الجمعة، 17 فبراير، 2017

لا مؤاخذة يا عرب عبد الناصر سلامة



فى إطار العبث العربى على أيدى أجيال جديدة من أشباه الحكام المحسوبين على العرب، وفى إطار مزيد من الضغط على من كانت أُم الدنيا يوماً ما، ومن كانت وستظل قلب المنطقة، إن عربياً وإن غير ذلك، وفى إطار مزيد من الضياع العربى، نرى الآن تصريحات غير مسؤولة، تتحدث عن إنشاء ما يسمى بفرع لجامعة الدول العربية خارج مصر، تحديداً فى دولة الإمارات العربية، هذه التصريحات جاءت كما عادة الخبثاء، مقرونة بالثناء على مصر، والتأكيد على حب مصر، ودور مصر، وتاريخ مصر، وغير ذلك من تعبيرات الإنشاء فى المرحلة الابتدائية، إلا أنها تُضمر كما هو واضح الكثير والكثير من المعانى غير النبيلة، لشعب لم يقدم لمحيطه العربى تحديداً، سوى كل ما هو نبيل وجميل، من تعليم وتطوير، وبناء وتشييد، وكل شىء تقريباً.


أعتقد أنه بالعودة لتاريخ إنشاء هذه الجامعة، فى منتصف الأربعينيات من القرن الماضى، سوف نجد أن معظم الدول العربية لم تكن فى عداد الدول بمعناها المتعارف عليه، ولا حتى أشباه الدول، كانت ترزح تحت نير الاحتلال والتخلف والفقر، فقط مصر هى من أرادت أن تحمل مشعل الدفاع عن العرب والعروبة، هى من تطوعت بتعليمهم أبسط مبادئ الحياة، بالتأكيد صناع القرار فى معظم هذه العواصم الآن لا يدركون ذلك، لم يعاصروه، إلا أنهم سمعوا به على أقل تقدير، هناك من السابقين من كان يحكى ويقول، إلا أنه لا يبدو أن هناك من قال لهم هذا عيب، وذلك لا يصح، وذاك لا يجوز، لا يبدو أن هناك من أكد لهم أن الكبير يظل كبيراً مهما لاقى من عثرات، السيد يظل سيداً مهما تعثَّر مادياً، فقد يكبو الجواد، إلا أنه ينتفض فى نهاية السباق، وأيضا قد تصبر البعير إلا أنها سوف تشتاط غضباً فى نهاية المطاف، بالتأكيد العرب يدركون على الأقل هذه التشبيهات.


دائماً أجدنى ألقى باللوم على مصر، وقادة مصر، والنظام الحاكم فى مصر حينما أستشف أطماعاً فيما فى يد مصر، دائما أرى أن ممارسات مصر هى التى كانت سبباً فى ذلك، إلا أننى مع هذه الواقعة التى نحن بصددها لا أستطيع إلا أن أقول: لكِ الله يا مصر، هناك من طمع فى الأرض، وهناك من طمع فى العرض، وهناك من طمع فى صناعة القرار، وهناك من طمع حتى فى مجرد مبنى العرب المسمط، الذى لم يعد يسمن ولا يغنى من جوع، اعتقاداً أن الجواد لن ينهض، كل ذلك للأسف دون حياء أو خجل، هكذا كان العرب على مر التاريخ، بمعنى أدق، هكذا كانت الخيانة العربية دائماً وأبداً، قديماً وحديثاً.


بالتأكيد سوف ترتفع أصوات مصرية الآن تدعو إلى عدم التخلى عن هذا الدور التاريخى، بالتأكيد سوف نكتشف أن دعوات إنشاء فروع للجامعة العربية خارج مصر إنما هى مقدمات لنقل المقر الرئيسى، بالتأكيد سوف نكتشف بمرور الوقت أننا أمام مؤامرة ليست محبوكة أبداً، كغيرها من مؤامرات الغلمان على سوريا والعراق، وحتى اليمن وليبيا، وكغيرها من مؤامراتهم على مصر خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أن ما غاب عن هؤلاء وغيرهم هو أن مصر من حقها أن تستفيد من التجارب الإيرانية فى هذا الشأن، وهى التجارب التى كانت عصية على الجميع، من عرب وعجم، لم يستطع أحد النيل منها، أو المساس بها، بل زادت الإيرانيين رسوخاً.

إلا أن الاستفادة من التجارب الإيرانية، أيها السادة، تتطلب العودة فى بادئ الأمر إلى الأصول والجذور، تتطلب العودة إلى الذات الفرعونية كما الفارسية تماماً، حين ذلك لن يكون من مصلحة أحد ذلك الذى يجرى على الساحة، لن تكون هناك لا مسافة السكة، ولا سكة المسافة، لن تكون هناك لا التوليفة العربية المهترئة، ولا التركيبة الخليجية الموقوتة، وربما كان هذا ما يسعى إليه هؤلاء وأولئك من الذين اعتادوا تنفيذ الأجندات الخارجية، على مدى السنوات الست الماضية بصفة خاصة، وهو ضياع الهوية، أو بمعنى أصح ضياع الأمة ككل، بعد أن أصبحت دويلاتهم كالبلياتشو، بلا معنى.


أعتقد أنه قد آن الأوان لإعلانها مدوية: مع السلامة يا جامعة، مع السلامة يابو عِمّة مايلة، إلى الجحيم بمؤامراتكم، مبروك عليكم الوصاية الفارسية والخلافة العثمانية، هنيئاً لكم ترامب وأمثاله، لن ينتقص أى مبنى أو منشأة من مصر شيئاً، منشآتنا ليست ككل المنشآت، كما خوفو وخفرع ومنقرع، يستحيل العبث بها، يستحيل حتى تقليدها بكل أموال النفط، ولا حتى أموال العالم، فقط كل ما أرجوه أن يظل ذلك المبنى على النيل شامخاً شاهداً على الخيانة العربية، على ضآلة عقول العرب، على أسوأ مراحل التردى، على حجمكم الحقيقى.


يجب أن نعترف إذن أن أموال النفط، أو ما يُطلِق عليه البعض الرُّز الخليجى، لم يكن أكثر من وبال على بعض الشعوب، وفى مقدمتها شعب المحروسة، لم تكن المساعدات أبداً فى أى مرحلة سوى سبب رئيسى للكسل والترهل، كما لم تستهدف فى حالتنا أكثر من القضاء على تطلعات أُمَّة كانت تنشد الحرية وقيادة المنطقة نحو مزيد من التحرر، إلا أن الخوف مازال ماثلاً فى الأذهان، كما الغباء مازال جاثماً على العقول، كما على القلوب أقفالها، ربما رأوا فى الأبراج الشاهقة تقدماً، كما فى استضافة المنظمات مَخرجاً.. لا مؤاخذة يا عرب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق