيش الأردني جيش معتمد
على الاحتراف وليس التجنيد، كما كان الطيران الأردني الأفضل في تزويد خدمات
الإصلاح والعناية والأرفع جاهزية بين العرب وإن كان المستوى لا يرقى إلى
المستويات العالمية، وإن كان هذا لا ينفي معاناة الأردن في الفترة المدروسة
بشكل عام أيضاً من نفس المشاكل التي عانتها الجيوش العربية الأخرى فيما
يتعلق بباقي صنوف السلاح الثقيل.

ومن الصعب فهم هذه المشاكل. إذ يرى المؤلف أن الجيش القادر على تقديم خدمات
لوجستية ممتازة يتعين عليه أيضاً تقديم نفس المستوى من خدمات الصيانة. في
بعض الحالات يرى المؤلف عدم اهتمام بعض المجتمعات (يذكر ليبيا والسعودية
على سبيل الخصوص) بالتعليم الفني التقني وعدم تقدير هذا التعليم اجتماعياً
واعتبار المهن المقترنة بها مهن متدنية المستوى. وحتى حين يتم تزويد
المراتب الدنيا ببعض مهارات الصيانة فنادراً ما يتعلم هذا الجندي اصلاح
دبابة مثلاً، إذ ما يتعلمه فقط هو تركيب قطعة معينة في مكان معين، بمعنى أن
كل شخص يعرف شيء معين دون أن يعرف ولا يُشجع على معرفة شيء آخر غير
الجزئية الضيقة التي يتم تعليمها إياه، بحيث اذا تطلبت قطعة أخرى صيانة أو
إصلاحاً لم يمكن لهذا الجندي إجراء هذا الاصلاح. [خطر بذهني هنا دراسة أخرى
حول الحياة العسكرية العربية حيث ترى أن كثيراً من العسكريين يرون في
احتكارهم للمعلومات وعدم مشاركة الآخرين المهارات والمعرفة التي يمتلكونها
مصدر قوة ونفوذ لا يجب التفريط فيه بسرعة - رغم انه لا يمكن لي شخصياً
الحكم على دقة مثل هكذا دراسة لكنها تبدو مثيرة للاهتمام في تفسير هذا
النوع من العيوب الخطيرة].
إن هذا التفسيرات الاجتماعية في النظرة الى التعليم التقني وبالتالي قلة
الاهتمام بتعريض الجندي العربي إلى الآلة وتعقيداتها قد أثرت على استيعاب
الأسلحة الحديثة والطائرات بالذات، حيث كان يفضل كثير من الطيارين العرب
الاستيعانة بأبصارهم في الملاحة بدلاً من الرادار والاتكال على اجهزة
السيطرة الارضية مما ادى الى عدم الاستفادة من القدرات الكاملة لهذه
الطائرات الحديثة، أو كما في حالة أجهزة الدفاع الجوي حيث كان الميل في
معظم الأحيان يتجه نحو اطلاق اعداد هائلة من القذائف المدفعية المضادة
للطائرات والصواريخ على أمل اصابة الطائرات المعادية بدلاً من الاعتماد
اكثر على الرادارات في تعقب الهدف. وبدلاً من ان تكون في حاجة إلى عشرة
صواريخ سام لاسقاط طائرة واحدة فانك تستهلك اضعاف هذا العدد وربما يصل
العدد الى اربعين او اكثر لطائرة واحدة. وكذلك في القوات البرية حيث كان
معظم الجيوش العربية لا يفضل القتال في الليل رغم امتلاكها اجهزة رؤية
ليلية متطورة احياناً، ولكن القاعدة كانت تفضيل الرؤية بالعين المجردة على
الاعتماد على الأجهزة. وتبرز هذه المشكلة بشكل أكبر عند الدول التي تحصل
بشكل منتظم على أسلحة حديثة (غربية في معظم الأحوال) تجد مشكلة في
استيعابها واستعمالها وإصلاحها بسبب ضعف هذا الاهتمام بالتعليم التقني
ونشره بين الجميع خارج وداخل القوات المسلحة.

ونرى على عكس هذا الضعف العربي نقطة قوة في الجيش الإسرائيلي مثلاً حيث كان
يتم تزويد جميع المستويات بمهارات فنية أو مهندسين فنيين على مستوى أدنى
الوحدات تقوم بإصلاح حتى الأضرار الكبيرة التي تصيب مركباتهم المدرعة في
الموقع نفسه بما يسمح بالعودة السريعة إلى المعركة. ويمكن قياس أثر عدم
التوازن هذا بين الطرفين العربي والإسرائيلي وما يؤديه ذلك من بقاء أكبر
عدد ممكن من الدبابات والمدافع والطائرات الإسرائيلية في ميدان المعركة
مقارنة باستنزاف شديد لهذه الأسلحة على الجانب العربي ولأسباب بسيطة.



إساءة إدارة المعلومات، والتضليل!!:
وهذه واحدة من أكبر بلايا الجيوش العربية التي أثرت على فاعليتها القتالية.
فيُلاحظ أن احتكار المعلومات وعدم الميل الى مشاركتها مع الآخرين يُعتبر
مصدر قوة ونفوذ على المرؤوسين ومصدر قوة في المنافسة بين العسكريين. كثيراً
من المعلومات تبقى "مكنوزة" ولا تصل المعلومة إلى من يحتاجها.

والجانب الآخر من هذه المشكلة هو الميل إلى المبالغة في نقل المعلومات
وأحياناً تزييفها عند رفعها من قبل المرؤوسين إلى الدوائر العليا [وهذه
الحالة لا تقتصر فقط على رفع المعلومات إلى القائد الأعلى للجيش بل هي
مشكلة منتشرة على طول سلم القيادة] إذ قلما يرغب المرؤوسون أن يكونوا
مسؤولين عن نقل أخبار سيئة، أو حين ينقلونها فإنهم يعمدون الى المبالغة
الشديدة لتبرير الفشل. ولم تكن المراتب العليا أفضل حالاً إذ أنها تعمد في
الغالب أيضاً الى اخفاء المعلومات حول الصورة الكبرى حول العمليات عن
مرؤوسيهم، وكل ذلك أدى إلى أن الجيوش العربية كانت تعمل في ظل غمامة من
الجهل وأنصاف الحقائق. وكان من التأثيرات المباشرة لإرسال الدوائر العسكرية
الأدنى معلومات غير دقيقة الى الدوائر العليا هي قيام هذه الأخيرة بإعداد
خطط مبنية على هذه المعلومات غير الدقيقة وللمرء أن يتصور النتيجة.
كما أن بخل الهيئات العليا في نشر المعلومات عن الوضع العسكري إلى
التشكيلات الميدانية كان يعني أن هذه الأخيرة تنفذ المهمة بدون معلومات
وافية عن العدو وقدراته وتمركزه والأرض أو المهمة الأكبر التي في سياقها
تقوم هذه التشكيلات بتنفيذ المهمة وبالتالي لا تعرف هذه التشكيلات كيف
لمهمتهم أن تفيد العملية العسكرية الأكبر. وفي غالب الأحيان كان الحل لهذه
التشكيلات الميدانية هو إما تنفيذ الأوامر وهو مسألة انتحارية بسبب قلة
المعلومات المتوفرة للمخططين الميدانيين أو الكذب على القيادة العليا
والقول أنها نفذت العملية في حين أنها لم تفعل.

جانب آخر مهم في ضعف جانب المعلومات عند الجيوش العربية هو أن أجهزة
الاستخبارات العربية قليلاً ما شغلت نفسها في جمع معلومات عسكرية عن الخصم،
بل وحتى قصّرت في جمع المعلومات المتاحة بشكل علني والتي لم تكن تخضع
لغطاء السرية. وحتى المعلومات التي تم تجميعها لم يكن هناك اهتمام في
توزيعها واتاحة بقية القوات المسلحة فرصة معرفتها. وقد سبب هذا دخول الجيوش
العربية معظم حروبها دون معرفة وافية بالعقيدة التكتيكية للعدو وخططه
وتنظيم المعركة لديه.

هذا من جانب جمع المعلومات على المستوى الاستراتيجي، أما على المستوى
التكتيكي فإن التشكيلات الميدانية العربية لم تبذل جهداً هاماً في جمع
المعلومات ونادراً ما علقت أهمية على إرسال الدوريات الأمامية وبشكل خاص
دوريات على مسافات بعيدة لمعرفة أوضاع العدو ومواقع انتشاره (وهذا سنعود
اليه لاحقاً) رغم أن اللوم في جزء بسيط من هذا كان يعود الى ان القيادات
العليا لم تطلب الكثير من هذه التشكيلات وبالتالي لم تقدم هذا التشكيلات
الميدانية الكثير أيضاً في سبيل جمع المعلومات (سنرجع لاحقاً الى كيفية حل
الجيوش العربية هذه المشاكل).

وربما كان من الأفضل ضرب بعض الأمثلة لتبيان خطورة هذه العيوب.
ولنبدأ بالأردن سنة 1967. فمنذ بداية العمليات العسكرية الاسرائيلية في
الضفة الغربية قدرت هيئة الأركان الأردنية الوضع في الضفة بأسوأ مما كان
عليه وذلك بسبب المبالغات في التقديرات التي أرسلها القادة الميدانيون في
المعركة، فالضباط الأردنيون كانوا يبالغون في حجم القوة الاسرائيلية
المهاجمة وفي الخسائر التي أصيبت بها التشكيلات الأردنية، وكان هذا عاملاً
مساهماً في خلق إحساس بالهزيمة عند القيادة الاستراتيجية الأردنية، وأدى
الى تضخيم تقديرات الخسائر منذ اليوم الأول وتضخيم المصاعب التي تواجهها
التشكيلات، إذ وصلت المبالغات في التقارير المرسلة إلى القيادة العليا إلى
اعتقاد هيئة الأركان أن الأردن يخسر دبابة كل عشر دقائق. وكان هذا واحداً
من العوامل الهامة التي جعلت القيادة العامة ترى عدم الفائدة في خسارة مزيد
من الأرواح وعدم وجود أي فرصة لمزيد من القتال وبالتالي صدور الأمر
بالانسحاب.
ولم يتحسن هذا الوضع في التسعينات إذ يلاحظ المراقبون الأجانب للمناورات
التي يجريها الجيش الأردني مشاكل في دقة التقارير الميدانية المرسلة،
واحجاماً عن نقل الأخبار السيئة إلى الحلقات العليا في سلم القيادة، كما
يتم المبالغة في النجاحات الضئيلة أثناء المناورات وتستخدم عبارات من قبيل
"حُسمت الحرب".

وإذا انتقلنا الى جيش عربي آخر ذو خبرة أطول في القتال كالجيش العراقي في
عام 1991 نرى نفس المشكلة منتشرة بشكل خطير. فنلاحظ قلة اهتمام الوحدات
الميدانية في جمع المعلومات ولو عبر ارسال دوريات، واعتمادها المطلق على
المعلومات من الدوائر الأعلى، وإذا لم تتوفر تلك المعلومات من القيادة
العليا كان غالبية الضباط العراقيين يلجأون الى الإذاعات الأجنبية لمعرفة
مواقع قوات العدوّ. وقليل من المعلومات التي يتم جمعها من قبل هذه الوحدات
الميدانية يتم نقلها الى القيادات العليا وإذا تم ذلك فإنما يتم بشكل مشوه.
ففي 24 فبراير نقلت الوحدات العراقية إلى هيئة الأركان معلومة خطأ حول
القطاع الغربي من مسرح العمليات مدعية أن الهجوم الرئيسي للفيلق السابع
الأمريكي ما هو إلا قوة فرنسية صغيرة من 12 دبابة وناقلة مشاة. وبسبب هذه
المعلومة لم تعرف هيئة الأركان من أين يأتي الهجوم الرئيسي إلا بعد 24
ساعة. كما لوحظ أن هيئة الأركان نفسها لم تشارك المستوات الأدنى بكثر من
المعلومات لديها عن الوضع، وكذلك الوضع عند قادة الفرق الذي غالباً ما
احجموا عن مشاركة مرؤوسيهم المعلومات الهامة التي بحوزتهم. وكان القادة
ينقلون معلومات غير دقيقة عن جاهزية قواتهم ومشاكل الصيانة والمعنويات
وأعداد المتسربين.

أثناء الحرب الايرانية العراقية ظهرت نفس المشاكل أيضاً ولنأخذ على سبيل
المثال حملات القصف الجوي، إذ لم يهتم العراقيون باستطلاع وتقدير مدى
الدمار الذي أحدثه القصف وبالتالي معرفة هل تحقق بالفعل تدمير الهدف أم لا،
وكانوا يكتفون باعتبار الهدف مدمراً بكل بساطة وبدون تدقيق.
إن نفس المشاكل المنتشرة في بقية الجيوش العربية حول الاهتمام في جمع
المعلومات والدقة في نقل التقارير أدت الى الاعتماد على المعلومات
الاستخبارية الجاهزة التي جاء بها الأمريكيون وذلك لتعويض النقص في القدرة
على جمع المعلومات عن العدو. ولكن حتى هذه المعلومات كان نادراً ما يتم
نشرها وتعميمها إلى المرؤوسين بسبب ظاهرة التصلب والجمود والاحجام في
مشاركتها مع المرؤوسين وإذا تم ذلك فإنه يتم ببطء شديد. وكان بالتالي تأثير
هذه المعلومات الاستخباراتية الامريكية أقل مما كان يفترض به أن يكون. وقد
وقعت حالات ليست قليلة فوجئت فيها التشكيلات العراقية بالهجمات الايرانية
بسبب عدم حصول هذه التشكيلات العراقية على الصورة الكاملة للنشاطات
الايرانية. وكثيراً ما ادّعت هذه التشكيلات في المقابل أنها هزمت هجمات
ايرانية ولم يكن ذلك صحيحاً، أو انها تواجه أعداداً اكبر بكثير مما هو في
الحقيقة، مما أدى بالجنرالات العراقيين الى المبالغة في رد الفعل على
تهديدات صغيرة أو التقليل من شأن تهديدات حقيقية.

ولنكتفي الى هذا القدر بالعراقيين وننتقل الى جيش آخر ذو خبرة قتالية كبيرة
هو الجيش المصري. ولنبدأ بترتيب زمني تنازلي ابتداءاً من حرب الخليج. ففي
عام 1991 أوفدت القيادة المركزية لقوات التحالف عسكريين امريكيين الى كل
القوات العربية الأعضاء في التحالف ضد العراق وذلك للتأكد من أن كل
التقارير الصادرة عن هذه القوات تصف بالفعل ما يجري في المعركة، وكانت إحدى
القوات التي أوفدت القيادة المركزية موفدين اليها هي القوات المصرية
بالطبع. ومع ذلك وبالرغم من وجود المسؤولين الامريكان ووجود صحفيين اجانب،
فالوحدات المصرية كانت تتجاهل وجودهم وترسل تقارير عن معارك في غاية
الشراسة بالرغم من أن الحقيقة لم تزد عن مقاومة في غاية الضعف. وقد لوحظ أن
تجميل التقارير لإخفاء المشاكل عن الدوائر العليا بقيت مشكلة موجودة في
الفترة اللاحقة على حرب الخليج مما أدى الى حيرة القادة المصريين حول حقيقة
ما يجري في المستويات الواقعة تحت إمرتهم. كما أن تجزئة المعلومات،
واحتكارها ظل أمراً شائعاً، بحيث أن اتخاذ القرارات مهما كانت هذه القرارات
صغيرة الشأن تتطلب جمع كل الضباط الذين يملكون معرفة في الشأن المطروح،
لأنه لا يوجد شخص واحد يمتلك المعلومات الكافية عن كامل الوضع ليأخذ
المباردة بنفسه في اتخاذ قرار مناسب.

في حرب اكتوبر 1973 شهد الجيش المصري اختفاء هذه المشكلة وظهور ادارة جيدة
للمعلومات ودقة في نقل التقارير وحصول القيادة العليا على صورة واضحة
للوضع، وكان الفضل يعود في هذا جزئياً الى أن المصريين كانوا في حالة
انتصار وبالتالي لم يكن هناك داع للمبالغة وتشويه المعلومات لتغطية الفشل.
واستمر هذا الوضع حتى يوم 14 اكتوبر. بعدها تغير الوضع ثانية ليتخذ حالته
السلبية المعهودة في عدم الدقة في نقل التقارير والمعلومات وكان من نتائجها
الخطيرة بطء القيادة المصرية في معرفة حجم الخطر الحقيقي للعبور
الاسرائيلي عبر الثغرة الشهيرة وهو الخطر الذي لم تتحقق منه هيئة الأركان
إلا بعد ايفاد مندوب عنها بسبب عدم الثقة في تقارير القادة الميدانيين.
كما كانت القيادة العليا نفسها مقصرة في نقل المعلومات عن الصورة الكبرى
لمرؤوسيها عن حقيقة الوضع بعد الاختراق الاسرائيلي للثغرة، فحين تم اسقاط
طيار مصري وأسره من قبل الإسرائيليين غرب القناة صُدم الطيار لأن أحداً لم
يبلغه بوجود قوات اسرائيلية في هذه المنطقة. وقليلاً ما أعطى القادة في
المستويات الأدنى في سلم القيادة أولوية لكتابة تقارير أو اخطار زملائهم في
باقي التشكيلات بما يفعلونه وبمعلومات عن الاشتباكات مع العدو وقوة العدو.


أما الحالة الأكثر شهرة فكانت في 1967 في سلسلة عمليات التضليل واخفاء
الحقائق من قبل الكثيرين من القادة على كافة المستويات وتضليلهم لبعد
الناصر بأن الطيران الاسرائيلي قد دُمر وأن الجيش المصري يقوم بهجوم مضاد
باتجاه صحرا ء النقب، وهي المعلومة التي دفعت الأردنيين بناءاً على طلب
المشير عامر من عبد المنعم الرياض مندوب القيادة المصرية في الاردن، لدفع
المدرعات الاردنية للالتقاء بالقوة المصرية التي لم تظهر أبداً. [وهنا
يدافع المؤلف عن الجنرال عبد المنعم رياض الذي كان مندوب ناصر في الأردن،
ويبرؤه من تهمة التسبب في هزيمة الأردن ويرى في طلبه توجيه المدرعات
الأردنية قراراً عسكرياً صحيحاً مئة بالمئة وإن كان مبنياً على معلومات خطأ
لم يكن هو مسؤولاً عنها، بل يعتبره المؤلف أحد ألمع الجنرالات المصريين
كما شهد له الصديق والعدو بمن فيهم جنرال من طراز اسحق رابين].

مثل هذه الحالات التي مرت لم تقتصر على الاردنيين والعراقيين والمصريين بل
شملت بقية الجيوش ولكن ذكر بعض أبرز هذه الأمثلة يعطي فكرة عن مدى خطورة
هذا العامل وانتشاره وتأثيره على صنع القرارات المبنية على مثل هذا النوع
من المعلومات وهذا النوع من نقل التقارير، ويستطيع القارئ حتى لو لم تكن له
خلفية عسكرية تقدير الضرر الذي يحل بجيش يعمل في ظل ضباب من الجهل هو نفسه
مسؤول بشكل كبير عنه.

[في برنامج على قناة البي بي سي قبل فترة قريبة فيما أظن تحدث عن العملية
الطويلة التي أدت إلى القاء القبض على صدام حسين، قال أحد العسكريين
الأمريكان أنهم وجدوا وثائق عند صدام وتقارير نقلها اليه "انصاره" تتحدث عن
اخبار وتقارير خيالية عن تدمير مئات الدبابات الامريكية في اعمال
المقاومة..... وربما كان ذلك لتبرير أخذ مزيد من الاموال منه؟!! على كل حال
فصدام حسين لم ينج من هذا النمط من المشاكل والمبالغات التي نخرت في
الجيوش العربية ومنها الجيش العراقي، حتى حين اصبح خارج السلطة هارباً من
قوات التحالف!!!]

الطامة الكبرى!! ماكو أوامر .... مافيش أوامر


======





- 3 -


الطامة الكبرى!! ماكو
أوامر.... مافيش أوامر
ااعتقد ان الجنود المصريين جنود جيدون جداً، انهم بسيطون وجهلة، ولكنهم
اقوياء ومنضبطون، انهم يعرفون كيف يستعملون سلاحهم ويحفرون مواضعهم،
ويطلقون النار بشكل جيد، ولكن ضباطهم سيئون، انهم يعرفون فقط كيف يقاتلون
بناءاً على خطط مسبقة. هذه العبارة لشارون تلخص بشكل تقريبي تشخيص المؤلف
للمشكلة الأكبر والأهم في الجيوش العربية والعامل الأساسي في هزيمة هذه
الجيوش ألا وهو الضباط. وهنا لا يُقصد الضباط الكبار والقادة الاستراتيجيون
في هيئات الأركان أو قادة الفيالق (وسنعود الى دور هؤلاء لاحقاً). بل إنهم
الضباط الصغار قادة التشكيلات التكتيكية من سرية وكتيبة إلى لواء وأحياناً
على مستوى فرقة أيضاً. هؤلاء في نظر المؤلف هم مفتاح الهزيمة أو النصر،
والفرق بين الأداء الجيد والسيئ. وأفضل استراتيجية وأروع خطط عامة لن تصيب
حظاً من النجاح إذا لم تستطع التشكيلات التكتيكية الميدانية وقادتها تنفيذ
الخطة ومواجهة الوضع السريع المتغير الذي يميز حروب المناورة والحركة
السريعة.

ولكن ما هي المشكلة بالضبط؟ المشكلة في الجمود في الأداء وتنفيذ الخطط بغض
النظر عن ملاءمتها لظروف المعركة، وفي افتقار روح أخذ المبادرة في اقتناص
الفرص السانحة، وفي عدم التصرف وعدم تحمل المسؤولية في اتخاذ القرارات
الميدانية والرد على التطورات الحاصلة في المعركة دون انتظار الإذن من
القيادة العليا، وفي الاستمرار بتنفيذ ما أمروا به مهما حصل ومهما كانت
التعليمات لا تناسب الوضع، وفي عدم بذل الجهد في جمع المعلومات عن العدو
والاتكال في هذا المجال على القيادة العليا. المشكلة بكل بساطة هو في
افتراض أن إدارة المعركة واتخاذ ردود فعل على التطورات الميدانية، وأخذ
القرارات السريعة مهما كانت صغيرة، وضرورة تعديل التوجيهات والتعليمات حسب
الظروف، أقول أن المشكلة في الافتراض في أن كل هذا مسؤولية القيادات
العليا، المشكلة في عدم رغبة المراتب الدنيا في تحمل مسؤولية اتخاذ قرارات
من تلقاء أنفسهم وعدم القيام بأي تصرف لا يطابق حرفياً ما صدر له من أوامر
أو ما تعلمه في الكلية العسكرية.

ولو أردنا تلخيص هذه المشاكل فيمكن أن نعددها في بعض النقاط التالية:

- التصلّب والمركزية الشديدة في اتخاذ القرارات العسكرية، بحيث أن أي قرار
أو حركة مهما صغرت يجب أن تحال إلى الدوائر العليا "جداً" قبل اتخاذ قرار
فيها، مما يؤدي في كثير من الأحوال إلى الانتظار قبل وصول الأوامر من هيئات
الأركان وكثيراً ما تصل متأخرة بحيث أن الوضع العسكري تغير ولم تعد هذه
الأوامر تناسبه. وهذه مشكلة هامة يقع نصيب من اللوم فيها على القيادات
العليا ولكن أيضاً يقع نصيب كبير جداً فيها على المراتب الدنيا التي تفضل
التنصل من مسؤولية أي خطأ وتحصر نفسها بتنفيذ الأوامر بدقة كيلا تلام
لاحقاً، وتعتمد في كل الحلول للمشاكل الموجودة على الأوامر الصادرة من جهة
أعلى. وكثيراً ما تجاهل قادة تشكيلات نداءات الاستغاثة من الوحدات الصديقة
التي تطلب العون قبل أن تتعرض للتدمير ولكن لم تستجب التشكيلات الأخرى لهذا
النداء لأنه لم تصدر أوامر لها بذلك.
- القتال حسب الطرق "المدرسية" حرفياً دون اعتبار للظروف المتغيرة لكل
معركة وميدان، وقد برزت هذه المشاكل بشكل واضح في سلاح الجو حيث كان
الطيارون يقومون بمناورات وحركات مكشوفة ومتوقعة ويستطيع العدو أن يتنبأ
بها، وحين يقوم العدو بأي حركة مفاجئة لم تنص عليها الكتب والتمارين فإن
الطيارين العرب غالباً ما يستمرون في أداء نفس ما تعلموه وما فعلوه دون
محاولة أن يكون رد فعلهم مناسباً للوضع الجديد المفاجئ، حتى لو تبين عقم
هذه الطريقة وعدم ملائمتها. وهو الأمر نفسه الذي آذى التشكيلات البرية
أيضاً وخاصة الدبابات.
وفي نفس الإطار تقع أعمال المدفعية التي تحصل على تعليمات وبرنامج ناري ضد
قاطع معين، فتستمر في قصفه، وحتى لو أخلى العدو ذلك القاطع وظل الموقع
فارغاً فإن المدفعية تستمر في الرمي على أهداف فارغة لأن هناك برنامجاً
نارياً لا يمكن الاخلال به.
- في هذا الإطار يقع أيضاً إحجام التشكيلات الميدانية على عدم شن هجمات
مضادة حتى لو كانت هجمات محلية لمطاردة العدو طالما لم تصدر هكذا أوامر من
الأعلى حتى لو كان يعني ذلك تضييع فرصة قيمة في إلحاق خسائر كبيرة بالعدو.
- إن هذا التصلب في تنفيذ الأوامر والقتال انتقل عدواه حتى إلى أطقم
الدبابات التي لا تلجأ إلا نادراً الى المناورة، بل تهاجم بطريقة واحدة وهي
التقدم إلى الأمام وإطلاق النار، ولا تحاول مطلقاً الالتفاف للحصول على
وضعية نارية أفضل لتوجيه ضربات جانبية للدبابات المعادية وأجنحة العدو،
وحتى لو اخترقت مواقع العدو فلا تحاول الاستدارة لضرب العدو من الخلف إلا
اذا اتتها الأوامر بل تستمر بالتقدم إلى الأمام. وفي حالة الدفاع فإن هذه
الدبابات تقبع خلف ساتر أو في حفرة وتظل تطلق النار في مكانها دون مناورة
للحصول على وضع افضل لضرب العدو او حتى تغيير في مواقع اطلاق النار وانما
تبقى في مكانها حتى تضرب. بل هذه المشاكل تصيب حتى التشكيلات البسيطة
والأساسية والصغيرة للمشاة التي تهاجم بشجاعة بالغة ولكن بدون كفاءة،
فيقودها ضباطها إلى شن هجمات جبهية باتجاه الأمام دون مناورة أو التفاف على
العدو أو محاولة ضربه من الخلف. وتتحول هذه الهجمات الى هجمات أشبه
بالانتحارية، وقد أظهرت التشكيلات التكتيكية العربية من المستويات الصغيرة
الى المستويات الأعلى حتى كتيبة ولواء، ميلاً غريباً الى الاصرار على
مهاجمة العدو في جبهته وفي أصعب نقطة والاعتماد على ضخامة القوة النارية
بدل محاولة جعل المهمة سهلة والالتفاف على العدو والاعتماد على وضعية تصويب
افضل وكيفية نارية بدلاً من الكمية النارية حتى لو أتيحت فرص كبيرة
للالتفاف، وهو الأمر الذي يتطلب روح الأخذ بالمبادرة الشخصية واتخاذ القرار
السريع والفوري دون انتظار وقت طويل وممل في ارسال هذه الاقتراحات وانتظار
الجواب عليها.
- إن قادة التشكيلات التكتيكية الدنيا نادراً ما ألقوا أهمية لمسألة
استطلاع المواضع الأمامية وإرسال دوريات بعيدة المدى لمعرفة نشاطات العدو
ومواقعه وتحركاته واكتشاف وجود كمائن. وكان لهذا الإهمال آثاره الخطيرة في
تعرض تشكيلات عربية كثيرة لكمائن ومفاجئات ما كان يجب لها أن تحدث. وكان
هؤلاء الضباط الصغار معتمدين بل ومتكلين بشكل تام في معلوماتهم على ما
توفره القيادة العليا، فإن لم تتوفر تلك المعلومات من تلك القيادة العليا،
فإنهم عمدوا الى تفضيل التحرك بشكل "أعمى" على أن يشغلوا أنفسهم في بذل
جهود حثيثة وذاتية في جمع المعلومات عن العدو.
- إن مشكلة أخرى هامة جداً نتجت عن المشاكل التي تعاني منها المراتب الدنيا
هو قلة اللجوء الى استخدام اساليب ما يسمى بعمليات الاسلحة الممزوجة
Combined-Arms Operations أي تنسيق جهود صنوف الأسحلة المختلفة (مشاة
دبابات مدفعية) في جهد عسكري واحد، إذ يفترض مثلاً تقدم الدبابات والمشاة
بحيث يسند بعضها بعضاً، في حين توفر المدفعية دعماً لهذا الجهد، كل ذلك في
جهد واحد منسق ومتزامن. لكن الحقيقة أن مثل هذه الجهود كانت استثناءاً ولم
تكن قاعدة. فكثيراً ما لوحظ أن الدبابات كانت تهاجم وحدها دون دعم المشاة
أو العكس، وتقاتل الدبابات في ميدان و المشاة في صوب آخر في حين تخوض
المدفعية معركتها المختلفة الخاصة بها. ورغم وجود فهم ووعي لأهمية مثل هذا
المزج والتنسيق وخاصة لدى القيادات العليا ومحاولة الفرض على المستويات
الأدنى التدرب على هذا الجهد الجماعي والمنسق، إلا انه بمجرد دخول هذه
القوات المعركة ينفصل كل صنف بنفسه ويقاتل لوحده، ولا يظهر أي نوع من
التنسيق بين قادة هذه التشكيلات المختلفة مع بعضهم البعض للقيام بمثل هذا
الجهد. وفي الحالات القليلة التي نجحت تمت فيها مثل هذه الجهود فإنها كانت
تنجح لأن هناك وقت كاف مسبقاً للتحضير والإعداد لها، كما أن هناك قيادة
عليا تقوم بإشراف دقيق على تفاصيل تشكيل هذه الجهود بسبب عدم قدرة
المستويات الدنيا على تنسيق هذه الجهود معتمدة على جهودها الخاصة.

إن هذا يعطي فكرة عن الصعوبة التي تعانيها القوات العربية في دخول معارك
يسود فيها عامل المفاجأة والتطورات غير المتوقعة وحقائق حرب الحركة التي
بطبيعتها تتطلب اللامركزية في القرار وبالتالي وجود ضباط صغار قادرين على
اتخاذ القرارات بأنفسهم واتخاذ المبادرة واقتناص الفرص السانحة والابتكار
في مواجهة المشاكل الطارئة ورد الفعل السريع، والتحرك والمناورة، حيث لا
تستطيع أية قيادة عسكرية عليا السيطرة على الوضع العسكري في حرب مناورات
تجري التطورات فيها بسرعة، وبالتالي يصبح القادة التكتيكيون هم مفتاح
الهزيمة والنصر، ولا تستطيع أكثر الخطط الاستراتجية عبقرية أن تحصل على أي
حظ من النجاح اذا لم تكن التشكيلات الميدانية في مستوى القدرة والكفاءة
لتنفيذ هذه الاستراتيجية، إذ أن النصر او الهزيمة تتحقق على ميدان العمليات
الفعلي بيد الجنود والقادة الميدانيين، هناك في ذاك الميدان تُحصد ثمار
القرارات التي يتخذها او لا يتخذها المشرفون الميدانيون بأنفسهم. وقد أثبتت
الحروب المختلفة للجيوش العربية أن التشكيلات العربية قاتلت بكفاءة حيثما
كان يتطلب منها الدفاع عن مواقع حصينة وخطوط دفاعية أي شن قتال ساكن، أو
حيث توفر الوقت لتنفيذ خطة مدروسة مسبقاً بشرط أن يكون رد فعل العدو
وتطورات الأحداث متطابقة مع التوقعات الموجودة في الخطة وردود الأفعال
المنصوصة عليها في هذه الخطة. وسنأتي لاحقاً على الدور والأثر الذي لعبه
القادة الاستراتيجيون العرب ودورهم في النصر او الهزيمة وكيف حلت هيئات
الأركان العربية هذه المشاكل التي عانت منها تشكيلاتها التكتيكية وضباطها
الميدانيين الصغار. لكن يجب أن نرى في البداية هل هذه الاتهامات للقادة
الصغار الميدانيين حقيقية أم لا ويجب أن نرى هل كان صغار القادة هؤلاء هم
من أمسكوا بمفتاح الهزيمة أم لا، ونرى هل المشاكل المطروحة في النقاط أعلاه
هي صاحبة الأثر الحاسم في حسم الصراع أم لا. لهذا لا بد من بعض الأمثلة
لإثبات أو عدم اثبات ذلك.



السعودية:
أثناء حرب الخليج لاحظ العسكريون الأمريكان أن القوات البرية السعودية كانت
تشلّ حركتها المركزية المفرطة، والعمليات كانت تتأجل ولمدة أيام أحياناً
بسبب ضرورة رفع كل القرارات إلى أعلى مستويات القيادة، ولم يكن السعوديون
يستجيبون لالحاح الامريكيين عليهم لتسريع وتيرة العمليات وكانوا يرفضون
الخروج على برنامج العمل الموجود عندهم، وبسبب هذا فإن حركة القوات
السعودية على الأرض كانت بطيئة تماماً، ولم تكن تعمد هذه القوات إلى اقتناص
الفرص. وظل فيلق المارينز أثناء الهجوم البري في فبراير 1991 يشعر بقلق
دائم من الثغرات التي نشأت على جانبي الفيلق وانكشاف جناحيه وخطورة استغلال
العدو لهذه الثغرات، وذلك بسبب البطء الشديد لتقدم القوات العربية (بما
فيها السعودية)، وكان الحلفاء محظوظين أن القوات العراقية كانت تعاني من
نفس المشاكل العربية مضافاً إليها انعدام تكافؤ القوى، وبالتالي لم يتسبب
بطء القوات العربية في مآزق للتحالف.

كما أن الوحدات الميدانية السعودية وقادتها لم يهتموا أبداً بتسيير دوريات
استطلاع أمامية قبل القيام بهجوم ما، وكانت هذه التشكيلات الميدانية متكلة
تماماً على الأمريكيين في الحصول على المعلومات عن العدو، وفي الحالات التي
لم يكن السعوديون يحصلون على هذه المعلومات فإنهم كانوا يتقدمون إلى
المعركة بشكل أعمى دون معرفة ماذا يجري على الطرف المقابل. وكانت هجمات
السعوديين جبهية سيئة التخطيط، ولم يعتمدوا على مزج القوة النارية
بالمناورة بل كانوا يكتفون بمجرد الاندفاع إلى الأمام على شكل أمواج واطلاق
النار، واختفى أي تنسيق فيما بين وحدات المشاة والدبابات والمدفعية.
برزت هذه المشاكل بشكل واضح في معركة الخفجي التي شنها السعوديون لاستعادة
المدينة. ولولا الإسناد المدفعي والجوي للأمريكيين، ولولا وجود فرق استشارة
امريكية وبريطانية مع القوات السعودية والقطرية ولولا أن القوة الصغيرة من
المدافعين العراقيين كانوا معزولين ومنهكين، ومعنوياتهم سيئة، ومقطوعين عن
الإمدادات، وتحت القصف المتواصل المدفعي والجوي، ولولا أن المهارات
التكتيكية للتشكيلات العراقية الصغيرة وقادتها لم تكن بأفضل كثيراً مما هو
موجود عند باقي الجيوش العربية من عدم الاعتماد على المناورة والهجمات
المضادة الفورية والهجوم على الاجنحة، أقول لولا كل ذلك لما نجح السعوديون
في استعادة الخفجي، بعد الهجوم الثالث في أعقاب الفشل البائس لأول هجومين
على المدينة، حتى وصل الأمر إلى أن يطلب الملك فهد من الأمريكيين تسوية
المدينة بالأرض كي لا يحتفظ العراقيون بها.
القوات الجوية السعودية أظهرت كفاءة أفضل بقليل من تلك البرية وخاصة في
الاشتباكات الجوية وإن كانت ظلت نفس المشاكل تعوقها وظلت مهاراتها
التكتيكية وبطء رد الفعل عندها يشكل مشكلة كبيرة يجعل أداءها متواضعاً جداً
مقارنة بالامكانات التكنولوجية المتقدمة جداً المتوفرة عندها، وكان لا
يمكن الاعتماد عليها في شن عمليات قصف وإسناد أرضي كفؤة.
وكان استنتاج المراقبين العسكريين الدوليين أن السعوديين رغم المصاريف
الهائلة التي أنفقت على الدفاع واستجلاب اسلحة حديثة ورغم الرعاية العسكرية
الطويلة والاستشارة التي قدمها الامريكيون، فإن السعوديين كانوا يعانون من
نفس مشاكل بقية الجيوش العربية على المستوى التكتيكي بل وبشكل أسوأ،
وكانوا محظوظين لوجود الولايات المتحدة إلى جانبهم التي أخذت على عاتقها
عبء تنفيذ المهمة الأكبر وتدمير القوات العراقية ليقطف السعوديون شيء من
ثمار المعركة في صورة الأسرى العراقيين الذين كان كثير منهم مستعداً
للاستسلام منذ البداية. [وربما في هذا الاستنتاج الرد على من يزعمون أن سر
هزائم العرب هو السلاح السوفييتي وأن مزيداً من السلاح الأمريكي الحديثة
يمكن أن يصنع من الجيوش العربية جيوشاً كفؤة وهو حكم لا يوافق عليه حتى
المحللون والمؤرخون العسكريون الأمريكيون أنفسهم].



ليبيا:
ولنأخذ فيما يتعلق بالتاريخ الليبي العسكري الحروب التي شنتها ليبيا في
تشاد والمشاكل التي رافقت القيادات الميادنية وصغار القادة وخاصة قادة
الفصائل والسرايا والكتائب، والمتمثلة في غياب المرونة والابتكار وروح أخذ
المبادرة.
إذ كان اتخذا القرارات يتسم بالمركزية الشديدة بحيث أن كبار الضباط لم
يكونوا يثقون بكفاءات وقدرة صغار الضباط على اتخاذ القرارات الجيدة،
وبدورهم فإن صغار القادة لم يحاولوا بذل جهد جاد لإثبات أنهم يستحقون أن
يحصلوا على صلاحيات أوسع.

وكان القادة الميدانيين (كنظرائهم العرب) مهملين في المرة في مجال
الاستطلاع. وكانوا يعتمدون في جمع المعلومات على قوات الـ GUNT حلفائهم من
التشاديين وهو العامل الذي ساهم في الانتصارات والنجاحات التي حققها
الليبيون، فلما تغيرت الأوضاع وحدثت خلافات سياسية أدت الى انفراط هذا
التحالف، ظلت الوحدات الميدانية الليبية بدون من يقوم بهذا الدور
الاستطلاعي عوضاً عنها (رغم أن هذا واجب الضباط قادة الوحدات الميدانية
بالدرجة الأولى) بل تتقدم بعيون مغلقة.

وكان الليبيون في غاية التصلب في استعمال التكتيكات السوفييتية ولم
يستفيدوا حتى من بعض المرونة المحدودة الموجودة في هذه التكتيكات. فكان
المشاة الميكانيكية يبقون داخل العربات المدرعة بغض النظر عن الأرض أو
المهمة أو ظروف المعركة، فلا يحفرون مواضع أثناء الدفاع ولا ينزلون من
العربات لتطهير وحدات العدو المضادة للدبابات، رغم أن التكتيكات السوفييتية
فيها مجال للمرونة في هذا النطاق. ولكن الضباط الليبيين أبوا إلا أن
يتعلموا من هذه الطرق جوانبها المتصلبة فقط وبشكل حرفي ودون تكيّف مع
الأوضاع. وأدى ذلك إلى حوادث عدة دُمرت فيها أرهاط كاملة من المشاة داخل
هذه العربات المدرعة بسبب رفض قادتها التخلي عن الطريقة المدرسية الحرفية
في وبالتالي عدم النزول والانتشار (عُثر على سبيل المثال على 54 عربة مدرعة
مليئة بالمشاة الذين كانوا جالسين فيها محترقة في وادي دوم).
وكذلك الدبابات حيث لا تتحرك ولا تناور بالمرة وإنما تجلس عند الدفاع في
حفر لا تتحرك منها، وفي الهجوم تكتفي بالجري إلى الأمام دون مناورة وكأن
هدفها هو الجري فقط. وكانت المدفعية جيدة فقط في قصف أهداف محددة لها سلفاً
طالما يقبل العدو أن يبقى في مكانه، أما بمجرد أن يغير موقعه فلا تنفع
المدفعية الليبية أبداً ولا تتحرك لمطاردة العدو ونقل نيرانها إليه.
كما لم يهتم القادة الميدانيون بشن أي هجمات مضادة إلا إذا جاءتهم أوامر من
القيادة العليا بذلك.

وربما من الأفضل توضيح ذلك بأمثلة هامة على انعدام الكفاءة هذا، وواحد من
أبرز هذه الأمثلة هو ما حدث في بير كورا في 1987 حين فشل قائد قوة مدرعة من
1500 رجل في استطلاع طريقه أو وضع حرس للجوانب كي لا يتعرض لكمين من على
الأجنحة أو وضع نقاط حراسة للانذار المبكر، وبسبب هذا الإهمال وقع ضحية
كمين تشادر دمّر قوته. وحينما أرسلت (بعد فترة طويلة من الاستغاثة ومن
الاستعدادات البطيئة للغاية) كتيبة أخرى لمساعدة القوة الأولى لم يستفد
قائد القوة الجديدة من الخطأ الذي وقعت فيه القوة الأولى ولم تعمد إلى
استطلاع طريقها درءاً لكمين مماثل، فوقعت في فخ تشادي مدمر آخر، وخسر
الليبيون في ذلك اليوم الواحد 800 قتيل و99 دبابة على أيدي التشاديين أصحاب
التويوتا.
نفس المشكلة أصابت حامية وادي دوم المؤلفة من 4000 - 5000 رجل التي لم
تستطع بعد وقت قصير من الكارثة التي حصلت في بير كورا، وبالرغم من معرفتها
بأنها تتعرض للحصار فإن قائدها لم يعمد إلى استطلاع انتشار العدو لمعرفة من
أين سيأتي الهجوم. وحين أتى الهجوم لم يتخذوا المبادرة بسرعة لتوجيه ضربة
مضادة لمنع اختراق دفاعاتهم الداخلية، ولم يستخدم الضباط الميدانيون
الاحتياطي المدرع الواسع الموجود عندهم، وبعد أربع ساعات فقط خسروا القاعدة
بكاملها وفقدوا في ذلك اليوم 1269 قتيل و300 دبابة مقابل 29 من التشاديين
الذين كانوا مقاتلين ذوي تسليح أضعف من الليبيين ولكن كان لهم قادة وضباط
تكتيكيون أكفأ وأكثر حرية ومبادرة في اتخاذ القرار واستغلال الفرصة وتقدير
الحركة السريعة وعدم الجمود وضرورة الاستطلاع الدقيق.

لقد خسر الليبيون حربهم في تشاد لأن التشاديين أصبحوا بعد 1986 وبعد حصولهم
على اسطول سيارات التويوتا السريعة وبعض الصواريخ المضادة للدبابات قادرين
على تطبيق تكتيكاتهم المفضلة في الالتفاف والاستدارة والاستطلاع الدائم
والاستفادة من عدم مرونة القادة الليبيين وتصلبهم الشديد.

نفس المشاكل أصابت القوات الجوية وبصورة أسوأ ولكن لا داعي للتفصيل في ذلك
هنا، وكل ما يمكن قوله أن الطيران الليبي كان يحقق النجاح للقوات الليبية
في المعركة حين يكون مسيطراً على الأجواء بشكل كامل دون مزاحمة من أحد رغم
أن أثره كان نفسياً أكثر منه مادياً ولم يكن كفؤاً أبداً في اصابة أهدافه،
وعوض عجزه ضد القوات التشادية بقصف القرى المؤيدة للعدو وهو الأمر الذي أدى
الى تأثير عكسي. أما بمجرد حصول التشاديين على صواريخ كتف Redeye القديمة
وضعيفة الكفاءة فقد خرج الطيران الليبي من ميدان المعركة رغم أن تأثير هذا
الصاروخ الفعلي كان في غاية الضعف وعدم الدقة وكان التشاديون سيئين في
استخدامه، ولكن كان هذا كافياً لتحييد طيارين لا يريدون بذل بعض المبادرة
والخروج على حرفية التعليمات والطرق والأساليب المدرسية.



الأردن:
لم تغب نفس المشاكل عن الجيش الأردني في الفترة التالية لأواسط الخمسينات
(وكانت هذه المشاكل شبه غائبة عن الجيش الاردني سنة 1948)، وظهرت بشكلها
الأكثر حسماً في حرب 1967 حيث يعتبر المؤلف أن الفرق في ميدان المهارات
التكتيكية والاستقلالية في اتخاذ القرار بين التشكيلات الميدانية الأردنية
وصغار القادة وبين تلك نظيراتها الإسرائيلية كانت هي العامل الأهم في النصر
الإسرائيلي، فلم تتمكن هذه التشكيلات الأردنية من الصمود أمام القوة
الاسرائيلية حتى في الحالات التي تمتعت فيها بمزايا الأعداء والأرض
والتكنولوجيا أحياناً، ووفقاً للمؤلف فإن معظم الضباط الأردنيين أقروا أن
قواتهم كانت أقل مستوى من الإسرائيليين، بحث أن دور القيادة العليا أو أية
أخطاء قد تكون ارتكبتها [كما كان الحال في قرار عبد المنعم رياض بإرسال
المدرعات للقاء القوات المصرية المزعومة] هي أمور هامة ولكن ليس من ناحية
كونها العامل الحاسم في تقرير النتيجة النهائية للمعركة، وأنها ربما كانت
ستؤخر النصر الاسرائيلي في أفضل الأحوال لا أكثر.
ويعتبر المؤلف الخطة الاستراتيجية للدفاع التي وضعتها هيئة الأركان جيدة
كما كان التنبؤ بمحاور التقدم الاسرائيلي الرئيسية صحيحة، وفي المقابل
امتاز الجيش الأردني بمهارات جنوده الفردية الممتازة من انضباط ودقة تصويب
واستعمال جيد للأسلحة الخفيفة ومدافع الهاون. ولكن المشاكل بقيت فيما بين
هذين المستوين أي مستوى الجنود ومستوى القيادة العليا، وهنا يأتي دور
الضباط الميدانيين الذين فشلوا في تنسيق وتوجيه عمليات القوات التي تحت
إمرتهم. وكان النمط البارز في أداء هذه الوحدات هو فتح نيران دقيقة وفعالة
على العدو الذي يهاجم مواقعهم من الأمام ولكن بمجرد تحقيق العدو لاختراق
فإن التشكيلات الأردنية لا تقوم بتغيير مواقعها وتعديل وجهة انتشارها أو شن
هجوم مضاد سريع لإغلاق الثغرات، وتبقى للعدو حرية العمل من الجوانب ومن
الخلف. وقد لوحظ أن الضباط الأردنيين كانوا يؤخذون على حين غرة في معظم
الأحيان ويفتقرون إلى القدرة على رد الفعل السريع على هذه التطورات
وبالتالي كانوا يستمرون في متابعة نفس ما كانوا يقومون به أو ينسحبون.

ففي "تل الذخيرة" منطقة شيخ جراح ليلة 5-6 حزيران هاجم الإسرائيليون التل
وكان الأردنيون مستعدين لهم، وأنزلوا بالمظليين الاسرائيليين خسائر فادحة
بنيران دقيقة، وكانوا يرفضون التنازل عن أي شبر، ولكن بمجرد أن تمكن
الاسرائيليون من الوصول إلى قاعدة التل والالتفاف للدخول إلى نظام الخنادق
نفسه، لم يقم الأردنيون بتغيير وجهة انتشارهم أو تعزيز الخطوط المواجهة
للهجوم الاسرائيلي الرئيسي، وبقوا متمسكين بمواضعهم حتى لو كان هذا يعني
أنهم يجلسون بالاتجاه الخطأ في حين يتقدم العدو في اتجاه آخر. بمجيء الصباح
تكمن الإسرائيليون بسبب هذا الالتفاف وعناد الأردنيين في الدفاع في مكانهم
دون حركة، من الاستيلاء على التل الذي أدى إلى انهيار المواقع الأردنية
شمال القدس القديمة.

نفس الأمر بالضبط وقع في موقع أبو طور شمال شرق جبل مخابر جنوبي القدس
القديمة، حيث صد الأردنيون هجوماً اسرائيلياً جبهياً على مواقعهم، ولكن
بمجرد نجاح الاسرائيليين في تحقيق اختراق لم يعمد الأردنيون إلى إعادة
التنظيم وشنّ هجوم مضاد لسد الثغرة، وحين جاء الهجوم المضاد أخيراً لم يقم
به إلا أربعة جنود فقط!!!

وعدم تعديل خطوط الانتشار لمواجهة هجمات جانبية أيضاً شوهدت في معركة تل
الفول رغم مزايا الأعداد والعتاد والتضاريس لصالح الأردنيين. سلسلة
العمليات هذه أدت إلى عزل القدس الشرقية.

نفس مشاكل عدم دمج صنوف الأسلحة المختلفة (مشاة - دبابات - مدافع) كانت
موجودة ومؤثرة في حرب 1967. وكان الأردنيون حقيقة ينجحون في تحقيق ذلك حين
يشنون معركة دفاعية مجهز لها مسبقاً. أما بمجرد أن تتحول الأمور إلى حرب
الحركة السريعة فيضيع هذا التنسيق والتقدير لأهميته وهو ما يبرر نجاح
الأردنيين مثلاً في "وادي دوتان" بصد التقدم الإسرائيلي المدرع مرتين، وكان
الأردنيون وزعوا أنفسهم في الطرف الشمالي للوادي بطريقة تحرم الإسرائليين
من ميزة المناورة، ولكن بعد أن تظاهر الاسرائيليون بالانسحاب شنت الدبابات
الأردنية هجوماً مضاداً [ومبدئياً شن هجوم مضاد ليس خطأ بحد ذاته] ولكن دون
الدعم الضروري من قبل وحدات المشاة التي بقيت في الخلف، وكرر الإسرائيليون
نفس الحيلة مرتين واندفعت الدبابات الأردنية للمرة الثانية أيضاً بدون دعم
مشاة، مما سهل على الإسرائليين تدمير الدبابات باتون -ام 47 الأردنية التي
أعجزتهم في الفترة السابقة، وبفقدان هذا العنصر المدرع لم يكن يمكن
الاحتفاظ بالوادي وأدى ذلك إلى زعزعة دفاعات جنين.

أيضاً المدفعية كانت تعاني نفس المشاكل، وكات نيرانها دقيقة بشرط أن يتقدم
العدو من الممرات والمناطق المتوقعة، وبمجرد أن يحقق العدو الاختراق، أو
يدخل من منطقة غير واردة في الحسابات الأصلية فلا يوجد رد فعل سريع لمواكبة
الوضع.

طبعاً ظهرت هناك استثناءات بين القادة الميدانيين ومنهم من برزت مهاراته
القيادية ومرونته وسرعة رد فعله واستغلاله الفرص وإدراكه لأهمية المناورة
ودمج جهود الصنوف المختلفة، وبالتالي حققوا النجاحات النادرة في تلك الحرب
(وسنعود لذلك لاحقاً).


إذن كانت هذه بعض الأمثلة عن مشاكل الأداء التكتيكي للتشكيلات الميدانية
الصغيرة وصغار القادة، والتي أدت إلى تضعضع الوضع الذي أدى بالتالي إلى
انهيار المعنويات في بعض الأحيان، وإلى تبرير هؤلاء القادة لفشلهم بمبالغات
خيالية أصابت القيادة العليا بالفزع حيث أنها بدأت تقتنع بضياع الضفة
الغربية منذ مساء 5 حزيران، وكان ضعف هذه المهارات التكتيكية (من ضمن أسباب
أخرى) هو السبب الأول والأهم، ويضيف المؤلف أنه لو غاب مثلاً الطيران
الإسرائيلي عن المعركة فهذا كان سيؤدي فقط إلى إبطاء النصر الاسرائيلي
قليلاً ورفع بسيط في أعداد الخسائر الاسرائيلية ولكن النتيجة كانت ستبقى
كما هي، لأن العيب كان على مستوى آخر.

لا أريد هنا أن استعرض نفس المشاكل ظهرت (بحسب المؤلف) بحرفيتها تقريباً في
الأداء التكتيكي الأردني أثناء اضطرابات 1970 ومواجهة الهجوم السوري
والدور المتواضع للقوات البرية الأردنية في مواجهة المدرعات السورية (في
مقابل أداء أفضل للطيران الأردني، رغم انعدام اشتراك الطيران السوري)، أو
الجهد العسكري الأردني في عام 1973 الذي كان يعاني نفس المشاكل التكتيكية
وتصلّب القيادة وعدم دمج جهود الصنوف المختلفة، وانعدام روح المبادرة، ورغم
وجود استثناءات لكنها كانت ضئيلة جداً وبقيت القاعدة العامة هي نفسها
[يمكن مراجعة الكتاب حول تفاصيل الاشتباكات العسكرية للجيش الأردنية
والأداء التكتيكي في 1970 و1973].

لم يكن إذن الأداء العسكري الأردني أفضل من باقي الجيوش العربية بكثير، رغم
مزايا الجيش الأردني باعتباره قوة محترفة لا تعتمد على التجنيد الإلزامي،
وتكرس جهد كبير للتدريب، وتتسلح بسلاح غربي وتعمد إلى إجراء مناورات مشتركة
مع قوات غربية وتستفيد من استشارات عسكرية غربية ومنها الأمريكية. واستمرت
نفس هذه المشاكل في التسعينات ولاحظها المراقبون العسكريون الأجانب في
أثناء المناورات والتدريبات.

فلتجنب الأخطاء وبالتالي الانتقادات [وهي أمر غير مرغوب] تُصمم المناورات
مسبقاً وكلّ يحفظ دوره حفظاً. بحيث منذ البداية واضح أين ستكون كل قوة وأي
طرف سينتصر والطائرات أين ومتى ستعمد إلى الالتفاف وأين ستلقي قنابلها.
[وبالتالي لا يوجد مجال لعامل المفاجأة والتطورات غير المتوقعة ولا فرصة
للضباط الصاعدين أن يتعلموا كيفية الرد على التطور المفاجئ، بل تعليمهم
تنفيذ الأوامر بحرفيتها، وكأنه في الحرب الحقيقية سيتصرف عدوك كما تتوقع
بالضبط وسيلتزم بالبقاء في المكان الذي تقرره ويرضى بالدور الذي أعطيته له،
وكأنها ليست حرب بل مسرحية].



سوريا:
كان على الجولان ألا يسقط. برغم كل المشاكل التي كان يعاني منها الجيش
السوري (تسييس الجيش - العلاقات السيئة او اهمال الضباط لجنودهم - نظام
القيادة والسيطرة السيء) فإن الجولان كان يجب ألا يسقط. إذ كانت للسوريين
رغم هذه المشاكل مزايا. فقد كانوا في موقع مدافع وكانت لهم أرض وعرة ممتازة
لمهام الدفاع ويصعب تسلقها واقتحامها، كما أن السوريين طوال السنوات
الماضية بنوا تحصينات ومواقع دفاعية في طول وعرض الهضبة. والسوريون لم
يفاجؤوا كما كان الحال مع المصريين والأردنيين ببدء الهجوم، إذ لم يبدأ
الهجوم البري إلا يوم 9 حزيران، وبالتالي كانوا متأهبين ومنتظرين. كما أن
الوحدات الاسرائيلية المشاركة في الهجوم كانت مجهدة بسبب الاشتراك في
الحملة على كل من مصر والأردن. وفوق ذلك لم يكن من الممكن القيام بعملية
تطويق واسعة للهضبة بأكملها وتجاوز شبكة الدفاعات السورية، بل كان يتعين
على الاسرائيليين إذا ارادوا اختراقها مهاجمتها جبهياً وبالتالي فإن
استنتاج المؤلف هو لو أن القوات السورية أبدت شيئاً معقولاً من الأداء لما
فُقد الجولان. ولكن أي وحدة من هذه الوحدات السورية لم تفعل ذلك.

يوم 9 حزيران 1967 بدأ الاسرائيليون تسلق الهضبة، وكانت من الوعورة بمكان
بحيث ان كثيراً من مركباتهم انزلقت إلى الأسفل في حين تعطلت أخرى أو سقطت
وعلقت بسبب الصخور والأخاديد، وبسبب قلة الطرق في الجولان علقت كثير من
الوحدات في زحام مروري، في حين أضاعت أخرى طريقها وسلكت طرقاً خطأ. ولكن
السوريين [ وبالأحرى القيادات الميدانية وعلى كل مستوى من قادة فصائل
وسرايا وكتائب وألوية وحتى على مستوى القيادة الاستراتيجية ] لم تستغل
الفرصة بشن هجوم مضاد على هذه الطوابير المكشوفة، بل بقوا جالسين في
مواضعهم الحصينة، بدل استغلال فرصة الارتباك الأولي للاسرائيليين. وأثار
أداء المدفعية الاستغراب.
ففور سماع نبأ الهجوم فتحت المدافع السورية نيرانها على المسعتمرات
الاسرائيلية في وادي الحولة، ورغم توسل عدد من القادة الميدانيين لسلاح
المدفعية بأن تنقل نيرانها إلى سفوح الهضبة التي يتسلقها الاسرائيليون فإن
المدفعية لم تلق بالاً بل استمرت في قصف وادي الحولة بدلاً من ايقاف الهجوم
الاسرائيلي، بل وتدخل المستشارون السوفييت للطلب من المدفعية القيام بذلك
ولكن لا حياة لمن تنادي، حتى جاء أمر من القيادة العليا في وقت متأخر من
النهار لنقل النار إلى قوات العدو، ولكن الوقت حينها كان قد فات. وبشكل
مشابه لأداء الكثير من الجيوش العربية الأخرى جلس المدافعون السوريون في
خنادقهم وتحصيناتهم بسلبية ودون حركة أو مناورة أو تغيير وضعية الانتشار
لمواجهة التغير المستمر تحركات العدو، أو تغطية أجنحتهم المكشوفة. كان
السوريون يقاتلون بشكل شرس بالفعل وبشجاعة ولكن بسلبية، وكان على
الاسرائيليين أن يثبتوا هذه القوات في مكانها ثم الالتفاف عليها وضربها من
الأجنحة والخلف، أو تجاوزها لضرب مواقع أخرى، دون أن تعمل هذه القوات
السورية على أخذ المبادرة في التحرك وسدّ الثغرات التي يدخل منها
الاسرائيليون أو انجاد الوحدات الأخرى القريبة، وبالتالي كان للاسرائيليين
حرية الحركة على طول وعرض الجبهة. ورغم الأثر الذي تركه الإعلان عن سقوط
القنيطرة في حدوث انهيار عام، فإن استنتاج المؤلف هو أنه حتى لو لم يحدث
هذا الانهيار فإن اسرائيل كانت ستكسب المعركة ولو بخسائر أكثر قليلاً ووقت
أطول، خاصة أن اسرائيل كانت مصممة على الاستيلاء على الجولان بغض النظر عن
قرار مجلس الأمن بإيقاف إطلاق النار، الذي كان قد صدر اصلاً قبل بدء
الهجوم، كما كان دور القوة الجوية محدوداً في ترجيح كفة الانتصارات على
الأرض وكان أثره نفسياً اكثر منه مادياً، وفي معظم الاشتباكات كان العامل
الحاسم هو مناورة الاسرائيليين وتحركهم السريع، وسلبية القوات السورية وعدم
رد فعلها السريع، والتصرف بشكل مكشوف يسهل على العدو التنبأ به. وفي حالة
القوات الجوية فيرى المؤلف أنه كان على قيادة القوة الجوية أن تأخذ
احتياطات بعد تدمير القوة الجوية المصرية وكان لديهم الوقت لفعل ذلك [برغم
من ان اعلان المصريين عن تدميرهم القوة الجوية الاسرائيلية ساهم في بداية
يوم 5 حزيران بخلق احساس بالارتياح].

نفس هذه المشاكل عند المستويات الأدنى من القيادة والوحدات الأصغر أضعف من
تأثير الاستعدادات والتدريبات الممتازة عشية 6 اكتوبر 1973 ومزايا المفاجأة
الاستراتيجية الكاملة وحملة تضليل العدو وجمع المعلومات الدقيقة عنه،
وكذلك ميزة التفوق العددي في بداية المعركة. ففي 6 اكتوبر ورغم المفاجأة
الكاملة التي حققها السوريون لكن الهجوم سار بشكل بطيء وبمواجهة مشاكل عدة.
فالطوابير السورية بشكل عام تقدمت بمدرعاتها ومشاتها الآلية في الأمام في
حين ظل سلاح الهندسة في الخلف رغم أن المهندسين كان يجب أن يكونوا في
المقدمة لنصب الجسور على الخنادق المضادة للدبابات، مما أدى إلى اختناق
مروري وتعرق الهجمات ومرور وقت ثمين بسبب ضرورة استحضار وحدات المهندسين
القابعة في الخلف إلى الأمام. بعض الطوابير دُمرت دباباتها الأمامية فبدلاً
من أن تعمل بقية الدبابات على الخروج من الطريق لتجاوز الدبابات المدمرة
أصرت على التمسك بالبقاء في الطريق مما سبب حوادث اصطدام واختناق مروري، كل
هذا كان على حساب سرعة وقوة الهجوم السوري. في حين أدى عدم قيام اللواء 43
الميكانيكي باستعمال قوات استطلاع وحرس للأجنحة إلى تعرضها لكمائن متكررة
مرة تلو الأخرى وإلى فقدان 40 دبابة في مواجهة قوة اسرائيلية صغيرة،
والتخلي عن مهمة الاستيلاء على دفاعات القنيطرة من الخلف.

ولكن الأثر الأكبر والأخطر لانعدام روح المبادرة واستغلال الفرصة لدى
المستويات الأدنى في سلم القيادة كان الفشل في الاستيلاء على الجسور على
نهر الأردن رغم أن هذه الجسور كانت تحرسها قوة لا تزيد على العشرات، وأدى
ذلك إلى مجيء اسرائيلية (في شكل وحدات وجماعات صغيرة جداً تجمعت شيئاً
فشيئاً لتشكلة القوة الكبيرة التي قادت الهجوم الاسرائيلي المضاد).
ولو أن السوريين أمسكوا بالجسور ليوم أو لساعات لكان من الممكن أن يؤدي ذلك
إلى سقوط الجولان كله بسبب عزل الوحدات الاسرائيلية في الهضبة عن
التعزيزات والامدادات، ولتعين على الاسرائيليين حشد قواتهم على الطرف الآخر
من النهر وشن عملية جديدة لاحتلال الجولان من جديد، وربما تغيرت صورة
الحرب بأكملها.
المشكلة أن أهمية هذه الجسور كانت واضحة وبينة لقادة الفرق السورية وخاصة
قائد الفرقة الأولى توفيق الجهاني والفرقة الخامسة علي أصلان اللذين أرسلا
وحدات تابعة لهما للاستيلاء على الجسور إدراكاً من القائدين للأهمية
الحيوية لهذه الجسور. لكن الوحدات التي أرسلت اصطدمت بقوات صغيرة من
الاسرائيليين وسرعان ما تمكن السوريون من تشتيت الاسرائليين بدون تعرض
لخسائر. ولكن ولسبب غير واضح كان هذا كافياً لجعل هذه الوحدات تتوقف في
مكانها وعدم المتابعة وبالتالي ايقاف الهجوم، رغم أن الجسور كانت لا تبعد
إلا عشر دقائق، ولا تحرسها إلا قوة فصيل اسرائيلية، ولا يفصل بين الجسور
والمدرعات السورية أي شيء تقريباً [بل استغرب الأردنيون الذين كانوا
يتابعون المعركة من شمال الأردن ذلك] وكانت لا تزال هناك ساعة كاملة قبل
حلول الظلام (رغم تجهيز المدرعات السورية بأجهزة رؤية ليلية)، وبالتالي
ضاعت هذه الفرصة ليس لأن الاسرائيليين أوقفوا الهجوم بل لأنه على المستوى
الأدنى من القيادة لم يكن هناك ضابط واحد قرر أن يأخذ المبادرة ويقود عدة
دبابات باتجاه تلك الجسور، وكان ذلك لوحده يكفي لتعقيد المهمة على
الاسرائيليين. [يرفض المؤلف الحجج المقابلة التي ألقت باللائمة في عدم
الاستيلاء على الجسور على الطيران الاسرائيلي حيث أن هذا الطيران في هذه
الفترة نفذ مهامه بشكل سيء ودون اصابات دقيقة كما كان مشغولاً بالنجاة من
الصواريخ المضادة السورية التي أنزلت به خسائر فادحة. وكذلك لا يقبل الحجج
بأن الدبابات السورية جميعها وفي وقت واحد نفذ وقودها على بعد عشر دقائق من
الجسور].

هذا على القاطع الجنوبي أما على القاطع الشمالي فقد برزت مشاكل الجمود في
الأعداد حيث خسر السوريون في هذه المعارك فيما عرف بمنطقة وادي الدموع 500
دبابة وعربة ومدرعة مقابل 80 للاسرائيليين، لأن الدبابات السورية كانت ترفض
المناورة بل تتقدم للأمام فقط، وحتى تلك التي تنجح في تحقيق اختراق لا
تستدير لضرب أجنحة العدو أو مؤخرته بل تستمر في التقدم حتى يتم تدميرها.
ولم تستغل الوحدات السورية تفوقها العددي هنا في الأيام الأولى للاستدارة
حول هذه المواقع بل هاجمتها جبهياً مرة تلو أخرى.
كما انعدم التنسيق بين صنوف الأسلحة المختلفة وخلق جهد تعاوني مدمج صحيح
بينها. ففي هذه المعارك كانت الدبابات تهاجم دون مشاة، وإذا استخدمت المشاة
فيبقون داخل عرباتهم بغض النظر عن الوضع. ولم يعمدوا إلى دفع المشاة
المسلحة بالقذائف المضادة للدروع لتتقدم أمام الدبابات السورية للتسلل بين
الدبابات الاسرائيلية ونشر الدمار بينها قبل الهجوم المدرع السوري الرئيسي،
وكان يمكن تحقيق هذا خاصة أنه في هذه المعارك كانت التشكيلات الاسرائيلية
تشكيلات مدرعة فقط ولم تكن لديها مشاة تحميها من المشاة السوريين المسلحين
بالصواريخ. كما لم يكن هناك اهتمام بسلاح الهندسة أو اسلحة الدعم الأخرى.
وظلت الدبابات السورية تقاتل بطريقة إما هجوم جبهي أثناء الهجوم، أو مكوث
سلبي في المكان وعدم التحرك لتجنب ضربها من الجوانب من قبل العدو والاكتفاء
بإطلاق النار.

وكانت هذه العيوب تصبح ذات تأثير أكبر كلما اتخذت المعركة منحىً غير متوقع
وغير مخطط، حيث كان يقل الاعتماد بسبب طبيعة مثل هذه المعركة على توجهات
القيادة العليا الاعتماد على قدرات صغار الضباط الذين لم يثبتوا تخلص من
الجمود والتصلب والحرفية في تطبيق التعليمات وقواعد القتال. وبالتالي سهل
هذا الضعف في المهارات التكتيكية وروح المبادرة واللامركزية، سهّل كل هذا
الهجوم الاسرائيلي المضاد الذي دفع القوات السورية من الجولان ليتابع
الاسرائيليون تقدمهم باتجاه دمشق قبل اضطرار الاسرائيليون إلى ايقاف الهجوم
يوم 12 اكتوبر بعد ظهور العراقيين على أجنحتهم.
والمعارك التي رافقت الهجوم الاسرائيلي المضاد ضد الجيش السوري تُظهر نفس
النوع من المشاكل التكتيكية فلا داع للتفصيل فيها.

لكن الجدير بالذكر أن المؤلف يجري مقارنة بين هذا الضعف التكتيكلي في مستوى
الضباط اعتباراً من قادة لواء فما دون، وبين الأداء الجيد واتخاذ المبادرة
وادراك الموقف لقادة الفرق ويذكر بالاسم توفيق الجهاني وعلي أصلان وحسن
التركماني وسرعة استيعابهم لتطورات الموقف، ووعيهم للأهداف الحيوية
المطلوبة، ولكن رغم مهاراتهم هذه فهي لم تكن كافية للتغلب على المشاكل
الفادحة الموجودة على المستويات الأدنى من القيادة، والافتقار لهذه
المهارات. ففي رأي المؤلف إذن خطف هذا الضعف ثمار النجاح الذي كان يجب أن
يتحقق نتيجة التحسينات والاستعدادات الممتازة الأخرى، وعامل المفاجأة،
وشجاعة الجنود السوريين والخطة الاستراتيجية الجيدة.

نفس الشيء ونفس المشاكل أصابت الجيش السوري أثناء هزيمته ف حرب 1982 رغم أن
السوريين حاربوا حينها بشكل أفضل مما جعل النصر الاسرائيلي غير حاسم وضمن
للسوريين عدم خروجهم من المعادلة الاسرائيلية (أسباب هذا الأداء الأفضل
نعود إليها لاحقاً).
وربما كان هنا لنا فقط أن نركز على المعركة الحيوية التي استنزفت قسم كبير
من الطائرات السورية، ورغم أن الاسرائيليين حينها كانوا يمتلكون طائرات
أحدث فإن هذا لم يكن له أهمية إذ أنه كما لاحظ الاسرائيليون فإن الطيارين
السوريين كانوا شجعاناً ولكنهم كانوا سيخسرون مهما كانت الأحوال، وحتى لو
حصلوا على أحدث طائرات في العالم فإنهم كانوا سيخسرون طالما أنهم يقودونها
بنفس الطريقة، ويمتنعون عن الابتكار في مواجهة الظروف غير المتوقعة،
ويستمرون في عمل نفس الشيء حتى لو تبين عدم فائدته، واللجوء الى المناورات
المكشوفة المعروفة والمتوقعة سلفاً وعدم الإتيان بجديد والتكيف مع ظروف
المعركة، وعدم الاستقلالية في الأداء، والاعتماد الكلي في التوجيه على
مراكز السيطرة الأرضية بدلاً من الاعتماد على القدرات الذاتية وهي المشكلة
التي يعاني منها سلاح الطيران العربي بشكل عام وليس السوري فقط.



العراق:
في يوم 11 مايو 1966 وقعت أكبر كارثة للجيش العراقي في حرب الشمال. أثناء
هجوم الربيع الذي كان يفترض أن يكون عملية تطويق واسعة تمكنت الذراع
الشمالية لحركة التطويق من الاستيلاء على جبل حندرين وجبل زوزيك، وكانت
الحملة تسير على ما يرام، إلى أن قرر قادة القوة على الأرض أن يقيموا
معسكرهم بين الجبال المحيطة على الأرض المنخفضة، وفوق ذلك، دون تأمين هذه
الجبال المحيطة بالقوة العراقية ووضع قوة حراسة على هذه المترفعات لمنع
التسلل إليها ثم النزول والانقضاض على القوة العراقية. وكان هذا بالفعل ما
فعله الأكراد الذين صعدوا هذه الجبال ونزلوا على المعسكر العراقي في الأسفل
محيطين بهم من كل جانب وموقعين مذبحة دامت يومين قُتل فيها ألفين جندي، في
حين هرب آخرون تاركين معداتهم الثقيلة خلفهم واستسلمت أعداد كبيرة أخرى أو
فرت من الخدمة، وأنهت تلك الكارثة حملة 1966 ولم يعد الجيش للهجوم إلا بعد
مجيء البعث إلى السلطة.
إن الحملات العسكرية بين 1961-1970 كانت مليئة بالأخطاء المشابهة وإن كانت
ذات نتائج أقل كارثية من تلك في جبل حندرين. وتقدم الطوابير العراقية كانت
تسير بشكل بطيء في كردستان العراق بسبب شيوع إهمال القادة الميدانيين وصغار
الضباط إجراءات أمنية بسيطة كنشر استطلاع أمامي أو وضع حرس للأجنحة
واهتمام بإجراءات الحراسة أثناء المسير، كما أصر الضباط العراقيون في معظم
الحالات على البقاء في الأسفل تاركين المرتفعات بيد الثوار الأكراد، وكل
ذلك مما أدى إلى تعرض الوحدات العراقية لكمائن كثيرة مرة تلو الأخرى.
ويرى المؤلف أن التغلب على الأكراد لم يكن أمراً صعباً، فهم لم يكونوا
مقاتلي عصابات من الدرجة الأولى وكانت تنقصهم كثير من المهارات القتالية
والتكتيكية ولا يمكن مقارنتهم أبداً بالفييتكونغ في فييتنام أو الأنصار في
يوغوسلافيا، وقد أثبت الجيشان الايراني والتركي على مر السنين قدرتهما على
سحق الثوار الاكراد في مناطق جبلية مشابهة لتلك في العراق مرة تلو الأخرى
وبسهولة نسبية في معظم الأحوال. وبالتالي فالعامل الأساسي كان هو أن الضباط
العراقيين والقادة الصغار كانوا يخسرون المعارك ليس لأن الأكراد كانوا
أفضل أداءاً بل لأن ضباط الجيش كانوا أسوأ في هذا الأداء. واقتصرت مهاراتهم
القيادية على أن يأمروا جنودهم بمجرد الجري إلى الأمام باتجاه الأكراد
المتحصنين في مواقع منيعة في الجبال، بدون محاولة للمناورة لتجنب مثل هذه
المجابهات الدموية الفارغة. [سمعت كثيراً ممن عاصر هذه الحرب يتحدثون عن
ضباط وبالأخص عن ضابط معين أمر جنوده بتسلق الجبل ومهاجمة الأكراد
المتحصنين فوقه والمسلحين بالمدافع الرشاشة، وعدم استماعه لمناشدات الجنود
والضباط بأن هذا عمل لا فائدة منه ولا معنى. وقد رقّي هذا الضابط لاحقاً
وخدم في حرب ايران وأظهر نفس المهارات الجامدة والبائسة والباهظة الثمن].
خلال هذه سنوات الستينات تطورت الاستراتيجية التي وضعتها القيادة العسكرية
العليا شيئاً فشيئاً للتعامل مع الثوار الأكراد، ولكن حين تحسنت هذه
الاستراتيجية لم تؤد إلى تحسن كبير في الوضع الميداني لأن التشكيلات
الميدانية لم تكن قادرة على تنفيذ هذه الاستراتيجية.

النجاح في حملة 1974 -1975 لم يكن نتاج تغير في تكتيكات الجيش العراقي بل
بسبب التغييرات في الأكراد أنفسم. ففي هذه الفترة بدأوا ينظمون أنفسهم كقوة
مقاتلة نظامية، وبدلاً من نصب كمائن ثم الهرب إلى الجبال حاولوا مواجهة
الجيش العراقي في معركة تقليدية بعد أن قرر البرزاني أن يحول الحرب إلى حرب
تقليدية بدل حرب عصابات مستفيداً من أعداد متزايدة من المنشقين عن الجيش
العراقي الذين دربوا وحدات البيشمرغة. المشكلة في هذا هو أن عدوى نفس
الأمراض على المستوى التكتيكي انتقل من الجيش العراقي إلى الجيش الكردي
الجديد، وبدأت تشكيلات الأكراد تمارس نفس النوع من الأخطاء، وبالتالي حينما
تتساوى الكفاءة التكتيكية بين الطرفين [او بالأحرى التساوي في عدم
الكفاءة] ينتصر الطرف صاحب القوة النارية الأكبر وهو الجيش العراقي الذين
لم يكن عليه إلا ان يركز نيرانه على التحشدات المركزة للعدو، وبالتالي كان
"تعاون" البيشمركة هو العامل الأساسي في نجاح الجيش في هذه الحملة.
أصبح الأكراد إذاً على حافة الانهيار، مما دفع الايرانيين للشعور بالخطر
والتدخل بمساعدات عاجلة وأسلحة ثقيلة وطاقم لهذه الأسلحة وبعض القوات وتوقف
الانهيار الكردي، قبل أن يعود الشاه لسحب كل هذا بعد اتفاق الجزائر،
ليتلوه الانهيار الأخير للبارزاني.

في 1973 أنقذ الجيش العراقي الموقف. يوم 12 اكتوبر وصل العراقيون في الوقت
المناسب لايقاف الهجوم الاسرائيلي باتجاه دمشق ويجبروا الاسرائيليين على
عدم المتابعة خشية انكشاف جناحهم، ثم شاغلهم العراقيون ولاحقاً بصحبة
الأردنيين لمدة أحد عشر يوماً سمحت للسوريين باسترداد أنفاسهم وتعزيز
مواقعهم. إذن أنقذ العراقيون الموقف بظهورهم على الجبهة في الوقت والمكان
المناسبين، وبشجاعتهم في متابعة الهجوم على الاسرائيليين لأيام متواصلة.
ولكنهم دفعوا ثمناً كبيراً لذلك، وظهورهم في الوقت المناسب وتحمسهم للهجوم
لم يغير من كون هذه الهجمات ضعيفة التنفيذ ومحدودة الكفاءة.
فيوم 12 اكتوبر تقدم اللواء 12 المدرع بمئة دبابة [مقابل 200 دبابة
اسرائيلية!!] وبشكل بطيء ودون محاولة الالتفاف على الاسرائيليين، فزحفوا
على الوادي حيث كان الاسرائيليون يجلسون على التلال المحيطة، ووقع
العراقيون في الفخ حيث فتح العدو النار عليهم من كل جانب ليصيبوا جوانب
وموخرة الدبابات العراقية فخسر اللواء نصف دباباته قبل الانسحاب، ثم تم سحب
اللواء بسبب هذه الخسائر ولم يعد للاشتراك في الحرب.
هاجم العراقيون ثانية يوم 16 مع الاردنيين باتجاه "تل عنتر" لكن لأن قادة
وحدات الجانبين لم ينسقوا عملهم، انطلق الأردنيون أولاً ليصدهم
الاسرائيليون ويهزموهم، قبل أن يتحرك العراقيون حيث سارت مدرعاتهم بنفس
الطريقة البطيئة ودون مناورة، وكان عبارة عن هجوم أمامي جبهي باتجاه
الدفاعات الاسرائيلية، وكان حزم العراقيين هو الذي أوصلهم الى قاعدة التل
حيث دار قتال شرس لكن مرة ثانية أرسل الاسرائيليون قوة لتلتف على العراقيين
من الخلف ليفشل الهجوم مرة ثانية.
ثم قرر العراقيون شن هجوم ثالث يوم 19 اكتوبر. وكانت الخطة أفضل هذه المرة،
حيث كان العراقيون ينوون استخدام قوات خاصة تتسلل إلى المواقع الاسرائيلية
ثم يتم دعمها بمشاة آلية ومدرعات. وبدأ الهجوم بداية ناجحة وتمكنت القوات
الخاصة من مفاجأة بعض الوحدات الاسرائيلية ودفعها أثناء الظلام ولكن في
النهار لم تسر الأمور على ما يرام، فنيران المدفعية لم تنسق مع هجوم
الدبابات، كما أن المشاة الآلية والقوات من جهة والمدرعات من جهة أخرى فشلا
في تحقيق تنسيق جيد فيما بينها ومهاجمة المواقع الاسرائيلية في وقت واحد
مما سمح للاسرائيلين بتركيز قوتهم الكاملة على المدرعات أولاً لتردها ثم
تهاجم بكل قواها القوات الخاصة، وبالتالي هزيمة كل طرف على حدة.
وكان يثير الاستغراب أن المشاة الآلية العراقية أثناء الهجوم لم تنزل من
عرباتها المدرعة بل بقيت جالسة فيها حتى حينما بدأ الاسرائيليون يستخدمون
القاذفات المضادة للدروع.
ثم هاجم العراقيون ثانية في نفس اليوم وهذه المرة حسّن الضباط العراقيون
تكتياتهم فجعلوا المشاة الآلية تتقدم إلى الأمام متبوعة بالدبابات وحقق
الهجوم نجاحاً أفضل من السابق ووصلوا إلى المواقع الاسرائيلية، قبل أن
ينسحبوا منها بعد قتال قريب شرس.
والظاهر أن الضباط الميدانيين لم تكن لهم فكرة على التكتيكات الصحيحة
الواجب استعمالها فرغم تبيّن نجاح اسلوب وضع المشاة الآلية في الأمام
متبوعة بالدبابات كما في الهجوم الثاني، فإنهم في الهجوم الثالث عادوا إلى
وضع الدبابات في الأمام تليها المشاة في الخلف، وفشل الهجوم بعد تعرضه
لحركة التفاف اسرائيلية.
القادة الميدانيون في هذه الحرب لم يكونوا يقومون بعمليات استطلاع في معظم
الأحيان، مما يعني أن وحدات مدفعية وهاون كانت تجلس لأيام دون إطلاق قذيفة
واحدة لأنها لا تعرف أين العدو ولا يوجد قائد أو ضابط يقوم بإرسال دورية
استطلاع لتحديد مواقع وتوزع العدو، ولم يكن العراقيون يتصلون بالاسرائيليين
إلا أثناء القيام بهجوم كبير، أما ما عدا ذلك فلا اهتمام بتقصي أخبار
العدو.
كما أن قادة الفرق والأولية لم يعمدوا إلى تركيز قواتهم ضد الاسرائيليون
ولم يكونوا يستخدمون أكثر من قوة لواء واحد في كل هجوم، رغم وجود وحدات
أكبر كان يمكن يؤدي تركيزها إلى تحقيق نتائج أكبر.
إن انعدام روح المبادرة كانت تصيب أطقم الدبابات أيضاً فإذا قتل قائد
الدبابة تنشل حركة بقية أفراد الطاقم أو يختارون الانسحاب. وكانت الخسائر
التي أصيبت بها الألوية الاسرائيلية ليست نتيجة الكفاءة التكتيكية للوحدات
العراقية وضباطها بل نتيجة اصرار العراقيين على الهجوم رغم الخسائر الفادحة
التي اصيبوا بها وكان أبرز مثال يوم 19 اكتوبر في هجوم اللواء السادس
العراقي المدرع، وهو تصميم أدهش الاسرائيليين، ولو امتزج مع شيء من الكفاءة
التكتيكية لربما اصابوا الاسرائيليين بضرر جسيم.

كان الهجوم العراقي الجوي المفاجئ على ايران يوم 22 سبتمبر هجوماً فاشلاً
بالمرة، رغم أنه سعى لتقليد الهجوم الجوي الاسرائيلي يوم حزيران 1967.
ولكن الاسرائيليين اجروا صبيحة يوم 5 حزيران 700 طلعة جوية لتحقيق أهدافهم،
في حين أجرى العراقيون 100 طلعة فقط [انظر في الحلقة السابقة عن مشاكل
الصيانة والعناية وتأثيرها على هذه المحدودية ] طوال يوم كامل في محاولة
لتحقيق نفس الهدف، بل ونشروا هذه الطلعات القليلة لتهاجم في انحاء مختلفة
وتم ارسال الطيارين إلى اهدافهم دون اجراء استطلاع قبل الهجوم ولا إجراء
عملية تقدير اضرار بعد الهجوم، وكانت هذه اخطاء استراتيجية كبيرة.
ولكن هذه الأخطاء لم تعف الطيارين أنفسهم مسؤولية أخطاء لا تقل فداحة.
فالطيارون كانوا يكتفون بتنفيذ مهماتهم فقط ولا غير، فإذا وجدوا بالصدفة
هدفاً أكثر قيمة من الهدف المطلوب فإنهم لم يكونوا يعمدون إلى التخلي عن
التعليمات الحرفية وأهدافهم المحددة، وبالتالي يضيعون فرصة تدمير طائرات
ايرانية على الأرض. وبمجرد انتهائهم من إلقاء قنابلهم، فإنهم لم يكونوا
يعمدون إلى استعمال الرشاشات لتدمير الطائرات على المدرجات، بل إنهم حتى لم
يهتموا بتبليغ قياداتهم بوجود هذه الطائرات وبالتالي الاستفادة من هذه
الفرصة لشن غارة أخرى، وبالتالي لم تكن لدى هذه القيادات فكرة واضحة عما
تبقى أو لم يتبقى من القوة الجوية الايرانية.
والذي يدل على الفشل الذريع لهذا الهجوم الجوي هو أن الطيران الايراني رغم
عمليات التطهير الذي أصابته بعد الثورة وفرار كثير م الطيارين وانقطاع
امدادات قطع الغيار الامريكية، اقول نجح الطيران الايراني في استرداد
السيطرة الجوية على سماء ايران في اليوم التالي.

لم يسر الغزو البري لاقليم خوزستان بشكل أفضل، وكان يسير بشكل حلزوني بطيء
لا مبرر له. فبرغم أن القوات العراقية مزودة بتشكيلات مدرعة ومشاة آلية
تجعلها قادرة على الحركة السريعة، ورغم أنه في خوزستان أثناء بداية الغزو
لم تكن هناك مجموعات تزيد قوتها على قوة سرية أو فصيل، فإن الوحدات
العراقية كانت تتقدم ببطء شديد وحذر، وبمجرد أن تسمع أي بادرة ولو خافتة من
المقاومة فإن العراقيين يقومون بقصف شديد بالمدفعية والراجمات لفترة طويلة
(لأيام أحياناً) قبل أن يستأنفوا التقدم ليقفوا عند أول بادرة مقاومة أو
اطلاق نار، هذا بدلاً من استغلال حركتهم بسرعة للمناورة ومزج النار بالحركة
بدلاً من الجلوس في المكان وإلقاء وابل من القذائف على مجموعات من الطلاب
الثوريين هنا وهناك ليس لهم قيمة عسكرية تذكر، او على حواجز اسمنتية لا
يحرسها احد في بعض الاحيان!! وكان العراقيون بعد ان يهزموا كل مجموعة
ايرانية يرفضون مطاردتها والإجهاز عليها، كل هذا البطء أعطى للايرانيين
متسعاً كبيراً من الوقت لتنظيم أنفسهم والرد.
حين وصل العراقيون إلى مدن خرمشهر والأهواز وعبدان، وقفت تشكيلات عراقية
كبيرة على أطراف هذه المدن الخالية من اي قوات ايرانية، وبدلاً من أن يستغل
قادة التشكيلات هذه الفرصة لمهاجمة المدينة بسرعة أو حتى الاحاطة بها لمنع
دخول التعزيزات اليها، فإنهم كانوا ينتظرون أن تقوم المدفعية بالقصف لمدة
أيام قبل أن يهاجم العراقيون، وعندها تكون التعزيزات الايرانية قد وصلت وتم
بناء مواقع دفاعية. ودفع العراقيون هذا الثمن في خرمشهر حيث كان
باستطاعتهم أخذ المدينة بسرعة مستغلين الفوضى في ايران وعدم توفر قوات
كافية، ولكنهم انتظروا مطولاً حتى حصّن الايرانيون المدينة، واستغرق
استيلاء العراقيين عليها اربعة اسابيع من المعارك الدموية، و8000 قتيل
وجريح و100 دبابة وعربة مدرعة.

هذه العيوب التكتيكية وغيرها مما يستطيع القارئ أن يجد لها مثيلاً في
التجارب العربية الأخرى ظلت ملازمة للجيش العراقي طوال هذه الحرب وسمحت
للايرانيين بايقاف الهجوم العراقي ثم دحره بسرعة والتقدم إلى العراق. وقد
أظهر الايرانيون وضباطهم الميدانيين وصغار القادة حرية ومبادرة ومهارات
تكتيكية أكبر من العراقيين واهتماماً أكبر بالاستطلاع وجمع المعلومات وضرب
النقاط الضعيفة والقيام بعمليات مناورة واسعة [وإن كانوا يضطرون في الغالب
لشن هذه المناورات وحركات الالتفاف على الأقدام بسبب عدم توافر مركبات
كافية، وتعويض نقص المعدات والقوة النارية بإدخال أعداد بشرية كبيرة، ولكن
هذا كان يكفي طالما ان الخصم العراقي يقتنع بالجلوس في مكانه وعدم تغيير
وضعيته لمواجهة الاختراق الايراني، الا اللهم حين تأتيه اوامر صريحة من
فوق] وتمكن الايرانيون في كثير من الحالات من التغلب على قوات عراقية
متفوقة في العتاد وأحياناً في الأعداد. وفي معارك الدبابات كانت القاعدة
بشكل عام أن أطقم الدبابات الايرانية كانوا يخرجون من مواقعهم المحصنة كي
يناوروا ويحصلوا على موقع جيد لاطلاق النار، في حين تبقى الدبابات العراقية
خلف السواتر في مكانها تطلق النار ولا تتحرك، فكانت الدبابات الايرانية
تصيب من الدبابات العراقية عدداً اكبر مما يحققه اطقم الدبابات العراقية في
المنازلات بين الطرفين.
ولو أن القادة العراقيينن الميدانيين وضباطهم الصغار كانوا يمتلكون مهارات
تكتيكية موازية أو روح مبادرة أكبر او امتلكوا هامشاً أكبر من الحرية لأخذ
قراراتهم الخاصة في اتخاذ رد الفعل على الأحداث لكانوا استطاعوا هزيمة
الايرانيين بسهولة بسبب فارق الأسلحة الكبير لصالح العراقيين في معظم فترات
الحرب. وظلت هذه المشاكل مستمرة حتى حلها العراقيون دفاعياً بإنشاء سلسلة
واسعة وممتازة من التحصينات الدفاعية [شهادة للأداء الممتاز لسلاح الهندسة
العراقي، انظر الحلقة الأولى] ضمنت عدم قدرة الايرانيين اختراقها، ثم
هجومياً بعد التعديلات التي أجراها صدام في صرف كبار القادة المعينين على
خلفية سياسية وتشكيل هيئة أركان محترفة والإجراءات التي اتخذتها هيئة
الأركان هذه وخروجها بالحل الحاسم لمشكلة ضعف القدرات التكتيكية لصغار ضباط
الجيش [ كما سيأتي لاحقاً]، والتي أدت أخيراً إلى النجاحات الخاطفة في
1988 التي دمرت الجيش الايراني وأخرجته من ساحة المعركة.

حرب 1991 كانت مسألة أخرى. فالتحالف كان متفوقاً عدداً وعدة على القوات
العراقية المتواجدة في مسرح عمليات الكويت وبشكل كبير. وكان انعدام التوازن
التكنولوجي في هذه المرة غير مسبوق في التاريخ العسكري العربي الحديث،
ومعظم الجيش كان لا يؤمن بالقضية التي يقاتل لأجلها، كما أن سيطرة القوات
الجوية للتحالف قطع طرق الإمداد الرئيسية لأسابيع طويلة. ورغم ذلك فإن
المؤلف يرى أن الهزيمة ما كان يجب لها أن تقع بهذه الطريقة التي وقعت، وأن
العراقيين كان يمكنهم أن يقوموا أداءاً أفضل وينقذوا قوات أكبر ويعانوا من
خسائر أقل ويصيبوا العدوّ بخسائر أكبر، وأنه في ظروف صعوبة التواصل مع
القيادة العليا، كان على صغار القادة والضباط الميدانيين الاعتماد على
قدراتهم الخاصة وجمع المعلومات بأنفسهم وعدم الاتكال في هذا فقط على ما
يأتي من "فوق"، وكان عليهم اتخاذ المبادرة في الرد على الأحداث المتسارعة
وفي مواجهة عدو لا يمتلك تفوقاً تكنولوجياً فقط بل يمتلك تفوقاً في مرونة
ضباطه واستعدادهم لتسيير وتيرة العمليات وتعديل الخطط وعدم الاتباع الحرفي
الضيق للتعليمات، ولكن الضباط العراقيين لم يفعلوا ذلك، وربما تفيد بعض
الأمثلة/

أثناء المعركة البرية في فبراير كان الجنرال غريفيث قائد الفرقة الأولى
المدرعة الأمريكية يقدم تقريراً مختصراً لقائد الفيلق السابع الجنرال
فرانكس حين بدأت تشتغل المدافع العراقية وسُمع دوي قذائفها على مسافة
قريبة. فشعر أحد أركان الفيلق بالقلق فطمأنه مساعد الجنرال غريفيث بابتسامة
ألا يقلق لأن هذه هي المرة الخامسة التي تفتح فيها المدفعية العراقية
ونيرانها ولا داع للقلق لأن العراقيين في كل مرة يضربون نفس الموقع الفارغ
دون أن يغيروا نيرانهم وينقلوه إلى مكان آخر.

في وقت متأخر من يوم 24 فبراير 1991 تلقى قائد اللواء 52 العراقي رسالة
عاجلة من قيادة الفرقة 48 مشاة المتواجدة أمام اللواء تخطره بأن مواقع
الفرقة يتم اجتياحها من قبل الأمريكان، ولكن لأنّ قائد اللواء لم يتلق
أمراً من قائد فرقته فلم يفعل شيئاً: فلم يقم بالتحرك لنجدة الفرقة 48، ولم
يهيّئ لواءه للتحرك والاستعداد للقتال بل إنه حتى لم يتصل بمقر قيادة
الفرقة ليخبرهم بالرسالة أو يطلب منهم الإذن بالهجوم المضاد. وبالتالي تم
اكتساح الفرقة 48 ثم تلاها اللواء 52 بعدها بقليل.

تعاون صنوف الأسلحة المختلفة مع بعضها كان منعدم الوجود رغم إدراك القادة
العراقيين (الكبار منهم بالذات) لأهمية ذلك، ولكن وبالرغم من هذا فإنه على
المستويات الدنيا لم يتم تعلّم هذا رغم جهود سنوات لتدريب هذه التشكيلات
على هذه الأساليب. فعلى سبيل المثال حين شنّت الفرقة الخامسة الآلية هجوماً
مضاداً انطلاقاً من حقول البرقان اشتمل الهجوم على تركيزات ضخمة من الدروع
والمشاة والمدفعية ولكن كلّ على حدة وليس سوية. وغالبية الهجمات تألفت من
تقدم للدبابات دون مشاة ودون إسناد مدفعي. وفي كلّ الأحيان تقريباً كان على
الأمريكان أن يشغلوا نفسهم إما بالدبابات العراقية أو المشاة، ولكنهم لم
يضطروا إلى إشغال أنفسهم بقوة ممتزجة من الدبابات والمشاة في نفس الوقت وهو
الأمر الذي كان سيصعّب مهمة الأمريكان أكثر لو حصل. ولكن القاعدة العراقية
[والعربية] هي المشاة تقاتل في ناحية والدبابات في ناحية أخرى في حين تخوض
المدفعية معركتها الخاصة بها في ناحية أخرى مختلفة.

أما بعد صدور أمر الانسحاب العام [وبالرغم من الطريقة التي تم بها صدور
الأمر] فإن كثيراً من التشكيلات العراقية نسيت في غمرة الحماس للخروج من
المعركة كل إجراءات الأمن المصاحبة لهذا النوع من الانسحاب بل تجاهل الجنود
حتى الأوامر الصريحة للضباط بالالتزام بهذه الإجراءات وتسابقوا إلى الشمال
[ورغم كل ما يقال عن مسؤولية القيادة العليا عن هذا النوع من الانسحاب
الفوضوي والطريقة التي أصدرت بها الأوامر ولكن هؤلاء الجنود كان المفروض
انهم واعون وقادرين على ادراك مخاطر هكذا فوضى، خاصة أن هناك فرق عراقية
أخرى انسحبت بكل انضباط ونظام وتماسك في وحداتها رغم الضغط الأمريكي
المستمر].

أما في 2 مارس بعد سريان وقف اطلاق النار فلم تقم فرقة حمورابي باستطلاع
الطريق التي اتخذته للخروج من مسرح العمليات فلم تعرف بوجود الفرقة 24
الآلية الامريكية التي حطمت لواءاً كاملاً من الفرقة العراقية اثناء
محاولته المرور في الطريق، وكانت هذه خسارة يمكن تجنبها. وحسبنا من
العراقيين، ولنتجه إلى المثال العربي الأخير لجيش كبير آخر هو الجيش
المصري.



مصر:
سنة 1991 لم يكن يتوهم الأمريكيون أنهم قادرون على الاعتماد على معظم
الجيوش العربية العضو في التحالف فالقوات السعودية والكويتية اعتبروا
مشاركتها غير ذات فعالية جدية والمشكلة مع السوريين كان تسليحهم السوفييتي
وبالتالي امكانية حدوث أخطاء نيران صديقة. ولكن الجيش المصري كان أمراً آخر
- او هكذا ظنوا. فقد مرت سنوات طويلة تخلص الجيش المصري من عقيدته
العسكرية السوفييتية وتسلح بعقيدة جديدة امريكية وبسلاح امريكي وكان على
اتصال دائم بخبراء ومستشارين عسكريين أمريكان، وأخيراً جاءت الفرصة ليثبتوا
ثمار هذه العلاقة الجديدة مع العسكرية الامريكية، وبالتالي وعلى العكس من
نظرتهم الى الجيوش العربية الأخرى الحليفة فقد كانوا ينظرون إلى الجيش
المصري باعتباره قوة عسكرية حديثة قابلة للاعتماد عليها. لكنهم أملهم خاب،
وبدأت هذه الخيبة منذ البداية.
كانت القوة المصرية جزءاً من قيادة القوات المشتركة - القاطع الشمالي وكان
المفروض ان يبدأ الهجوم يوم 25 فبراير، ولكن لأن الهجوم الآخر في جنوب شرق
الكويت سار بشكل جيد فقد قرر شوارزكوف تقديم موعد الهجوم. ومن بين جميع
القوات العضو في القيادة المشتركة للقاطع الشمالي كان القائد المصري هو
الوحيد الذي قال انه لا يستطيع ان يلتزم بهذا التقديم. وحاول شوارزكوف
المحايلة والاقناع وحتى التهديد دون جدوى حتى اتصل بالقاهرة لتأمر القائد
المصري بذلك ورغم هذا تأخر انطلاق الهجوم المصري عن الموعد المحدد.
وحين بدأ المصريون التقدم فقد كان تقدماً شديد البطء في مواجهة مقاومة
عراقية شبه معدومة، وكانت مهمة المصريين لليوم الاول اختراق الخطوط
العراقية والاستيلاء على ثكنات "الأبرق". ولكن حين وصل المصريون وجدوا ان
العراقيين قد أشعلوا النار في الخنادق. وبدل أن تجد الوحدات المصرية حلاً
لهذه المشكلة [كردم الخندق او اطفاء النار او اي حل آخر] جلسوا في مكانهم
حتى انطفأت النيران لوحدها الأمر الذي استغرق عشر ساعات كاملة.
في اليوم الثاني كان جنود الوحدات العراقية المقابلة قد بدأوا بترك وحداتهم
بالجملة وبالتالي لم يواجه المصريون اي مقاومة تقريباً. وحينها بدأت
المدفعية المصرية القاء وابل من القذائف على الخنادق العراقية لتغطية
التقدم المصري، ولكن هذا القصف لم يكن له اي فعالية لأنه كان موجهاً ضد
خنادق فارغة. ورغم اصرار المعلومات الامريكية المرسلة الى المصريين اصرت
على انه لا يوجد احد في تلك الخناق فإن الضباط المصريين اصروا مهما كان على
ضربها لمجرد ان الخطط الخاصة بالمدفعية تقول انه يجب قصفها.
بعد تقدم بسيط تعرضوا لنيران عراقية ضعيفة وهشة وغير فعالة، ولكن القوة
المصرية توقفت ثانية، وطالبت بدعم جوي امريكي، الامر الذي لم يكن ممكناً
حينها بسبب تغير الطقس، وحين اشار المستشارون الامريكان بأن المدفعية
المصرية يمكن بنفسها ان تعمل على اسكات النيران العراقية رفض الضباط
المصريون لأن المدفعية المصرية قد استخدمت اعداد الذخيرة المخصصة لهذه
العملية ولن تنفق ذخيرة واحدة اضافية لاسكات النيران العراقية، وبالتالي
قرر المصريون التوقف وينتظروا إلى ان يتوقف العراقيون بانفسهم عن اطلاق
النار. إذن بمجيء اليوم الثالث لم يستولي المصريون بعد على "الأبرق" الذي
كان هدف اليوم الأول! حينها طلبت القيادة المركزية من المصريين نسيان
"الأبرق" والتوجه إلى الجهرة. ورفض المصريون ثانية ان يبتعدوا عن الخطة
المرسومة الا اذا تلقوا امراً رسمياً من القيادة السياسية للتحالف.
يوم 26 فبراير انسحب العراقيون من مدينة الكويت وانتظرت قيادة القوات
المشتركة - القاطع الشرقي خارج المدينة لتنضم اليها قيادة قوات القاطع
الشمالي التي تضم القوات المصرية كي يدخلوا المدينة كتبعير عن التضامن
العربي، ولكن قيادة القاطع الشمالي لم تصل إلى مقربة من العاصمة، وبالتالي
تقرر ارسال وحدات مختارة من هذه القوات الى مدينة الكويت لتشارك في دخول
المدينة. ولكن القائد المصري رفض ثانية، لأنه ليس لديه اوامر صريحة بارسال
اي وحدات الى مدينة الكويت. وتطلب الامر اتصال شوارزكوف بالرئيس المصري
ليأمر هذا القائد العسكري المصري بفعل ذلك.
بقيت هذه المشاكل ترافق القوات المصرية في الستعينات وقد لاحظ مراقبون
عسكريون ان العسكريين المصريين يكرهون المشاركة في مناورات عسكرية مشتركة
مع الامريكان لأن الامريكان يصرون على استعمال المباغتة والاجراءات
والعمليات غير المتوقعة وغير المنصوص عليها مسبقاً، في حين يفضلون هم اجراء
تمرينات ومناورات يعرف كل شخص فيها مكانه وماذا سيفعل المقابل وماذا يجب
ان يكون رد الفعل الخ بطريقة تشبه المناورات الاردنية، ووصفها البعض بأنها
مناورات استعراضية اكثر منها تدريبية. المستشارون الامريكان كانوا يحاولون
دائماً اقناعهم بفوائد الارتجال واعطاء توجيهات عامة وترك التفاصيل للمراتب
الصغرى، ولكن بلا فائدة. أحد الضباط الامريكان علق: "المصريون يبذلون
جهداً ضخماً في تخطيط بالغ التفصيل، أما اذا تغير الوضع على الأرض فلا
تتوقع أن تتغير الخطة، إنهم متمسكون بالخطة".

يذكر هذا بما حصل يوم يوم 5 حزيران 1967 نقله المؤلف عن هيكل أنه في احدى
القواعد الجوية المصرية وفي اعقاب الغارة الاسرائيلية الاولى نجت من
التدمير ثلاث طائرات سوخوي مصرية كانت تقف على المدرجات. فوراً حث المستشار
السوفييتي في القاعدة الطيارين على ركوب الطائرات بسرعة وابعادها إلى
منطقة آمنة قبل أن يعود الاسرائيليون ثانية. ولكن الطيارين جميعهم رفضوا
قائلين انه ليست لديهم اوامر معينة بخصوص ذلك.

كما برزت في نفس الحرب في قيادة الانسحاب، حيث ان الوحدات التي تقود
انسحاباً محسوباً مسبقاً وتحت اشراف الأركان العامة كالفرقة الرابعة
المدرعة تمكنت من تنفيذ تراجع قتالي منظم. في حين ان الوحدات التي تعين
عليها بقدراتها الذاتية تنفيذ انسحاب غير مخطط له ودون اشراف من فوق
كاللواء 125 الآلي انهارت في طريقها غرباً. بعض الوحدات قامت قبل الانسحاب
على الاقل بدفن معداتها كيلا تقع بيد الاسرائيليين في حين ان وحدات كثيرة
اخرى اكتفت بترك هذه المعدات والانسحاب غرباً.
وفي عدد من الحالات لم تسنح للسرايا والكتائب والالوية بتجهيز مواضع دفاعية
حين الانتقال إلى موقع جديد إلا اذا جاءت اوامر بفعل ذلك من سلطة أعلى،
وفي عدم وجود هذا فإن قادة الوحدات لم يعمدوا إلى اخذ المبادرة بتنفيذ هذه
الاجراءات الوقائية البديهية.
في ظل قيادة استراتيجية سيئة للحرب في 1967 وسلسلة التضليلات والقرارات
الخاطئة للقيادة العليا فإن صغار القادة المصريين زادوا وفاقموا من المشكلة
بشكل كبير مما أساء للوضع وجعلهم يتحملون - كما يرى المؤلف - نصيباً ليس
بصغير إلى جانب المشير عامر عن الهزيمة.

الأداء الأفضل في تاريخ الجيش المصري بدأ يوم 6 اكتوبر واستمر لعدة ايام
تالية ابدى فيها المصريون براعة كبيرة ومميتة حيرت الاسرائيليين في التغيير
الذي اصاب الجيش المصري المختلف تماماً عن سنة 1967. ولكنهم بعد اقل من
اسبوعين رجعوا إلى "عادتها القديمة" وعادت نفس المشاكل على المستوى
التكتيكي عند صغار القادة وعدم قدرتهم على تنسيق جهود صنوف مختلفة مع بعضها
البعض (مشاة - دبابات - مدفعية)، وعدم قدرتهم على تنفيذ عمليات مناورة
مرنة، رغم انهم نجحوا في ذلك وبامتياز في بداية الحرب بين يومي 6 و10
اكتوبر!! وكان هذا سبباً في التنفيذ السيء للهجوم المصري يوم 14 اكتوبر
ووصف الجنرال آدان الهجوم بأنه كان سيئاً وبسيطاً ومحكوماً بالخسارة منذ
البداية، وبالفعل خسر المصريون ذلك اليوم 265 دبابة و200 عربة مدرعة أخرى.
وأدى عدم اجراء القادة الميدانيين دوريات استطلاع منتظمة واعتمادهم بسلبية
على القيادة العليا لتزويدهم بالمعلومات إلى سهولة مرور الاسرائيليين عبر
ما سمي بالثغرة، وكذلك إلى فشل الهجمات المضادة التي شنت على القوات
الاسرائيلية المخترقة. في إحدى هذه الحالات رفض قائد الفرقة الرابعة امر
قائد الجيش الثالث بشن هجوم مضاد على الاسرائيليين إلا اذا اصدر اسماعيل
علي (وزير الدفاع) هذا الأمر بنفسه. وكان يثير العجب ان المصريين حاربوا
قبل 14 اكتوبر بشكل افضل مما بعده، وانهم قاتلوا على الضفة الشرقية افضل من
قتالهم على الضفة الغربية. [تفسير هذا يأتي في الحلقة القادمة انشاء
الله].

يمكن قياس هذا أيضاً على الأداء العسكري في 1956 وكذلك في 1948 وفي حرب
اليمن. والفارق بين نتائج الجيش المصري في 1948 مثلاً وبين 1956 ثم 1967 لم
يكن في انحدار مستوى الجيش المصري. فمستواه التكتيكي ومهارات ضباطه الصغار
ومشاكله المعروضة في الأعلى بقيت هي نفسها طوال هذه السنوات والفارق كان
في أن المهارات التكتيكية للجيش الاسرائيلي زادت وزادت معها تشجيع روح
المبادرة عند الضباط الاسرائيليين واستغلال الفرص واعطاء الأولوية للواقع
على الأرض وليس للخطة.

(في الحلقة القادمة والأخيرة نعرج على أمثلة (استثنائية) عن أداء تكتيكي
عربي جيد يهدف منه المؤلف عن طريقه اثبات أن هذا الضعف التكتيكي هو المفتاح
الى تفسير الهزائم العسكرية العربية، عبر ابراز النجاحات التي حققتها هذه
الامثلة الاستثنائية عن اداء تكتيكي ممتاز لصغار ضباط ووحدات عربية. ونتطرق
إلى دور القيادات الاستراتيجية في النصر والهزيمة العربية وهل هي مسؤولة
رئيسياً عن هذا. ونأتي على كيفية حل الجيوش العربية (وبالذات العراقي
والمصري) لمشكلة محدودية المهارات التكتيكية للضباط الصغار وما هو الحل
الذي توصل اليه هذان الجيشان في تحقيق الانتصارات العراقية الخاطفة على
الايرانيين سنة 1988 والاداء المصري الرائع ضد الاسرائيليين بين 6 و10
اكتوبر. كما نعرج على بعض العوامل الأخرى المؤثرة في القتال.
بعدها انشاء الله نحاول طرح بعض الاسئلة لتفسير هذه المشاكل ومحاولة سبر
اسس اجتماعية او ثقافية لهذه المشاكل).

=======



هذا الموضوع شد انتباهى و أعتقد أنه نادر فعلا و هو

منقول عن الأخ الفاضل

علي عدنان آل طعمة

الروابط

http://www.hdrmut.net/vb/t151700.html
http://www.hdrmut.net/vb/t151880.html
http://www.hdrmut.net/vb/t152023.html
http://www.hdrmut.net/vb/t152285.html






- 4 -

العرب في الحرب
سر الضعف العسكري للجيوش العربية في القرن العشرين
العامل الاستراتيجي - حل مؤقت - تساؤلات وتفسيرات اجتماعية ثقافية

علي عدنان آل طعمة

الاثبات بالاتجاه المعاكس:
لو كان إذن أداء الضباط الصغار في ميدان المعركة (بشكل عام من قائد فصيل
وسرية إلى قائد لواء وفي بعض الأحيان قادة فرق) هو النقطة المفصلية في نجاح
أو فشل العمليات العسكرية على الأرض, فلا بد إذن من إثبات في الجانب
المعاكس أن تغييراً في هذا الأداء من جانب هؤلاء الضباط كان في المقابل
يحقق نتائج أفضل. مع الأسف الشديد فإن الأمثلة على مثل هذا الأداء الجيد من
جانب هؤلاء الضباط التكتيكيين والقادة والميدانيين وتجنب الأخطاء الفادحة
التي نوقشت في الحلقة الماضية (الثالثة) على صفحة ايلاف, أقول إن مثل هذه
الأمثلة رغم أنها موجودة ولكنها كانت في حكم النادرة.... وكان يسيطر على
مثل هذه الأمثلة بروز عدد قليل جداً من الضباط الصغار الجيدين الذي
يستوعبون ويطبقون الإجراءات التكتيكية الصحيحة ويقتنصون المبادرة ويتحركون
بدلاً من السكون, ولكن تأثيرهم كان محدوداً كونهم في الأساس أقلية في غاية
الصغر. لكن لا بأس من تقديم بعض هذه الأمثلة لتبيان جدوى هذه الفضائل في
المستويات الدنيا من سلاح الضباط والفوائد التي تأتي بها هذه الفضائل حتى
في ظروف حالكة مما يبين (كما يهدف المؤلف كينيث بولاك) أن النقطة الحاسمة
في الأداء العسكري العربي كان أداء وكفاءة صغار ضباطه.

وربما كان الأفضل أن نبتدئ بسنة 1991 التي شهدت أكبر هزيمة لجيش عربي في
القرن العشرين وواحدة من أفدح الهزائم في التاريخ العسكري بشكل عام.
في يوم 26 فبراير وقفت فرقة "توكلنا على الله" في مواجهة الفيلق السابع
الامريكي في محاولة تغطية انسحاب القوات العراقية ومنع تطويقها كلها (وهو
الأمر الذي أدى بالفعل إلى تمكن فرق عديدة من الافلات من حركة التطويق
الامريكية). الفرقة العراقية وقفت ومعها مئتين دبابة أمام قوة امريكية تفوق
عدداً تملك ألف دبابة عدا عن التفوق التكنولوجي العالي والسيطرة الجوية.
ويعتبر الفيلق السابع الامريكي قوة أكبر وأحدث تسليحاً من الفرق الأخرى
الامريكية ولكنها مع ذلك واجهت أمام فرقة توكلنا مصاعب أكبر من تلك التي
واجهها فيلق المارينز الأقل تسليحاً, وكان السبب في طبيعة الخصم.

لكن فرقة توكلنا قاتلت بشراسة وعناد من ظهيرة يوم 26 حتى صباح 27.... إلا
أن الشراسة لم تكن تكفي....لكن الفارق كان أن عناصر قليلة جداً ومحدودة من
الفرقة العراقية أبدت شيئاً بسيطاً جداً من المهارات التكتيكية المطلوبة
والمناورة والحركة والاجراءات الأمنية والاستطلاع فكان أداؤها أفضل من باقي
فرق الجيش العراقي (رغم أن اداءها التكتيكي والمبادرة والمناورة كانت ما
تزال تقبع تحت المستوى الغربي بكثير). إذ نجحت فرقة توكلنا في تدمير وإعطاب
أعداد من عربات مشاة مدرعة أمريكية من طراز M-2 وM-3 أكثر من أي فرقة
عراقية عراقية كما نجحت في إخراج أربع دبابات أمريكية من طراز M.I.A.I
من المعركة وهو إنجاز لم تحققه أي وحدة عراقية أخرى. أما ما هو السبب في
هذا "الإنجاز" المتواضع جداً ولكن الأفضل بين بقية وحدات الجيش العراقي؟
لأن قائد الفرقة كان قد نصب مواقع مراقبة أمام فرقته للإنذار باقتراب
العدو, ولأن "حفنة" صغيرة جداً من الدبابات قررت الخروج من مواضعها لتناور
وتحصل على موقع يسمح لها بتوجيه ضربة جانبية على العربات المدرعة
الأمريكية, ولأن حفنة ضئيلة جداً من هذه الدبابات قررت فعل ذلك فقد نجحت في
تحقيق نتيجة أفضل من القوات العراقية الأخرى. ولكنها لم تكن إلا أقلية,
فغالبية دبابات وقوات الفرقة تشبثت بعناد بمواقعها دون مناورة حتى عندما تم
اجتيازها والالتفاف عليها, كما أن هذه الدبابات كانت تقاتل لوحدها والمشاة
لوحدها. ولنا أن نتوقع ماذا كانت ستكون النتيجة لو أن كل دبابات فرقة
توكلنا قررت اتباع مثال ذلك العدد الصغير جداً من الدبابات التي عرفت أهمية
المناورة والحركة فنجحت في إصابة العدو رغم الفارق الهائل جداً في
التكنولوجيا بين الطرفين والفارق الهائل في مدى مدفعية دبابات الطرفين؟ لا
شك أن الفرقة كانت ستخسر المعركة بالتأكيد ولكن ليس قبل التسبب بوجع رأس
كبير للأمريكان.

في سنة 1973 كان صاحب الأداء الميداني الأفضل هم قادة الفرق السوريون (وقد
جئنا على ذكر من أثنى عليهم المؤلف وهم حسن تركماني وتوفيق الجهاني وعلي
أصلان) حيث كان لمبادراتهم الشخصية وتقديرهم للموقف ومحاولة استغلال الفرص
الناجحة أثره في تحقيق الاختراقات الأولية ثم إدراك خطر الموقف بسرعة عند
بدء الهجوم المضاد الاسرائيلي. ولكن أداء قادة الفرق لم يكن يكفي لتحسين
الأداء الاجمالي للتشكيلات التكتيكية على الأرض ولم يكن هؤلاء قادة الفرق
بجهودهم أن يعوضوا تعويضاً كاملاً عن جمود وبساطة أداء معظم مرؤوسيهم من
قادة ألوية وكتائب فما دون.

أما سنة 1982 فجاءت بدليل آخر على فوائد أخذ المبادرة والحرية ورد الفعل
السريع والمناورة وشن الهجمات المضادة. وظهرت هذه الخصائل بشكل واضح (وإن
لم يكن بالمستوى المقارن بالغرب كما يرى المؤلف) عند القوات الخاصة السوري.
إذ أن هذه القوات كانت الأفضل بين جميع وحدات الجيش السوري الأخرى وقاتلت
بشكل أكثر مرونة وأصابت الاسرائيليين بخسائر أكبر من باقي الوحدات السورية
الأخرى, وتبين أن خيار القيادة الاستراتيجية السورية بزج هذه القوات كان
أفضل خيار قامت به وربما أنقذت بهذا الخيار الوجود السوري في لبنان وضمنت
نجاة الجيش السوري من التطويق. فالتقدم الاسرائيلي لم يجر كما خطط له
الاسرائيليون وكان أبطأ بكثير مما كانوا يتوقعونه, وكان الفضل بشكل ليس
بقليل يعود إلى القوات الخاصة السورية. إذ أن هذه القوات نصبت الكمائن مرة
تلو الأخرى للقوات الاسرائيلية عند الممرات الجبلية, وكانت هذه القوات
تتميز بمهارات جيدة في الاختباء واستطلاع تقدم العدو, وفي استدراجه إلى هذه
الكمائن, ثم القيام بهجمات مضادة سريعة بمبادرة ذاتية. وقد أدى تعرض
القوات الاسرائيلية إلى هذه الهجمات المتتالية إلى اتخاذ كثير من وحداته
الحذر في تقدمها الذي بطأت سرعته ترقباً لكمائن جديدة تقوم بها القوات
الخاصة السورية التي أنزلت بالاسرائيليين خسائر مفاجئة وثقيلة في بعض
الأحيان. ورغم هذا فإن روح المبادرة هذه وشن الهجمات المضادة السريعة
والمناورة ضد العدو لم تكن موجودة في كل وحدات القوات الخاصة ولم تظهر في
كل المرات (وهذا يعطينا فكرة عما كان سيعانيه الاسرائيليون لو أن نفس هذه
الروح انتشرت في جميع القوات الخاصة المستخدمة في لبنان في كل الأحيان,
فضلاً عن بقية الوحدات السورية والمدرعة منها بالخصوص - ويبدو أن الشعور
بالانتماء إلى قوة عسكرية متميزة عن الغير قد غذى شعور أفرادها بضرورة
تمييز أنفسهم الأمر الذي أدى إلى اطلاق مواهبهم ومحاولة اتخاذ المبادرات
الجيدة بأنفسهم). ويبدو بالفعل أن السوريين أدركوا هذه الفوائد ونقاط القوة
هذه الموجودة في القوات الخاصة التي بين أنها الأكثر فعالية فيما يملكونه
فقاموا بتوسيع هذه القوات حيث شكلوا فرقة كاملة هي الفرقة 14 قوات خاصة
إضافة إلى عدة ألوية خاصة مستقلة.

مثال آخر نجده في الجيش الأردني سنة 1967 في الأداء الجيد الذي أبداه
اللواء 40 المدرع على الضفة الغربية. ويرى المؤلف أن السبب في هذا الأداء
لم يكن في كون اللواء نفسه أفضل من التشكيلات الأردنية الأخرى حيث قاتل هذا
اللواء في مناسبات أخرى ودون فعالية كبيرة... ولكن فعالية اللواء نبعت من
قائد اللواء راكان الجازي الذي اعتبره الأردنيون والاسرائيليون والامريكان
ضابطاً متميزاً جداً ومختلفاً تماماً عن باقي قادة التشكيلات الأردنية,
ومتميزاً بروح هجومية ومهارات تكتيكية حيث حث قواته على استخدام النار إلى
جانب المناورة, وحرص حرصاً كبيراً على استخدام حرس مقدمة لاستطلاع قوات
العدو كي لا يفاجأ وعمل على نشر قواته بشكل يسمح بمحاولة الاحاطة بالقوة
الاسرائيلية المهاجمة, وحين تعرضت قواته لحركة التفاف عمل فوراً على
التراجع لضمان عدم تطويقه. وهكذا تمكن لواؤه من صد هجوم قوة مدرعة
استطلاعية اسرائيلية على تقاطع "قبطية", ثم أرسل قوته الرئيسية لصد الهجوم
الاسرائيلي على جنين, وحينما أرسل الاسرائيليون قوة مدرعة لدعم قوتهم
الاستطلاعية رصدت وحدات استطلاع الجازي القوة وكمنت للقوة الاسرائيلية
ودمرت لها عدة مدرعات قبل اجبارها على التراجع, ثم حاولت الدبابات
الاسرائيلية مرة ثانية تغيير جهة الهجوم ومرة ثانية تصدى الجازي لهم. في
النهاية وبعد عملية تطويق واسعة من قبل عدة وحدات اسرائيلية إلى جانب
الطيران الاسرائيلي, عمد إلى الانسحاب بدلاً من تعرضه للتطويق. كان هذا
اللواء 40 المدرع أفضل الوحدات أداءاً في الجيش الأردني في تلك الحرب ويمكن
مقارنة أداءها بأداء وحدات أخرى ظلت في أماكنها تتشبث بالدفاع عنها ولكن
دون التحرك منها وتعديل مواقعها, ولكن هذا الأداء كان يتحسن فقط حين يتم
الاشراف عليه من قبل الجازي نفسه, ففي المعارك التي خاضتها وحدات من ضمن
نفس اللواء دون وجود اشراف مباشر من الجازي كانت هذه الوحدات تقدم أداءاً
سيئاً, وفي النهاية لم تكن مهارة رجل واحد كافية لجعل اللواء يقاتل بالجودة
المطلوبة واستخدام طاقاته الكامنة, كما لم يكن أداء جيد للواء واحد كافياً
لإنقاذ جبهة بكاملها تقع تحت مسؤولية عدة وحدات عسكرية وليس وحدة عسكرية
مفردة.

ولكن الأداء التكتيكي الأفضل على الإطلاق في التاريخ العسكري العربي من
وجهة نظر بولاك هو أداء الفيلق العربي (الأردني) في سنة 1948. إذ امتاز
ضباط الفيلق هؤلاء بكل الصفات المطلوبة وقدموا أداءاً جيداً هو الأفضل بين
ضباط الجيوش العربية الأخرى من اقتناص فرص وإعطاء الأهمية للمناورة ومزج
جهود صنوف الأسلحة المختلفة والتنسيق فيما بين سلاح المدفعية وهجمات المشاة
والمدرعات (سيارات مدرعة في الغالب وليس دبابات), وكان ذلك في مواجهة
هجمات اسرائيلية غير كفؤة ومكلفة في الأرواح وتعاني من نفس الأخطاء التي
عانت منها الجيوش العربية, وبالتالي كان هناك اختلاف بين المهارات
التكتيكية لضباط الفيلق العربي (ممزوجة بالمهارات الفردية العالية للجنود
الاردنيين) وبين تلك الاسرائيلية [وهذه أمور نسبية فالمهارات التكتكيكية
الاسرائيلية اقل من تلك الاردنية بشكل عام ولكنها مساوية وربما أفضل من
جيوش عربية أخرى في تلك الحرب, كما أنه لم تكن كل التشكيلات الاسرائيلية
بنفس المستوى من الجودة او السوء وكان بينها تشكيلات عالية المهارات]. وفي
معارك القدس طور الفيلق اسلوباً ممتازاً في استدراج الاسرائيليين الذين
كانوا يحالون فك الحصار عن الحي اليهودي ثم مباغتتهم بالنيران من كل ناحية
وانزال خسائر فادحة بهم وصد الهجمات الاسرائيلية المتكررة الواحدة تلو
الأخرى, بل حين تعرض الفيلق لهجوم مفاجئ غير متوقع عمد بسرعة إلى شن هجوم
مضاد هزم فيه الاسرائيليين واعاد اغلاق المدينة القديمة وعزلها عن القطاع
الذي يسيطر عليه الاسرائيليون. وكان احد ابرز معارك الفيلق بعد احتلال
اللطرون ثم محاولة الاسرائيليين شن هجوم مضاد لاستعادته وكان هجوماً جبهياً
سيء الاعداد في مقابل دفاع أردني ممتاز صد الهجوم الاسرائيلي مرتين منزلاً
خسائر هائلة بالاسرائيليين بلغت في الهجوم الأول الذي بدأ ليلة 24-25 مايو
ألفين قتيل في يوم واحد. وكان لدور الضباط الأردنيين الميدانيين [برز في
معارك اللطرون الأداء الجيد لقائد الكتيبة الرابعة مشاة الكولونيل المجالي]
واتخاذهم قرارات الهجوم والدفاع بإدراك جيد للوضع العام وأين يجب أن ينصب
الجهد التكتيكي لدعم الوضع الأعم وبمبادرة شخصية, الأثر الفعال في هذه
الخسائر الفادحة وفي هذا الأداء لجيش عربي اعتبره كينيث بولاك الأفضل في
تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي. أما كيف حصل ذلك؟ فقد استفاد الفيلق
العربي من وجود الضباط البريطانيين فيه والذين أدى وجودهم وطريقة عملهم على
خلق جو مشجع يدفع ويحث الضباط على أخذ المبادرة بأنفسهم وعلى إعطاء
صلاحيات أكبر وهامش حركة لصغار المراتب لاتخاذ القرارات المناسبة والتي
تخدم الهدف الأعم, وفي هذا الجو تمكن ضباط الفيلق الأردنيون من إخراج
مهاراتهم وكفاءاتهم وجعل قيادة القوات تُسند لمن يبدي هذه المهارات وهذه
المبادرات. والمؤلف يقارن بين هذا الأداء وسلاح الضباط ذاك وبين الأداء
التالي وسلاح الضباط التالي للجيش الأردني في عدة اشتباكات لاحقة مع
الاسرائيليين في الفترة التي تلت اخراج الضباط البريطانيين من الخدمة, وهي
الخطوة التي ظن الأردنيون أنها ستكون مناسبة لمستقبل الجيش الاردني, لكنها
ربما كانت أكبر خطأ ارتكبه الأردنيون في تاريخهم العسكري.[في المقابل كان
وجود الضباط البريطانيين يتبعه شروط من جانب الحكومة البريطانية بعدم
الاندفاع اكثر من اللازم في تهديد وجود الدولة اليهودية] وأثر على أدائهم
التكتيكي اللاحق في مقابل ارتفاع المستوى التكتيكي للاسرائيليين على مر
السنين.


العامل الاستراتيجي ودور القيادة العليا:
لا يمكن أبداً التخفيف من أهمية امتلاك استراتيجية وقيادة استراتيجية جيدة
[هناك امثلة كثيرة في التاريخ عن قادة عباقرة في التكتيكات ولكنهم خسروا
لأنهم لم يمتلكوا استراتيجية ناجحة]

الأداء الاستراتيجي العربي تراوح بين الجيد والسيء وبين وجود خطط جيدة وبين
عدم وجود خطط بالمرة, ولكن استنتاج المؤلف أن الأداء الاستراتيجي العربي
لم يكن شديد التأثير من حيث كونه العامل الحاسم في النتائج العسكرية
العربية, فوجود استراتيجيات جيدة لم يكن ليعوض عن عجز التشكيلات التكتيكية
عن تنفيذ هذه الاستراتيجيات, وكل ما استطاعت القيادات الاستراتيجية فعله هو
إما مفاقمة الأداء السيء اساساً للتشكيلات التكتيكية او في أفضل الأحوال
تخفيف الضرر الناتج عن ضعف أداء هذه التشكيلات, وفي الحالات التي تم فيها
تحقيق نجاحات عسكرية فقد كان الأمر يتطلب جهوداً خارقة وجبارة من هيئات
الأركان العربية وتخطيطاً دقيقاً لتحقيق نجاحات بسيطة على الأرض.
ففي عام 1948 كان العراقيون بالكاد يمتلكون استراتيجية ولم تتابع القيادة
العليا العمليات في فلسطين [وهو التفسير الطبيعي لـ "ماكو أوامر" الشهيرة].
في حرب الشمال في بداية الستينات لم يكن العراقيون يمتلكون استراتيجية
جيدة, ومع مرور الوقت بدأوا بتطبيق استراتيجيات أفضل ولكن ضعف التشكيلات
التكتيكية خانهم ثانية. في بداية الحرب على ايران كان صدام معتمداً على
قادة كبار كان الولاء السياسي هو المعيار الاساسي لاختيارهم وكنتيجة لذلك
دخل الجيش العراقي الحرب بدون خطة واضحة, ولكن بمرور الوقت والأداء الفاشل
للجيش العراقي استبدل صدام شيئاً فشيئاً قادته الكبار بقادة ألوية وهيئة
أركان أكفاء جداً (يذكر المؤلف ماهر عبد الرشيد - هشام صباح الفخري - سعدي
طعمة الجبوري - صلاح عبد محمود - اياد الراوي - حسين محمد رشيد التكريتي)
وهم قادة ميدانيين كبار واعضاء في هيئة الاركان العليا اتخذوا ردود الفعل
المناسبة والصحيحة على الهجمات والاختراقات الايرانية.
بل يرى كينيث بولاك أن الأداء الاستراتيجي لهيئة الأركان العراقية لم يكن
سيئاً بل اتُخذت قرارات مناسبة (طبعاً كان قرار الدخول في الحرب ضد قوة
متفوقة ليس فقط تكنولوجياً بل في الفعالية والكفاءة التكتيكية لتشكيلاتها
قراراً خطأ ولكنه كان قراراً سياسياً ولا دخل لأداء هيئة الأركان فيه) إذ
حاولت القيادة العسكرية العراقية تعجيل المعركة البرية عبر الهجوم على
الخفجي (وهو الأمر الذي لم يكن يريده الحلفاء ليسمحوا بأكبر ضرر يحققه
الطيران) وحين لم يفد ذلك ألغي الهجوم, وحين بدأت الحرب البرية أبقت
القيادة الاستراتيجية على قوة الحرس في الخلف لصد اتجاه الاختراق الامريكي,
وحين تبين أن الاختراق يتم من على الغرب تم تحريك هجوم مضاد لصده, وحين
فشل هذا الهجوم تم اصدار الأمر بسحب الوحدات الضاربة وتوزيعها لحماية
الطريق الى بغداد والمدن الرئيسية ثم تمت التضحية بفرقة توكلنا للحرس
الجمهوري من أجل حماية انسحاب اكبر قسم ممكن من القوات من الكويت وضمان
عدم تتطويقها (يذهب إلى المؤلف إلى أن هذا القرار الذي اتخذته هيئة الأركان
ودفع فرقة توكلنا لتعطيل التقدم الامريكي كان هو السبب في تمكن صدام
اللاحق من قمع الانتفاضتين الشيعية والكردية في أعقاب نجاحه بانقاذ قسم
كبير من قوات الحرس بسبب هذا القرار العسكري الصحيح من جانب هيئة الأركان
العراقية).
بل يذهب المؤلف إلى أن هيئة الأركان العراقية التي نشأت في الفترة اللاحقة
من الثمانينات كانت إلى جانب هيئة الأركان المصرية في أوائل السبعينات أفضل
هيئتي أركان شهدهما التاريخ العسكري العربي. ولكن المشكلة كانت دائماً في
أداء التشكيلات التكتكية وأداء صغار القادة والضباط الذين لم تكن تؤهلهم
مهاراتهم [أو ربما روح المركزية الشديدة في القيادة التي لا تسمح بظهور هذه
المبادرات الشخصية والمهارات] لتنفيذ هذه الخطط وتطبيق هذه الاستراتيجيات
على الأرض.

ومثل ذلك الأداء الاستراتيجي السوري المتواضع في 1967 والذي تحسن بكثير سنة
1973 وكان مسؤولاً بالدرجة الأولى عن النجاحات الأولية التي تحققت في تلك
الحرب. بل يرى المؤلف في الأداء السوري 1982 مثالاً جيداً على أداء
استراتيجي جيد تمثل باستخدام الممرات الجبلية لتعويق التقدم الاسرائيلي
واستخدام القوات الخاصة الاكثر كفاءة في الجيش السوري لنصب سلسلة من
الكمائن للعدو, وإشراك الطيران السوري لعزل الطيران الاسرائيلي عن المعركة
على البر وكلها كانت قرارات صائبة, ولكن مع ذلك خسر الجيش السوري المعركة
في لبنان (رغم أنها لم تكن هزيمة حاسمة) لأن تشكيلاته التكتيكية لم تكن
قادرة على مواكبة حرب الحركة السريعة والتي تطلب الاسراع في رد الفعل وأخذ
القرارات والمناورة.

وفي مقابل الأداء السيء للقيادة المصرية العليا سنة 1967 الذي فاقم من وضع
عسكري سيء بالأساس كان هناك أداء استراتيجي وقرارات جيدة على مستوى القيادة
العسكرية العليا سنة 1956 [بين 1956 و1967 كان التغير الذي حصل هو أن
الاسرائيليين طوروا ليس مهاراتهم الاستراتيجية بل التكتيكية لصغار ضباطهم].
وفي حرب الاستنزاف وفي أعقاب الاصلاحات التي اجراها عبد الناصر في الجيش
وجعله أكثر احترافاً وبعيداً عن السياسة برز جيل جديد من القادة الكبار
الممتازين أداروا حرب الاستنزاف بشكل جيد معتمدين فيها على نقاط القوة
الموجودة في الجيش المصري وتجنب خوض حرب تتطلب ذلك النوع من المهارات
التكتيكية والمبادرة لدى صغار القادة والضباط والتي كان الجيش المصري
(كغيره من الجيوش العربية) يعاني منها. وفي حرب 1973 أدت هيئة الأركان
المصرية أفضل أداء لها على مستوى التاريخ العسكري العربي (إلى جانب هيئة
الأركان العراقية) وأقدمت على عملية تخطيط دقيقة للعبور يقارنها المؤلف
بالجهود التي بذلتها هيئة أركان الحلفاء لغزو أوربا في 1944, مع الفارق أن
هيئة الأركان المصرية كان عليها أن تعتمد على جهدها الخاص لتحقيق نجاح على
الأرض لأن أداء التشكيلات التكتيكية لم يكن بالمستوى الذي يؤهلها لتحقيق
نجاح يشابه ذلك الذي حققه الحلفاء سنة 1944 رغم الجهود الجبارة والممتازة
جداً لهيئة الأركان هذه. وفي رد الفعل على الاختراق الاسرائيلي في
الدرفسوار انقسمت القيادة العليا بين رأيين كان أحدهما يدعو لسحب قوات
مصرية من الضفة الشرقية إلى الغربية, في حين رأى القسم الآخر عدم سحب
القوات والمراهنة على وقف اطلاق النار. ويعتبر المؤلف أن للقرارين ميزات
وبشكل عام هما قراران صحيحان ومعقولان مع أنه يميل إلى أن القرار الثاني
بعدم سحب قوات إلى الضفة الغربية كان ربما القرار الأفضل بسبب معرفة
اسماعيل علي الجيدة بقواته وقدراتها وتقديره أن هجوماً مضاداً على
الاسرائيليين لم يكن لينجح في حين كانت الضفة الشرقية سيضعف مركزها بسبب
سحب المدرعات.

ولم يكن هيئة الأركان الأردنية هو الآخر سيئاً في حرب 1967 و1968 في معركة
الكرامة. فكان التنبؤ بمحاور التقدم الاسرائيلي الرئيسي صحيحاً وردود الفعل
التي اتخذتها القيادة العليا على المستوى الاستراتيجي والعملياتي كان
جيداً هو الآخر. والخطأ الذي ارتكبته القيادة العليا بإرسال المدرعات
الأردنية في سنة 1967 إلى الداخل للالتقاء بالقوة المصرية المزعومة لم يكن
قراراً سيئاً بل صحيحاً وكل ما هنالك أنه لم يكن مبنياً على معلومة صادقة.

إذن كما نرى فإن ارتفاع او انخفاض مستوى القيادات الاستراتيجية العربية كان
له تأثير محدود جداً في تحسين مستوى القتال ولم يكن قادراً على جعل جيوشها
تستفيد من طاقاتها وامكاناتها الكامنة, وتطلب الأمر تحسناً كبيراً في أداء
قادة الفيالق وهيئات الأركان لتحقيق تقدم متواضع على الأرض..... إذ لا
يمكن توقع نتائج عالية بالاعتماد فقط على جهود القيادات العليا, ومهما أتت
عقولها بخطط عبقرية وردود فعل صحيحة فإنه لا يمكن أن تترجم بنجاح على الأرض
إذا لم يكن يعرف من هم في المستويات الأدنى في السلم القيادة كيفية
ترجمتها في ميدان المعركة. إذ لا يمكن لهيئات الأركان أن تتدخل في كل تفصيل
لعمل كل لواء وكتيبة وسرية وفصيل وإفهامها كيف عليها أن تعمل وأين تناور
وكيف تنسق جهود صنوف الأسلحة المختلفة.

على مرور السنين حاولت القيادات العسكرية العليا في الدول العربية بين فترة
وأخرى محاولة تشجيع روح المبادرة وإعطاء المجال لظهور مرونة عند صغار
القادة وتشجيع صنوف الأسلحة المختلفة (مشاة - مدفعية - مدرعات) على التدرب
سوية والتشجيع على إعطاء تقارير صحيحة ودقيقة عن الأوضاع....لكن معظم هذه
الجهود لم تنفع, وفي أوائل السبعينات حين احتاج السوريون, والمصريون بشكل
أخص في 1973 والعراقيون في أواخر الثمانينات انتزاع نصر عسكري بأي ثمن
بدأوا شيئاً فشيئاً يصلون إلى استنتاج أنه لا يمكن الاعتماد على القدارت
الذاتية لتشكيلاتهم التكتيكية وصغار ضباطهم, وأنه إذا أرادوا شيئاً من
الأداء التكتيكي الصحيح فإن على هيئات الأركان العربية تلك أن تجد حلاً
يستفيد من تلك السيئات التي تمتاز بها التشكيلات التكتيكية العربية وصغار
ضباطها وتحويلها إلى ورقة رابحة لصالحها. في 1973 كان المصريون قد وجدوا
الحل, وتلاهم العراقيون في 1988.


وجدتها !!! كيف حل المصريون والعراقيون هذه المشكلة:

ربما أخذ العراقيون الحل من المصريين في حين يصر العراقيون أنهم أخذوا الحل
بأنفسهم وفي كل الأحوال فقد كان حل مناسباً لمشاكلهم التكتيكية وتطلب
جهداً جباراً من جانب هيئتي الأركان العراقية والمصرية.

قررت هيئتي أركان البلدين إذن أنه إذا لم تشأ وحداتها التكتيكية وضباطها
الميدانيين, أخذ المبادرة وشن هجمات سريعة وخاطفة, وإذ لم تشأ إجراء حرب
حركة ومناورات وإذا رفض مشاتها ودباباتها ومدافعها أن تعمل سوية في جهد
منسق, وإذ رفضت أن ترد على مناورات العدو بهجمات مضادة دون بطء وتأخير
وانتظار وصول أوامر من الأعلى, فإن هيئة الأركان ستقوم بكل ذلك بدلاً عن
هذه التشكيلات وهؤلاء والضباط وستقوم برسم هذه الحركات و"المبادرات" حرفياً
وإعطائها لهذه القوات وكل ما على هذه القوات إذن هو التدرب عليه وتنفيذه
كما هو.

المسألة يمكن تشبيهها تماماً ودون مبالغة بالسيناريو المعطى للممثل, حيث
على الممثل أن يقول العبارة كذا في اللحظة كذا ويأتي بالحركة تلك في اللحظة
تلك. رسمت هيئة الأركان المصرية لقواتها المسلحة سيناريو عبور قناة السويس
ثم التقدم الذي يجري بعده وصد الهجمات الاسرائيلية المتوقعة. كذلك هيئة
الأركان العراقية في بداية 1988. رسمت هيئة الأركان لكل لواء وكتيبة وسرية
وأحياناً حتى فصيل أين يتمركز ومن أين ينطلق وما هي المسافة التي سيقطعها
وفي اي ساعة واي دقيقة عليه ان يعبر النقطة كذا ومتى يلتفت إلى اليمين ومتى
إلى اليسار, ومتى في اللحظة كذا تتجمع المشاة إلى جانب الدبابات والمدفعية
بحيث يكون عملها منسقاً مع بعضها البعض, كما وضعت سيناريو طوارئ لكل
الاحتمالات الممكن تخيلها, فإذا لم يأت هجوم العدو من اليمين فكيف يمكن صده
من اليسار, وتدربت القوات على هذه الخطط عشرات المرات!! ولفترات طويلة على
نماذج بالحجم الاصلي لتحصينات العدو وعلى أرض مشابهة, بحيث أصبح كل ضابط
وكل جندي قد حفظ عن ظهر قلب كل خطوة وكل متر يقطعه وأين يتوقف ومتى يطلق
النار, بل ويعرف مسبقاً ما هو رد فعل العدو وكيف عليه أن يتصرف.

يوم 6 اكتوبر حقق المصريون عبوراً ناجحاً ومفاجئاً للقناة دون تمكن
الاسرائيليين من ايقافهم, ثم نزلوا على الضفة الشرقية ليبدأوا زحفهم شرقاً.
وفور أن سمع الاسرائيليون النبأ أسرعت مدرعاتهم باتجاه الغرب ظناً منها
أنها ما تزال تجابه نفس القديم, وكما هو متوقع تماماً من قبل هيئة الأركان
هاجم الاسرائيليون يوم 7 عبر مواقع المشاة المصرية المزودة بالقاذفات
الصاروخية, وبقيت هذه المشاة جالسة في مكانها وقد موهت نفسها ثم لتقوم بضرب
الدبابات الاسرائيلية من الخلف وتعاونها المدرعات المصرية من الأمام....
ثم كرر الاسرائيليون الهجوم في اليوم التالي ليصابوا بفشل بائس مشابه,
وكانت النتيجة مذبحة فقد فيها الاسرائيليون مئات الدبابات, اصابة
الاسرائيليين بالذهول لمواجهة خصم قد غير تكتيكاته وصار قادراً على
المناورة وتنسيق عمل اسلحته في جهد واحد.

بين 17 ابريل و12 يوليو 1988 تمكن الجيش العراقي أخيراً في عمليات خاطفة
بالفاو وبحيرة السمك ومهران وجزر مجنون ودهلوران من تحقيق ما عجز عنه طوال
الفترة السابقة ودفع في سبيله آلاف الضحايا. والفاو التي استعصت على
الهجمات الضخمة العراقية والتي استخدم فيها حتى السلاح الكيمياوي دون فائدة
سقطت بسرعة عجيبة, والوحدات العراقية البطيئة عادة والتي ترفض التزحزح
والمناورة ومزج جهود اسلحتها المختلفة صارت تعمل بشكل مختلف تماماً عن
سنوات الحرب السابقة, ونجحت في هذه الفترة من خمس هجمات سريعة في تدمير
القوة الايرانية المقاتلة واخراجها من المعركة. وكان هذا النجاح نتييجة
تطبيق نفس الوصفة, وتدربت قوات الحرس الجمهوري على هذه الهجمات لعشرات
المرات لفترة طويلة على نماذج شبيهة بالعوائق التي كان عليهم ان يجابهوها
وأخذوا اوامر رُسم فيها كل ردود فعل العدو المحتملة وكيف يمكن ان يتم
الاستجابة لها.

ولكن كان هذا هو أقصى ما تستطيع القوات المصرية والعراقية تحقيقه (السوريين
لجأوا إلى نفس العلاج ولكن ليس بنفصل التفصيل والتدقيق الممل كالمصريين
وربما كان محدودية نجاحهم مقارنة بالمصريين يعود إلى ذلك).

كان يوجد في هذا الحل عيب كبير للغاية, وهو أن الامور ستبقى تسير على ما
يرام طالما ان الاحداث المتنبأ بها ستحدث بالضبط كما هي, وطالما تم أخذ
العدو على حين غرة وطالما دامت العمليات فترة قصيرة جداً.
فالخلل في هذا الحل أنه لا يمكن الاعتماد على سير العمليات بالصورة المتنبأ
لها لأكثر من ايام قليلة. فبعد مرور هذه الايام لا يمكن توقع سير الاحداث
كما تتوقع هيئة الأركان لها أن تقع, ولهذا إن دامت العمليات أكثر من هذه
الفترة المحدودة فستعود الامور لتسير بشكل سيء. والعيب الآخر هو أنه حتى
أثناء تنفيذ العمليات الممتازة حين تسير بعض الامور الصغيرة بشكل غير متوقع
في الخطة فإن الوحدات المصرية والعراقية تعود إلى جمودها وتصلبها والاصرار
على تنفيذ التعليمات الحرفية دون اهتمام بالواقع الجاري.

لقد كانت المشكلة الأكبر أن القوات العربية التي تدربت على هذه الخطط
ونفذتها لم تكن قادرة على العمل بنفس الكفاءة والفعالية خارج إطار الخطة.
إن القوات العراقية والمصرية التي نفذت هذه الخطط الممتازة وحققت نتائج
جيدة لم تتعلم المناورة ولم تتعلم رد الفعل السريع على الأحداث الطارئة,
ولم تتعلم مزج مشاتها ودباباتها ومدفعيتها... كل ما فعلته أنها قامت بنفس
ما تعودت القيام به دائماً وهو التطبيق الحرفي لهذه الخطط, انها لم تتعلم
فوائد ما جاء في هذه الخطط وتستفيد مما جاء فيها وتدخلها في نظامها
وممارساتها, كل ما هنالك أن الأوامر هذه المرة جاءت بشكل أكثر دقة وحرفية
وطبقتها هذه القوات بنفس الحرفية التي تعودت بها تطبيق الاوامر الأخرى.

طبعاً لنجاح هذه الخطط حدود, إذ لا يمكنها أن تنجح إلا حينما يتخذ الجيش
المبادرة في الهجوم وبشكل مفاجئ ويجبر العدو على حركات متوقعة (مصر -
اسرائيل) , أو حين يكون العدو ضعيفاً ومنهكاً ولا يملك ما يجابه به سرعة
الحركة للجيش العربي الذي ينفذ هذه الخطة (العراق - ايران). أما إذا أخذ
العدو زمام المبادرة وكان يتصرف بطريقة مفاجئة غير خاضعة للتوقع المسبق
(امريكا - العراق) او أفاق من المفاجأة وبدأ يستعيد زمام المبادرة (اسرائيل
- مصر) فإن مستوى التشكيلات العربية سيعود للانحدار مرة ثانية وستبدي نفس
هذه التشكيلات التي أدت اداءاً ممتازاً في السابق أداءاً سيئاً في وقت
لاحق.

لهذا بالضبط اقتصرت الهجمات العراقية في معظم الاحيان على عمليات سريعة
خاطفة يتم التقدم فيها عدة كيلومترات إلى داخل الاراضي الايرانية وتنفيذ
العمليات وتدمير العدو قبل العودة الى الانسحاب عبر الحدود لأن الاستمرار
طويلاً كان سيعني الاضطرار الى خوض عمليات جديدة غير خاضعة لهذا النوع من
التخطيط المفصل والدقيق للغاية وبالتالي سيؤدي إلى ظهور نفس المشاكل.

ولهذا السبب اقتصرت الجهود التخطيطية المصرية (الممتازة جداً بالمناسبة)
للقادة الألمعيين اسماعيل علي والشاذلي والجمسي على نقل الجيش من الضفة
الغربية الى الضفة الشرقية وتأسيس رؤوس جسور ثم صد الهجمات الاسرائيلية
المتوقعة والبقاء في مواقعها, لسبب واحد انهم كانوا يعرفون ان المهارات
التكتيكية لقواتهم لم تكن تسمح بعمليات اوسع من ذلك بما يعني ذلك من دخول
عمليات غير مخططة لها نفس هذا التخطيط الدقيق الذي يتطلب وقتاً طويلاً,
ودخول عمليات يكون فيه رد فعل العدو غير متوقع بما يتطلب ذلك من مهارات
صغار القادة وبذل جهد ذاتي في اتخاذ المبادرة وتحقيق تنسيق الاسلحة
المختلفة وهي المشكلة التي لم يمكن حلها في القوات المصرية برغم من جهود
التدريب الطويلة. ولهذا رفض اسماعيل علي القيام بالهجوم يوم 14 اكتوبر
لتخفيف الضغط عن سوريا, لأن الفرصة للتخطيط لمثل هذا الهجوم لم تكن
متوافرة, والتشكيلات التكتيكية لم تكن قادرة على تنفيذ هذه المهمة بجهدها
الذاتي. وأصر السادات على موقفه وفشل الهجوم الذي تحول الى كارثة خسرت
خلالها مصر 256 دبابة في يوم واحد بسبب نفس المشاكل التكتيكية التي نوقشت
في الحلقة الماضية على صفحة ايلاف (الحلقة الثالثة). كما أدى الجيش المصري
اداءاً سيئاً على الضفة الغربية من القناة لأن مواجهة اختراق اسرائيلي عبر
الدرفسوار لم يكن أمراً داخلاً في حسابات الخطط, ولم تكن القوات المصرية
قادرة على القضاء على الهجوم الاسرائيلي (في رأي المؤلف) دون نفس النوع من
التخطيط الدقيق المفصل والذي بكل الأحوال لم يكن لينجح لأن مثل هذا التخطيط
يعتمد على مباغتة العدو وليس في مناخ يتخذ فيه العدو المبادرة.

وبنفس الطريقة لم يكن الجيش العراقي ان ينفذ ضد الامريكان والبريطانيين
والفرنسيين نفس ما كان نجح فيه ضد الايرانيين بسبب سرعة الحلفاء ومهاراتهم
التكتيكية الأعلى مقارنة بالايرانيين [الذين كانوا في مواجهتهم مع العراق
يعانون ايضاً من مشكلة عتاد ومركبات كانت لا تجعلهم قادرين على مواكبة سرعة
الهجمات العراقية].

إذن الحل الذي توصل اليه العراقيون والمصريون وبشكل جزئي السوريون نجح في
حل مشاكل في ظروف معينة ولكن لم تسمح لهم أبداً في حل هذه المشاكل بشكل
يضمن لهم أداءاً جيداً دائماً في حرب نظامية تتطلب الحركة السريعة واتخاذ
المبادرة.
لقد كانت هيئات الأركان العراقية والمصرية صاحبة الفضل الأول [وربما
الوحيد] في نجاحات 1973 و1988.

كيف حلت مشكلة المعلومات:
حل العراقيون والمصريون مثلاً مشكلة معلوماتهم الناتجة عن عدم جدية
التشكيلات الدنيا في الاستطلاع وجمع المعلومات بطرق أخرى اعتمدت على الجهود
الخاصة لهيئة الأركان في جمع المعلومات وكذلك الحصول على المعلومات من
اطراف ثالثة.
ففي الحالة العراقية اعتمدت هيئة الأركان على جهود خاصة بها في اعطاء أوامر
معينة ومتابعة اجراء الاستطلاعات بشكل شخصي من جانب اعضاء هيئة الاركان
عشية كل هجوم بحيث ان جمع المعلومات صار ممكناً فقط بعد وصول اوامر محددة
للتشكيلات الميدانية باستطلاع قاطع معين. ولكن المصدر الأهم للمعلومات كانت
تلك المعلومات الاستراتيجية التي تم تزويده بها من قبل الأقمار الصناعية
الامريكية التي كانت تراقب تحركات القطعات الايرانية وترصد مواقعها ونقاط
تحشدها وبالتالي تعطي العراقيين فكرة محاور الهجوم الايراني. طبعاً مثل هذه
المصادر للمعلومات لم تعد متاحة في 1991 كون المزود السابق اصبح عدو اليوم
وكون الاتحاد السوفييتي اتخذ موقفاً محايداً [وربما اكثر ميلاً ضد العراق
منه محايداً] وبالتالي لم يكن من الممكن الاعتماد على هذا ايضاً, وفي غياب
اي جهود استطلاع بسيطة ميدانية كان الجيش العراقي يعيش في ظلمة مطبقة.

المصريون حلوا المسألة كما قلنا بسبب نجاحاتهم الاولية حيث لم تعد هناك
حاجة للمستويات الدنيا الى المبالغة وتشويه الحقائق. ولكن مصدراً آخر هام
جداً للمعلومات كان الاسرائيليين انفسهم, إذ كان المصريون قد اقاموا محطة
استماع تتنصت على المحادثات اللاسلكية للقيادات الميدانية الاسرائيلية
وبالتالي امكن معرفة التحركات الاسرائيلية بشكل جيد ودقيق [ولا غرابة إذ
انها معلومات من الدرجة الاولى] وخاصة أن الاسرائيليين كانوا يجرون هذه
المحادثات اللاسلكية دون ابداء الحذر المناسب. واستمرت الامور اذن تسير
بشكل جيد حتى يوم 14 اكتوبر حيث نزلت قوة كوماندوس اسرائيلية قامت بتدمير
محطة الاستماع ففقد المصريون هذا المصدر الهام, في حين عادت قواتهم إلى عدم
الدقة والتهويل اوالتهوين في تقاريرها عن الاوضاع على الميدان وخاصة في
اعقاب الاختراق الاسرائيلي الشهير (الدرفسوار), بشكل لم تعد فيه القيادة
المصرية لفترة من الوقت عارفة بحقيقة مجريات الأمور.

وهكذا فإن هذه الحلول أيضاً جاءت بنتائج جيدة واحياناً ممتازة ولكنها كانت
حلول لا تعتمد على الامكانية الذاتية بل على طرف ثالث يقدم هذه المعلومات
طوعاً لأغراض سياسية وقتية (امريكا في حرب العراق وايران) او دون وعي منه
(اسرائيل), ورأينا في الحالتين أن هذه الحلول كانت جزئية مؤقتة كانت
بطبيعتها غير قادرة على اجراء تحسين دائم في الأداء العسكري العربي في هذا
المجال وبالتالي كان لا بد أن تنتشر روح من الشفافية وادراك اهمية تبادل
المعلومات على سلم القيادة والصراحة والدقة في ابلاغ التقارير.

ملاحظة جانبية: لم تأت دراسة كينيث بولاك على عوامل هامة كان لها دور كبير
في عدة من الحروب, كما كان الحال في شحنات الاسلحة التي تدفقت على اسرائيل
في 1948 والجسر الجوي الطارئ في 1973 الذي مكن اسرائيل من تعويض خسائرها
بسرعة للتحول إلى هجوم مضاد. لكن في المقابل يمكن الرد على هذا أن هذه
الامدادات رغم اهميتها فإنه لم يكن لتفيد في أي شيء لو ان الاسرائيليين لم
يمتلكوا المهارات التكتيكية التي تؤهلهم للاستفادة منها. في المقابل فإنه
في المناسبات التي امتلك فيها العرب تفوقاً في السلاح (ليبيا - تشاد او
العراق- ايران) لم يتمكنوا من الاستفادة منها ومن طاقات هذه الأسلحة
وتفوقهم فيها.

استنتاج المؤلف:
إذن الجيوش العربية أبدت نقاط قوة كبيرة من ناحية الشجاعة وتماسك الوحدات
واعمال التموين, كما انها كانت تقاتل بشكل كفوء حين يكون القتال قتالاً
ساكناً كالدفاع عبر استخدام الخطوط الدفاعية والتحصينات (العراقيين في
مواجهة الهجمات الايرانية 1982-1986) او في الدفاع عن المدن (كما في حالة
الدفاع العراقي الناجح عن جنين 1948 او الدفاع المصري الناجح عن مدينتي
الاسماعيلية والسويس في 1973 والقتال الاردني الشرس داخل القدس الشرقية في
1967), وفي شن هجمات يتوفر لها هامش جيد من الوقت للتخطيط لها والتنسيق
بشرط ان يتم الإشراف عليها من القادة الكبار (بعض النجاحات السورية في 1948
الهجمات العراقية 1988 والنجاح السوري والمصري الاولي في 1973. أما في
حروب الحركة السريعة التي توجب أخذ المبادرة من جانب صغار الضباط والوحدات
والتنسيق فيما بينها والدقة في نقل التقارير, فقد أبدت الجيوش العربية بشكل
عام ضعفاً فيها واضح كان هو العامل الرئيسي في أداءها السيئ. ولم يكن
لعامل درجة تسييس الجيوش العربية او احترافها أثر كبير في الأداء العسكري
العربي في غياب الفعالية التكتيكية. فالجيش الأردني مثلاً سنة 1967 وهو جيش
محترف غير مسيّس لم يقاتل بشكل أفضل بكثير من جيوش سورية ومصر 1967 التي
كان التسييس ينهش فيها. كما أن درجة الاحتراف المهني ارتفعت في جيوش مصر
وسوريا في 1973 ولم تؤد إلى تحسين كبير في أداء التشكيلات التكتيكية وكان
التحسن هو في الأداء الاستراتيجي. والجيش السوري الذي كان مسيساً في 1982
بدرجة أكبر من 1973 قاتل رغم ذلك في لبنان بشكل أفضل مما كان الحال عليه في
الجولان. والجيش العراقي تعرض لاصلاحات كثيرة اثناء الثمانينات أعطت
للجانب الحرفي دوراً أكبر مما كان في السابق ولم يؤثر ذلك كثيراً في الأداء
التكتيكي وإن كانت القيادة الاستراتيجية العراقية قد حسنت أداءها بشكل
أكبر بكثير.

أما إلى أين يسير مستقبل الجيوش العربية إذا استمرت مشاكلها على هذا النمط,
فمرهون بالتحولات التي تجري على نمط الصراع العسكري الذي يجري الآن
وسيستمر لعدة سنوات قادمة قبل اتخاذ شكلها الواضح. فالمؤلف يرى أنه في كل
عصر تسيطر قيم وفضائل عسكرية مختلفة وربما يأتي يوم يأتي فيه نوع من الحرب
تكون فيه ممارسات وخصائل العرب و[ربما نقاط ضعفهم] نقاط قوة جديدة تعيد لهم
نفس الأمجاد التي رافقت جيوشهم عند اندفاعها من جزيرة العرب قبل 1400 سنة.
وفي المقابل يمكن أن تكون الحرب القادمة حرباً تعتمد أكثر على نفس الخصائل
التي تشكل نقطة ضعف الجيوش العربية وبالتالي سيزيد الفارق النسبي بين أداء
الجيوش العربية ومثيلاتها من جيوش العالم.


كيف لنا نحن أن ننظر إلى هذه المشكلة وما هو الحل؟

إلى هنا إذن ينتهي كلام الخبير العسكري كينيث بولاك, وربما لنا الآن أن
نعلق بعض الشيء على ما جاء في كتابه Arabs at War. ربما لنضع بعض النقاط
على الحروف ونبدأ بآخر جملتين في الفقرة السابقة فيما يتعلق بمستقبل الحرب,
فلا بأس أن نؤكد أن العقائد العسكرية يبدو أنها تتجه في مجال القيادة إلى
المزيد من التأكيد والاعتماد على اللامركزية في القيادة وازدياد الحاجة في
المستقبل (بسبب تسارع وتيرة العمليات العسكرية المستقبلية) إلى الاعتماد
على المبادرة الذاتية لصغار الضباط وحريتهم في اتخاذ القرارات واتخاذ ردود
الفعل في إطار الخطة والأهداف العامة. على الأقل هذا ما استطيع أن استشفه
أنا من اطلاعي على العقيدة العسكرية الرسمية للقوات البرية الهولندية (في
منشورها الرسمي Militaire Doctrine) التي تشكل جزءاً من الناتو والتي يتم
توليف عقيدتها العسكرية للتتناغم مع تلك الموجودة في الدول الأعضاء
الرئيسية في الحلف, بل إن هذه العقيدة العسكرية الهولندية تؤكد أنه يجب
تدريجياً أن يكون هذا المبدأ في إعطاء هامش للحركة لصغار القادة والاعتماد
على خصالهم وامكاناتهم ومبادراتهم الخاصة مبدأ إلزامياً. وبالتالي نستطيع
توقع ازدياد فارق الأداء التكتيكي بين الجيوش الغربية وتلك العربية اذا ظلت
الجيوش العربية ضعيفة في هذا المجال. كما أن هذا مبدأ تحض عليه دراسات
عسكرية حديثة أخرى (ربما من أفضلها Phantom Soldier) رأت في هذه النقطة
بالتحديد عاملاً رئيسياً ومهماً تمكنت به جيوش آسيوية في القرن العشرين
كالجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية, والجيش الصيني في حرب كوريا,
والفييتنامي في حرب الهند الصينية الاولى والثانية, اقول تمكنت به من
مجابهة ومواكبة التفوق الناري الهائل الغير مسبوق الذي امتلكته قوى غربية
وعلى رأسها الولايات المتحدة. وعلى هذا فإن مستقبل القتال العسكري التقليدي
العربي سيبقى موضع قلق طالما لم يتم تشريب هذه المبادئ داخل الجيوش
العربية.

النقطة الثانية الملفتة في هذه الدراسة هي ما تطرحه من تحاليل ومفاهيم
غالباً ما تكون بالضد من التفسيرات التقليدية العربية للهزائم العسكرية
التي عانت منها جيوش العرب في الخمسين سنة الأخيرة. وغالباً ما تذهب هذه
إلى إلقاء اللوم بكامله على القيادات العليا فهي تارة قيادات تتسم بالخيانة
او بعدم الجدية في افضل الأحوال او بعدم الكفاءة العسكرية. وألقي اللوم في
هزائم العرب كلياً على افراد معينين هم كبعد الناصر والمشير عامر وصدام
حسين والملك حسين الخ الخ. على كل لا يمكن تبرئة هؤلاء من مسؤولياتهم سواء
في ادارة العمليات العسكرية والتدخل في شؤونها بلا كفاءة واحياناً بلا مؤهل
(كما في حالة صدام) او الارتباك واتخاذ القرارات المتضاربة (المشير عامر).

لكن كينيث بولاك رغم تحليله للاخطاء الاستراتيجية للقادة الكبار لم يخرج
الا بنتيجة لا تعجب الغالبية منا بالتأكيد, وهي أن الخلل الأساسي ليس في
القيادات العليا بل في المستويات الدنيا من الضباط.(والوحيدين الذين يبرئهم
كينيث من الأخطاء على مر التاريخ العسكري العربي هم الجنود الذين أدوا ما
كان متوقعاً منهم). وهو استنتاج بالتأكيد لا يعجب الغالبية منا (وحتى انا)
ليس فقط لأنه يلقي باللوم على أغلبية بدلاً من أقلية صغيرة, بل لأن القبول
بهذا الاستنتاج يعني أن اصلاح الأداء العسكري العربي سيكون مهمة أصعب من
مجرد اختفاء الشخصيات القيادية العليا التي ارتبط اسمها تقليدياً
بالمسؤولية الكاملة عن الهزيمة, وسيتعداها إلى مسيرة معقدة تحاول تغيير
نظام عسكري كامل والروح والثقافة التي تسود فيها وتسود المجتمع الذي يخرج
هذه المؤسسة العسكرية.

قبل عدة سنوات هنا [ربما كان ذلك في سنة 2000 ان لم يخب ظني] في هولندة
(مدينة دوردريخت) حضرت ندوة لعدد من العسكريين العراقيين ناقشوا فيها تاريخ
الجيش العراقي وطرحوا مسألة المركزية الشديدة في القيادة وعدم إعطاء فسحة
مجال لصغار القادة باتخاذ مبادراتهم الخاصة دون الرجوع إلى القيادة
العسكرية العليا, وبالتالي القوا بالمسؤولية عن هذا العيب الخطير على
المركزية الشديدة في القوات المسلحة والمسؤولة عنها القيادة العليا بشكل
عام. وهذا صحيح إلى حد كبير وتذهب الدراسة المعروضة هنا نفس المذهب جزئياً
فقط, ولكن المشكلة ذات أطراف متعددة, والمسؤولية مشتركة وحينما يرفض طيارون
مصريون طلب الخبراء السوفييت سنة 1967 انقاذ عدة طائرات قبل ان يتم القضاء
عليها بحجة عدم وجود اوامر بذلك, او ترفض المدافع السورية توجيه نيرانها
نحو القوات الاسرائيلية المتسلقة للهضبة وتضرب بدلاً من ذلك المستوطنات
الاسرائيلية في وادي الحولة وهو تصرف لا قيمة عسكرية له اطلاقاً رغم
مناشدات القادة السوريين والمستشارين السوفييت, وحينما يرفض قائد لواء
عراقي سنة 1991 انجاد فرقة عراقية بل لا يطلب من قائده الإذن بذلك ولا حتى
يوصل خبراً بالأمر فهذه تصرفات غير مبررة اطلاقاً ولا يمكن إلقاء اللوم بها
على القيادات العليا. إن هذا العرض يظهر انه كانت هناك مشاكل كبيرة جداً
في الجيوش العربية هي مشاكل تحسنت على المستويات العليا وبقيت في مجملها في
المستويات الدنيا, وهي مسائل تدعو للعجب وإلى ضرورة البحث عن تفسير
اجتماعي لهذا. [لم يأت المؤلف على هذه الناحية من محاولة تفسير الخلفية
الاجتماعية لهذه المشاكل إلا اللهم تلميحاً سريعاً للمشاكل المتعلقة بصيانة
الاسلحة واستيعاب السلاح الحديث كما جاء في الحلقة الثانية].

مسألة عدم الدقة وربما عدم الصدق في نقل التقارير واحتكار المعلومات مسألة
تعتبر غريبة بعض الشيء في مجتمع تحض ثقافته الدينية نظرياً على الأقل على
الصدق بل ترى أن المؤمن يمكن أن يكون أي شيء إلا أن يكون كاذباً. لكن في
المقابل الانتشار الغير ضئيل لمشاعر الخجل من الفشل والاعتراف بالأداء
السيء والاهتمام بالدفاع عن سمعة ادائك بأي ثمن لا شك تدفع إلى هذه
المبالغات في نقل التقارير وأحياناً الكذب كي يتم تبرير وتقبل فشل الأداء
العسكري. على كل من الصعب قياس ذلك كماً وتحديد مدى انتشار مثل هذه القيم
والمشاعر ومدى فعاليتها وبالتالي الدور الذي تلعبه في الأداء العسكري
العربي ولكن نذكرها هنا فقط لأخذها في الحسبان. وازعم أن هناك تفضيلاً في
مجتمعاتنا العربية على تجنب أن يكون المرء ناقلاً للأخبار السيئة أو على
الاقل حين ينقلها فهو يعمل ما وسعه على التدرج بها وتجزئتها وعدم نقل
الصدمة مرة واحدة [والدوافع لهذا التصرف يمكن وصفها بأنها دوافع انسانية
جيدة ومحمودة] ومن قبيل ذلك على سبيل المثال حين أسمع بعض الناس من المعارف
يعلقون مثلاً بسلبية على قيام طبيب هولندي او طبيب غربي بشكل عام, بنقله
للمريض خبر اصابته بمرض عضال او انه على وشك الموت او غير ذلك, مرة واحدة
ودون تدريج وتهييئ وتجزئة للخبر. وبالرغم أنني أفضل الأسلوب الأخير فيما
يخص نقل الخبير إلى المريض, إلا أن القبول بمثل هذه الروح وهذا السلوك في
العالم العسكري هو ذو نتائج كارثية لا يمكن تحملها والسكوت عنها, فلا يمكن
تبرير ان ينقل العسكريون المصريون لعبد الناصر خبراً في الصباح مفاده أن
الطيران المصري قد دمر الطيران الاسرائيلي وان القوات المصرية تغور في عمق
النقب وذلك كي يتجنبوا مرة واحدة نقل صدمة الخبر السيء والحقيقي بأن ما حدث
كان هو العكس تماماً [والمثال المصري ليس فريداً من نوعه على المستوى
العربي كما رأينا].
وتفسير آخر يذهب إلى احتكار المعلومة وحرص أقلية على أن تملك معلومات
ومهارات وخبرات وعدم مشاركتها مع الآخرين بما يضمن لهم موقعاً أبرز في مجال
عملهم, وانتشار ذهنية وفكرة أن هناك نخبة هي تقرر من عليه ان يعرف ماذا
ومن يحتاج ومن لا يحتاج لمعرفة هذا او ذاك, وهي ذهنية تتسرب حتى في الحياة
المدنية العادية وشهدت أنا بنفسي أمثلة منها غريبة وصعبة على الفهم (لا
مجال للتحدث عنها هنا) ولكنها تفسر ما هو موجود في التجربة العسكرية
العربية من قصور في هذا المجال تجعل الضابط العربي لا يدرك ما هي الصورة
الأكبر وكيف تفيد مهمته في دعم العملية الأوسع.

تبقى المشكلة الأكبر السلبية التي تميزت بها التشكيلات التكتيكية كما رآها
المؤلف بولاك, وعدم اتخاذها المبادرات الذاتية الخاصة او الاستمرار في
تنفيذ اوامر بحرفيتها حتى لو بدا واضحاً ان الوضع على الأرض لا يسمح بذلك
بالمرة.
سيكون من المثير للاهتمام جداً دراسة الاسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة.
وأنا بالمناسبة لا أزعم هنا تقديم تفسيرات قطعية وإنما أثير بعض التساؤلات
والتي سبق أن تم اثارة ما يشبهها على صفحات ايلاف سابقاً في سياقات أخرى.

كتفسير يخطر على البال لأول وهلة يظهر القول بأن المؤسسة عسكرية يفترض بها
أنها مرآة للمجتمع الذي تنبت منه هذه المؤسسة وبالتالي فإن انعدام انتشار
قيم الديمقراطية والحرية الفردية واطلاق الطاقات الابداعية للانسان وابعاد
القيود والمحرمات الفكرية في الحوار الثقافي والاجتماعي كل ذلك يؤثر على
أداء المؤسسة العسكرية وعلى اطلاق او تقييد مواهب العسكريين العرب. وبالفعل
ظهرت دراسات تاريخية عسكرية مهمة حديثة تذهب إلى تفسير الانتصارات الغربية
المتتالية وصعود الغرب كقوة عسكرية لا يجاريها مجار, أقول ذهبت هذه
الدراسات (من اشهرها Carnage and Culture او "المذبحة والثقافة") تفسير هذا
الصعود بانتشار روح الفردية ونوع (ولو بسيط) من المجتمع التمثيلي حتى لو
كان محدوداً وحماية الملكية الفردية وغيرها من قيم المجتمعات الديمقراطية,
وإلى هذه القيم يعود انتصار شعوب كانت رغم صغرها تمتلك هذه القيم على شعوب
اكبر خلت منها هذه الثقافة حتى في اقدم العصور كانتصار اليونان الديمقراطية
(نسبياً) بصغر حجمها وقلة سكانها على قوة عظيمة ولكن شديدة الاستبدادية
كالامبراطورية الفارسية ومن ثم تدميرها على يد وريث القوة اليونانية
الاسكندر المقدوني, وتفسير انتصار اسرائيل المتتالي على دول محيطة اكبر
منها بكثير. والواقع أن هذه الرؤية التاريخية في تفسير الأداء العسكري
للشعوب المختلفة وتأثير ثقافتها الاجتماعية على أرض المعركة, اقول ان هذه
الرؤية مغرية جداً وفيها حجج قوية.

في المقابل شهد التاريخ العسكري للقرن العشرين أنظمة سياسية ديكتاتورية
كانت تمتلك جيوشاً في غاية الديمقراطية. فألمانيا النازية كانت تمتلك جيشاً
كان يعتبر من بين الأفضل في حرية المبادرة التي يتمتع بها الضباط الألمان
واقتناصهم للفرص والمهارات التكتيكية, وكان روميل مثلاً في شمال افريقيا
يتلقى أوامر القيادة العليا في برلين ولكنه كان ينفذها على مزاجه وبكيفه
وكيف ما يناسب الوضع على الأرض.
كما امتلكت اليابان وحدات مشاة أعطت أولوية هامة للاستفادة من الطاقات
والمهارات الكامنة في تشكيلاتها الصغيرة وجنودها بالتحديد مما مكنها مثلاً
هزيمة جيش بريطاني وهندي في ماليزيا وسنغافورة يفوق اليابانيين عدداً
بثلاثة مرات على الأقل.[تبقى المسألة نسبية طبعاً فالمرونة الموجودة في صنف
من الأسلحة موجودة بشكل أقل في صنف آخر, كما أن جيشاً ما يمكن ان يعتبر
مرناً في مواجهة جيش ما وفي نفس الوقت اقل مرونة في مواجهة جيش آخر أكثر
مرونة ومبادرة].
ونفس الشيء في الجيش الشعبي الذي شكله ماوتسي تونغ والذي دحر الامريكيين
بعد أن كادوا يقضون على كوريا الشمالية بأكملها, وتشير بعض الدراسات
التاريخية العسكرية أن ماوتسي تونغ برغم النظام السياسي المتميز بالقمع
الشديد ومصادرة الرأي وحرية الفكر, بالرغم من ذلك نجح في تطوير جيش
ديمقراطي للمراتب الدنيا فيه حرية الحركة واتخاذ القرارات وحرية تكييف
وتعديل الاوامر بما يناسب الوضع الميداني وبما يناسب اعطاء رؤية الضابط
الميداني والجندي على الأرض أهمية كبيرة في تنفيذ الخطط العسكرية, بل حتى
الوصول إلى حرية تقييم الجنود والضباط أداء المراتب الأعلى منهم. ثم أخذ
الفييتناميون نفس الشيء منهم وطوروه. وبالتالي نجحت نظم سياسية ليست
ديمقراطية في ايجاد توازن بين النظام السياسي والاجتماعي الديكتاتوري وبين
تطوير جيوش "ديمقراطية" إن صح توصيف الجيوش بهذه الصفة. ولكن المجتمعات
العربية الحديثة لم تنجح لا في ايجاد نظام ديمقراطي اجتماعي تتسرب إليه قيم
هذا المجتمع إلى داخل ثقافة أخذ القرار في المؤسسة العسكرية ولا نجحت في
ايجاد جيوش ديمقراطية في ظل نظام سياسي ديكتاتوري. لكن التجربتين (اي تجربة
مجتمع ديمقراطي بجيش ديمقراطي ومجتمع ديكتاتوري بجيش ديمقراطي) تقدم حججاً
قوية باتجاه فعالية انتشار حرية المبادرة واتخاذ القرار واللامركزية داخل
المؤسسة العسكرية (ويجب ان نميز بين هذا وبين الفوضى وعدم الانضباط وانفراط
القيادة وتركها مقاليد الأمور في مهب الريح).

[بهذه المناسبة ربما يجب لفت النظر إلى أن عدة حركات غير حكومية مسلحة
عربية كحزب الله وحماس والجهاد يبدو أنها تبنت مثل فوائد أسلوب العمل هذا
والتركيز على شيء من اللامركزية في الأداء العسكري. ورغم أنه من المبكر
الخروج باستنتاجات في هذا الاتجاه قبل خروج دراسات جيدة وموثقة حول الأداء
العسكري وصنع القرار داخل هذه الحركات العسكرية الاسلامية, فإننا إذا
اعتمدنا مبدأ دراسة مقارنة بين التجربة الفييتنامية مثلاً في مواجهة الجيش
الامريكي وتجربة حزب الله في مواجهة اسرائيل وهما تجربتان فيهما شيء من
الشبه بينهما فإننا ربما أمكننا الخروج بتخمين يذهب لدعم هذه الافتراضات.
لكن دراسة في عدد (ربيع 2003) من مجلة Terrorism and Political Violence
مثلاً تذهب بعد اجراء مقابلات مع 35 "ارهابي" فلسطيني ولبناني معتقل أنه
رغم عدم حرية افراد هذه الحركات في الموافقة على تنفيذ او عدم تنفيذ عملية
ما, فإنهم كانوا يتمتعون بالحرية في مناقشة ومساءلة التفاصيل العملياتية
للمهام المطلوبة.

لا شك أن السؤال سيُطرح أيضاً عن مسؤولية مناهج التربية والتعليم وأسلوبها
التلقيني ومبدأ أن الاستاذ أوالكتاب دائماً صحيح وأن ما في المنهج مثلاً لا
يعرض باعتباره وجهة نظر بل باعتباره مسألة بُت في صحتها, وعدم التركيز على
مسألة البحث والنقد ونقاش المطروح, وتأثير ذلك في تركيبة خريج هذا النظام
التعليمي الذي سينضم إلى المؤسسة العسكرية بعقلية " أكبر مني... أفهم مني"
وبعقلية التطبيق الحرفي لما يتعلمه المتلقن في الكلية العسكرية دون مراعاة
لتكييف ما يعرفه مع الواقع. على كل لا يمكن أيضاً الاستعجال في الحكم على
هذه المسألة دون إجراء دراسات تثبت الرابط بين هذا وبين الأداء السلبي غير
النشط والفعال لصغار الضباط في الجيش.
وهنا يجب أيضاً أن نطرح التساؤل لماذا شهدت الجيوش العربية خروج أجيال
ممتازة من قادة الفيالق (والفرق أحياناً) وهيئات أركان كفؤة في ظل بقاء
المراتب الأدنى من الضباط على نفس المستوى من محدودية المبادرة والحركة
والجمود؟ هل يشعر الضابط العربي بقدرته وأحقيته باستعمال مواهبه فقط حين
يصل منصباً يعطيه الإحساس بأن الأوان قد آن والفرصة قد أتيحت ليقول هو
كلمته ويدلي بدلوه بشيء من الحرية المستحقة التي كانت مقيدة عليه (او ربما
قيدها هو على نفسه)؟

إن تفسيراً آخر محبب ومفضل لدى بعض الكتاب (وخاصة منهم من يحب انتقاد وحتى
مهاجمة التأثير والإرث الاسلامي للمجتمعات العربية بشكل عام) هو إلقاء
اللوم على ثقافة النص والأخذ بحرفيته وعدم إعمال العقل فيه او تكييف النص
الديني لمتطلبات الحياة الجديدة وما ينتجه هذا النوع من الفكر من عدوى تسري
في المنظومة الفكرية للمجتمع بأكمله بما فيه المؤسسة العسكرية.
وستكون هذه حجة تغري بالنقاش والبحث ومن الهام بحث هذه الأمور, ورغم انني
لا اذهب هنا في هذه النقطة بالذات إلى اتخاذ موقف معين مع او ضد هذا
التفسير وهو كما قلت يستحق البحث, فإنني (وبغض النظر عن كون الانظمة
السياسية للجيوش المدروسة في هذا البحث ولمعظم الجيوش العربية انظمة
علمانية) فإنني استطيع أن اقول بشيء من الثقة أن التاريخ العسكري العربي
المبكر قد خلا إلى حد كبير من هذه العيوب المطروحة في هذا البحث. إذ تميز
هذا التاريخ العسكري (وهنا المقصود فترة الدعوة الأولى للاسلام والفتوح
العربية الاولية) بالانفتاح على التقنيات العسكرية والنظم الغريبة على
العرب والجديدة عليهم [تبني فكرة الخندق مثلاً التي جاء بها سلمان الفارسي,
او التقسيمات العسكرية الجديدة التي أدخلها خالد بن الوليد] وحرية مناقشة
المقترحات العسكرية للقيادات العليا وانفتاح هذه القيادات على هذه الافكار
واستعدادها للتكيف معها [قبل الرسول محمد (ص) بتغيير فكرته عن مواقع
الانتشار والخطة العسكرية في بدر بناءاً على اقتراح آخر تقدم به أحد العامة
من المسلمين (المراتب الأدنى)], أو اقتناص المبادرة والاستفادة من
التضاريس في شن ضربات سريعة ونصب الكمائن والقيام بحركات الالتفاف
والاستخدام المكثف للاستخبارات العسكرية [في العمليات العسكرية في فلسطين
وسورية], واخذ المبادرة في ارتجال الحلول الفورية لمشاكل غير متوقعة وغير
مرئية [في القادسية فوجئ العرب باستخدام الفرس للفيلة ولكنهم تمكنوا على
أرض المعركة من الخروج بحل وتعميم هذه المعلومة بسرعة على باقي الوحدات
لمعالجة الفيلة وتحييد تأثيرها], بل وأحياناً عدم تنفيذ الأوامر لصالح
إعطاء الأولوية للمعركة على الأرض [تأجيل تنفيذ الأمر بعزل خالد بن الوليد
إلى ما بعد معركة اليرموك]. وليت نفس الروح العسكرية الموجودة آنذاك سادت
الجيوش العربية في القرن العشرين.


إلى الجيش العراقي الجديد مع خالص التمنيات:
حينما عمدت إلى تقديم هذا الجهد المتواضع في تقديم هذه الرؤية العسكرية
التاريخية للأداء العسكري العربي ونقلها إلى القارئ العربي وتحليلها
والتعليق عليها, كان غرضي أولاً وأخيراً هو إفادة القارئ العربي بشكل عام
وكذلك المهتمين بفهم وتحسين الأداء العسكري العربي والعراقي بشكل خاص.
نحن اليوم نسمع في العراق مقولات تطوير الجيش العراقي وتأسيس "جيش صغير
متطور تكنولوجياً" وفعال. وهي مقولة جيدة وممتازة وتواكب روح العصر. ولكن
يجب ألا نظن أن الحل السحري يكمن في مجرد تقليل أعداد القوات المسلحة وشراء
أسلحة حديثة (امريكية في غالب الأحوال), فهذه وصفة جُربت على المستوى
العربي في عدة دول ولم تنجح حتى في تلك الدول التي تقوم بشكل منتظم بشراء
اسلحة حديثة امريكية تفوق احياناً في تطورها ما هو موجود لدى الاسرائيليين,
ولن يحسن ذلك من مستواها, طالما أن انعدم التركيز على تطوير العامل البشري
ونشر قيم عسكرية لدى مراتبه الدنيا مختلفة عما ساد في الجيش العراقي
ونظيراته من الجيوش العربية, وكلنا بالتأكيد رجاء ألا تذهب تضحيات جنودنا
طوال هذه السنوات وما خلفته من تجارب أدراج الرياح ونعود لتعلم الدرس بنفس
الطريقة من جديد....... لكن التفاؤل سيسود انشاء الله بعراق افضل وبجيش
عراقي افضل يعيد إليه دوراً يليق بخليفة جيوش بابل وآشور وبغداد.



الموضوع منقول بالكامل عن
علي عدنان آل طعمة


الروابط

http://www.hdrmut.net/vb/t151700.html
http://www.hdrmut.net/vb/t151880.html
http://www.hdrmut.net/vb/t152023.html
http://www.hdrmut.net/vb/t152285.html
انتهى الموضوع



اولا : مسئلة الصيانة من الممكن ان يكون صادق بنسبة 25%
من مشاهدات واقعية كانت الدبابات العراقية فى حرب الخليج تخضع لصيانه جيدة بالنسبة لجيش يخضع للحصار لسنوات طويله
وكذالك معدات الجيش المصري بحالة جيدة جدا بالنسبة لعمر بعض معداتة والجندى المصري ليس بحاجة ليكون مهندس ميكا نيكا ليقوم بالصيانه الوقائية لمعداته ردا على اتهامه الجندى المصري بالجهل
اما ما قال عن الاسلحة الشخصية للجنود السعوديين فهذا قمة التجني لكونها الى الان تستخدم وبكامل جاهزيتها وهو يدعي انها تغير كل 6 اشهر واود ان ابين ان هذة الاسلحة مصنوعه بايدي سعودية (بالنسبة للاسلحة الشخصية وذخائرها) ايظا ردا على قولة بأن الليبيين والسعوديين يتكبرون عن العمل الفني
ثانيا: مسئلة التموين امتدح فيها الجيوش العربية
وانتقد الجيش السورى بالنسبة لقطع الغيار وتناسى ان الجيوش العربية تعتمد على التصنيع المحلى لقطع الغيار والذخيرة وهذا حل جذري لهذه المسالة
اما انتقادة للجيش السعودي فى مسألة امداد جيوش دول التحالف يجعلني اشك فى كون هذا الكاتب خبير عسكري فكون اي دولة تمتلك امكانيات ادارة ونقل وتموين تفوق حاجة جيشها عشرات المرات يعتبر اهدار امكانيات وسوء تخطيط فلابد لدولةمثل السعودية ان تستعين في مثل هذا الظرف بالشركات المحليه والدولية وهذا من ابجديات التخطيط العسكري
ثالثا: مسئلة القيادات والضباط والتكتيك.
من مبادى التدريب فى الجيوش العربية معرفة نيه القائد لمستويين اعلى مثال (قائد السرية يعرف نية قائد اللواء من العملية التكتيكية لكي يعمل على انجاح العمل)
استغلال النجاح من المبادي الاساسية للتكتيك التي تدرس ويقيم بها القائد فى الجيوش العربية
ما قام به الجنود المصريين في حرب 73 من عمال استطلاع خلف خطوط العدو وماقام به الجنود السعوديين من عمليات ستطلاع في معركة الخفجي(ارجع لكتاب مقاتل من الصحراء) ومن اختراق حقول الالغام واخذ عينات منها وتدريب افرادهم على التعامل معها يعتبر رد على ما قالة الكاتب
اتمنى ان نبحث نحن بأنفسنا عن اسباب خسارتنا واسباب نصرنا وعلى قول اخوانانا المصريين ( الحداية مبترميش كتاكيت)



آخر تعديل: ‏23 يوليو 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق