الأحد، 30 أكتوبر، 2016

تدويل قضية ثلاجة السيسي ! جمال سلطان

السبت, 29 أكتوير 2016 

تدويل قضية ثلاجة السيسي !

اتسع نطاق الجدل العنيف الذي تفجر بعد تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر الشباب عن زهده ـ وهو ضابط ـ في المطالب المعيشية وضرب مثلا بأن ثلاجة بيته ظلت عشر سنوات لا يوجد فيها غير الماء ، وهو كلام لم يقنع كثيرين وأثار موجة من التندر بسبب غرابته الشديدة ، ومضى الأمر على أنه سجال معتاد بين مؤيدي السيسي ومعارضيه على شبكات التواصل الاجتماعي بعد كل خطاب أو مداخلة أو تصريح ، حتى وقعت الواقعة ، وتكلم وزير سعودي سابق ومسئول رفيع الآن ، أمين عام منظمة التعاون الإسلامي ، الوزير السعودي الدكتور إياد مدني في مؤتمر لوزراء التعليم في تونس فأشار بكلمة عابرة كان فيه "تنكيت" على ثلاجة السيسي ، وهي كلمة عابرة ، لكنها كانت واضحة في سخريتها وتندرها على حكاية الثلاجة ، وكانت هذه اللقطة التي لم تستغرق ربع دقيقة كافية لإثارة موجة واسعة من الغضب والاحتجاج في مصر ، وصلت في بعض الأحيان إلى الردح والبذاءة التي لا تليق بمصر ولا شعبها ولا إعلامها .
من الطبيعي أن يغضب كثيرون في مصر من تعليق الوزير السعودي ، وهو نفسه اعتذر بعد ذلك بساعات قليلة عن الأمر وقال أنه كان مجرد دعابة وأنه يحمل للرئيس المصري كل احترام ووصفه بالحكيم ، وقد لاحظت أن الاحتجاج في مصر شمل حتى معارضي السيسي ، باعتبار أن "التنكيت" على رئيس الجمهورية من جهة غير مصرية هو إهانة رمزية للدولة نفسها ، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياسات الرئيس ، كان من المفهوم الاحتجاج وحتى الغضب ، وهذا ما فعلته الخارجية المصرية في بيان رسمي متوازن وعاقل ، وكذلك فعل البعض مثل فضيلة الشيخ عباس شومان وكيل الأزهر ، الذي علق بنقد رصين يليق بمقام العلماء ، ولكن المؤسف أن هذا كان استثناء من ردود الأفعال ، لأن أغلب ما نشر كان في مستوى من البذاءة والانحطاط بما يجعله أعظم إهانة لمصر من التنكيت على قصة الثلاجة نفسها ، أحدهم كتب مقالا ونشرته له صحيفة يومية مقربة من الرئاسة ومن جهاز سيادي رفيع ، يشتم فيه المسئول السعودي بالأم ، ويناديه "ياابن الق..." باللفظ السوقي الذي لا تسمعه إلا بين الحشاشين أو في سوق البغاء ، وتعمد تكرار الشتيمة التي يذهلك أن تكون منشورة في صحيفة سيارة ، بما يعطي أسوأ انطباع عن الإعلام المصري ومستواه الأخلاقي والمهني ، بل يعطيك أسوأ انطباع عن حال الدولة في مصر نفسها ، باعتبار أن الجميع داخل مصر وخارجها يعرفون أن تلك الصحيفة تعمل لحساب الجهة الفلانية وتعبر عن توجهاتها ، وهذا هو الخطير .
الردح تفاوتت طبقاته ، وساءني أن يتورط مسئول رفيع في الأزهر ، أراد مجاملة البعض فتكلم بكلام مسف لا يليق بالأزهر وجلاله ووقاره ، وإعلامي آخر من المحسوبين على الأجهزة اكتفى في صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي بشتيمة "الخلايجة" والتهديد بأن نرسل لهم إبراهيم باشا "وصباعه" ، في إشارة سوقية لا يفعلها إلا أبناء الشوارع ، وهناك إعلامي آخر راح يعير "الخلايجة" بكلام السيدة عائشة رضي الله عنها بأن بيت النبي كان يمر عليه الهلال والاثنين والثلاثة لا توقد فيه نار ، ربما من باب أن هذا الإعلامي اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم من مواطني السعودية ، فهو من "الخلايجة" فيباح أن نسخر منه ومن أهل بيته ونعيرهم بالكلام ! .
الإعلام هو المرآة التي تعبر عن مجتمع ، وهو أهم أدوات الدولة الحديثة في التواصل والتعبير عن منظومة القيم والثقافة والنضج والوعي الذي يتمثل في تلك الدولة ويعطيها مكانتها بين الدول ، والمؤسف أن يكون هذا هو حال إعلامنا ، والمؤسف أكثر أن يصدر هذا "العار" عن الإعلام الذي يزعم أنه يدافع عن النظام ويجمل صورته ، ولن يجد خصوم النظام أكثر مما نشر لكي يشوهوا صورة النظام كله ، والبلد وما فيها ، بل ويعطوا انطباعا عن وضع "مهزوز" تفزعه نكتة وتروعه قفشة ، وقد كان هناك ألف طريق للرد على المسئول السعودي وانتقاده ، بما يعبر عن قيمة مصر وحجمها ومكانتها وأخلاق شعبها وترفعها عن الإسفاف والوضاعة ، كان هناك أكثر من سبيل للرد والاحتجاج ، رغم اعتذار المسئول السعودي بعدها بساعات ، ولكن البعض اختار ما هو رخيص وفاحش وأحمق ومتدني ، فأساءوا إلى مصر ورئيسها وشعبها أكثر مما أساءوا للمسئول السعودي نفسه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق