الاثنين، 26 ديسمبر، 2016

الخلفاء الراشدون وثقافة المحبة والتسامح والتعايش

نبيل الحيدرى

ثقافة المحبة والتعايش والسلام تزرع الحياة والوحدة والتعاون من أجل البناء الهادف وهى ثقافة تحتاجها الأمم والأفراد بديلة عن ثقافة البغض والكراهية والأحقاد فهى تهدم البناء كله ومن أساسه كما تزرع الألغام والأحقاد وحتى الدماء نتيجة هذه الثقافة والكراهية. وربما يسعى البعض وهو ينبش فى التاريخ لعله يجد هنا أو هناك من انتقاء وقائع معينة لها ظروفها لتأسيس ثقافة الكراهية وتعميقها ونتائجها المأساوية.
الخلفاء الراشدون أمثلة رائعة لأنهم عاشوا ثقافة المحبة والتعاون والتعايش والتشاور من أجل البناء الهادف والمصلحة الإسلامية العليا متجاوزين المصالح الشخصية والإعتبارية وغيرها حتى فى اختلاف اجتهاداتهم حيث كانت مصدر قوة وعطاء ولم تتحول إلى خلاف وأحقاد وبغضاء لأنها عندئذ تسحق الجميع بل المبادئ والقيم والمقاصد كلها رغم ادعاء البعض القليل خلاف ذلك ونعرف أسبابه ودوافعه فهى كقول الشاعر شنشنة أعرفها من أخزم التى صارت مثلا تضرب لمثل هذه المواقع.
تحدث الإمام علي بن أبي طالب(ع) عن الصحابة الأجلاء فى خطب عديدة من أهمها قوله (لقد رأيت أصحاب محمد (ص) فلم أر أحدا يشبهه منكم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، وقد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم. إذا ذكر الله هملت عيونهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الؤيح العاصف، خوفا من العقاب ورجاءا فى الثواب) نهج البلاغة/ الصفحة 255. كما تحدث الإمام بصراحة ووضوح عن الخلافة الشرعية للخلفاء الثلاث السابقين له معتبرا الملاك الشرعى من خلال الشورى القرآنية وفيها رضا الله تعالى بل لايجوز ردها، فإن رافضها يرد إليها، فإن أصرَّ فيجب قتاله حتى يرجع إلى بيعة الخلفاء الشرعية قائلا: (إنه بايعنى القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد. وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بأمر أو بدعة، ردُّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى) نهج البلاغة/ الصفحة145
كانت بيعة أبى بكر(رض) قد تمت من خلال الشورى فى سقيفة بنى ساعدة وهى محل اجماع وقبول كما قال ابن أبى الحديد المعتزلى (إتفق مشايخنا جميعا، المتقدمون منهم والمتأخرون والبصريون والبغداديون، على أن بيعة أبى بكر الصديق هى بيعة شرعية صحيحة) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد/ الجزء الأول/ الصفحة 28 فلا مجال لما يطرحه البعض بعدم شرعيتها خصوصا بعد بيعة الإمام على والصلاة خلفه وهذا التراكم فى السيرة العطرة
اشترك الإمام علي فى حروب الردة أيام الخليفة الأول(رض) كما ذكره المحققون كالسيد محمد باقر الصدر قائلا (إن الحكم السني الذى مثله الخلفاء الراشدون والذى كان يقوم على أساس الإسلام والعدل، حمل علي السيف للدفاع عنه، إذ حارب جنديا فى حروب الردة تحت لواء الخليفة الأول أبى بكر، وكلنا نحارب تحت راية الإسلام مهما كان لونها المذهبى. إن الحكم السنى الذى كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة قبل نصف قرن بوجوب الجهاد من أجله وخرج الآلاف من الشيعة وبذلوا دمهم رخيصا من أجل الحفاظ على راية الإسلام ومن أجل حماية الحكم السنى الذى كان يقوم على أساس الإسلام) البيان الثالث فى النجف فى شعبان عام 1399 هجرية
لذلك كان الإمام على مرجعا دينيا ومستشارا رئيسيا فى كل معضلة أو مشكلة تحتاج إلى حكمته ورأيه السديد زمن الخلفاء الثلاث السابقون له، فقد قال الخليفة الثانى مرارا وتكرارا (لولا على لهلك عمر) (لا أبقانى الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن). عندما أراد الخليفة الثانى فتح بلاد فارس والروم فإنه استشار الإمام عليا الذى قام بإسداء نصيحته الرائعة قائلا (إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لاتكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه. فابعث إليهم رجلا محربا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت ردءا للناس ومثابة للمسلمين) نهج البلاغة/ الخطبة 134/الصفحة 252
فالإمام يطلب من الخليفة عدم الخروج للحرب بنفسه حفاظا عليه لأنه المرجع الذى يرجعون إليه والملاذ الذى يلوذون به، ثم بعث ابنه الحسن فى قيادة أوائل الحملات تأييد للخليفة الفاروق.
بعد شهادة الخليفة الثانى على يد المجوسى الإيرانى أبى لؤلؤة، وقف الإمام علي على قبر الخليفة حزينا راثيا بأعظم رثاء خالد ذاكرا مناقبه وعظمته قائلا (فقد قوم الأود وداوى العمد وخلف الفتنة وأقام السنة وذهب نقى الثوب قليل العيب أصاب خيرها وسبق شرها أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه. رحل وتركهم فى طرق متشعبة لايهتدى فيها الضال ولايستيقن المهتدى) نهج البلاغة/ الصفحة 249 وهذا بعد شهادة الخليفة الثانى، فلا يعقل ما أورده البعض من كونه تقية فأى تقية أمام شخصية رحلت عن الدنيا إلى ربها مطمئنة راضية مرضية.
ومن الظواهر الرائعة بين متعلقي الخلفاء هو كثرة الزيجات والمصاهرات بل وتسمية الأبناء باسمائهم كما سمى الإمام علي أولاده بأبى بكر وعمر وعثمان وكذا فعل الإمام جعفر الصادق وغيره مما يحتاجه كبحث مستقل لاحق ورؤية منفتحة للمحبة والتعايش.
وقف الإمام علي مدافعا عن الخليفة الثالث مانعا الناس من الهجوم عليه وأوقف على داره ولديه الحسنين سبطى الرسول وسيدي شباب أهل الجنة دفاعا عنه فى سياسة واضحة للسلام والمحبة والتعايش والبناء وهو ما يحتاجه المسلمون وعراق اليوم من محنته الطائفية والعصبية المذهبية الغريبة عن ثقافة العراق وتاريخه الحافل بالتسامح والمحبة لمختلف الطوائف والفرق

*****

مقالات أخرى للكاتب




الإثنين 15 -8- 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق