الأربعاء، 29 مارس، 2017

ليون غولدسميث عنوانه: "دائرة الخوف: العلويون السوريون في الحرب والسلم"



العلويون السوريون وابن خلدون


صقر أبو فخر
29 مارس 2017
شارك هذا المقال
3


حجم الخط





صدر حديثاً كتاب للباحث ليون غولدسميث عنوانه: "دائرة الخوف: العلويون السوريون في الحرب والسلم" (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2016، ترجمة عامر شيخوني). والفكرة الأساس في هذا الكتاب (وهو في الأصل أطروحة دكتوراه) هي تطبيق نظرية ابن خلدون في العصبية على طائفة العلويين في سورية، ومحاولة فهم الأحوال التي ساهمت في صعود رجل علوي إلى السلطة في سورية في سنة 1970، وكيف تمكن هذا الرجل، أي الرئيس حافظ الأسد، من جمع العلويين حوله مع أنه لم يكن طائفياً، بل استخدم الطائفة، بحسب المؤلف، لخدمة سياسته وتوطيد دعائم حكمه. ورأى الكاتب أن صعود حافظ الأسد يمثل نمطاً خلدونياً نموذجياً (ص 360)، وأن حكم عائلة الأسد، على الرغم من أنه أُسس بواسطة العلويين، إلا أنه ليس نظاماً علوياً، بل هو نظام نخبة قليلة قادرة على استنساخ نفسها، وهذه النخبة استطاعت أن تستفيد من العصبية العلوية التي اشتد صمودها بسبب الخوف الطائفي (ص 359). ويعيد الكاتب مراراً التأكيد أن العلويين، مع أنهم كانوا دعائم استقرار نظام الأسد، إلا أن ذلك لم يجعل النظام علوياً (ص 179).

والكتاب سرد تاريخي لنشأة الطائفة العلوية في العراق في عهد أبي شعيب محمد بن نصير العبدي البكري النميري، ثم هجرتها إلى الجبال الساحلية السورية، وظهور العصبية الطائفية، وخضوعها للاضطهادات المتتالية في العهود السلجوقية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، قبل تموضعها كجماعة سياسية في سورية بعد الاستقلال. وفي هذا الميدان يعرض الكاتب لنظرية ابن خلدون في العصبية، وهو ما بات معروفاً لأي باحث في التاريخ الاجتماعي للطوائف في بلاد الشام، ولانتقال العلويين من العمران الحضري إلى العمران البدوي. وعلى قاعدة هذا الانتقال تشكلت، بحسب الكاتب، العصبية الطائفية العلوية (ص 94). وهنا نعثر على الفكرة الأساس التي ظل الكاتب يدور حولها باضطراب طوال صفحات الكتاب، وهي أن العصبية الطائفية العلوية ظهرت إبان الانتقال من مجتمع مدني متعلم ومثقف إلى مجتمع قبلي ريفي فلاحي محروم من أي أهمية سياسية (ص 83)، وأن العلويين عاشوا على هذه الحال 700 سنة وهم محصورون في جبالهم العاصية. ولما لم تُنجد نظريات ابن خلدون في نشوء الدولة السلالية وانهيارها الكاتبَ في الوصول إلى نتائج علمية، وفي تقديم تفسير متين لاستمرار العلويين في تقديم الدعم للنظام الذي أسسه حافظ الأسد، اخترع فكرة "الخوف الطائفي" لتساعده في سد الثغرات التي أضعفت تحليله التاريخي – الاجتماعي – السياسي، فانتقل إلى القول: "يستطيع ابن خلدون أن يفسر كامل التاريخ السياسي للعلويين إذا أضفنا إلى نظريته دور العصبية الطائفية في تفسير صمود واستمرار دعم العلويين لنظام الأسد" (ص 362).


الحقيقة أن العصبية الطائفية ليست سمة خاصة بالعلويين وحدهم، بل تنطبق، إلى حد مثير، على الدروز في جبال الشوف وفي جبل حوران، وعلى الموارنة في جبل لبنان (وجبل لبنان خلافاً لما يعنيه اليوم هو جبل في الشام ويقتصر على المنطقة الممتدة بين بشري والمنيطرة وأعالي بلاد جبيل)، وعلى الشيعة في جبل عامل، وعلى الإيزيديين في جبل سنجار. فالعيش في الجبال العاصية والفقيرة والبعيدة عن المدن التي هي مركز الحاكم ومقر شرطته وجباة ضرائبه، هي سمة مشتركة لجميع سكان جبال الشام من الطوائف المختلفة. وفي السياق نفسه يقول المؤلف: "في العصور الحديثة أدت معيشة الطائفة العلوية في الريف الفقير، والمساواة العامة في تركيبتها الاجتماعية، وتاريخها الطويل من الاضطهاد الديني، إلى اتجاه العلويين فكرياً نحو العلمانية والاشتراكية" (ص 35). ومرة ثانية يعيد الكاتب صنع الدولاب وكأنه اكتشاف ثوري؛ فالعلمانية أو الاشتراكية سمة مشتركة لدى الأقليات كلها في بلاد الشام، فالأقليات كانت وما برحت تتطلع إلى المساواة في مجتمع يعتبرها إما أهل ذمة أو مرتدين، أو في أحسن الحالات منشقين على الإسلام، وهم يتجهون غريزياً إلى من يعرض عليهم فكرة المواطنة في دولة ديمقراطية عَلمانية، مع أن الأقليات الدينية في بلاد الشام ليست عَلمانية في إطارها الذاتي وفي تنظيماتها الداخلية؛ فالديمقراطية والعَلمانية هي شأن سياسي يتعلق بالدولة ونظامها وليست شأناً عقيدياً قط.



الهلهلة والاضطراب


زار المؤلف سورية مرات عدة لإنجاز بحثه الذي كان يعده في جامعة أوغاتو في نيوزيلندا، وهو يغطي الأوضاع السورية حتى عام 2014. لكن، في المحصلة النهائية، يمكن اعتبار هذا الكتاب أنموذجاً لكتاب يتلفع بالأكاديمية، بينما هو في الحقيقة، مقالة سياسية طويلة، وفيها هلهلة وأكاذيب كثيرة تجاور المعلومات الصحيحة المعروفة التي لا تحتاج إلى جهد للعثور عليها، لأنها موجودة في مظانها وفي المصادر المتاحة. وأولى الملاحظات أن مراجعه ومصادره ليست متينة، وهو استقى الكثير من معلوماته من مصادر ثانوية. ولسد الفجوات العلمية، وما أكثرها، التقى بعض علويي تركيا أمثال محمد بوز وعلي بيرال ونصير إيزكيوكاك، وهو تزيُّد لا فائدة منه. وعلى سبيل المثال استند إلى كتاب "تاريخ العلويين" لمحمد أمين غالب الطويل (بيروت، 1966) من خلال عودته لا إلى الكتاب نفسه مباشرة بل إلى اقتباسات يارون فريدمان. والكتاب ذاك صادر بالتركية في سنة 1919، وصدر بالعربية أول مرة في سنة 1925، وترجم إلى غير لغة. وبدلاً من العودة إلى نص فتوى أحمد بن تيمية ضد العلويين (وضد الإسماعيليين والدروز) الصادرة في سنة 1305 ميلادية، يقتبس منها ما شاء أن يقتبس بالعودة إلى مجلة Der Islam (المجلد 82، 2005) وإلى نقولاتها عن تلك الفتوى القبيحة التي تستعيدها اليوم الجماعات التكفيرية والإرهابية بمختلف صنوفها. ومن علائم الاضطراب في هذا الكتاب أن المؤلف اعتمد كثيراً جداً على مؤلفات إسرائيليين لم يشتهر بعضهم بالأمانة في النقل والنزاهة العلمية والموضوعية. ومن بين الاسرائيليين روبين آفي ران وشموئيل بار ومئير بار آشر وأليعيزر بئيري ويارون فريدمان ومردخاي كيدار وموشيه ماعوز ويوئيل مغدال وعاموس بيرلموتر وإيتمار رابينوفيتش ويتسحاق وايزمن وإيال زيسر وغيرهم. ومن مصادره المضحكة عبد الحليم خدام ودتليف ميليس وأحمد مرعي وموقع "نهار نت". ولسوء حظ الكاتب أنه يقول إن زكي الأرسوزي أسس حزباً في دمشق يدعى البعث العربي. وهذا غير صحيح على الإطلاق، فلا علاقة لزكي الأسوزي بتأسيس حزب البعث. أما مَن أوقعه بهذا الخطأ العلمي فهو استهانته بالمصادر الصحيحة واستناده، هنا بالتحديد، إلى مقالة لنبيل كيلاني (ص 161) عن نشأة حزب البعث في مجلة International of Middle East Studies، وهي مصدر ضعيف جداً.


لمزيد من الضحالة يروي نقلاً عن موقع يديعوت أحرونوت وموقع هآرتس أن صور فريد الغادري ظهرت في دمشق وحلب وإدلب، الأمر الذي أثار غضب الرئيس بشار الأسد وأمر بنزع الجنسية السورية عنه (ص 327). والحقيقة أن نزع الجنسية عن هذا الشخص الذي لم يترك والده نهاد الغادري جهاز مخابرات واحداً لم يتمرغ في وحوله، هو ظهوره في الكنيست الإسرائيلي في سنة 2005، أي قبل الحوادث السورية، ودعوته إسرائيل من على منصة الكنيست إلى شن حرب على سورية لإسقاط النظام فيها. وثمة براهين كثيرة على ضحالة مصادر الكتاب ومعلومات الكاتب، فهو يصف محمد زهير الصدّيق بأنه أحد أهم شهود التحقيق في قضية اغتيال رفيق الحريري (ص 307)، وهو أمر مثير يستحق الاستلقاء على القفا هزءاً. أما روايته عن اغتيال عماد مغنية في دمشق فيستقيها من الدايلي ستار ونهار نت ويديعوت أحرونوت (ص 311). وينقل عن عبد الحليم خدام قوله إن العميد محمد سليمان المسؤول عن المشروع النووي السوري قتله النظام السوري (ص 313).

ولسوء حظ الاثنين: الكاتب وعبد الحليم خدام، أن إسرائيل اعترفت بطريقتها الخاصة في مثل هذه الحالات، باغتيالها العميد محمد سليمان. وفي هذا الميدان يظهر عبد الحليم خدام هزلياً إلى درجة كبيرة، لأن جميع توقعاته كانت خائبة. والكاتب نفسه لا يتذكر أن عبد الحليم خدام هو الذي وقف بقوة ضد "ربيع دمشق" في سنة 2001، وأغلق المنتديات السياسية، وكان وراء اعتقال رياض سيف وعارف دليلة وغيرهما. ومن مظاهر السقم في معلوماته قوله: "كاد الإخوان المسلمون أن ينجحوا في اغتيال حافظ الأسد في هجوم بقنبلة يدوية (27/6/1980)، ويبدو أنه نجا بفضل شخص ألقى بنفسه عليها. وليس هناك معلومات واضحة عن هوية الحارس الشخصي، ولكن من المفترض أنه علوي من عشيرة الأسد" (ص 203). ولو... إنه خالد الحسين، وهو ضابط فلسطيني معروف في سورية نقله حافظ الأسد من جيش التحرير الفلسطيني إلى الجيش السوري جراء معرفة قديمة، وجعله مرافقاً شخصياً له وليس حارساً، ووصل إلى رتبة لواء.


في سياق موازٍ يقول: كانت هناك دلائل تشير إلى أن آصف شوكت خطط للاقتتال في مخيم نهر البارد بين "فتح الإسلام" والجيش اللبناني، وأن المواطن اللبناني أحمد مرعي كان وسيطاً بين آصف شوكت وشاكر العبسي زعيم "فتح الإسلام"، أما مصدره في هذه "المعلومات" فهو موقع "نهار نت". وقد تبين لاحقاً أن هذا الاتهام مجرد هراء، وأن أحمد مرعي الذي اعتقلته السلطات اللبنانية كان مخبراً لدى عدد من أجهزة المخابرات، ويبيع ما يتحصل عليه من معلومات إلى أكثر من جهة، ولا يمكن الركون في هذا الأمر إلى هذا "الشاهد" المسيَّر، ولا إلى موقع "نهار نت" البتة، والمؤكد أن "فتح الإسلام" هي منظمة قاعدية إرهابية تكفيرية، وأثبتت التحقيقات اللبنانية أنها ليست من صنع الاستخبارات السورية.

فضائح الترجمة


ما برحت هذه المعضلة الدائمة تقض مضاجع العلم، وتمنع إمكان الوثوق بكثير من الكتب المترجمة. وفي هذا الكتاب شواهد كثيرة على عدم إحاطة المترجم بجوانب الموضوع الذي يترجمه، ومنها على سبيل المثال: ورد اسم "قيس فيرو" (هامش الصفحة 84)، والصحيح قيس فرّو، وهو مؤرخ فلسطيني معروف. وفي الصفحة 122 ورد اسم مصطفى باربر (والي طرابلس)، أي الحلاق بالإنكليزية. والصحيح مصطفى بربر آغا، وهو أشهر من أن يعرّف لأن جميع آكلي الوجبات السريعة في بيروت يعرفون هذا الاسم تماما (مطعم بربر). وورد اسم سليمان أفندي الأذني (ص 136)، والصحيح: الأضني نسبة إلى مدينة أضنة السورية المحتلة. وكذلك ورد اسم هنري غيسوب مرات عدة في الصفحات 132-137، والصحيح: جاسيب Jessup. ووردت قرية سلمان المرشد، أي جوبة برغال، في صيغة "جبة برغل" (ص 149)، وهذا غلط فاحش لأن اسم القرية مشهور لمن له حتى إلمام بسيط بالتاريخ السوري الحديث وبتاريخ طائفة المرشديين. وعلى هذا المنوال ورد "الحزب القومي الديمقراطي" في طرابلس (ص 240)، والصحيح: الحزب العربي الديمقراطي. وهشام المعلق" (ص 241) وهو ضابط اشتُهر كثيراً في لبنان واسمه الصحيح هاشم المعلا. وكذلك "الفهود القرمزية" (ص 293) وهم أشهر من نار على علم في لبنان، وعرفوا بـ "الفرسان الحمر" التابعين لرفعت الأسد القائد السابق لسرايا الدفاع. وهذا غيض قليل من فيض كثير شاع وفشا في هذا الكتاب الذي ما كان يكفيه الوهن الأكاديمي حتى زادته الترجمة سوءاً على سوء.

- See more at: https://www.alaraby.co.uk/diffah/books/2017/3/22/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%86#sthash.vXf1nU25.dpuf

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق