الأحد، 5 مارس، 2017

المفكر الإسلامي أحمد الكاتب : ولاية الفقيه ديكتاتورية و الخلافة القديمة تراث قومي وقبلي للمسلمين


نورالدين لشهب نشر في هسبريس يوم 11 - 08 - 2008
يعتبر المفكر العراقي أحمد الكاتب آية مميزة من آيات التجديد في الفكر السياسي الإسلامي في نسخته الشيعية الاثناعشرية ، صدرت له كتب مهمة أثارت ضجة في الأوساط الشيعية على وجه التحديد أثمرت حوارا عميقا في أصول المذهب الشيعي الاثنا عشري وردود أفكار وصلت الى حد الآن 100 كتاب في الرد على كتابه " تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه :الإمام المهدي حقيقة تاريخية أم فريضة فلسفية " ، انه الكتاب الذي استفز عقول المفكرين والمثقفين من المذهب الشيعي حيث نفى العصمة عن آل البيت عليهم السلام ودحض نظرية الإمامة من أساسها واعتبر أن الإمام الثاني عشر هو مجرد رؤية مخترعة وليس حقيقة تاريخية . ""
ولد المفكر أحمد الكاتب عام 19533 بكربلاء في بيئة شيعية ودرس في حوزات علمية في العراق وإيران ، كما شغل وظيفة التدريس في الحوزات نفسها ، وكان من المبشرين بالمذهب الشيعي الاثناعشري في السودان قبل أن ينقلب على أسس وأصول هذا المذهب .
 كان لنا معه هذا الحوار المستفز لعقول الكثير من الباحثين والمهتمين بقضايا الفكر الإسلامي المعاصر، بحيث أن أطروحته قامت أساسا على قلق السؤال السياسي المؤسس على نظرية معرفية متميزة كما يؤكد ، حوار بقدر ما هو مستفز للعقول هو أيضا مقرب للقلوب بين المسلمين وان كانت هذه المسألة لا تعنيه في بداية الأمر غير أنها كانت ثمرة من ثمرات مشروعه الفكري كما يؤكد في هذا الحوار.
- بداية أشكركم أستاذ أحمد الكاتب على تفضلكم لإجراء هذا الحوار.. أنت ولدت في في بيئة شيعية بكربلاء عام 1953 ودرست ببعض الحوزات العلمية بالعراق وغيرها ، وكنت من المبشرين بالمذهب الشيعي الإمامي الاثنا عشري في السودان، تم بعدها حصل انقلاب فكري على أهم ركائز هذا المذهب ، حدثنا ولو بإيجاز عن أهم مفاصل هذا التحول ؟
اعتقد أن تجربتي الفكرية والسياسية الإسلامية، حيث نشأت في الحوزة العلمية الدينية وتعممت منذ صغري، وانتميت منذ مطلع شبابي الى حركة إسلامية تعمل من أجل إقامة الحكم الإسلامي ، هي تجربة تهم أي عالم أو سياسي إسلامي، وذلك لأنها قامت على الموروث الإسلامي التقليدي دون تمحيص كبير ودون دراسة علمية معمقة، واعتمدت فقط على الرؤية الدينية السطحية الموروثة في المجتمع، ولذلك كان توجهي وتوجه الحركة السياسية طائفيا بمعنى تأثره بالفكر المذهبي الضيق، بالرغم من أننا كنا نعتبر أنفسنا مجددين في الفكر الشيعي، وذلك بتبنينا لنظرية ولاية الفقيه التي كانت تعتبر في الستينات والسبعينات ثورة في الفكر الشيعي، ولم نكن نعرف ونحن نمهد لقيام حكم إسلامي ديني بقيادة مراجع الدين أننا نمهد الطريق أمام قيام ديكتاتورية دينية أسوء من الحكومات المستبدة العادية "العلمانية". وقد اكتشفت الملامح الديكتاتورية في نظام ولاية الفقيه بعد حوالي عشر سنوات من قيام الجمهورية الإيرانية التي كنا نعمل كعراقيين لاستنساخ تجربتها في العراق في الثمانينات من القرن الماضي. وهذا ما دفعني لدراسة الفكر السياسي العقدي الشيعي من جديد بعمق أكبر كان يجب أن نقوم به منذ البداية، ولكن على أي حال أحمد الله تعالى على أنني وفقت لمراجعة نظرية ولاية الفقيه وأسسها القائمة على دعوى نيابة الفقهاء العامة عن الإمام الثاني عشر الغائب (المهدي المنتظر) والتي تعطي الفقهاء صلاحيات ديكتاتورية مطلقة، حيث قمت بدراسة نظرية الإمامة الإلهية لأهل البيت، وبالخصوص نظرية غيبة الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" الذي يقول الشيعة الاثنا عشرية انه ولد وغاب في منتصف القرن الثالث الهجري ولا يزال حيا الى اليوم وسوف يظهر في المستقبل، فاكتشفت من المصادر الشيعية القديمة أنه لم يولد من الأساس، ولا يمتلك الشيعة أنفسهم أدلة شرعية قاطعة على ولادته وإنما يكتفون بافتراض وجوده فلسفيا ويغمضون عيونهم عن الأسئلة الكثيرة والمثيرة التي تحيط بقضية ولادته.
- هل كان هذا الانقلاب الفكري على المذهب الشيعة الاثنا عشر يرمي الى التقريب بين جناحي الأمة (الشيعة والسنة)..أم كانت له غايات معرفية وحسب ؟
إن التقريب ثمرة من ثمار هذا التطور الفكري، ولكنه لم يكن الهدف الأول، وذلك لأن الثمرة الأولى هو تصحيح العلاقة بين الجماهير الشيعية وبين الحكم الديني أو المراجع، وتأسيسها على قواعد أكثر ديمقراطية. وأقول "أكثر ديمقراطية" لأن التجربة الإيرانية الشيعية مزجت في الحقيقة بين الفكر السياسي الشيعي الحديث (ولاية الفقيه) وبين الفكر الديمقراطي الغربي، وأقرت الانتخابات البرلمانية والرئاسية تحت خيمة ولاية الفقيه. ولذا فقد كان همي الأكبر ترسيخ الفكر الديمقراطي وإعطاء صلاحيات أوسع للأمة لمحاسبة الحكام ومراقبتهم ونقدهم وعزلهم، بينما كانت نظرية ولاية الفقيه، خصوصا في نسختها الأخيرة التي طرحها الإمام الخميني سنة 1988 موغلة في الديكتاتورية، حيث صرح الإمام الخميني بأنه لا يعبأ أبدا بمعارضة الأمة حتى لو وقعت اتفاقية شرعية مع الحاكم (الفقيه) إذا تبين له بعد ذلك أن تلك الاتفاقية معارضة للإسلام أو لمصلحة البلاد. ويستطيع أن يلغي الاتفاقية من طرف واحد!
 وبالطبع فقد كان للنتائج المهمة التي توصلت إليها من خلال بحثي الذي أجريته في إيران في نهاية الثمانينات، كإيمان أئمة أهل البيت بالشورى وعدم إيمانهم بنظرية الإمامة الإلهية القائمة على العصمة والنص والوراثة في السلالة العلوية الحسينية، وعدم ولادة الإمام الثاني عشر، كان لها أثر جانبي مهم أيضا وهو تذويب الخلافات التاريخية بين السنة والشيعة، أو في الحقيقة تجاوزها نحو الحاضر والمستقبل، وعدم التوقف كثيرا عند من كان أحق بالخلافة قبل أربعة عشر قرنا، فما يهمنا أكثر هو من يحق له الحكم اليوم؟ وكيف يقيم أفضل العلاقات الديمقراطية مع الشعب.
- مراجع الشيعة الاثنا عشرية في العراق شاركوا في الحكم تحت- عنوان الديمقراطية الغربية، أنت كخبير في الفكر السياسي في طبعته الشيعية، هل ترون أن هذه المشاركة هي حقيقة إيمان بالديمقراطية أم أن الأمر مجرد تكتيك وتقية ما دام العراق يرزح تحت الاحتلال الأمريكي سيما وأن أغلبهم يؤمنون بعودة الإمام الثاني عشر وكذلك إيمان البعض منهم بولاية الفقيه التي تتعارض كليا مع قيم الشورى وأسس الديمقراطية؟
إن عقيدة الانتظار هي عقيدة سلبية عقيمة وقد أضرت بالشيعة عبر التاريخ وأخرجتهم من مسرح التاريخ ، ولذا فقد ثار عليها أنصار نظرية ولاية الفقيه ، ولكن ليس كل الفقهاء الشيعة يؤمنون بهذه النظرية ، فهم قد كفروا بنظرية الانتظار عمليا ، وقاموا بالالتفاف عليها بدعوى التمهيد للإمام الغائب ، وأنتجوا في نفس الوقت نظريات جديدة تتيح للشيعة ممارسة الحكم والسلطة ، ومن هنا أعتقد أن إيمانهم بالنظرية الديمقراطية هو إيمان واقعي وليس تكتيكا ولا تقية ، ولكنه إيمان ينفصل عن العقيدة التاريخية المذهبية التي لم يعد الإيمان بها قويا وراسخا وجذريا ، بل تعرض للكثير من النقد والمراجعة ، وآمل أن يؤدي ذلك عما قريب الى مراجعة كثير من المقولات المذهبية العقيمة والميتة والتخلي عنها على المستوى النظري بعد التخلي عنها على المستوى العملي والواقعي.
 طيب.. ما هي رؤيتك للفكر السياسي الإسلامي المعاصر ؟
- الفكر السياسي الإسلامي المعاصر شهد تطورات إيجابية كثيرة منذ حوالي مائة عام، وقد حاول التقدم بخطوات كبيرة في أواخر العهد العثماني، ولكن انقلاب كمال أتاتورك على الخلافة العثمانية والدين الإسلامي، ولد ردة فعل عاطفية سلبية نحو التمسك بصيغة الخلافة القديمة التي لم تكن بالضرورة تعبر عن الإسلام، بقدر ما كانت تعبر عن التراث القومي والقبلي للمسلمين. ولذلك لا نزال نشهد حتى اليوم من يطالب بإعادة نظام الخلافة ويعتبره النظام الإسلامي الفريد المفقود، ويعادي التجربة الإنسانية الديمقراطية الغربية باعتبارها كفرا وإلحادا ولا يمكن أن تلتقي مع الإسلام أبدا، ولو بذلنا جهدا أكبر لدراسة التجارب السياسية القديمة بدءا من تجربة الصحابة التي كانت تجربة إنسانية عرفية عقلية بنت ظروفها الاجتماعية الخاصة، ولم تكن مؤسسة على نصوص من القرآن أو السنة اللذين تركا المجال السياسي مفتوحا للمسلمين أمام التطور، وانتهاء بأنظمة الخلافة العباسية والعثمانية، لتوصلنا الى حل العقد التي تحول دون تطورنا اليوم وأخذنا بالنظم الديمقراطية الحديثة التي توفر العدالة والمساواة وتعطي الأمة السلطة كاملة لها بدل أن تحصرها بيد شخص أو حزب أو طبقة من الناس.
- الكثير من يزعم لنفسه أن هذه المذاهب والطوائف التي نراها اليوم إنما هي إفراز للأزمة السياسية التي ظهرت مع حكم بني أمية لما تم تغييب مفهوم الشورى في اختيار الحكم وحل محلها بيعة الإكراه .هل توافقون على هذا الطرح؟
 إنها في الحقيقة أفعال وردود أفعال، ولا يقتصر الأمر على بني أمية فقط وإنما شارك في صناعة هذه المذاهب العلويون والعباسيون أيضا، وقد غاب مفهوم الشورى عن الحياة الإسلامية العامة قرونا طويلة من الزمن، والمهم هو كيف نعيد ثقافة الشورى أو الديمقراطية للأمة التي لا يزال قسم كبير منها يرفض التطور بحجة التمسك بالإسلام.
-هناك مقولات شائعة في الفكر الإسلامي المعاصر أصبحت سمة بارزة وأفكار مميزة لبعض الحركات والأحزاب الإسلامية وباتت أطروحات شائعة تسيج مقولاتها الفكرانية. البعض يتخذ المثال في الخلفاء الراشدين ، والآخر يقول بولاية الفقيه ، وبعضهم يقول بولاية الأمة على نفسها. ما هي رؤيتكم لهذه الأفكار ؟ وهل تتوفرون على بديل لهده العناوين ؟
- تجربة الخلفاء الراشدين ليست واحدة فيها الكثير من التنوع وفيها الكثير من الايجابيات، ولم تكن تخلو أيضا من السلبيات، ولذلك انهارت بعد أقل من ربع قرن وحدثت الفتنة الكبرى، التي مهدت لقيام الحكم الأموي العسكري، وكذلك تجارب أنظمة الخلافة العباسية والعثمانية ليست ذات طبيعة واحدة إذ فيها الكثير من التنوع، ولسنا مضطرين للتمسك بها باعتبارها تجارب إسلامية، فقد كانت تجارب بشرية حاولت تغطية عوراتها باسم الإسلام، وهكذا الحديث عن تجربة ولاية الفقيه، فهي تجربة اجتهادية حديثة تقوم على طبقات تاريخية من الاجتهادات والنظريات والفرضيات، وهي ليست شكلا واحدا ففيها تعدد وتنوع أيضا، ويمكن أن تتطور نحو الأمام أو ترتد نحو الخلف، أي يمكن تحديثها ديمقراطيا باتجاه إقامة نظام علمي يقوم على الاجتهاد في كل مجال، دون أن ينحصر الاجتهاد في شخص واحد يعتبر نفسه وليا على الأمة أو وصيا عليها من الله، كما يمكن أن ترتد لتتخلى عن الملامح الديمقراطية من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وإلغاء مؤسسة الرئاسة والبرلمان لصالح تعزيز مؤسسة المرجعية الدينية، كما يطالب البعض في إيران. ومن هنا يصبح من الضروري في كلتا التجربتين (الخلافة وولاية الفقيه) أو الفكرين السني والشيعي البحث عن صيغة حديثة تلبي حاجة الأمة في الحرية والديمقراطية والعدالة والمشاركة السياسية بعيدا عن هيمنة الأشخاص أو الأحزاب والمؤسسات الدينية. وهذا ما نعبر عنه بولاية الأمة على نفسها. إنها فكرة قابلة للتطبيق في أي نظام ولكن بعد تحديث ذلك النظام.
-الصراع بين المذهبين يستحضر جدلا حاميا حول التجارب التاريخية التي يتم تأويلها وفق الرغبات والأهداف الخاصة وربما أحيانا وفق الأهواء ، ألا يمكن لنا الانحياز الى القيم السامية الأزلية التي جاء بها الإسلام العظيم كالعدل والحرية وغيرها بدل الحديث حول الاختلافات الناجمة عن اكراهات تاريخية لبعض النوازل التي تحكمت في العقل الإسلامي قديما وما عاد بريقها يضئ حاليا ؟؟
 -لا يوجد في الحقيقة صراع بين المذاهب، وإنما اختلافات فقهية بسيطة وهي موجودة داخل كل مذهب، ولن تنتهي ولن تتوقف ، ولكن الاختلاف الكبير الذي كان ولا يزال موجودا هو الخلاف هو طبيعة الأنظمة الدستورية هل هي ديمقراطية أو ديكتاتورية، وهذه مشكلة موجودة داخل كل مذهب وداخل كل دين، وهناك من يحاول الالتفاف عليها واستغلالها والتلاعب بها، كما يتلاعب البعض بالشعارات الديمقراطية والمجالس النيابية في الكثير من البلاد العربية والإسلامية وغيرها.
- ولكن هذه القيم هي كذلك يتم تأويلها حسب رؤى مذهبية وطائفية أحيانا؟؟
 - نعم هذا يحصل، ولن يستطيع أحد إيقاف التلاعب بتلك القيم، حتى الأديان تعرضت الى محاولات كثيرة ومستمرة للتلاعب بها وتحريفها، ولكن الأمر يرتبط بدرجة وعي الشعوب وقواها الحية الفاعلة التي تستطيع وضع حد لأي تلاعب.
-سبق لكم وأن نددتم بالبيان الذي أصدره 22 عالما سعوديا يكفرون فيه الشيعة ، غير أن هناك في المقابل تكفير من الجانب الآخر الشيعي للسنة يصدر عبر قنوات فضائية من الجوامع والحسينيات وما يواكبه من سب للصحابة وتكفير لهم . ماهو السبيل الذي ترونه ناجحا من أجل التخفيف من حمى الحشد الطائفي الذي بلغ درجة خطيرة تهدد عافية الاجتماع العربي والإسلامي ؟؟
التطرف والمتطرفون وجدوا منذ مطلع التاريخ الإسلامي، ولا يبدو أنهم سوف ينقرضون سريعا، ونحن نعمل من أجل فهم أفضل للمشاكل التاريخية باتجاه التخلص منها وتجاوزها من أجل بناء واقعنا ومستقبلنا، وندعو الجميع للحوار وندين التطرف من أي اتجاه، ولكن خطورة البيان الذي أصدره 22 شيخا سلفيا في السعودية، في أثناء مؤتمر الحوار الحضاري الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية للحوار مع جميع الأديان والمذاهب والحضارات والثقافات، هو أن البيان المذكور يعمم في تكفيره للشيعة وينص على تكفير عامتهم حتى لو كانوا مشتبهين، وهو تطور خطير في مسيرة التكفير التي كان يتحاشى السلفيون، وحتى الوهابيون القيام بها سابقا، حيث كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يتحاشى التكفير بالعموم أو بالشبهة، ومن الواضح أن لذلك البيان دوافع سياسية قوية ولم يقم على أسس شرعية معرفية، وهو يصرح بالتصدي لتأثيرات حزب الله على الجماهير "السنية" ويحاول الحد من التعاطف الشعبي معه.
 إن الشحن الطائفي من أي طرف هي محاولة للخروج من قضايا الإنسان المعاصرة لمحاربة التاريخ، وهي محاولة فاشلة لن تؤتي أية ثمرة.
-في إحدى مؤتمرات التقريب بين السنة والشيعة اتفق المؤتمرون على دعوة أهل كل مذهب ألا يقومون بالتبشير في البلدان التي لا يوجد فيها المذهب الذي يعتقدونه. وبما أنك سبق لك أن قمت بالتبشير للمذهب الشيعي الاثناعشري في السودان قبل مراجعاتك الفكرية ، هل تجد هذا الاتفاق بين المؤتمرين سبيلا صالحا للتخفيف من الحشد الطائفي ؟ وهل يمكن أن تعتقل القناعات والأفكار؟ أم ماذا؟
-الاتفاق في المؤتمرات على أمر لا يعني القدرة على تطبيقه، وأساسا لا أعتقد بوجود مناطق ملكية لهذا الفريق أو ذاك، والفكر لا يعرف الحدود، وهناك اليوم حوارات يومية تجري على البالتوك وفي الفضائيات فكيف يمكن عزل المشاهدين من أتباع هذا الفريق أو ذاك؟ إذن فهذا قرار فاشل، ويجب أن نفتح الحوار للجميع، وإنما نوجهه باتجاه القضايا المعاصرة، بدلا من الخوض في حوارات عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع، فماذا سوف يتغير لو أصبح العالم الإسلامي كله شيعيا أو سنيا؟ المهم تغيير الواقع الديكتاتوري الظالم الى نظام عادل حر مستقل سيد يوفر الكرامة ولقمة العيش لأبنائه من جميع الطوائف.
- كتاباتك تلقى الكثير من النقد من لدن مراجع الشيعة الاثنا عشرية ، وكذلك من قبيل مثقفيهم الى درجة التكفير والتفسيق، وكان ردكم على أهمها بالنقد والتمحيص في الروايات والأحاديث الموضوعة والبحث العلمي في التاريخ والعقائد ، كيف تفسرون هذه الهجمة سيما وأنكم غرباء بحيث لا يعرفكم وأمثالكم من المراجعين في الفكر السياسي الشيعي إلا القليل ؟
-عفوا لم اسمع بتكفير أحد لي، وأما النقاش والرد فهو أمر طبيعي ودليل خير وعافية، واعتقد أن كثرة الردود التي وصلت الى حوالي مائة كتاب، دليل كبير على اهتمام الناس بالتفكير حول الموضوع، ولذلك لا اعتقد أني غريب في الوسط الثقافي الشيعي وأرى تفاعلا كبيرا بين الناس معي، ومن الطبيعي أن تأخذ الأفكار الجديدة وقتا للانتشار الواسع بين الناس. وعموما أعتقد أن حركة الفكر لدى عامة الناس تسير باتجاه الديمقراطية بدلا من ولاية الفقيه، كما حدث في العراق مثلا عندما تبنت الحركات الإسلامية وحتى مراجع الدين النظام الديمقراطي وتجاوزوا نظام ولاية الفقيه، وهذا ما كنت أطمح إليه في كتابي "تطور الفكر السياسي الشيعي".
- نسمع بين الفينة والأخرى اتهام البعض للشيعة بتحريف القرآن ، وأن الشيعة لديهم قرآن اسمه مصحف فاطمة وما الى ذلك من الاتهامات.. ما حقيقة ذلك أستاذ؟
حكاية تحريف القرآن حكاية أسطورية دسها البعض في روايات أهل البيت القديمة في القرن الثاني الهجري ولكن الشيعة تبرؤوا منها عبر التاريخ . وأعلنوا تمسكم بسلامة القرآن الكريم من التحريف . ولكن بعض الحشويين الأخباريين يقوم بين الفينة والأخرى باستعادة تلك الحكاية الأسطورية ، كما أن بعض خصوم الشيعة يقوم بالتهريج عليهم بصورة عامة ويأخذ الأبرياء والرافضين لتلك الأسطورة بجريرة الأخباريين الحشويين من أجل إقصائهم عن الحياة وتشويه سمعتهم والفصل بينهم وبين بقية المسلمين ن وإلا فما الذي يدفع ملايين المسلمين الذين يشهدون أن لا اله إلا الله محمد رسول الله للإيمان بتحريف هذا الكتاب خلافا لما جاء فيه من حفظ الله لكتابه المجيد ؟ ولماذا لم يكفروا بهذا الدين إذن ؟
 إن من يراجع المصاحف المطبوعة والمخطوطة بواسطة الشيعة عبر التاريخ لا يجد نسخة واحدة تحتوي على تحريف آية واحدة من القرآن أو حتى حرف واحد ، وقد رأيت مصحفا يضم صفحات مختلفة من حوالي ألف مصحف مخطوط أو مطبوع في إيران ولم يكن يوجد فيها مصحف واحد محرف ، وهذا ما يؤكد إجماع الشيعة على سلامة القرآن ونفي التحريف عنه ،ولكن الحملات الإعلامية المغرضة التي تحاول التفريق بين المسلمين وتضخم أو تفتعل الاختلافات بينهم يهمها إلقاء التهم وتشويه سمعة المسلمين حتى تمزقهم وتصرف بعضهم عن بعض .
- الأفكار التي وصلتم إليها وهي جريئة حقيقة ، هل تعملون في مؤسسة أو مختبر علمي أم أن اجتهادكم يقوم به فرد واحد هو أحمد الكاتب ؟
-مع الأسف الشديد هو نتاج مجهود فردي، ولو كنت أملك مؤسسة علمية لكانت النتائج أوسع وأكثر تأثيرا، ولكني أسعى من اجل إقامة معهد علمي يحقق ذلك الهدف. بإذن الله تعالى.
- لكم جمعية اسمها الحوار الحضاري، حبذا لو تحدثنا عن أهداف جمعيتكم وعن النتائج المرجوة منها ؟
 -جمعية الحوار الحضاري هي خطوة على ذلك الطريق، بهدف تأسيس بوتقة للحوار بين المسلمين من اجل دراسة القضايا المختلف عليها في العقيدة والتاريخ والفقه والسياسة وما الى ذلك، لكي نتجاوز التاريخ نحو الحاضر والمستقبل. وأسأل الله أن يوفقنا لتحقيق الخطة المرسومة.
 - المفكر السوداني الدكتور حسن الترابي يقول بأنه ليس سنيا ولا شيعيا ، وأنت أين تجد نفسك مع الشيعة أم مع السنة؟؟
- فعلا أؤيد الدكتور الترابي في هذه المقولة، وأنا لا أعرف نفسي بالتعريفات الطائفية القديمة التي كانت عبارة عن أحزاب سياسية في وقتها، وقد بادت وانقرضت ولم يبق منها سوى الأسماء الوهمية.
- أثارت أعمال المفكر الإيراني علي شريعتي بعد ترجمتها الى اللغة العربية، تقبلا مشوبا ببعض التحفظات من لدن قطاع واسع من السنة والشيعة معا . من جهتك أستاذ كيف ترى مردود هذا المفكر الذي اغتيل قبل الثورة في إيران ؟
هو عالم اجتماع مسلم قام بقراءة التراث الفكري الشيعي وتجديده ونفخ الروح الثورية فيه ، وضرب الجوانب السلبية التي كانت تحول دون انخراط الشيعة في الحياة السياسية انتظارا للإمام المهدي الغائب ، وقد نجح في تشكيل الأرضية المناسبة للثورة الإسلامية في إيران ، والتحرر من الكثير من المقولات المتحجرة السلبية في الثقافة الشيعية .
أشكركم أستاذ أحمد الكاتب على هذا الحوار القيم مع واحد من مفكري الأمة المجتهدين.
شكرا جزيلا لكم وفقكم الله لخدمة الإسلام والمسلمين، وتوحيد المسلمين وتحريرهم من الاستبداد والطغيان والاحتلال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق