الاثنين، 14 نوفمبر، 2016

عودة إلى المنابع إحسان الفقيه



  


 | الثلاثاء 15 تشرين الثاني 2016

< لله در القائل:

أننسى أعين الليمون ترنو

وأعشاشاً تحن لها الطيور

أننسى مسجداً ونداءَ فجرٍ

ومحراباً وهل تُنسى الجذورُ؟

في الوقت الذي بلغت المشاريع المضادة في الشرق الأوسط ذروتها من الإنجاز وتحقيق الأهداف، لا تزال أمتنا الإسلامية والعربية تتناحر بالأفكار التي ينبغي الانطلاق منها تجاه النهضة.
وبعيداً عن انتصار كل فرد أو فئة لأفكارها التي تنتصر لها، وهويتها التي تتمسك بها، والتي تخلق حالة من الجدل اللانهائي، فلا ريب أن للنهضة محددات ومقومات صاغتها تجارب الأمم والحضارات، وبلورها علماء الاجتماع في الشرق والغرب، ربما تكون حاسمة لإنهاء الجدل القائم الذي يجعلنا لا نغادر المربع الأول.
ما قررته قوانين علم الاجتماع، أن لكل مشروع نهضوي مقومات، أولها وأهمها الفكرة الجوهرية أو المركزية التي يتبناها المجتمع ويتمحور هو حولها، وتمثل له المنطلق لصياغة المنظومة القيمية، وعلى أساسها يتحدد شكل العقد الاجتماعي في ذلك المجتمع أو تلك الأمة، وبها يقطع شوطاً أو أشواطاً في تحقيق رؤية راشدة، فالحضارة كما يقول عنها مالك بن نبي في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي «إنتاج فكرة حية تطبع على مجتمع الدفعة الأولى التي تجعله يدخل التاريخ».
تشترك في ذلك كل الحضارات والأمم الناهضة، فالأمة العربية تمحورت حول الفكرة الإسلامية، وكان نتاجها الحضارة الإسلامية التي امتدت لأكثر من 14 قرناً، وهناك من تمحور حول فكرة الشيوعية، فكان النتاج هو الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، بينما تمحور الغرب حول الليبرالية، فكان نتاجها ما نرى من تَسيّد أميركا وأوروبا.
وحول ذلك يقول المفكر والعالم الموسوعي عبدالوهاب المسيري: «أي مجتمع، بما في ذلك المجتمعات العلمانية، رأسمالية كانت أم اشتراكية، ديموقراطية كانت أم شمولية، تتحرك في إطار مرجعية نهائية ما، وهي الفكرة الجوهرية التي تشكل أساس كل الأفكار، والركيزة الأساسية والنهائية الثابتة لرؤية الكون التي يتبناها مجتمع ما، وهي المبدأ الواحد الذي تُردّ له كل الأفكار وتُنسب».
المرجعية النهائية أو النموذج الحاكم ليس نتاج إدراك ورصد وتحليل، لأنها بذلك تكون خاضعة لاختلاف العقول البشرية وأنماطها في التحليل والرصد، بل هو سابق لعملية الإدراك والرصد، بمعنى آخر كما يقول المسيري هي الأفكار القبْلية والمفاهيم والافتراضات الأساسية التي يؤمن بها الإنسان وتسبق عملية الإدراك والرصد. ومن هنا رأى علماء الاجتماع أن الفكرة الدينية أو العقيدة هي أنسب فكرة مركزية لأي حضارة أو نهضة، فباستقراء التاريخ يتبين بما لا يدع مجالاً للشك، أن العقيدة هي الفكرة التي تولدت عنها الحضارات الإنسانية.
وهذا ما انتصر له أرنولد توينبي، حيث يقول: «أعتقد أن أسلوب الحضارة إنما هو التعبير عن ديانتها، وأوافق كل الموافقة على أن الدين كان مصدر الحيوية التي أدت إلى وجود الحضارات وحافظت على وجودها...، ولا محالة أن الحيوية الاجتماعية والتوافقية اللتين جعلتا هذا التعاون ممكناً قد نشأتا من الإيمان الديني». فالحضارة كما يقول ابن نبي لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية، وهذا حق، فالحضارات الفرعونية والفارسية والرومانية والصينية وغيرها، قامت على أساس فكرة دينية بغض النظر عن كنهها. على أن هذه الفكرة المركزية ينبغي أن تكون منسجمة مع هوية وثقافة المجتمع المتأصلة عبر تاريخه، وإلا حدث الصدام بين المجتمع وبين هذه الفكرة.
ولا ريب أن أمتنا باتت خارج ميدان السباق الحضاري، وأنها تحتاج كغيرها في رحلة النهوض إلى فكرة مركزية وهي الدين كما أسلفنا.
السؤال هنا: لماذا يكون الإسلام هو الفكرة المركزية، دون غيره من المِلَل.
الجواب باختصار: لأن الإسلام يمثل للأمة العربية الحضارة الأخيرة التي ذابت فيها الحضارات الأخرى وانصهرت في بوتقته، وأصبح بالنسبة إلى معتنقيه يمثل المرجعية الدينية التي يعيشون بها ويموتون عليها، وأصبح لغير المسلمين يمثل مرجعية الحضارة المُمَيِّزة لأوطانهم، وفجروا خلالها طاقاتهم من دون أي تعرض للاستبعاد والإقصاء من حملة المرجعية الإسلامية.
لذلك أقول إن الفصل المتعسف بين العروبة والإسلام لا محل له في تاريخ الأمة، فالعلاقة بينهما كما يقول المفكر الراحل أنور الجندي «كانت العروبة هي الجسد، والإسلام هو الروح، وكان الإسلام هو الجوهر الأساسي لبناء وحدة فكرية بين المسلمين، ولقيام مجتمع يرتكز على حضارة مستمدة من روح الدستور الرباني لتخليصه من ويلات العنصرية، ذلك أنه ما كان للغة العربية من سمة الخلود لولا القرآن والإسلام، وما كان للعرب أن يطلوا على العالم إلا من خلال الإسلام».
فالإسلام أخذ من العروبة وأعطاها، وأصبحت لغة العرب هي الأداة الأساسية المعبِّرة عن الحضارة الإسلامية. وعندما نتكلم عن الإسلام كفكرة مركزية للأمة على طريق النهوض، فإننا نعني الإسلام بنسخته الأولى ومنهجه المحكم، لا التطبيقات الخاطئة لتعاليمه والتي صنعتها الأهواء، ولا التجارب المسيئة التي أخذت من المنهج بعضه وأعرضت عن بعض.
ولعل أكثر ما يؤيد حتمية اعتماد الفكرة الإسلامية، أن لها رصيداً واقعياً قوياً، يتمثل في حضارة لم تشهد لها البشرية مثلاً، امتدت 14 قرناً من الزمان، حضارة لم تمت ولم تندثر على رغم كل الأزمات والضربات التي تلقتها، فأساسها موجود، وأدوات انبعاثها باقية، وأثرها لا يزال العالم يتنعم في ظلاله، وإنْ اعتراها ما اعتراها من ضعف وخور.
لكن في المقابل، ينبغي النظر بموضوعية من دون تشنج إلى رصيد الأفكار الأخرى المطروحة، فعلى سبيل المثال: المشروع العلماني على رغم تمدده واعتماده كنظام حياة في بعض المجتمعات العربية، ماذا قدم من حلول تجاه أزمات الأمة في المناحي المختلفة؟ لا شيء بالأرقام.
الذين استوردوا العلمانية كبديل عن الفكرة الإسلامية كالذي زرع نباتاً في مناخ لا يصلح له، فالثورة على الدين في أوروبا جاءت نتيجة الحكم الثيوقراطي، الذي حارب العلم، وكبَتَ الفطرة، وحَجَر على العقول، وصرَف الناس عن الإعمار.
أما الإسلام فتنتفي معه كل هذه المبررات، لأنه دين لا يمنح أحداً سلطة كهنوتية، ولا يحق لأحد من أبنائه أن يدعي لنفسه حقاً إلهياً، والعلماء فيه مبلغون عن النبي صلى الله عليه وسلم المُبَلِّغ عن ربه، ويتقيدون بالكتاب والسنة، وما يستجد من المسائل، فلديهم الخطوط العريضة وقواعد الدين المستنبطة من نصوصه، والتي يُوزن بها كل أمر مستجد وما لا نص فيه.
وهو دين يدعو إلى العلم والأخذ بأسباب القوة، ويشجع الاستفادة من الآخرين في أمور الدنيا والمعاش، ويوازن بين حاجات الروح والجسد، ولسنا في حاجة إلى التذكير بما اتسمت به الحضارة الإسلامية في عصور شتى من التقدم والازدهار، ما جعلها شمساً تشرق على الغرب باعتراف المنصفين من الغرب.
فما الحاجة إذن لإقصاء الدين عن الحياة واختزاله في بعض القيم الروحية أو علاقة بين المخلوق والخالق لا تجاوز الضمير الداخلي؟
هو أمر يثير الحيرة لا ريب، فأمامنا أنموذج غربي حديث ارتبط فيه التقدم بنبذ الدين، وأمامنا أنموذج حضاري محلي عمره عشرات القرون ارتبط فيه التقدم بالتمسك بالفكرة الإسلامية، فلماذا نختار النموذج الأول؟ الأولى من ذلك أن نعيد التجربة، بالرجوع إلى الأصل الأول بشمولية منهاجه القائم على الإعمار، والعودة..... العودة إلى المنابع...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق