السبت، 27 يناير 2018

أيُّ لَهَجَاتِنا العربيَّة المُعاصِرَة أقْرَبُ إلى الفُصحى؟


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فهذه إجابات ودراسة عن (أيّ اللهجات العامية أقرب إلى الفصحى) 

وهي منبثقة عن سؤال لأحد السائلين في ركن الفتاوى اللغوية بالمجمع، وقد أدلى طائفة من الأعضاء بدلوهم في الإجابة عن السؤال، ثمّ شارك عضو المجمع أ.د. صادق عبدالله أبو سليمان بدراسة حسناء.. وقد آثرنا أن توضع الإجابة والدراسة في القضايا اللغوية.. وبساط البحث فيها لا يزال ممتدًا لمن أراد الزيادة والتفصيل.

سؤال مِن: سيد عبد الباسط الحواري
أيُّ لهجة من جميع اللهجات العربية المعاصرة أقرب إلى العربية الفصيحة؟ وأمَّا في الممالك، فأظن أن لهجة السعودية جيدة بالنظر إلى اللهجات الأجنبية.



الإجابات:

د. غسان الشاطر:سعادة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الحربي، رئيس المجمع الأكرم.
بالإشارة إلى السؤال الـمُرسَل، فلم أزُرْ بلدًا عربيًا، أو أتكلم مع عربيّ إلا وزعَمَ أنَّ لهجتَه هي الأقربُ إلى العربية الفصيحة، وفي رأيي أنَّ كُلَّ بلدٍ أدرى بلهجتِه، فهو أقدَرُ على مقارنتها بالفصيحة، وليس لأهلِ ذلك البلد معرفة تامّة بلهجة البلدان العربية الأخرى؛ لذلك يرونها بعيدةً عن الفصيحة، وعليه فالسؤال هنا ليس أيّ لهجة أقرب، وإنما: ما المعايير، والمقاييس التي يُسْتَنَدُ إليها لإصدار حُكْمٍ بِقُرْبِ لهجة عاميّة ما، أو بُعْدِها عن العربية الفصيحة؟ وبعدَ ذلك، كيف نُطَبـِّـقُ هذه المعايير عَمَلِيًّا وعِلْمِيًّا حتى نخرجَ بنتائج عِلْميّة صادقة ومُعتمدة؟
تَعَوَّدتُ في السابق أنْ أُشاهِد نقاشًا بين عددٍ مِن الأفاضل الـمُختَصّين في اللغة حولَ هذه القضية، وكلٌّ يُورِدُ براهينَ، وأدلّة لا تَسْتَنِدُ إلى التَّجْرِبة العِلْميّة العَملِيّة، وإنَّما إلى وجهات نظر شخصيَّة ناتجة عَن خبرات خاصّة؛ لذلك لم أجِدْهم- ولو لِمَرَّة واحدة- يتَّفِقون على جوابٍ لهذا السؤال.
وفي رأيي المتواضع، أرى أنَّ هذا موضوع بحث جيد، بشرط أنْ يبدأ البحثُ بتَقْعِيد الإطار النَّظَريّ والإجرَائيّ، على الرَّغم مِن أنَّني ما زلتُ أُفكِّر في جَدْوى النتائج، وفائدتها.
وتقَبَّلُوا فائِقَ التّقدِير والاحتِرام.
غسان.


أ. د. عبد الرَّحمن السُّليمان:وعليكم السَّلام، ولكُمُ الإكْرَام!
أرى أنَّ لهجةَ مدينة (فاس) في المغرب العربيَّة – أيْ غير الملوَّثة بالفرنسيَّة – أقربُ اللَّهجات العربية إلى الفصحى مِن غيرها مِن اللَّهجات العربية، وذلكم على المستوى الصَّوتيّ، والمستوى الصَّرفيّ، والمستوى النَّحويّ، والمستوى الدِّلاليّ.
تحيَّاتِي الطَّيـِّبة.
عبد الرَّحمن السُّليمان.


د. عبد الله الأنصاريّ:هذا يحتاجُ إلى جهدٍ ينبغي أنْ تقومَ به مؤسسةٌ عِلْمِيّةٌ تُعنى بالعربية، بإحدى طريقَيْنِ:
الأولى: تأخذُ ثلاثةَ أشخاصٍ مِنْ كلّ قُطْرٍ عربيٍّ مِنْ أهل البادِية والأرياف، ثُمَّ تجْمَعُهم في مَجْلِسٍ واحدٍ، فتقيمُ حوارًا بينهم أمام لجنة عِلْمِيّة محكّمة مِنْ مُتَخصِّصِي العربيّة، وعِلْم اللُّغة. ثُمَّ تنفرِدُ اللَّجنةُ بِكُلِّ واحدٍ، فتحاوِرُه، وتُسجِّلُ ظواهرَ لهجتِه.
الكَيْفِيّة الثَّانية: أنْ تَبعَثَ الجهةُ العِلْمِيّةُ لجنةً مِنْ مُتَخصِّصِي اللُّغة إلى كُلِّ قُطْرٍ عربيٍّ، فيُخالِطون جميعَ أطيافِها، وقبائلَ مجتمعِها، فيُسجِّلون مَلْحُوظاتهم، ومَرئيَّاتهم في لهجات ذلك القُطْر.
هذا رأيي في هذه الـمَسألة. والله أعلَم.


أ.د. سيد جهانغير:سعادةَ الأستاذ/ عبد الباسط - حفِظكُم الله-: السَّلام عليكُم، ورحمةُ اللهِ، وبركاتُه.
أولاً، وقبلَ كُلِّ شيءٍ، بمناسبة إقبال شهر رمضان الـمُبارك أتشرفُ برَفْع أسْمَى آياتِ التّهاني، والتّبريكات بمناسبة هذا الشهر الفضيل المبارك, وأنْ يُوفِّقَنا جميعًا لاستِثمار أوقاتِنا في أفضل الأعمال الصالحة.
والأمر الثَّاني: ما قُمتم بإثارته، وهو: أيّ لهجة عربيّة أكثر قرابةً مِن العربية الفصحى؟ إليكم أستاذَنا الكريم لماذا الرّجعية مرة أخرى؟ ألا يَكفِينا مَا حصدَ العالمُ العربيُّ في العُقُود الماضية نتيجةَ مطالبة توظيف المصريَّة العامة، وهل تريدون إثارةَ العصبيّة مرَّةً أخرى مِن جديد؟ حمدًا لله أنَّ كلّ مُواطن فى الأقطار المتنوّعة مُقتنِع بِلهجتِه آخِذًا بالنَّظَر إلى حاجة القُطْر الذى يعيشُ فيه.
أستاذَنا الكريم، هل تَسَاؤلُكم هذا مُجرَّد سؤال عِلْمِيّ بَحْت؟ أم هناك هدفٌ كامِنٌ وراءَه؟ أرجو الإيضاح. وإذا قُمتم بإثارته لذَوقٍ عِلْمِيّ مَحْض، فأرجو عَقْدَ ورشَة عربيّة لأُسرةٍ عربيّة كبيرة، واختيار موضوع مُحدَّد، وعرضها على جميع اللَّهجات العربيّة الـمُنتشِرة، ومِنْ ثَمَّ تقييمها للنتيجة الحتْمِيّة.
ورَجَائِي في جَنَاب جميع أصحاب الفضِيلة، والسَّعَادة؛ صرْف الهِمَم، وبَذْل الغالي، والنَّفِيس؛ لِتَوْطِيد الفُصحى في نفوس الأجيال النَّاشِئة، ولِتحقيق هذا الهدف أنْ يُقيم كلُّ عضو لمجمعِنا الحبيب الَّذى هو عُصَارة حياة الشيخ أبو مُحمد - حفظه الله - دورةً لتَقْوِيم وتقْيِيم الفصحى في القُطْر الَّذي يتنفَّسُ لِيجعل العربية هي الفصحى مُوطَّدَة.
والله مِن وراءِ القَصْد، وهو الـمُوَفِّق.
مَعَ أجمل، وأَحَرّ التّحِيَّات مَرَّة أخرى فى جَنَاب كُلّ عضو محترم بالمجْمَع.


أ.د. إبراهيم الشمسان:ليس هناك لهجة سعودية، بلْ طائِفة مِن اللَّهجات في البيئات المختلفة في جزيرة العرب. واللَّهجات العربيّة مُتفاوِتةٌ في قُرْبِها، وبُعْدِها عَن الفصيحة؛ إمَّا بسبب سِمَاتِها القديمة التي استبْعَدَتْها العربية المشتركة، كـ (الكشكشة) في لهجات جنوب الجزيرة والخليج، و(الكسكسة) كما في لهجات وَسط نَجْد، وغيرها مِن السِّمَات القديمة. أوْ لِسِمَاتٍ جَدَّتْ في اللَّهجة نفسِها كـ (الدزدزة) في لهجة القَصِيم. وسِمَات مُنحَدِرة مِن البِنْيَة التَّحْتِيّة للبيئة، مثل البلاد التي كانت تنتشِرُ فيها لُغاتٌ غير عربية كالسُّريانيّة والأماغيزيَّة. وبالجُملة يُمكِنُ القول إنَّ لهجاتِ الجزيرة أقْرَبُ إلى أُصُولها.


أ.د. نوال الحلوة:سعادة رئيس المجْمَع –حفظه الله-:
السَّلام عليكم، ورحمةُ اللهِ، وبركاتُه.
أما بعد: فقد اطَّلَعْتُ على كِتابكم حول سؤال السَّائِل عَنْ أيِّ اللّهجات الحديثة أقرب للفُصحى؟ والَّذي أرَاهُ أنَّ السؤال بِطَرْحِه هذا يَفْتَقِدُ حَبْكَةَ الباحِث الـمُحَنَّك، فهو سؤالٌ يَسْبَح بلا وجهة، فلم يُحدَّدْ بموضوعٍ، أو قضيّةٍ، أو ظَاهِرةٍ، أو حَقْل؛ لِذا مِن الصَّعب أن يُحشَد له أعضاء المجْمَع بصورته هذه، ولكنْ أرى أنَّ هذا السُّؤال يُمكِنُ أنْ يُسْهِم في فتح قضايا حول اللَّهجات، ووُجوه اتِّفاقِها، واختِلافها، بِشَرْط أن يُحْصَرَ البحثُ في جانِبٍ مُحَدَّد؛ فمَثلاً حَصْرُهُ في حَقْلٍ، مِثل (حَقْل الملابس)، أو (حَقْل الطَّعام)، ثُمَّ عَمَل مُقَارَنَة دِلالِيَّة بينَ اللَّهجات بِحَصْر مُفرَدَات الحقْل، وتحديد أصْلها الدّلاليّ، والتَّغيُّر الَّذي اعتراها، ثُمَّ بيان الأصيل، والدَّخِيل، والـمُعَرَّب، والـمُوَلَّد، والهَجِين؛ فَهَا هُنَا قد نتبيَّن أقرب اللّهجات لِلفُصحى، إلى جانِب أنَّ هُناك مَلْمَحًا مُهِمًّا، وهو أنَّ التَّغيُّر الصَّوْتيّ قد يُحَوِّل الـمُفْرَدَة عَن أصلها بسبب الـمُمَاثَلَة، أو الـمُخَالَفَة، أو القَلْب المكانيّ، أو الإتباع، أو الحذف سواء بالحركة، أو الحرف؛ فتزداد المفردة غموضاً ويصعُب تفسيرُها، إذ تبدُو للمُسْتَمِع أنَّها ليستْ مِن الفُصحى في شيء، ولكن لو درسَ الباحِثُ هذا التَّحَوُّل الصَّوتيّ، ثُمَّ رَدَّ الكلمةَ إلى أصلِها؛ لاتَّضحَ له فصاحتُها، ومثال ذلك ما يفعله الإبدالُ، والمخالفة في الكلمة، لذا أرى أنَّ التَّحَوُّلات الصَّوتيّة، وأثرها في تداخُل الأصول مجالٌ ثَرِيٌّ لِدِرَاسَة مُقارنة بين لهجين، مع بيان أيّ اللَّهجين أقلّ عُرْضَةً لِفِعْل القوانين الصَّوْتيّة، وتغيُّراتها. فهذه الدِّرَاسات وأمثالها قد تُوضح سِمَات الفَصَاحة في كُلِّ لهجة، رَغم أنِّي أَجْزِم مُسْبَقًا أنَّنا لنْ نجِدَ لهجة حديثة تَغَلَّبَتْ في مُستوياتها الأربعة على غيرها مِن اللَّهجات؛ إذْ قد نَجِدُ لهجةً تَتَمَيَّزُ في أصالة دلالاتها، وأخرى في سَكّ صيغها، وثالثة في قِلَّة الانحِرَافات الصَّوتيَّة فيها، لِذَا ففَوْز لهجة بالفصاحة بقَصَب السَّبْق على غيرِها أُرَاهُ – فيما أعْلَمُ - بعيدًا.
هذا مَا استطعتُ معه جهدًا. والله يرعاكم.


قال أ.د. عبدالقادر سلّامي:مقدمة:
تعدّ "دراسة اللهجات من أحدث الاتجاهات في البحوث اللغوية، وقد نمت هذه الدراسة في الجامعات الأوروبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حتى أصبحت عنصراً هامّاً بين الدراسات اللغوية الحديثة"؛ ذلك لأنها تُسهم في تفهّمنا لطبيعة اللغة، وتبيّن مراحلها التاريخية، وتأثير البيئة، والأزمنة في أصواتها، وصرفها، وبناء الجملة، والمستوى الدلالي فيها. ويعدّ إبراهيم أنيس - رحمه الله- في كتابه" في اللهجات العربية" من روّائد الدرس اللغوي العربي الحديث، والذي رأى في اللهجة القاهرية أقوى اللهجات ترشيحا لخلافة اللغة المشتركة؛ لما تحقّق لها من الانتشار في الوطن العربي واقعاً.
أمّا علاقة اللهجة باللغة فهي علاقة بين العام والخاص؛ لأنّ اللغة تشتمل على عدّة لهجات، لكلّ منها ما يميّزها، وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية، والعادات الكلامية التي تؤلّف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات. ومما لا ريب فيه أنّ اللهجة متفرعة عن اللغة المشتركة، ومتأثرة بها، وإن كانت تشويها أو تحريفا لها". وما ينبغي التّنبيه إليه أنّ اللّهجات العربية قديما كانت قريبة من اللغة الفصحى في خصائصها، ومميّزاتها، بخلاف بعض الفوارق الصوتية، مثل عنعنة تميم- التي تبدل فيها الهمزة عينا، وفحفحة هذيل، بإبدال صوت الحاء عينا، وتلتلة بهراء، بكسر حرف المضارعة، وغيرها.
وحينئذ أمكن تسمية اللّهجة لغة، ولكن بمرور الزّمن، واختلاط العرب بغيرهم من الأعاجم، نتجت لهجات أخرى، ضمّت كلمات فصيحة، وأخرى معربّة، وثالثة دخيلة، ممّا وسّع الهوّة بين اللغة الفصحى واللّهجة، وتعذّر تسمية الثانية بالأولى، وأصبحت أقرب إلى العاميّة منها إلى الفصحى. وكلّما تقدّمنا في الزمن اقتربت العاميّة من الدّارجة، وابتعدت عن الفصحى، واستحال تسمية كليهما باللّغة لافتقادهما لخصائص العربيّة، وتميّزهما بخصائص أخرى.
خلاصة القول:
لمّا كانت اللهجة من حيث الاصطلاح، تسمّى العامية، أو المنطوقة، أو المحكية، أو المحلية، أو الدّارجة، وهي "اللّسان الذي يستعمله عامّة الناس مشافهة في حياتهم اليومية لقضاء حاجاتهم، والتفاهم فيما بينهم". فهي اللّهجة اليومية العفوية المكتسبة في السنوات الأولى للإنسان والتي يستعملها في تعاملاته العامّة، وتختلف من منطقة إلى أخرى في سائر البلدان؛ فإن علماءنا القدماء استعملوا مصطلح "اللهجة"، على النحو الذي نعرفه في الدرس اللغوي الحديث، وإن كانوا قد استعملوه في كتبهم، فجعلوه مرادفا للغة، علما أن هناك من يزعم بأن العربية لغة ميتة، وغير صالحة لأن تكون لغة حضارة للآداب، والعلوم، والفنون، فلا غرابة أن يحاربها أعداء العروبة، والإسلام للانتقاص منها، فدللنا على عراقتها، وصمودها أمام الخطر اللّهجي المُحدق بها، ما لم تجد اللهجات المحلّية سُبلاً إلى ترقيتها، وردّ العامي فيها إلى الفصيح إحداها. لذا، وجب- في رأينا- عدم ترشيح في حاضر لغة العرب أيٍّ من اللهجات العربية المعاصرة بأنْ تكون الأقرب إلى العربية الفصيحة. والله ورسوله أعلم.
أ/د. عبد القادر سلاّمي- رئيس لجنة المعجمات بالمجمع.



أ.د. عبدالرحمن بودرع:
وعليكم السلام، ورحمة الله، وبركاته.
سعادَة رئيس المَجمع - يحفظه الله –:
هذا موضوع بحث ميداني دقيق، يُشترَط فيه انتقاء النماذج، والعينات المختلفَة، والموازَنَة بينها على أساس معايير الفصاحَة، والسلامة اللغوية. وينبغي الابتعاد عن القول: إن لهجة هذا البلَد، أو ذاك أقرب اللهجات العربية إلى الفصحى؛ وذلك لأن اللهجات سريعة التأثّر، والتبدّل، وعُرضة للتشوُّه الصوتيّ، والتهجين المعجميّ.
ولا ننسَ أنّ من معايير الفصاحَة إخراج الأصوات من مخارجها، وهذه صفة من صفات البيان والإبانَة، فما من لهجة تتحلّى بهذه الصفة إلاّ تجدُ لها قرباً مّا من الفصيحة، ثمّ يُنتَقَل إلى معجم اللهجة، ويُنظَر هل هو منحوت من العربية في أصوله، أو أكثره مستعار من العاميات التي تقتاتُ على لغات قديمة غير عربية، كالفارسية والتركية...، وينظر أيضا إلى تراكيب اللهجة، وجملها، وتُوازَن بتراكيب العربية الفصيحَة، وجملها. والله أعلَم. والله يحفظكم.
عبد الرحمن بودرع، عضو المَجمع، ونائب رئيسه.


أ.د. حسن الملخ:
السلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته، وبعد:
فلكم التهنئة الخالصة بقدوم الشهر الفضيل، جعله الله تعالى شهر رحمة، ومغفرة لنا أجمعين، وبعد: فمسألة تحديد اللهجة الأكثر قُربا من العربية الفصيحة مسألة شائكة طويلة الذَّيل قليلة النَّيل؛ ذلك أنَّ العربيّة بُنيت من ائتلاف لهْجيّ جمع عدة لهجات مُتباينة، فلا وجود لأنموذج لهجيّ جمعيّ؛ الأمر الذي يعني أنَّ الفصحى فُصحيات، وهذا الأمر ينسحب على بنات الفصيحة من العاميّات المحكيّات، فهي متباينة، لكنَّها في مجموعها تمثّل العربيّة، وإن تفاوتت حسب المفهوم العلميّ للغات، وأخشى أن يكون السؤال عن الأكثر قُربا منها كالسؤال عن المفاضلة بين لغة تميم، ولغة قيس، وكلتاهما من لغات الفصاحة؛ لهذا أنصح بسدِّ هذا الباب، فلسنا في حاجة إلى التباهي بموروث مستحدَث لا فضْلَ لنا فيه سوى أنَّ أحدنا وُلِدَ في هذا البلد العربيّ، والآخر في ذاك، وكلّنا في محصول الأمر عربٌ، فلا افترقت وجوه عن وجوه، ولا اختلف التراب، ولا التراب.


قال أ. محمد مبخوت:
سعادة الرئيس إني أوجس خيفة في مجال دراسات اللهجات العربية من "الرابطة الدولية لدراسات اللهجات العربية" التي ترعاها فرنسة، وهذا موقعها: http://aida.or.at/


د. إبراهيم حكومة:السلام عليكم ورحمة الله أيها الأفاضل القائمون على هذا المنبر العلمي الرصين. أهنئكم بمقدم شهر الرحمات، وأسأل الله أن يكتبنا فيه من المقبولين المعتوقين. يطيب لي أن أنقل بعض ما وصلت إليه من آراء لثلة من علماء العربية القدامى والمعاصرين في فصاحة قبائل الأمة. يرى بعض من خالط أهل برقة الواقعة شرق البلاد الليبية أن لهجتهم هي الأقرب إلى الفصحى، وهم من قال فيهم الرحالة أبو عبد الله العبدري القرشي (ت/ بعد 700هـ): "وعرب أهل برقة اليوم من أفصح عرب رأيناهم، وعرب الحجاز أيضا فصحاء، ولكن عرب برقة لم يكثر ورود الناس عليهم". [رحلة العبدري: ص206] أما الأديب طه حسين فقال: "إذا أعوزتكم اللغة فعليكم ببدو برقة". وفي مركز أبحاث اللغة العربية في القاهرة عدت لهجة برقة أقرب لهجة من العربية الفصحى... تنبيه: بعض الأقوال لم أحققها، ولكنها متواترة في بعض المواقع. والله أعلم.



أ.د فاروق مواسي:
أحبتي ولكم تحيتي!
القول إن أهل برقة هم الأقرب للفصيحة يستلزم زيارة الباحث والاستماع لهم، وليس الاعتماد على ما قاله هذا وذاك، فكيف جزم طه حسين بما لم يسمع...؟
راق لي رأي للدكتور الباحث محمد النويهي في معرض حديثه عن الأدب الجاهلي أنه لا بد للباحث الجدي أن يزور مواقع النص الذي يدرسه، وذلك حتى يعي أكثر ما قاله امرؤ القيس مثلاً عن الدخول وحومل،
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها *** لما نسجته من جنوب وشمأل




أ.د. عبدالرحمن بودرع:

بسم الله الرحمن الرحيم
سعادَةَ رئيس المجمع / يحفظه الله
سعادَة الأعضاء المَجمعيين / يحفظهم الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
دراسة اللّهجات العربيّة، دعوة نادى بها المستشرقون الفرنسيون والإنجليز منذ القرن التاسع عشر وما بعدَه، وقَد كتبوا مؤلفات في تفضيل اللهجات العامية على اللغة العربية، وزَعموا أن اللغة العربية لغة تقيدية قديمَة لن تلبثَ أن تزولَ وتموتَ كما ماتت اللاتينية أو على الأقل انحصرَت في إطار الدّراسات التاريخية
ولم يَقف أمر عناية المستشرقين عند هذا الحدّ، بل جاوزَه إلى إعداد جيل من الباحثين الجامعيين العرب ، في جامعة السوربون وغيرها من أبرز الجامعات الأوروبية يُشرفونَ عليْها لإنجاز بُحوثهم في لهجات العالَم العربيّ: العامّيّة السّوريّة والعاميّة المغربيّة وغيرهما من العامّيّات الدّارجة غير النّظاميّة

وما نَرى اليومَ إنّما هو امتداد مباشر أو غير مباشر لذلك المدّ اللَّهجيّ ، ومن المَعلوم أنّ كلّما أوغَلَ الباحثونَ في العنايَة بهذا الميدان ازداد بروزاً ولَفتاً للانتباه وتنادياً بين الأقطار العربيّة لتطبيقه، وهذه خطوة من خطوات مَحو العربيّة والقضاء المُبرَم عليْها واستبدال اللهجات العامية بها بدَعْوى الواقعيّة والتّداوليّة والنّفعيّة

والله يحفظكم









إدارة المجمع 06-28-2015 11:30 PM




وأرسل عضو المجمع، رئيس لجنة الألفاظ والأساليب رأيه فقال:

أيُّ لَهَجَاتِنا العربيَّة المُعاصِرَة أقْرَبُ إلى الفُصحى؟

بقلــــم
أ. د. صادق عبدالله أبو سليمان
أستاذ العلوم اللُّغويَّة في جامعة الأزهر- غزة
عُضو المَجْمَع، ورئيس لَجنة الألفاظ والأساليب فيه.

سؤالٌ عَنْوَنْتُ به مَقَالتي، وبَيْتُ شِعرٍ أُصَدِّرُها به يَرْمُزُ إلى شيءٍ مِن الجواب:
قال الشَّاعر رشيد أيوب: (بحر البسيط)
كُلٌّ يُغَنِّي على لَيْلَاهُ مِنْ شَغَفٍ *** يَطْوِي السِّنينَ بأحْلامٍ وآمَالِ
وسُؤالٌ ثانٍ يُطرَح في هذا السِّيَاق: أيُّ فُصحى أو فصيحةٍ نَعنِي؟ فُصحى العَرَب القُدَماء في العَصْر الجَاهِلِيّ، أمْ فُصحى القُرْآن، أمْ فُصحى أهْل القَول في العَصْر الإسلامِيّ، أمْ فُصحى العَصْر الأمَوِيّ، وما بَعْدَه مِنْ عُصُورٍ تَصِلُ بِنَا إلى عَصْرنا الحَالِيّ الَّذي رأينا فيه مَنْ طَالَبَ باستِعمال مُصْطَلَحِ الفَصِيحَة لِلدّلالَة على اللُّغة العربيَّة الرَّاقِيَة نِظامًا لُغويًّا بَدَلاً مِنْ صِيغَة اسم التَّفضِيل الَّتي دُرِجَ على استِعمالها، وتَغَنَّى بجمالِها وقواعِدِها المُتَغَنُّون مُنذ كانَ إلى الآن؟
وسؤالٌ ثالِثٌ يُسَاقُ أيضًا: مَن الحَكَمُ العَدْلُ في هذا الموضوع؟
وأسئلةٌ بعدَ تِيكَ تُسَاقُ أيضًا:
***هلْ نحن بحاجةٍ إلى خِلافٍ أو اختِلافٍ جديدٍ نُضِيفُه إلى ما نحنُ فيه مِن وابِلِ الخِلافات؟
***هل نحنُ قادِرون على وَضْع مَعَاييرَ ضابِطةٍ تكونُ أُسُسًا لحُكمٍ عِلْميٍّ موضوعي؟
***هل يُوجد بينَنا رُوَاةٌ سمِعُوا اللُّغَةَ العربيَّةَ الفُصحى "المقصودة" مِن أفْوَاهِ أهلِها الجاهلِيِّين؟
وإذا كُـنّا نُؤمِنُ في أبجَدِيَّات علومِنا اللُّغويَّة أنَّ اللُّغَة بِنتُ السَّمَاع؛ فهل يُمكِنُ أنْ يكونَ الوصفُ لها مُغْنِيًا عَنْ هذا الأساس في الاكتساب؟
وهو وَصْفٌ- كما نعلم نحن اللُّغوِيِّين- مختلَفُ في بعض أجزائه؛ فالجيم مثلاً انفجاريَّة، أو شديدة - بالمُصطلح القديم-، ورِخْوَة بِنَظِيرِه القديم، أو احتكاكية، وقِسْ على الهمزة، والقاف، والضَّاد، والبينية، أو المتوسّطة، أو السيالة، واختلاف التشكيل في بعض مباني الكلمات، وإعرابها تركيبًا...إلخ.
*** أيهما أسهل: رَدُّ اللَّهجات المُعاصِرَة إلى اللَّهجات العربيَّة القديمة، أم رَدُّ بعض ظواهر اللَّهجات العربيَّة المُعاصِرَة إلى ما يُناظِرُها مِن لهجات عربيّةٍ قديمة؟
*** هل نحن قادرون على تجاوُز اختلاف اللَّهجات في محافظاتٍ في الدول العربيَّة مُتعدِّدَة اللَّهجات، والأصول، وأيّ مِنها سيُنتَقَى؟
*** هل نحن قادرون على التَّحقُّق مِن صِحَّةِ كثيرٍ مِمَّن ينتسبُ إلى بيت الرَّسول، أو الأشراف، حتى نَدخُلَ في متاهةِ أي اللَّهجات العربيَّة أقرب إلى الفصحى؟
*** أيّ قُرْبٍ نهدِفُ إليه: هل قُرْبُ خصائِص قواعد اللُّغة الصَّوتيَّة، والصَّرفيَّة والتَّركيبيَّة، والدّلاليّة؟ هل القُرْبُ مِن لُغة البَدْو، أو الحَضَر، أو الرِّيف؟
إنَّني قد أرى أنَّ في اللَّهجات الشَّامِيَّة ما هو قريبٌ إلى الفصحى، وأنَّ لَهْجَة جُمهورِ أهل غزَّة- التي آلَفُها- هي الأقْرَب إلى الفُصحى، ولكِنَّنِي أرى في لهجة الإعلام المِصرِيّ جمالاً، ووضوحًا، وانتشارًا سابقًا لكثيرٍ مِن لُغة الإعلام العربيّ المُعَاصِر، تُؤَهِّلُها عندَ كثيرٍ مِن العَرَب إلى قبولِها لُغةً عربيَّةً فصيحةً لِعصرنا.
وأُنَوِّهُ في هذا السِّياق بمَكانَة لُغة قُريش- الّتي لم يَنْبُغْ فيها شاعرٌ- عند العرب الجاهليّين، ولكن أهلها نَبَغوا في التَّنقُّل تجارةً، وغيرها، وفي القضاء بين القبائل، وهم أهل الكعبة، وسَدَنَتُها، هذا المكان المُقَدَّس الَّذي جلَبَ إليهِ العَرَبَ مِن كلّ القبائل، وسَجَّلَ مآثِرَهم الأدبيَّةَ مُعَلَّقاتٍ، أو مُذْهَبَاتٍ، أو غيرها؛ الأمر الَّذي أهَّلَ لُغتَهم لأنْ تكونَ اللُّغةَ العربيَّة المُشتركة، بل اللُّغة الفصحى التي نَزَل بها القرآن.
أخلُصُ إلى أنَّ الحُكْم على أيِّ اللَّهجات العربيَّة أقرَب إلى الفُصحى القديمة لَهُوَ حُكْمٌ صَعْبٌ يَصْعُبُ الاتِّفاقُ عليه، وقد يُدخِلُ الخوضُ في هذا الموضوع- وإن أنتج بحوثًا لُغويةً عِلْمِيَّةً جَادَّةً- إلى خِلافاتٍ، واختِلافاتٍ قد يُذكِي أُوارَها مَنْ يَكِيدُون بليلٍ لِلعَرَب، وعربيَّتِهم، وعُرُوبَتِهم.
إنَّنا ندْعُو- حِفاظًا على ذاتِنا العربيَّة- إلى صَحْوَةٍ عِلْمِيَّةٍ لُغويةٍ، يُسْهِمُ في إنْجاحِها كلُّ غَيُورٍ على لُغتِه، وعُرُوبَتِه، ونخُصُّ في هذا السِّيَاقِ مَجَامِعَنَا اللُّغوِيَّةَ، ومَجْمَعِيِّيها الأفاضِل إلى تسْخِير أقلامِهم النَّبيلة إلى صِياغَةِ مَباحِثَ، ومقالاتٍ، يَسْعَونَ فيها إلى تقريب اللَّهجاتِ العربية مِن بعضِها، وتقريبِها إلى اللُّغة الفصيحةِ، فإذا مَا تقارَبَت الألْسِنةُ؛ تَقارَبَت القلوبُ مِن بعضها.
إنَّ دِراسةَ اللَّهجاتِ العربيَّة؛ سَعْيًا إلى اختيارِ الذَّائِع منها، وتعديله وَفقَ الصِّياغَةِ العربيَّة السَّليمةِ، وإعْمَامِه بوَسَاطة المُستنِيرين، والحكومات، واستعماله في المُقرَّراتِ التَّعليميَّة، سيُشَكِّل إحدى الوسائلِ المُهِمَّةِ في إذاعَة ألفاظِ اللُّغةِ الفصيحة، وتراكيبها على الألسنة. فكُلنا قد لمَسَ ما لانتشار التعليمِ مِن أثرٍ في هزيمةِ الأُمِّيَّةِ في وطنِنا العربيّ؛ الأمر الذي نَتَج عنْه إذاعةُ كثيرٍ مِن الألفاظ، والتراكيب الفصيحةِ في لغةِ الحياة العامّة، وإحلالُ كلماتٍ عربيةٍ بدلاً من كلماتٍ أجنبيةٍ، كما في كلمات: ( قِطار أو قطْر، جواز سفر، صيدليّة، طبيب، سيّارة إسعاف، سيّارة، مُمَرِّضة، مَشْفى أو مُسْتَشْفَى، مَخْزَن، ضَرْبَة رُكنِيّة، حارِس مَرْمَى، الدِّفاع، المُبَارَاة، كُرة السَّلَّة) بدلاً مِن ( اِتْرين، بزبورت، فرمشية أو أچزجانة، دكتور، أمبلانس، أوتُمبيل، نارسة، اصبيطار، هنـچر، كورنر، چول كيبر، الدِّفِنس، المَتْش، باسكت بول...إلخ).
لماذا لا نُعالِج مشكلات مُزاحمة اللُّغات الأجنبية لِعربيّتِنا: لُغةِ القرآن، وذلك باتخاذها في بعض دول الوطن العربي لغات رسميّة، يبدأ الطِّفل بدراستها في كلّ المقرَّرات ما عدا مقرَّر اللُّغة العربيَّة الذي سيُصبح بلا جدوى في ظلِّ عدم العناية بإفرازاته في المقررات الأخرى.
إننا ندعو جامعةَ الدُّول العربية، وحُكَّامَنا الغُـيُر على شرف عروبتنا؛ إلى التدَخُّل، وإقناع ذوي السُّلطة في تلك البلاد لاتِّخاذ القرار الحكيم في العودة بلسان أبنائهم إلى حضن اللِّسان العربيّ الجامع موحّدهم، أو مقرّبهم من أقرانهم في بلاد العرب الأخرى.
إنَّ غَضَّ الطَّرْفِ عن معالجة هذه الظاهرة سيُسهِم زيادةَ الفرقة بين أبناء العربيَّة، وجعلهم تبعًا لغيرهم، وإنَّ الحكمةَ تكمُن في تحصين اللِّسان العربيّ مِن كلِّ ما يُحرِّفُه عن خصائص العربيَّة الفُصحى؛ الأمر الذي أراه سيُسهِمُ في إنشاء" قُوّةِ دفاعٍ لُغويةٍ عربيةٍ مشتركةٍ" تدافع عن العرب، ولسانهم الموحِّد لهم.
ولله درُّ شاعرنا الفلسطيني إبراهيم طوقان حين قال: (بحر الطويل)
إذا لغةٌ عَزَّتْ- وَلَوْ ضِيمَ أهلُها فقدْ أوشكَ استقلالُهُمْ أنْ يُوَطَّـدا
وكذلك شاعرنا الشهيد عبد الرَّحيم محمود( 13 يوليو 1948م) الذي تنبَّهَ إلى خطر إهمال اللُّغة العربيَّة، وحذَّرَ مِن انتِشار الدَّخيل فيها، فنراه يربط قوَّة الشعب بسلامة الوطن ولسان أبنائه، قال: (بحر الكامل)
والشعبُ إنْ سَلِمَتْ له أوطانُـهُ *** ولسانُهُ لمْ يَخْشَ قَطْعَ الهـــام
وقلتُ في هذا السياق: ( بحر الطويل)

إذا ضَيَّعَ الأبناءُ لِسْنَ جدودِهِمْ *** فَإِنَّهُمُ بينَ الأنامِ تَفَرَّعوا
وهاموا على وجْهٍ ذليلٍ صفاتُهُ *** هَوانٌ وإخفاقٌ وأمجادَ ضَيَّعوا

إن ما يتوجب علينا في سياق تنقية لغتنا العربية من الدَّخيل أن نُعنى بلغة الشارع العربيّ، فنستفيد من إنتاج أبنائه في تعريب الدَّخيل في مُختلِفِ مجالاتِ الحياة، وتكييفه ومتطلبات الصياغة العربيَّة الفصيحة.
ألا هلْ بلَّغْتُ، اللَّهم فاشْهَدْ.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق