الجمعة، 5 يونيو 2015

مذهبة الإستراتيجية الإيرانية: رؤية في تشغيل الجغرافية اليمنية والسورية


د.علي بشار بكر أغوان


DECEMBER 2, 2014


كان العراق قبل عام 2003 ، عموداً من عواميد التوازن الاستراتيجي الشرق أوسطي، وواحدا من أهم مفاعيل الشرق الأوسط والمنطقة العربية المؤثرة بشكل كبير في رسم معادلات التوازن الاستراتيجي وصياغة نتائجها. لم يكن العراق يقل شأناً أبداً عن إيران وتركيا والسعودية ومصر و(إسرائيل) من حيث التأثير والتأثر والفاعلية والتفاعل في أي قضية أو أزمة تحدث في المنطقة. بعد عام 2003 خرج العراق من هذه المعادلة، وتم على أثر ذلك انفراط شكل ومعالم التوازن الاستراتيجي الشرق أوسطي والعربي أيضاً ليعاد تشكيله من جديد. هذا الانفراط فعل أدوار ووظائف جديدة للفواعل الإقليمية الأخرى، التي ورثت دور العراق وابتلعته كجغرافية وسياسة، إضافةً إلى ابتلاع دوره المفقود كاستراتيجية شاملة. ما يهمنا تحديداً هو البحث في كيفية التمدد الإيراني في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، بعد انفراط هذه المعادلة وفك إشكالية تشغيل الجغرافية وتفعيل الإستراتيجية والمصلحة الإيرانية بدلالات مذهبية.

واقعياً إيران الفارسية (القومية) طاغية على إيران الشيعية، رغم أن الدلالات المذهبية واضحة جدا في جميع سلوكياتها تقريباً، حينما تتصرف إيران كسياسة أو كجغرافية، اذ يمكن قياس ذلك وملاحظته في السلوك الإيراني تجاه محيطها القريب والبعيد، لاسيما المحيط الشيعي العربي، بيد أن اعتزاز إيران بقوميتها ومصالحها ونزعتها الفارسية في تعاملاتها مع العرب تحديداً- كونها حضارة قديمة ولديها رغبة للعودة للإقليمية والعالمية – طاغية على كل شيء، إن استوعب الشيعة العرب شعوباً وقيادات أو لم يستوعبوا ذلك، فالإيراني سياسةً وشعباً يفتخر بعرقه قبل أن يفتخر بمذهبه رغم ما تسوقه إيران داخلياً وخارجياً على أنها راعية رسمية للتشيع في العالم، هذه التوليفة تنطلق من موضوعة خدمة القومية بغطاء المذهب، أي تشغيل المذهب لصالح القومية والهوية الإيرانية، فالشعب والسياسة الإيرانيين يقدمان القومية على المذهب ظاهرياً أو باطنياً، لأغراض سياسية أو مصلحية، أي ان الفرد إيراني اولاً، وشيعي ثانياً. هنا نجحت الإستراتيجية الإيرانية في جعل التشيع جزءا من الهوية الإيرانية القومية ومزجته بها وسوقت ذلك للمحيط العربي وأقنعته بأن إيران للشيعة والشيعة لإيران، سواء أكانوا إيرانيين اوغير إيرانيين. بيد ان حسابات المصلحة وبقياس واقعية الأداء الاستراتيجي الإيراني، نجد ان إيران لم تجعل من الهوية الإيرانية جزءا من التشيع، كما اقتنع الشيعة العرب، بل أن التشيع هو الداخل في الهوية الإيرانية، لا ينفك عنها، وهذا ما يمكن التماس انعكاساته على السياسة الخارجية الإيرانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
استطاعت السياسة الإيرانية أن تجعل الشيعة العرب ينظرون لإيران على أنها خادمة للتشيع العالمي، في حين أن إيران تنظر إليهم من بوابة القومية المتشيعة لتحقيق المكاسب الإستراتيجية، كمد النفوذ والتغلغل في مفاصل المنطقة العربية قومياً عبر بوابة المذهب، لذلك أغلب الشيعة العرب، سواء في سوريا أو لبنان واليمن والعراق والبحرين والسعودية وباقي الشيـعة في المنطقة العربية، يظنون أن إيران تدعمهم لإغراض التقارب المذهبي العقيدي الموجود بينها وبينـــهم، في حين أن الحقيقة تشير إلى أن هؤلاء العرب لا يستوعبون – أو يستوعبون ذلك لكن لا بديل لديهم أن إيران تشغلهم لإغراض المصلحة القومية الإيرانية الفارسية، وليس لأغراض التطابق العقيدي المتوافر. هذا الأمر حدث بسبب الخــــرق الكبير الذي أصاب القومية العربية بشكل عام، وسبل الصمود أمام مد القوميات الأخرى غير العربية، اذ لم تستطيع القومية العربية الشيعـية ان تبقى متماسكة أمــام موجات المد القومي التشيعي الإيراني غير العربي، لنصل إلى نماذج عديدة لهذا الانحلال القومي العربي أمام القومية الإيرانية يمكن شرح حالتين منها أولها في اليــمن والثاني في سوريا.
اليمن.. الفناء الخلفي الجديد لإيران، رغم أن الزيدية أو كما يسمون في اليمن بالحوثيين، لا يؤمنون بولاية الفقيه ولا حتى بعصمة الأئمة الاثني عشرية، وهم يشتركون مع الأئمة الاثني عشرية في أربعة أئمة فقط، وليس اثني عشر إماما، كما هو الحال في التشيع الإيراني وغير الإيراني، وهذا ما يختلف تماماً عن مبادئ الخميني في ما يخص ولاية الفقيه وطرق الإتباع والتقليد وباقي الشعائر الأخرى، إلا ان إيران كسياسة وليس مذهبا استطاعت ان تدخل اليمن من بوابة المصلحة والتشغيل الإقليمي والاستغلال الجيواستراتيجي لتحقيق مصالحها وأهدافها، رغم عمق الاختلاف بين طريقة التشيع الزيدية وطريقة التشيع الإيرانية، وهذا يدلل على أن إيران تعمل على إعادة بناء علاقاتها مع كل طرف، حتى إن كان يخالفها في الرأي والعقيدة، وحتى إن وصلت في خلافها حد التكفير، بناء على حجم المصلحة وحسابات الربح والخسارة. فمن لا يؤمن بولاية الفقيه بحسب وجهة النظر الخمينية يخرج من الملة ويكفر، وهم هنا مثل الفكر السلفي المتشدد – ولكن الملاحظ أن الإيرانيين استطاعوا ان يتحكموا بجنوحهم الديني وروضوا تطرفهم قليلاً لأجل السياسة وتشغيل الجغرافية وتفعيل الإستراتيجية والانفتاح المسؤول على تشيع العالم، رغم اختلاف ثنياته وتفاصيله، وهذا ما تفتقده السعودية كراعية عامة للإسلام السني، مع تحفظها بشكل كبير على بعض فرق وفروع أهل السنة والجماعة ورفضها لهم والتعامل معهم بسبب وجود خلافات عقائدية معهم.
سوريا.. الجهة الثانية من الجسر الإيراني المطل على البحر المتوسط، تعي إيران تماماً حجم أهمية سوريا كدولة وجغرافية وإستراتيجية، عبر وزنها الجيوبوليتيكي في الشرق الأوسط لعدة أسباب، من بينها أن سوريا تعد ساحة جديدة للعب الإيراني بأدوات مستحدثة بعد عام 2012 كونها تطل على البحر المتوسط وقربها الشديد من (إسرائيل)، بالإضافة إلى ما تمتلكه سوريا من مقومات أخرى تجعل من إيران تخصص مساحة فكرية وتطبيقية ليست قليلة في مدركاتها وسياساتها الخارجية، فضلاً عن إستراتيجيتها وأهدافها التي ترغب تحقيقها في المنطقة. وبقدر تعلق الأمر بسوريا وفك إشكالية تشغيل الجغرافية وتفعيل الإستراتيجية الإيرانية بدلالات مذهبية تجاه سوريا. ان علاقة إيران بسوريا والعلويين يمكن قياسها من جوانب مصلحية براغماتية، إذ أن المصلحة الإيرانية في سوريا وحساباتها أيضاً هي الطاغية على الموقف وليس المذهب فقط، وهذا لا يعني عدم وجود أطماع مذهبية مرافقة للمصلحة، ونستطيع أن نسبر غور هذه القضية ونصل إلى مؤشرات واضحة لما نريد أن نقيس تأثيراته ونبحث عنه في كومات التداخل المذهبي الشرق أوسطي، وكيفية تشغيل الجغرافية السورية بالنسبة للإيرانيين، فلو قمنا بقياس التطابق العقيدي المذهبي بين الاثني عشرية الإيرانية والعلوية السورية (رغم ان العلوية يعدون أيضاً اثني عشرية بحسب بعض المراجع وبمراجع أخرى ليسوا كذلك) لوجدنا اختلافات كثيرة بين التشيع الإيراني والتشيع العلوي السوري، من حيث العقيدة، إذ أن العلويين لا يؤمنون بوجود التقليد والمرجعيات للاستدلال العقيدي كما هوالحال والثابت وشبه المقدس لدى الاثني عشرية وغير الإيرانية. يتفق العلويون مع الشيعة عامة بالرواية التاريخية لمرحلة الرسول وما بعد الرسول، ولكنهم يختلفون بالنظريات الدينية والتفاسير القرآنية وتقديسهم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قبل ان نغرق بالتاريخ الديني وآليات سحبه إلى الحاضر وكيفيات تطبيقاته المستقبلية سنحاول أن نخرج من هذه الحفرة ونخلص من هذا الطرح لكي نصل إلى مؤشرات مهمة تتعلق بعالم اليوم، تقول هذه المؤشرات إن إيران شغلت الجغرافية اليمنية والسورية ووظفتها ليس بدلالات وحسابات المذهب فقط، بل بدلالات تعظيم المصالح وتوزيع النفوذ وتحقيق توازنات إستراتيجية جديدة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، بما يتفق مع الدور الإيراني المتعملق، وما يتفق مع تجاوز إيران لاثني عشريتها تجاه العلويين في اليمن وسوريا، والتعامل معهم كأنهم فرصة للتوظيف وليس خصما للمواجهة أو لمحاولة التغيير وإعادة التوجيه العقيدي.

٭ أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيان ـ كوردستان العراق


د.علي بشار بكر أغوان


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق