السبت، 27 يناير 2018

محاولات استبدال العامية بالفصحى أ.د عبد الله أحمد جاد الكريم


لقد تعرَّضت اللغة العربية لكثير من الأخطار، ونجت من هجمات كثير من الأعداء، وانتصرت في بعض المعارك الفتاكة، وفي القرن العشرين تعرضت - أيضًا - لكثير من الأخطار، وفُرِضت عليها كثيرٌ من المعارك؛ منها[1]:محاولة استبدال العامية بالفصحى:
وهذا الأمر مشهور بين أوساط المثقفين وعلماء اللغة، وأبطال هذه الدراما اللغوية معروفون، سواء من الغرب، أو العرب، أمثال:
• المستشرق الألماني ولهلم سبيتا: في كتابه الذي أصدره في عام 1880م (قواعد اللغة العربية العامية في مصر).
• لويس ماسينيون: كان من أشد الدعاة إلى إحياء اللهجات المحلية، وإحلالها محل الفصحى.
• دلمور القاضي الإنجليزي: عاش في مصر، وألَّف عام 1902م كتابًا أسماه (لغة القاهرة).
• المستشرق الألماني كارل فولرس: في كتابه (اللهجة العربية الحديثة).
• المستشرق الإنجليزي سلمون ولمور: الذي أصدر كتابه عام 1901م (العربية المحلية في مصر).
• المستشرق الإنجليزي وليم ولكوكس: نشر مقالًا بعنوان (لِمَ لَمْ توجد قوة الاختراع لدى المصريين إلى الآن؟!)، وأكد أن السبب في ذلك هو تشبُّثهم بالعربية الفصحى!
ولقد تابَعَ هؤلاء الأعاجمَ بعضُ الكُتَّاب العرب؛ ومنهم:
إسكندر معلوف؛ الذي كتب في مجلة الهلال بتاريخ 15 مارس سنة 1902م مقالًا بعنوان (اللغة الفصحى واللغة العامية)، حيث يرى فيه أن: سبب تخلف العرب عن الغرب هو التمسك بالفصحى! وأحمد لطفي السيد؛ الذي دعا في عام 1912م إلى تمصير اللغة الفصحى، وسلامة موسى، وهو أشرسهم جميعًا، فقد تنكَّر لكل منجزات الإسلام والعروبة، ولويس عوض؛ الذي يقول: "فما من بلد حي إلا وشبَّت فيه ثورة أدبية، هدفها تحطيم لغة السادة المقدسة، وإقرار لغة الشعب العامية، أو الدارجة، أو المنحطة"[2].
ومن لبنان: أنيس فريحة، وسعيد عقل، وفي حزيران من عام 1973م عُقِد في (برمانا) بلبنان مؤتمر كان يهدف إلى هدم اللغة العربية الفصحى، ولله الحمد فقد باءت محاولاتهم بالفشل في حينها من القرن الماضي بفضل الله، ثم بفضل جهود جبارة، وعقول واعية مُتَّقِدة، وهمم مثابرة تتفانى في سبيل صون العربية، لغة القرآن الكريم، دستور الله الكريم، ومن هؤلاء: حافظ إبراهيم، ومصطفى صادق الرافعي، وخليل اليازجي، والمجامع اللغوية العربية... إلخ.
وفي سبيل نصرة العربية الفصحى ضد العامية، يرى الدكتور مرزوق بن صنيتان بن تنباك ما يأتي[3]:
أولًا: عدم التسامح في استعمال اللهجة العامية في التدريس، وعدم الاستنامة إلى سهولتها، وعدم اتخاذها أداة للمخاطبة في التعليم؛ حتى لا تفقد اللغة العربية الفصحى مكانتها في نفوس أبنائها، ويضعف احترامها.
ثانيًا: النظر في وضع مدرِّسي التعليم، وفي مناهج الكليات التربوية، ومعاهد التأهيل التي تخرج هؤلاء المدرسين، والاجتهاد في وضع المنهج الملائم الصالح لما يُعَدُّون له، والتركيز على تنمية قدرة الخطاب، والتكلم بالفصحى.
ثالثًا: انتقاء المتميزين من المدرسين، والمُبَرَّزين منهم، وتكليفهم بتدريس اللغة العربية وآدابها، ومتابعتهم بعد التخرج.
رابعًا: المطالبة الجادة بجعل لغة التدريس هي اللغة الفصحى في جميع مراحل الدراسة من الابتدائية حتى الجامعة.
خامسًا: تنبيه أهل الثراء والجاه الذين بدؤوا ينشرون باللغة العامية إلى خطورة ما يُقدِمون عليه عندما يكتبون الشعر العامي.
سادسًا: توجيه نداء للحكومات العربية بوجوب المحافظة على سلامة اللغة الفصحى، واحترامها، واتخاذها لغة الدواوين، والمخاطبات الرسمية، في كل المجالات، وحمايتها من مزاحمة اللغات الأجنبية.
سابعًا: مخاطبة رؤساء تحرير الصحف والمجلات في الدول العربية، وبيان خطر ما يحدث من تخصيص صفحات للغة العامية في مطبوعاتهم، ونشر ذلك على القرَّاء، وبيان أن واجبهم القومي والوطني، ووظيفتهم التثقيفية في المجتمع، ورسالتهم في تقوية أواصر وَحْدة أمَّتهم؛ كل ذلك يُحتِّـم عليهم احترام اللغة العربية الفصحى، ورفع مستوى ذوق القارئ، وتنمية مداركه اللغوية، والرُّقي بها إلى المستوى الذي يليق بها.
• الحواشي:
[1] ينظر: جاد الكريم، عبدالله أحمد، الدرس النحوي في القرن العشرين، مكتبة الآداب، القاهرة، 2004م، (ص110) وما بعدها.
[2] عوض، لويس، بلوتو لاند وقصائد أخرى، مطبعة الكرنك، القاهرة، 1947م، (ص8).
[3] ينظر: اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين في المؤسسات التعليمية في المملكة العربية السعودية.
عبدالله بنعلي
============

==========

أخْطارُ اسْتِبْدالِ العامِّيَّاتِ بالعربيةِ الفُصْحى


أ.د. ياسر الملاح


من موقع جلالة الملكة العربية :


ما كنْتُ أتوَقّعُ يوماً أنّ هناك أناساً، منْ أبناءِ العُروبةِ والإسلامِ في العصرِ الحاضرِ، يَدْعون إلى استبدالِ عامياتِ بُلدانِهمْ بالعَرَبيةِ الفصْحى!؟! ولئن زعمَ بعضُ الناسِ أنّ هذا مِنْ قبيلِ حُرّيّةِ الرأيِ فليْسَ مِنْ حُريةِ الرَّأيِ العَبَث بالثوابتِ الحَضارِيّةِ لِلأمّةِ. كانَ قدْ حَدَث هذا يَوْماً على ألسنةِ بعضِ مَن افتُتِنوا بالغربِ والتغريبِ، أمثالَ لطفي السيّد وقاسم أمين وسلامة موسى في مصر، وأمثالَ أنيس فريحة في لبنان، وأمثالَ غَيْرِهِمْ من مُخْتَلِفِ أقطارِ العُروبةِ، وإنّما كانَ هذا لأنهم تتلمَذوا على أيدي أغْرابٍ يُخططونَ لِكسْرِ شوْكةِ الأمةِ، والنَّيْل منها ومِنْ حَضارَتِها وَوَحْدتِها الثقافيةِ والتاريخِيّةِ، أمثال ولهلم سبيتا المُسْتَشرِقِ الألمانيِّ الذي كان أميناً لِدارِ الكتبِ المصريةِ (1881)، إذ ألفَ كتاباً بعُنوانِ قواعدُ اللغةِ العربيةِ العاميةِ في مِصرَ، ووليم ولكوكس الإنجليزي الذي دَعا إلى استخدامِ اللغةِ العاميةِ في الكتابةِ الأدبيةِ والتدريسِ بحُجَّةِ أنّ الفصْحى في مِصْرَ تقفُ حائِلاً دونَ الاخْتراعِ والابْتِكارِ، ثم تبعَه ولمور في دَعْوَتِه إلى الاقتصارِ على العاميةِ أداة للكتابةِ والحديثِ، وَوَضعَ كِتاباً بعُنوانِ العَرَبيّة المَحَلِيّة في مِصْرَ. ثمَّ جاءَ لوي ماسينيون لِيُحاضرَ في باريسَ وبيروتَ داعِياً إلى اسْتخدامِ العامِيّةِ في الحياةِ الأدبيةِ والعِلمِيّةِ وإلى اتخاذِ الخطِ اللاتينيّ في كتابتها. غيرَ أنّ هذا الهذرَ كلّه قدْ طوِيَتْ صفحتُه، ولمْ يَعُدْ له أنْصارٌ أوْ مُناصِرون، وَرَكله الأحْرارُ منْ أبْناءِ هذه الأمةِ بأقدامِهم وأقلامِهم، واعتبِرَ من سَوْءاتِ نفرٍ قليلٍ جدا من أبناءِ هذه الأمةِ، ومنْ فذلكاتِ أعاجمَ نصَّبوا أنفسَهم لإسداءِ النَّصائحِ المَلغومَةِ للعَرَب، وانتهى الأمرُ بها إلى غيرِ رَجْعَةٍ، لأننا، الآنَ، أمَّة تتطلعُ إلى النهضةِ في كلِ مناحي الحياةِ، وقدْ قطعْنا شوْطاً كبيراً في هذه السبيلِ، أمّا أنْ يَدْعُوَ فريقٌ منا إلى العَوْدَةِ إلى تُرّهاتٍ مَضَتْ وانْتهَتْ، فهذا هو ضوءُ الحَبَاحِب الذي سَتُكْسَفُ منه الشمسُ وسَيُخْسَفُ منه القمرُ !؟!
وَلعَلّ من المُسَلماتِ التي لا تَحتاجُ إلى رأيٍ ورأيٍ معاكسٍ له أنّ الفصْحى والعامِيّة توأمانِ للغةِ العربيةِ، وبوجودِهما تتحققُ سُنَّة لغويّة تخضَعُ لها اللغاتُ جميعاً، وهِيَ وُجودُ الفصحى والعاميةِ، فحيثما اتجهْتَ ووَجَدْتَ لغة يَتحَدث بها شعْبٌ ما، فلا مَناصَ من أنْ تجدَ هذين الوجْهينِ في أيِّ لغةٍ. غيرَ أنّ وجودَ توأمين في أسرةٍ واحدةٍ لا يقودُ بالضرورةِ إلى إذكاءِ نارِ الخُصومةِ بينهما، أو إلغاءُ هذا لذاكَ، ولكنّ الأنسبَ أنْ يعرفَ كلٌ منهما وظيفتَه التي وُجِدَ من أجْلِها ليلزمَ كلُ واحدٍ منهما وَظيفته لدفعِ حركةِ الحياةِ. ففي ماضينا العريقِ كان هناك فُصْحى وعاميّة، عاشتا مَعاً، دون أنْ تَطغَى إحْداهُما على الأخرى، بلْ عرفَ كلٌ وظيفتَه دون أنْ يعتديَ على الآخر، وكانَ الناطقُ بالعاميةِ يُقِرُ للفصْحى بالسَّبْقِ والإجْلالِ، ولذلك آنَ الأوانُ لإعلانِ الصّلح بين هذين التوأمينِ غيرِ المُتخاصِمَيْنِ أصْلا، وبين أنصارِهما، على أساسِ أنّ للفصحى وظيفة، وللعاميةِ وظيفة أخْرى، وأنْ لا تناقضَ في وجودِ هاتينِ الوظيفتينِ لأنّ كلَّ مُجْتمعٍ يَنْقسِمُ فيه الناسُ إلى ما يُسَمّى بالخاصّةِ والعامّةِ، فللخاصةِ لغتُها وهيَ الفصْحى، وللعامّةِ لغتُها، كذلك، وهِيَ العامّيّة، وقدْ يتداخلُ المستويان وفقَ ظروفٍ اجتماعيةٍ معروفةٍ.
وَلِمَزيدٍ من التَّوْضيحِ نَقولُ: الوظيفة الأساسية لِلفصْحى هي أنَّها لسانُ العلمِ والفكرِ والأدبِ الرفيعِ والقضاءِ والتشريعِ والإدارةِ والخطابةِ والتدريسِ والمُحاضراتِ والحوارِ بين الخاصَّةِ، وَوَظيفة العاميةِ هِيَ أنَّها لسانُ الحياةِ العاديةِ البسيطةِ اليوميةِ والشئونِ العاديةِ، ولا يُمكنُ لأيٍّ منهما أنْ تَحلَ محلَ الآخرِ بتاتاً. وإنما كانتِ الفصْحى لساناً للعلمِ والفكرِ العميقِ لأنّ لها قواعدَ مُنْضَبطة ويُمكنُ التعبيرُ بها بدقةٍ وعمقٍ، وهِيَ كذلك شخصية واحِدَة غيرُ متعددةِ الصُّوَرِ والأنماطِ، غيرَ أنّ العاميّة لا تملكُ هذه المقوماتِ بتاتاً، فليسَ لها قواعدُ واضِحَة، ولا يمكنُ صياغَة قواعدَ واضحةٍ ثابتةٍ لها، لأنها ليْسَتْ نمطاً واحداً بل إن العامية عامياتٌ تتوالدُ بسرعةٍ ولا يمكنُ ضبط هذا التوالدِ أو منعُه.
إنّ أخطارَ استبدالِ العاميةِ بالفصحى- كما يزْعُمون، وإن استطاعوا، لأنهم يُجدفونَ ضدَ نواميسَ طبيعيةٍ للغةِ- كثيرة جدا، ولا يُمكنُ لمتعلمٍ بسيطِ الثقافةِ أنْ يَجْهَلها لأنها واضِحة ومعلومة بالضرورةِ، ونذكرُ منها :
1) الخطرُ الأدبيُّ والعلميُّ : للفصحى قُدْرة مذهلة في التعبيرِ الأدبيِ والعلميِ لأنها تملكُ تاريخاً أدبياً وعلمياَ غنياً بالمفرداتِ والمصطلحاتِ والتراكيب، بينما لا تمْلِكُ العامية شيْئاً من هذا، فكيفَ يُمكنُنا إحلالُ العاميةِ التي لا تملكُ مقوماتِ التعبيرِ الناجحِ محلَّ آلةٍ أخرى تملك كلَّ مقوماتِ التعبيرِ الناجح؟ وللفصحى نظامٌ كتابيٌّ دقيقٌ وجميلٌ، فلماذا نَتَسَوّلُ على موائدِ الآخرين، كما يقترحُ ماسينيون ومَنْ رَوَّجَ لِرَأيِه؟ إنّ العامية مَحْدودة وَفقيرَة في المُفرداتِ، وهِيَ مُضطربة في القواعدِ والأساليبِ والمعاني، وأداةٌ هذا شأنُها لا تَقْوَى على التعبيرِ عن المعاني الدقيقةِ وحقائقِ العلومِ والآدابِ والإنتاجِ الفكريِّ العَميقِ. ولأنّ العامية تتغيرُ بسرعةٍ كبيرةٍ كالرمالِ المتحركةِ، فلا تثبتُ أصْواتها على حالٍ واحدةٍ، وكذلك دلالاتُ مفرداتِها، وقد تختلفُ عامية جيلٍ عن الجيلِ الذي يَليه، وتختلفُ عامية الشباب عنْ عامية الشيوخِ في الجيلِ الواحدِ، فقد نضطرُّ، إذا سَلمْنا باستبدالِ العاميةِ بالفصحى، إلى تغييرِ لغةِ الكتابةِ بلغةٍ أخرى كلَّ خمسين سنة تقريبا، وهذا هو أقصى ما يُمكنُ أنْ تصلَ إليه الفوضى في شعبٍ إنسانيٍ كما يقولُ الدكتور علي عبد الواحد وافي.
2) الخطرُ الحضاريُ : للفردِ الواحدِ تاريخٌ وماضٍ لا يمكنُه التنصلُ منه بتاتاً، فإذا حصلَ هذا اضطربت النفسية والشخصية، وكذلك الأمة لها تاريخُها وماضيها، واللغة الفصحى جزءٌ أساسيٌّ من هذا التاريخِ الحضاريِّ للأمةِ، وهي لسانُ صَرْحِها الثقافيِّ الذي أنتجته عبرَ تاريخٍ طويلٍ. وإنّ استبدالَ العاميةِ بالفصحى يعني الانقطاع عن تاريخِنا وتراثِنا الحضاريّ، وهو يقطعُ صِلة أجيالِنا بماضينا العريقِ، ولا أعرفُ أمّة من الأممِ أقدَمَتْ على مثلِ هذا، حتى إن الأوروبيين عندما سَعَوْا إلى نهضتهم عادوا إلى جذورِهم القديمةِ المرتبطةِ باليونانِ والرومانِ قبلَ الميلادِ.
3) الخطرُ العقديُ : إن عقيدة الأمةِ مرتبطة بالإسلامِ ومعالمِه وبالقرآنِ الكريمِ والحديثِ النبويِّ الشريفِ وتاريخِ هذه الأمةِ، وهذه المعالمُ الكبْرى جميعاً مُرْتبطة بِقوَّةٍ باللغةِ الفصحى لسانِ القرآنِ الكريمِ. فإذا أكرَمَنا اللهُ باتخاذِ العربيةِ لساناً لِكلامِهِ، وبدلا من أنْ نفتخرَ ونعتزَّ بهذا، أليْسَ مِنَ العارِ أنْ ندْعوَ إلى دَعْوَةٍ تقودُ إلى قطعِ هذه الصلةِ بالقرآنِ ولغتِه !! إنّ مثلَ هذه الدعوةِ لا يُمكِنُ أنْ يتقبَلها إنسانٌ عربيٌ ذو عقلٍ أو عنده ذرة من التوازنِ الفكريِّ، وماذا عندَ العرب غير الإسلامِ والقرآنِ الكريمِ الذي هو كوْنٌ نَصِّيٌّ وكيانٌ لغوِيٌ مدهشٌ !؟!
4) الخطرُ السياسيُ والاجتماعيُ : إنَّ اتخاذَ الفُصْحى لِساناً لأدبنا وعُلومِنا يُوَحِّدُ الأمَّة، ويُوثقُ عُرى التواصلِ بين شُعُوبها، ويصنعُ دِعامَة قوِيّة منْ دعاماتِ الوحدةِ والترابطِ بين هذه الشعوب، لأنّ الرابطَ الثقافيَّ، وهو ما يحققه التمَسُّكُ بالفصحى، منْ أقوى الروابطِ في تحقيقِ الوحدةِ والحب والتفاهمِ بين هذه الشُعوب، وإنّ استبدالَ العاميةِ بالفصحى سَيَقودُ إلى إضعافِ أو قَطعِ التواصلِ بين الشعوب العربيةِ، لأنّ العاميّاتِ عواملُ تفكيكٍ لا عواملُ وَحْدَةٍ.
5) الخطرُ اللغوِيُّ: إنّ اللغة العربية من اللغاتِ العالميةِ التي لها امتدادٌ عريضٌ على مستوى العالمَيْن العربيِّ والإسلاميِّ، وهُناك إقبالٌ كبيرٌ على تعَلمِها وتعْليمِها في مُختلِفِ دُولِ العالمِ، كما أنّ الأممَ المتحدة أقرتْ التحَدّث بها من على مِنصَّةِ الأممِ المتحدةِ فأصبحتْ إحْدى سِتِ لغاتٍ دوليةٍ، وقد لفتَ نَظري ما نشِرَ على صَفحةِ العَرَبيّةِ أنّ فرنسا سَتدَرّسُ العربية في مدارسِها، أليسَ هذا كله بكافٍ للدلالةِ على عَظمةِ هذه اللغةِ؟ أضفْ إلى هذا ما تَتَمَتّعُ به اللغة العربية مِنْ مزايا جَماليّةٍ وتعبيريّةٍ وموسيقيةٍ يَنْدُرُ أنْ نَجدَ لها مَثيلاً في لغاتِ العالمِ. فما الذي دَهانا حتى نُخَرِّبَ بُيوتَنا بأيدينا إذا أصْغيْنا لِهذه الدعوةِ الهَدَّامةِ الذاهبةِ إلى استبدالِ العاميةِ بالفصحى؟!؟
إنّ الدعوة إلى أيِّ خَطرٍ من هذه الأخطارِ تمثلُ جَريمَة كبْرى في حقِ الأمةِ ومصالحِها العُليا، فكيفَ بالدعوةِ إليها جميعاً باستبدالِ العاميةِ بالفُصْحى!؟! ويجبُ أنْ يَعْرِفَ مَنْ يَدْعو إلى مثلِ هذه الدعوةِ أنّ الأمة كالجسدِ إذا اشتكى منه عُضْوٌ تداعتْ له سائرُ الأعضاءِ بالسهرِ والحُمّى، وإنّي لأعجبُ كيفَ تغيبُ هذه المفاهيمُ الأساسية عنْ أجيالٍ ذاقتْ ويلاتِ الاستعبادِ والتفرقِ وكانتْ تطمحُ يوماً ما إلى الحُرِّيَّةِ والوحدةِ!؟! وإني لواثقٌ منْ أنّ ما يَجْمَعُ بين أبناءِ أمتِنا مِنْ فِكرٍ وثقافةٍ ولغةٍ وتاريخٍ لكفيلٌ بإفشالِ هذه الدعواتِ ووأدِها إلى الأبدِ .
عبدالله بنعلي

===========

==========

هدم اللغة العربية الفصحى!


د. نعمان عبدالرزاق السامرائي


من موقع الالوكة :


المصدر: مجلة الأدب الإسلامي/ المجلد الأول/ العدد الرابع/ ربيع الثاني (1415هـ)، ص27-29. تنشر بموجب اتفاق خاص مع المجلة.


تاريخ الإضافة: 11/10/2006 ميلادي - 18/9/1427 هجري

مازال الاستشراق وتلاميذه يشنون حملة مسعورة على اللغة العربية الفصحى، ويتهمونها بالجمود والقصور وعدم التطور، ومن أوائل المستشرقين ((ولهلم سبيتا)) الألماني الذي كان مديراً لدار الكتب المصرية في القرن التاسع عشر، وقد حاول وضع قواعد للعامية المصرية، مشيراً إلى أن الفصحى دخيلة، جاءت مع الفتح الإسلامي، وقام القاضي الإنجليزي (بول) وكان من قضاة المحكمة الأهلية بالقاهرة، فدعا إلى تبني اللهجة العامية، وكذلك ((فيلوث)) الأستاذ في كامبرج وكلكتا للغات الشرقية، قام هو و(بول) بوضع كتاب أسمياه ((المقتضب في عربية مصر)).

أما المستشرق ((وليم ويلكوكس)) الذي كان مهندساً للري في القاهرة فكان الأكثر حماساً لذلك. ومن نكد الدنيا أن هذا المستشرق الحاقد كان يتولى تحرير مجلة الأزهر عام 1883م. أما ماسنيون وأمثاله فطالبوا بترك الحرف العربي واستبدال الحرف اللاتيني به، وجاء أمثال ((سلامة موسى)) ليكمل هذه المشاريع. ثم هدأت الهجمة وعادت اليوم مجدداً، لكن أي مستشرق أو تلميذ له – غير نجيب – لم نسمع لهم صوتاً ينتقد لغة أخرى، فهذه التركية بعد تبني الحرف اللاتيني صارت مضحكة، فكلمة ((حامد وخامد وهامد)) كلها تكتب (Hamid ) ثم تقلب كل دال فتصير (تاء) حتى إن نور الدين تصبح – بقدرة قادر – نور التين.

واليابانية تحوي (850) بين حرف وصورة، ولا أحد يتكلم.

وهذا تلميذ للمستشرقين، مستغرب حتى العظم يقول[1] (كما بقي الفلاح يستعمل المحراق العتيق، كذلك بقيت العربية محافظة على تعابير دينية، ونتف من الفقه، والنحو والأدب، منفصلة عن المعاجم العلمية الثرية... ولم تزل إلى الآن منفصلة عن المعجم العقلاني العلمي، الذي أحدثه الفلاسفة، لأن الفلسفة سرعان ما أصبحت ملعونة مطرودة...) إن جريمة العربية الفصحى أنها تحوي ((تعابير دينية ونتفاً من الفقه)) وبتركها نستريح من كل ذلك، ونهجر القرآن وكتب التراث فإذا سألنا – أستاذ السوربون – ماذا تحوي اللغة العربية؟ لم نجد جواباً.

لقد ((نبش)) اليهود القبور ثم أخرجوا لغة عمرها ألوف السنين وراحوا يستعملونها، فلماذا يخاف أمثال ((أركون)) من الحديث عنها، وعن الجوائز التي تمنح لكل من يكتب عن خرافة من خرافات التوراة؟؟

إن اللغة تحيا وتتقدم أو تموت بفعل أهلها، فهم الذين يطورونها، وقد بقيت الجيوش العربية عشرات السنين تستعمل المصطلحات التركية ثم الغربية، ثم قامت جامعة الدول العربية فعربت المصطلحات كافة، دون استحالة أو عجز. فالعجز في الإنسان وليس في اللغة.

وقد ترجمنا وعربنا معارف اليونان والفرس، وبعض علوم الهند ولم تعجز العربية عن استيعاب ذلك كله، حين وجدت الرغبة ووجد المترجم الجاد.

ويتساءل د.هشام شرابي – وهو عربي من عكا، أمريكي العقل والقلب واللسان، وعلماني حتى العظم - فيقول[2] (هناك سؤال في غاية الأهمية: هل يمكن الدخول في ((الحداثة)) بواسطة لغة ((غير حديثة))، لغة ما زالت في مرحلة ما قبل الحداثة، بمفاهيمها ومصطلحاتها وأطرها الفكرية؟).

والجواب في اللغة العبرية واليابانية!!!

يتحدث د.شرابي بعد هذا النقد عن صراع خفي بين حركة النقد ((العلمانية))، وبين العربية الفصحى فيقول[3] (... في هذا يكمن الصراع الخفي العنيف، الذي تخوضه حركة النقد العلمانية في الوطن العربي، صراع بين فكر يرمي إلى تجاوز اللغة التقليدية ونظامها، ولغة ترمي إلى لجم هذا الفكر وتقييده ضمن حدود الذوقية والأخلاقية والمصرفية، وهذا الصراع ضد لغة ((تأبى النقد)) وتصر على مدلولاتها ((الغامضة)) فيتجسد في هذا التوتر الداخلي الذي يجيز الفكر العلماني الناقد، فكر ((يفكر)) بلغة أجنبية، ويكتب بلغة عربية فصحى.

شئنا أم أبينا، يستمد هذا الفكر العلماني الناقد مفاهيمه ومصطلحاته وأبعاده من التجربة الأوروبية ((للحداثة)) بمفهومها الشامل).

والسؤال: هل هناك لغة تأبى النقد وتصر على مدلولاتها الغامضة؟ الذي نعرفه أن أهل اللغة يفعلون ذلك، أما أن يكون هذا من نصيب العربية وحدها، فعلم ذلك عند أهل العلمانية والحداثة.

يتحدث ((شرابي)) – وهو أستاذ تاريخ الفكر الأوروبي – كيف قامت ونهضت التجربة الأوروبية ((للحداثة)) فيرى أنها اتخذت موقفين[4]:
1- موقف تجاه الماضي ومحاولة الاسترجاع بالعودة للنموذجين اليوناني والروماني.
2- موقف تجاه المستقبل يقوم على العلوم وحتمية التقدم الإنساني ((فلسفة التنوير)).
فإذا انتقل إلينا تنكر لهذا قائلاً[5] (يتجسد معنى ((الحداثة)) بالنسبة إلينا في اتجاهين مترابطين:
أ – الاتجاه العقلاني.

ب – الاتجاه العلماني، أي عقلنة الحضارة وعلمنة المجتمع، فالحديث هو الطلائعي الجديد، بمعنى المغامرة نحو المستقبل، والانفلات من قيود الحاضر وماضيه).

الحداثة في الغرب – باعتراف الكاتب – سارت باتجاهين استذكار واسترجاع النموذجين اليوناني والروماني وتبني العلوم والتقدم، فلما انتقل إلى ((حداثتنا)) ترك ذلك أو تناساه ليتحدث عن اتجاهين عقلاني وعلماني، عقلنة الحضارة وعلمنة المجتمع!!!

لماذا هذا التهرب؟، لأن الأستاذ لا يريد لنا العودة إلى ماضينا، فهو هارب منه بل ((قرفان)) ولا يريد أن يعود إليه، كما فعل السادة.

لكن.. ((الأستاذ)) يعترف بأن تجار الحداثة والعلمانية، يظهرون دوماً كباحثين أجانب مما أدى إلى تبعية فكرية فيقول[6] (... لكن كثيراً ما ينسى المثقفون العلمانيون تجربتهم الذاتية في كتاباتهم، فتظهر وكأنها أبحاث يقوم بها باحثون أجانب، تتصف بالتجريد الأكاديمي، ينطوي على هذا الموقف نتائج في غاية الأهمية، إذ أن مقاربة الذات من موقع لآخر ((وبأسلوب موقع الباحث الأجنبي وأسلوبه)) تؤدي بالضرورة إلى تبعية فكرية يصعب التغلب عليها).

وهذا هو المستنقع الذي سقط فيه العلمانيون الحداثيون. والأغرب من ذلك أن الكاتب يقرب بكل ذلك إذ يقول[7] (الأطروحة الرئيسة التي تقدمها الحركة النقدية العربية الجديدة هي أن المعرفة.. المنقولة أو المستوردة – والتي تنشئ الوعي المنقول أو المستورد – لا يمكن أن تحرر الفكر، أو أن تطلق قوى الإبداع في الفرد أو في المجتمع، بل هي تعمل في أعمق المستويات على تعزيز علاقات.. التبعية الثقافية والفكرية والاجتماعية).

فإذا كان الأمر كذلك فلماذا ((جلد الذات)) واتهام اللغة؟!! ومن العجائب أيضاً أن الأستاذ شرابي يقرر بكل وضوح أن معارفنا وأساليب البحث عندنا في العلوم الاجتماعية كلها غريبة فيقول[8] (لنذكر هنا أن أنظمة المعرفة وأساليب البحث العلمي في العلوم الإنسانية، والاجتماعية، هي أنظمة وأساليب غربيَّة في أشكالها كافة، وإن معرفتنا لذاتنا ولتاريخنا ومجتمعنا في القرن العشرين هي معرفة غربيَّة في صميمها، فالعلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم الثالث كلها في العصر الحديث مستمدة من الغرب، وهي إضافة لذلك تنتج وتعيد إنتاج المعرفة الغربية محليًّا، من هنا يمكننا تفهم أسباب الرفض المطلق للغرب عند الأصوليين وإصرارهم على العودة إلى الدين والتراث، لاستعادة الهوية الأصلية، من خلال معرفة تراثية مستقلة، عن كل الأطر والمفاهيم الأجنبية).

أليس غربياً أن يدرك الشرابي قضية بهذا الموضوع، ثم يعود لينساها أو يتناساها، ثم يدعو إلى عقلنة الحضارة وعلمنة المجتمع، وينتهي كل شيء!!! الهروب من الماضي والحاضر معاً؛ ويقرر أموراً بالنسبة لأوروبا ثم يتجاهلها، وبالنسبة للحداثة وما تجره من تغريب ثم يتناسى ذلك كله فما السبب؟؟

وما دمنا في التغريب فهذه ((شهادة)) صريحة للمؤرخ البريطاني ((توينبي)) أعجبتني صراحته فهو يقول[9] (... ها هم الأتراك يحاولون إقامة صورة.. ((طبق الأصل)) لدولة غربيَّة، وشعب غربي، وعندما ندرك هدفهم نتساءل بحيرة: هل يبرر هذا الهدف حقًّا الجهد الذي بذلوه في صراعهم لبلوغه؟؟ إننا لم نكن نحب التركي التقليدي ((المسلم المتحمس))... لقد استطعنا أخيراً أن نحطم سلامه النفسي، لقد حرضناه على القيام بهذه... ((الثورة المقلدة)) التي استهلكها الآن أمام أعيننا، والآن وبعد أن تغير التركي بتحريضنا ورقابتنا، وبعد أن أصبح يفتش عن كل وسيلة لجعل نفسه مماثلاً لنا وللشعوب الغربية، الآن نشعر بالضيق والحرج، بل نميل إلى الحنق والسخط، وبإمكان التركي أن يجيبنا بأنها مهما فعل فهو ((مخطئ)) في نظرنا، وهو قادر على ترديد مقطع من كتابنا المقدس ((نفخنا معكم في القرب فلم ترقصوا، وحزنا معكم فلم ترضوا...)).

ما الذي سيكسبه التراث الحضاري في حالة عدم ذهاب جهود الأتراك سدى؟ وفي حالة نجاحهم – فرضاً – النجاح المرجو؟!!

إن هذه النقطة تكشف في حركة ((المقلدين)) عن ضعفين فيها:
1- إن الحركة المقلدة متبعة وليست مبدعة وفي حالة نجاحها – جدلاً – فلن تزيد إلا في كمية المصنوعات التي تنتجها الآلة، بدل أن تطلق شيئاً من الطاقة المبدعة في النفس البشرية.

2- في حالة النجاح الباهت المفترض، وهو أقصى ما يمكن للمقلدين تحقيقه والوصول إليه، سيكون هناك خلاص، نعم مجرد خلاص، لأقلية ضئيلة، في أي مجتمع تبنّى طريق التقليد...).

نعم هذا هو ((الحيّز)) المحدود الذي يمكن أن يشغله ((المقلد))، ولو حاول أن يتعدى ذلك فهناك ((كوابح)) وحواجز تمنع. نعم يا توينبي ما زلنا ننفخ في القرب حتى هلكنا في النفخ، وما زلنا في مكاننا نراوح.

هذه أوروبا تقبل الدول الأوروبية كافة في سوقها، وتمنع تركيا من ذلك فلماذا؟؟

وقبل الختام أريد أن يقرأ د.شرابي الذي تأمرك فنسي قضيته وأهله، وراح يتلهى بالحداثة والعلمانية، أريد أن يقرأ ما قاله ((مارشال بيرمان)) عن الحداثة، وانقل النص عن كتاب د.شرابي نفسه ((البنية البطركية))[10] (الحداثة قضية أوروبية صرفة، فهي ظاهرة وجدت هناك، وتفاعلت تاريخياً، فهي غربية المنشأ والهدف والمحتوى، وعلامة فارقة للغرب عن غيره) فما رأى د.شرابي بهذا؟؟

وهذا ((هشام جعيط)) – وهو كاتب يساري مغربي – يتحدث عن الحداثة والإسلام فيقول (... من جهة أخرى لو تصفحنا ما في ((الحداثة)) من شرور الفردية والعزلة والاستغلال والمادية الاقتصادية، والبؤس النفسي لصار من الممكن التفكير بأن الإسلام كقوة روحية قادر على أن يبث رسالة تجديدية لإنسان القرن الواحد والعشرين) أهـ.

هذه هي ((الحداثة)) بوجهها الكالح كما يرسمها كاتب يساري.

فلماذا تهاجم العربية الفصحى دون سواها، ومن المستشرقين وتلاميذهم دون سواهم؟؟ ومتى كان المستشرق حريصاً على خيرنا وتقدمنا، وهو المستشار في كل أذى يدبّر لنا، وكل حرب تعلن ضدنا اللهم إلا قلة نادرة تتصف بالموضوعية والاعتدال.

ــــــــــــــــــــ
[1] الفكر العربي/ د.محمد أركون ص(8) ترجمة عادل العوا 1980م.
[2] النقد الحضاري ص85 مركز دراسات الوحدة العربية.
[3] النقد الحضاري ص86 مركز دراسات الوحدة العربية.
[4] المرجع السابق ص86.
[5] المرجع السابق ص86.
[6] المرجع السابق ص92
[7] المرجع السابق ص51
[8] المرجع السابق ص36.
[9] الإسلام والغرب والمستقبل ترجمة د.نبيل صبحي ص(50) دار العربية.
[10] البنية البطركية ص33 دار الطليعة 1987م.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_********/0/25/#ixzz4G9pkpSdt
عبدالله بنعلي

===========
===========

المستشرقون.. والمستغربون.. والدعوة إلى العامية!!
من موقع الخطباء :


13/6/1435هـ -

بقلم : د. أحمد الفاضل

العربية حبل بعد الدين الحق يعتصم به العرب والمسلمون في كل مكان وزمان، وهو حبل متين لا يمكن أن تنقطع عراه ما دام هذا القرآن العظيم يُتلى في المشارق والمغارب. هذه حقيقة صار يدركها كل عاقل مفكر، من أجل هذا أراد المستشرقون وأذنابهم القضاء على هذه اللغة وإحلال العاميَّة محلها لأن القضاء عليها يعني تمزيق هذه الأمة الواحدة وجعلها قبائل وشعوباً لا ترتبط فيما بينها بلحمة أو وشيجة. وفي هذا المقال تعرضت لأشهر من دعا إلى العامية من المستشرقين والمستغربين، ثم بيّنت أنَّ تلك الدعوة لم تلق نجاحاً ولن تلقاه بإذن الله تعالى.

المستشرقون والدَّعوة إلى العاميَّة:

أول من حث على التحول عن الكتابة باللغة العربية من المستشرقين المستشرق الألماني الدكتور ولهم سبيتا، الذي نزل مصر، وعاش في أحيائها، ودرس العاميّة، ووجد أنها تختلف من بلد إلى بلد، ومن حي إلى حي.

وقد رأى هو ومَنْ يهدف إلى تحطيم حركة الإحياء من أهل الاستعمار الأوربيّ أَنَّ الأمر يوشك أن يخرج إلى مالا يحمدون عقباه، من سيادة اللغة العربيّة ونهضتها مرةً أخرى. ففي سنة (1880م) ألّف كتاباً سمّاه (قواعد اللغة العامية في مصر) وقد أورد في هذا الكتاب نبذة عن فتح العرب لمصر سنة 19هـ وانتشار ثقافتهم بين أهلها، وقضائها على اللغة القبطية، لغة البلاد الأصلية حسبما يرى، وقد كشف في مقدمة كتابه عن الغرض الخبيث الذي يرمي إليه فقال: ((وأخيراً سأجازف بالتصريح عن الأمل الذي راودني على الدوام طوال مدة جمع هذا الكتاب، وهو أمل يتعلق بمصر نفسها، ويمس أمراً هو بالنسبة لها وإلى شعبها يعرف إلى أيِّ حد كبير تتأثر كل نواحي النشاط فيها، بسبب الاختلاف الواسع بين لغة الحديث ولغة الكتابة)) [1].

وقد أيد المستشرق الأماني سبيتا اللورد فرين في تقرير وضعه سنة (1882م) دعا فيه إلى هجر العربية الفصحى وإحلال العاميّة المصرية محلها، وقال في تقريره: ((إنَّ أمل التقدم ضعيف في مصر طالما أنَّ العامَّة تتكلم اللغة الفصيحة العربية – لغة القرآن – كما هي في الوقت الحاضر)) [2].

بعد ذلك بنحو تسع سنوات (1890م) ألَّف المستشرق الألماني كارل فولرس كتاباً سماه (اللهجة العاميّة الحديثة في مصر) ثم تولى ترجمته في سنة (1895م) إلى الإنجليزية (بوركيت) وألح على ما ألح عليه سابقه سبيتا من صفة العربيّة الفصحى بالجمود والصعوبة وشبهها باللاتينية وشبه العامية بالإيطالية [3]. واقتصر هذا الكتاب - مثل سبيتا - على دراسة لهجة أهل القاهرة [4].

ثم أتى بعده المهندس المبشر الإنجليزي وليم ولكوكس الذي كان مهندساً للري فألقى محاضرة ونشرها في مجلة الأزهر التي آلت إليه سنة (1893م) وزعم فيها أنَّ الذي أخَّر عامَّة المصريين عن الاختراع هو كتابتهم بالفصحى، ودعا إلى التأليف بالعاميّة وقال مخاطباً الناس في نادي الأزبكية: ((أيها المصريون، لن تزالوا قادرين على إيجاد قوة الاختراع لديكم.. فإنه يوجد فيكم أناس كثيرون توفرت فيهم الشروط ولكن بسبب عدم وجود لسان علمي مشهور فيما بينكم لم تحصلوا على شيء أضعتم وأعمالكم سدى؛ إذ السبب في ذلك أنَّ الكتب العلمية الدنيوية يؤلفها أربابها مثل الجبال وفي آخر الأمر لا يلد هذا الكلام الصعب إلا فأراً صغيراً وما نشأ ذلك [إلا] من كون اللسان العلمي غير مشهور فيما بين العامة... أقول لكم إذا جنحتم إلى هذه اللغة الدارجة القوية الشهيرة فيما بينكم وتركتم هذه اللغة الضعيفة تمنحون كثيراً)) [5].

وقال أيضاً: ((وما أوقفني هذا الموقف إلاّ حبي لخدمة الإنسانية، ورغبتي في انتشار المعارف، وما أجده في نفسي من الميل إليكم الدال على ميلكم إليَّ)).

وقد خطا بهذا الاقتراح خطوة عمليّة، فترجم أجزاءً من الإنجيل إلى ما سماه اللّغة المصريّة ونّوه سلامة موسى بعمل ولكوكس وأيده [6].

بعد ولكوكس خرج أحد قضاة المحاكم الإنجليز وهو سلدن ولمور فألّف هو الآخر كتاباً سماه (العربية المحليّة في مصر) سنة/1901م/ دعا فيه إلى اتخاذ العاميّة لغة أدبية ويهدد أننا إذا لم نفعل ذلك (فإنَّ لغة الحديث العاميّة ولغة الأدب ستنقرضان وستحل محلهما لغة أجنبية نتيجة الاتصال بالأمم الأوربية)، ثم ختم كلامه بأنّ: ((خير الوسائل لتدعيم اللغة العاميّة هي أن تتخذ الصحف الخطوة الأولى في هذا السبيل، ولكنها ستكون في عون من أصحاب النفوذ..)).

ثم ادَّعى أن عالماً أمريكياً في فقه اللغة يحب الخير للشعب المصريّ وافقه هو و ولكوكس على رأيهما في هذه القضية [7].

وأخيراً ظهر سنة (1926م) كتاب (المقتضب في عربيّة مصر) لـ فيلوت و باول اللذين اتجها فيه وجهة علمية لتسهيل دراسة العاميّة المصريّة.. تلك التي ضاعت كرامتها على حد قولهما بتركها تنساب مفككة من دون ضوابط حتى أصبحت لا وجود لها كلغة مكتوبة ولم يفتهما أيضاً أن يرددا الشكوى من صعوبة اللغة العربيّة الفصحى وخاصة حروفها الخالية من حروف الحركة [8].

هؤلاء هم أشهر المستشرقين الذين حملوا لواء الحرب على العربيَّة، ويمكن أن نقسم دعوتهم إلى ثلاثة أقسام:

أولاً: الدعوة إلى لهجات مختلفة تكون لغات رسمية لكلِّ بلد عربي.

ثانياً: الدعوة إلى كتابة العربيّة بالأحرف اللاتينية.

ثالثاً: الدعوى بأنَّ الفصحى تقضي على قوة العرب الاختراعيّة [9].

المستغربون والدعوة إلى العاميّة :

ما أجمل أن نبدأ هنا بقول البيروني: ((والله لأن أهجى بالعربيّة، أحبُّ إليَّ من أن أمدح بالأعجمية)).

ليت دعاة العاميّة من العرب المستغربين عندهم من الحماسة والحب للغتهم مثل البيروني لا أقول أن يتمنوا الهجو بالعربيّة ويقدموه على المدح بالأعجمية، ولكن أن يكون عندهم غيرة كغيرته وحب كحبه، ولكنهم يخطبون في حبل المستشرقين، ويخطبون وُدَّ الغرب الصليبي، أولئكم كثيرون في وطننا العربيّ، قد باعوا أنفسهم وعقولهم لهؤلاء الأعداء فأجسامهم بيننا تنهل من خيرات هذه البلاد، وقلوبهم وعقولهم عند أسيادهم تخفق بحبهم، وتفكر: كيف تخدمهم.

من هؤلاء عيسى اسكندر المعلوف الذي كتب مقالات عدّة عن اللهجة العاميّة في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة!! وقد زعم أنَّ من الممكن اتخاذ أيّ لهجة عاميّة كالمصرية والشامية، كما زعم أن تعلق المسلمين باللغة العربية لا مسوغ له. يقول: ((وما أحرى أهل بلادنا أن ينشطوا من عقالهم طالبين التحرر من رق لغةٍ صعبة المراس قد استنزفت أوقاتهم.. ولي أمل أن أرى الجرائد العربية، قد غيرت لغتها..)) [10].

والذي يأخذ بالألباب، ويحار فيه الإنسان هو أن يكون عدو العربية عضواً في مجمع اللغة العربية الذي إنما وُجد ليكون حصن العربية، ثم يكتب في مجلة المجمع طعناً وذماً وتهكماً في العربية..!! وما هذا الشيء العجيب إلا كمن يحصن بلاده وأرضه ليرد كيد العدو وغدره، ثم هو يدخله من الباب قائلاً له أهلاً وسهلاً ومرحباً..!!

ومنهم عبد العزيز فهمي باشا الذي دعا بقوة إلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وشُغل المجمع ببحث اقتراحه، جلسات عدة، امتدت خلال ثلاث سنوات، ونشرت في الصحف، ثم ألف كتاباً سماه (الحروف اللاتينية لكتابة العربية).

يعلق الدكتور محمد محمد حسين على دعوة هذين الرجلين قائلاً: ((أليس يرضى الاستعمار عن مثل اقتراح المعلوف وفهمي؟ أليس يرضى عنه العضو الإنجليزي (جب) الذي يقرر في كتابه: (إلى أين يتجه الإسلام؟) عند كلامه عن الوحدة الإسلامية أنَّ من أهم مظاهرها الحروف العربية التي تستعمل في سائر العالم الإسلامي، أليس يرضى عنه الاستعمار الفرنسي الذي حارب العربية الفصحى في شمال إفريقيا أعنف الحرب، وضيَّق عليها أشد التضييق؟)) [11].

ومن الداعين إلى العامية أيضاً سلامة موسى الذي دعا إلى العامية في كتبه ومقالاته وقد أيَّد سلامة موسى المستشرق ولكوكس في كتابه (اليوم والغد): ((والهم الكبير الذي يشغل بال السير ولكوكس بل يقلقه، هو هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها فهو يرغب في أن نهجرها ونعود إلى لغتنا العامية، فنؤلف فيها وندون بها آدابنا وعلومنا)) [12].

وهناك رجل خطير في أفكاره وآرائه هو أحمد لطفي السيد الذي كان رئيساً لمجمع اللغة العربية في القاهرة، قد دعا إلى شيء عجيب سمَّاه (عقد الصلح بين العامية والفصحى) فالرجل حز في نفسه أن يرى قتالاً ضارياً تزهق فيه الأرواح؛ لذلك تبرع ونصَّب نفسه حكماً وقاضياً شرعياًّ بين العامية والفصحى، وبعد محادثات دخل فيها الوسطاء من سادة التبشير والاستعمار، عقد هذا الصلح، وانتهت هذه الحرب (وكفى الله المؤمنين القتال)!! [13].

وللجامعة الأمريكية في بيروت نصيبٌ في الدعوة إلى العامية فقد نهض أحد أساتذتها يدعو إلى محاربة الفصحى وهو الدكتور أنيس فريحة الذي ألف في ذلك كتابين هما (محاضرات في اللهجات وأسلوب دراستها) و(نحو عربية ميسرة) ((ومع أنَّ خلاصة الكتاب الأول موجودة في الكتاب الثاني فإنَّ الدكتور فريحة ينضح في كتابه الثاني بالحقد على العربية الفصحى وبالبغض لأهلها، وبالتهكم على تراثها، والهزء برجالها)) [14].

وأخيراً نأتي إلى عميد الأدب الاستشراقي في مصر، أعني الدكتور طه حسين الذي تقدَّم باقتراح إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة - وكان رئيساً له! – يطلب فيه إضافة أحرف لاتينية على الأبجدية العربية، وقد تصدى له الدكتور عمر فروخ وعباس محمود العقاد رحمهما الله تعالى، وأخفقت محاولته الخطيرة. يقول الدكتور عمر فروخ: ((... وهكذا نجت اللغة العربية من اقتراح ما كان أحد – إلا الله تعالى – يعلم إلى أين تنتهي آثاره لو أنَّ مجمع اللغة العربية في القاهرة أخذ باقتراح طه حسين)) [15].


هل حقق المستشرقون وأتباعهم أهدافهم ؟

لا ريب بأنَّ الجواب هو (لا).. لأسباب:

1- وهو أهمها أن الله تعالى حفظ اللغة العربية، وذلك عندما قال: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) [الحجر:9 ] ((بلسان عربي مبين)) [الشعراء:195].. وما دام هذا القرآن العظيم يُتلى في المشارق والمغارب، فإن العربية باقية نامية.

وقد أدرك الأمر وليم جيفورد بلجراف في كلمته المشهورة: ((متى توارى القرآن، ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة المسيحية التي لم يبعده عنها إلا محمدٌ وكتابه)).

وكم حاول الاستعمار الفرنسي الصليبي في الجزائر القضاء على اللغة العربية، ليجعل محلها لغتها الخرقاء، ولكن الشعب الجزائري وقف في وجه هذه المؤامرة الصليبية وأفسد خطة المستعمر، وذلك بحفظه لكتاب الله الكريم الذي بقي مجلجلاً مدوياً، تصدح به أفواه الجزائريين، وهكذا خابت آمال الأعداء وانتصرت العربية في النهاية.

2- اللغة العربية لغة حضارة وعلم، وهي قادرة بما فيها من خصائص وميزات واشتقاق أن تسير مع العلم الحديث دون تخلف أو جمود، وإن كان من أحد عنده شك في ذلك فدونه جامعة دمشق التي تدرس العلوم كلها باللغة العربية منذ أربعين سنة تقريباً، وطلابها من أطباء ومهندسين وغيرهم متفوقون على أقرانهم في الدول العربية بتعريب التعليم الجامعي ونسأل الله تعالى أن يخرج بقية الدول من قيد التبعية، وأن تخطو مسرعةً إلى التعريب.

3- الهجمة على اللغة العربية أدت إلى رد فعل مقاوم لذلك، فقد أنشئت مجامع اللغة العربية في كل من سورية ومصر والعراق والأردن، وقام أعضاء هذه المجامع بوضع المصطلحات العلمية والطبية لكل وافد وجديد.

4- أدرك المسلمون أن اللغة العربية هي الحبل الثاني الذي يعتصمون به بعد الإسلام، وشيوعُ العامية يعني تمزيق وحدتهم، وحينها لن يفهم العراقي لهجة الجزائري ولا السوري لهجة المصري.. والعرب مهما اختلفوا في سياساتهم، فإنَّ العربية تبقى رابطة بينهم، والدليل على هذا أنَّ الأمة الإسلامية في عهد المتنبي تفرقت أيادي سبأ كما يُقال في المثل، فكان المتنبي الشاعر يطوف على الإمارات المتفرقة، فيمدح هذا، ويذم ذاك دون أن يجد صعوبة في التفاهم معهم، وهم متفرقون مختلفون..

وأحسن الشاعر حليم دموس حين قال في وصف العربية:

لغةٌ إذا وقعت على أسماعنـا كانت لنا برداً على الأكباد

ستظل رابطـة تؤلف بيننـا فهي الرجاء لناطقٍ بالضـاد

5- إنَّ القول بأنَّ العربية الفصحى تعيق التقدم الحضاري والعلمي – كما يزعم الخرَّاصون – باطل. وحجتنا في ذلك أن بعض اللغات الميتة والبدائية كاليابانية والصينية والعبرية تدرس بها العلوم الطبية والفيزيائية.. ويفتخر أهلها بها، ويحافظون عليها محافظتهم على أنفسهم، ولم يؤدِّ ذلك إلى تأخر هؤلاء عن ركب الحضارة وأسبابها.

ــــــــ

الهوامش:

(1) أباطيل وأسمار، محمود شاكر، ص 161،162، الخانجي بالقاهرة. وأجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن الميداني، ص 301 ، دار القلم بدمشق.

(2) أباطيل وأسمار، ص 164.

(3) أجنحة المكر الثلاثة، ص 301, وأباطيل وأسمار ص 165.

(4) فلسفة الاستشراق، أحمد سمايلوفتش، ص 670، دار المعارف بمصر.

(5) المصدر السابق نفسه، ص 672-673.

(6) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، د. محمد حسين، ج2 ، ص 360 -361، مؤسسة الرسالة ببيروت.

(7) أباطيل وأسمار، ص 167-168.

(8) فلسفة الاستشراق، ص 670 نقلاً عن الدكتورة نفوسة زكريا سعيد في كتابها (الدعوة إلى العامية وأثرها في مصر).

(9) فلسفة الاستشراق ص 668.

(10) الاتجاهات الوطنية، ج2، ص 363.

(11) المصدر السابق، ص 364.

(12) أباطيل وأسمار، ص 147.

(13) المجلة العربية (الرياض) عدد (137) مقال للكاتب.

(14) التبشير والاستعمار، عمر فروخ وزميله، ص 227، طبعة بيروت.

(15) غبار السنين، عمر فروخ، ص 149، دار الأندلس ببيروت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق