الجمعة، 11 نوفمبر 2016

نحو فهم صحيح لموقف الإسلام من الرق


Résultat de recherche d'images pour "‫موقف الإسلام من الرق‬‎"

نحو فهم صحيح لموقف الإسلام من الرق
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
جذور الرق:الرق هو احد الظواهر الاجتماعية السلبية، التي عوقت التقدم الاجتماعي للمجتمع الانسانى ، وترجع جذور الرق إلى الأطوار القبلية في كل أنحاء العالم ، كحل “خاطئ” لمشكله أسرى الحروب القبلية، وعلى هذا مارسته كل المجتمعات في أطوارها القبلية، فهذه الظاهرة الاجتماعية لم تكن إذا مرتبطة بلون أو جنس معين ، وقد استمرت هذه الظاهرة الاجتماعية في كثير من المجتمعات ،كمحصله للتخلف الاجتماعي الذي أصاب هذه المجتمعات في مرحله تاليه، نتيجة لعوامل تاريخية سياسية اجتماعيه… متفاعلة، كما ظهرت تجاره الرقيق كمرحله من مراحل تطور النظام الاستعماري الغربي في مرحله تاليه.
موقف الإسلام من الرق: وقد شاعت هذه الظاهرة الاجتماعية السلبية في المجتمع القبلي العربي الجاهلي ، كما شاعت في غيره من المجتمعات التي لا تزال في الأطوار القبلية، وعندما جاء الإسلام تعامل مع هذه الظاهرة الاجتماعية السلبية على المستويين النظري والعملي .
المستوى النظري”إلغاء الأساس النظري للرق بتقرير الحرية والمساواة : فعلى المستوى النظري الغي الإسلام الأساس النظري الذي تستند إليه هذه الظاهرة الاجتماعية السلبية بتقريره قيمتي الحرية و المساواة ، فقد قررت العديد من النصوص قيمه المساواة كقوله تعالى) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( (الحجرات:13)،وكقول الرسول(صلى الله عليه وسلم )( النّاسُ كُلّهُمْ بَنُو آدَمَ. وآدَمُ خُلِقَ مِنَ تُرَابِ )(أخرجه الترمذي وحسنه)،وقوله(صلى الله عليه وسلم ) (يد المسلمين على من سواهم تتكافأ دماؤهم وأموالهم ويجير على المسلمين أدناهم ويرد على المسلمين أقصاهم )( سنن ابن ماجه) ،وقوله (صلى الله عليه وسلم ) ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم , ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) (صحيح مسلم) ، كما قررت العديد من النصوص قيمه الحرية بأبعادها المتعددة كقوله تعالى ﴿ لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فقد استَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لاَ انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَميعٌ عَليمٌ ﴾( البقرة: ٢٥٦) ، وقوله تعالى﴿ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنين ﴾ (‏يونس: ٩٩)،وتطبيقا لهذه النصوص قال عمر بن الخطاب (صلى الله عليه وسلم)( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)( كتاب الولاية على البلدان).
المستوى التطبيقي “التدرج في القضاء على الظاهرة”: أما على المستوى التطبيقي فقد كان الإسلام كدين يهدف إلى الانتقال مما هو كائن ” الرق كظاهرة اجتماعيه سلبيه شائعة ” إلى ما ينبغي أن يكون” القضاء على الرق كظاهرة اجتماعيه سلبيه وتحرير الرقيق” ، بالتدرج مما هو كائن، إلى ما هو ممكن، إلى ما ينبغي أن يكون، اى استنادا إلى قاعدة التدرج التي قررها منهج التغيير الاسلامى، ومضمونها ان التغيير لا يتم بالقفز على الواقع، بل بالتدرج بالانتقال به مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، وهنا يجب التمييز بين نوعين من أنواع التدرج:أولا: التدرج في التشريع: اى التدرج في بيان درجه الإلزام في القاعدة الشرعية المعينة( من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم او من الندب إلى الوجوب…)،ومن أشكاله التدرج فى بيان درجه الإلزام في شرب الخمر من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم ، وهذا النوع من أنواع التدرج قد انتهى بختم النبوه بوفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم). ثانيا :التدرج في التطبيق: اى التدرج في تطبيق القاعدة الشرعية وليس في بيان درجه الإلزام في القاعدة الشرعية، ومن أدلته قول عمر بن عبد العزيز لابنه ( إنّ قومك قد شدّوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين )(حلية الأولياء : 5/282- صفة الصفوة لابن الجوزي: 2/128).
قاعدة تضييق المدخل وتوسيع المخرج : وهذا التدرج في القضاء على ظاهره الرق يستند إلى إلى قاعدة “تضييق المدخل وتوسيع المخرج”.
أولا : تضييق المدخل:
ا/ حصر أسباب الرق: حصر الإسلام سبب الرق في احد الخيارات المتاحة للمسلمين تجاه مصير أسرى الحرب المشروعة للدولة ، والتي تتم طبقا للضوابط الاخلاقيه التي حددتها، بجانب خيارات أخرى كالمن والفداء.
ب/إلغاء أسباب كثيرة للرق: وفى ذات الوقت منع الإسلام الأسباب الأخرى للرق ومنها :
1/ الدين: فقد كان العجز عن أداء الدين في حينه من أسباب الرق، فنهى الإسلام عن ذلك ، وحث الدائن على إمهال المدين إلى حين استطاعته سداد دينه. قال تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (البقرة:280).
2/ الاستعباد ألقسري:كما كان الاستعباد القسرى للأحرار من أسباب الرق فنهى عنه الإسلام ،ورد في الحديث القدسي: (قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطي بي ثم غدر. ورجل باع حرا فأكل ثمنه. ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجرا).
3/ بيع الأولاد:كما كان يحق للأب بيع أولاده وهو ما حظره الإسلام.
4/ استرقاق المجرمين أو الجناة:فقد كان الرق هو عقوبة لكثير من الجرائم ، فحرم الإسلام ذلك، ووضع عقوبات معينه لهذه الجرائم لا تشمل الاسترقاق..
ج/ تحسين وضع الرقيق: كما حث الإسلام على تحسين الوضع الانسانى للرقيق ومن مظاهر ذلك:
1/ الأمر بمعامله الرقيق معامله حسنه: قال تعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) (سورة النساء: 36).
2/ تحريم استخدام لفظ “عبد”: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ(لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي) (رواه مسلم).
3/ المساواة بين الرقيق والأحرار في المعاملة الاخلاقيه: عن أبي هريرة قال: قال َ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(من قذف مملوكه، وهو بريء مما قال، جلد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال)(رواه البخاري).
4/المساواة بين الرقيق والسادة في التعامل: عن المعرور بن سويد قال: دخلنا على أبي ذر بالربذة فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله فقال: “يا أبا ذر لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة، وكسوته ثوباً غيره؟”، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليكسه مما يكتسي، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه» [رواه البخاري وأبو داود]. وقال عليه الصلاة والسلام(إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي علاجه) [رواه البخاري].
ثانيا:توسيع المخرج: كما شرع الإسلام لكثير من طرق تحرير الرقيق ومنها:
ا/ عتق الرقيق على سبيل الوجوب: فقد قررت الشريعة الاسلاميه وجوب عتق الرقيق بسبب:
1/القتل الخطأ: قال تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) (النساء:92).
2/الحنث في اليمين: قال تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) (المائدة:89).
3/ الظهار: قال تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم (المجادلة)..
4/الإفطار في رمضان عمدا: ومن أدله ذلك أن رجلا واقع أهله في شهر رمضان، فأتى النبي (صلى الله عليه وسلم ) مستفسرا ماذا يفعل؟ فأمره النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ان يكفر بإعتاق رقبة.
5/ضرب السيد لمملوكه: قال الرسول ( صلى الله عليه وسلم): (من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه).
ب/عتق الرقيق على سبيل الندب:كما حثت الشريعة الاسلاميه على عتق الرقيق على سبيل الندب والاستحباب قال تعالى (فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة *فك رقبة *او إطعام فى يوم ذي مسغبة) (البلد)، وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم )(من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار).
ج/ المكاتبة: وهي عقد بين العبد وسيده؛ يلزم السيد أن يعتق عبده بعد أن يؤدي إليه مبلغا من المال يتفقان عليه قال تعالى وجل: )والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم( (النور:33)، وفي الزكاة المفروضة نصيب أوجبه الله تعالى للأرقاء المكاتبين، لكي يستطيعوا به أداء ما عليهم من مال للسادة المكاتبين قال تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل)(التوبة:60).
د/ تحريم استمرار استرقاق أبناء السادة من الإماء: كما حرم الإسلام استمرار استرقاق أبناء السادة من الإماء ، خلافا للنظام الذي كان متبعا عند العرب قبل الإسلام
ه/ الحث على الزواج من الرقيق: وهو من أهم أسباب عتق الرقيق ، قال تعالى :(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ…) (سورة النساء: 25)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك إذا أدى حقَّ الله وحقَّ مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران) (رواه البخاري ومسلم).
استمرار الظاهرة في المجتمعات المسلمة لا يرجع إلى الإسلام كدين : يتضح لنا من العرض السابق ،أن استمرار هذه الظاهرة الاجتماعية السلبية في بعض المجتمعات المسلمة ، لا يرجع إلى الإسلام كدين، بل يرجع إلى العديد من الأسباب أهمها التخلف الاجتماعي الذي أصاب هذه المجتمعات ،في مرحله تاليه ، نتيجة لعوامل تاريخية سياسية اجتماعيه… متفاعلة، وان المواثيق والقوانين والمعاهدات الدولية المعاصرة ، التي تجرم الرق والاستعباد بكافه أشكاله تتفق مع موقف الإسلام الحقيقي من الرق، والهادف إلى التدرج في القضاء على ظاهره الرق، وهى قوانين تعبر- إلى حد كبير- عن نزوع انسانى – فطرى لقيم المساواة والحرية- والتي اقرها الإسلام كدين – ولا تعبر بالضرورة عن الفلسفة الليبرالية- إذ الرق هو مرحله من مراحل تطور النظام الاستعماري، الذي هو احد إفرازات النظام الاقتصادي الراسمالى ، الذي هو تطبيق للفلسفة الليبرالية فى مجال الاقتصاد ، وان دعوه بعض جماعات الغلو في الدين والتطرف إلى العودة إلى الرق ، تتعارض مع حقيقة أن الإسلام كدين لم يشرع للرق،، اى لم يقر به من باب المحافظة عليه، باعتباره ظاهره اجتماعيه ايجابيه ، بل شرع للتدرج في التحرر من الرق ، اى اقر بالرق من باب العمل على تغييره بشكل تدريجي ، باعتباره ظاهره اجتماعيه سلبيه ، يؤدى محاوله تغييرها- وغيرها من الظواهر الاجتماعية السلبية – بشكل فجائي، إلى تهديد وجود ووحده المجتمع ذاته .

.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق