الاثنين، 9 يناير، 2017

الحرية‏..‏ روح الإسلام د. محمد عمارة 1405

عندما ظهر الإسلام‏,‏ كان العبرانيون قد اتخذوا العجل الذهبي معبودا لهم من دون الله وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم‏(‏ البقرة‏:93),‏ وكان الرومان قد عبدوا بشرا من دون الله‏,‏
وقالوا عنه: إنه خالق كل شيء, وبه كان كل شيء, وبدونه لم يكن شيء, وهو الألف والياء, والأول والآخر!
وكانت الكسروية الفارسية قد جعلت كسري إلها أو ابن إله, يفرض الطبقية المغلقة, التي تقتل الملكات والطاقات, علي جمهور العباد, وكان الشرق الأقصي قد سادت فيه الديانات الوضعية, التي تنكر الغيب, وتكفر بالنبوات والرسالات, بل وتري فيها مصدر الشقاق والمنازعات, فجاء الإسلام ليحرر الإنسان ـ مطلق الإنسان ـ وليخرج الناس ـ كل الناس ـ من عبودية كل هذه الطواغيت, وليفجر فيهم ملكات الحرية وطاقاتها, وليستخلص أرواحهم بعبادة الواحد الأحد, وذلك حتي يصبح هذا الإنسان ـ الجرم الصغير ـ العالم الأكبر, الذي إذا أقسم علي الله أبره الله! وجاء الإسلام ليجعل القراءة في كتاب الكون وفي كتاب الوحي حماية من العبودية, ومن الطغيان, ففي الآيات الأولي التي نزل بها الروح الأمين علي قلب الصادق الأمين, أن الحرية ليست للفرد فقط ـ كما كانت في القبلية والقبيلة ـ وإنما هي للجماعة والأمة, المنظمة في المؤسسات الشورية, والتي تعصم من الاستفراد بأية سلطة من السلطات كلا إن الإنسان ليطغي, أن رآه استغني( العلق:7,6).
وجاء الإسلام ليجعل مفتاح الدخول فيه الشعار الذي يحرر الإنسان من كل ألوان العبودية لغير الله: أشهد أن لا إله إلا الله, وجاء الإسلام ليرفع قيمة الحرية ـ ولأول مرة في الشرائع والفلسفات ـ من مستوي الحق إلي مستوي الفريضة والواجب والتكليف الإلهي والضرورة الحياتية, وجاء الإسلام ليساوي بين الحرية و الحياة جاعلا الحرية هي الحياة, وبدونها يكون الموت والموات, حتي ليذكر المفسرون للقرآن الكريم أن علة كون كفارة القتل الخطأ هي عتق رقبة ـ أي تحريرها: أن القاتل قد أخرج إنسانا من عداد الأحياء إلي عداد الأموات, لذلك فالكفارة هي أن يخرج إنسانا من عداد الأموات والأرقاء, إلي عداد الأحياء ـ الأحرار ـ لأن الرق موت, والحرية حياة, وجاء الإسلام ليجعل الأسرة, والأمة, والدولة, مؤسسات تدار بالشوري, التي تفجر وتنمي ملكات الحرية في الإنسان, عن طريق ممارسة المشاركة في صنع القرار, ففي الأسرة عن تراض منهما وتشاور( البقرة:233), وفي الأمة: وأمرهم شوري بينهم( الشوري:38), وفي الدولة: وشاورهم في الأمر( آل عمران:159), وليقيم دولته الأولي علي المؤسسات الشورية الثلاث:
> المهاجرون الأولون ـ القشرة.
> والوزراء النقباء الاثني عشر ـ الأنصار.
> ومجلس الشوري مجلس السبعين.
وليتحدث عن أولي الأمر ـ الجماعة ـ وليس ولي الأمر الفرد!
وجاء الإسلام ليستنفر في الإنسان ملكات الحرية وطاقاتها, فبعد آية الكرسي التي أشارت إلي عظمة الذات الإلهية, وإلي جبروتها, يأتي الإعلان عن أنه ـ مع ذلك لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها والله سميع عليم( البقرة:256), فصاغ للإيمان عملة لها وجهان:
الأول: الكفر بكل الطواغيت, وتحرير الإنسان من أية عبودية لأي من هذه الطواغيت.
والثاني: إفراد الله تعالي بالعبودية, التي هي قمة التحرير للإنسان.
وجاء الإسلام ثورة تحطم القيود والأغلال التي كانت مفروضة علي حريات الناس, جاء يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم( الأعراف:157).
وجاء الإسلام ليفتح آفاق العالمية والعمومية أمام الحرية, حتي لا تكون حكرا علي قبيلة عبرانية, ولا علي عنصرية رومانية, وإنما لتكون إنسانية مشاعة بين كل أصحاب العقائد والديانات, ففي بواكير السياسة الخارجية لدولة النبوة, يطلب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ من هرقل(610 ـ641) ـ عظيم الروم ـ رفع الاضطهاد عن النصاري الموحدين الأريسيين أتباع أريوس(256 ـ336 م) فيقول لهرقل: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين, فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين, ويطلب من المقوقس ـ عظيم القبط ـ علي لسان الصحابي حاطب بن أبي بلتعة(586 ـ650 م) أن يفقه معني الدعوة إلي الإسلام, وكيف أنها تضيف إلي النبوات والرسالات, ولا تحجر علي الإيمان بأي منها, بل ولا تمنع من الوقوف عند أي منها: إن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه, وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه, ولن ننهاك عن دين المسيح, ولكنا نأمرك به! كما يذكره بعبرة مصير الاستبداد عبر التاريخ, فيقول له: إنه قد كان قبلك رجل( فرعون) زعم أنه الرب الأعلي, فانتقم الله به, ثم انتقم منه فاعتبر بغيرك, ولا يعتبر بك.
ويطلب الإسلام من الفرس أن تفقهوا أن الحرية هي جماع رسالة الإسلام, فعندما سأل قائد الفرس رستم الصحابي ربعي بن عامر: ما الذي جاء بكم؟! قال له ربعي: إن الله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلي عبادة الله, ومن ضيق الدنيا إلي سعتها, ومن جور الأديان إلي عدل الإسلام مؤكدا( ربعي) أن الإسلام دين الله قد جاء ليخرج من يشاء, دون أن يفرض هذا التحرير علي من لا يشاء!
> ولقد جعل الإسلام الجهاد سبيلا لهذا التحرير ـ الجهاد بالكلمة, والحجة, والعلم, والبرهان, فالقرآن هو الجهاد الكبير( وجاهدهم به جهادا كبيرا)( الفرقان:52), والجهاد القتالي لتحرير المستضعفين الذين فرض عليهم الرومان والفرس القهر الديني والسياسي والاقتصادي والثقافي عشرة قرون من الإسكندر(356 ـ323 ق.م) ـ في القرن الرابع قبل الميلاد ـ إلي هرقل ـ في القرن السابع للميلاد..( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا) النساء:..75 فكانت الفتوحات الإسلامية تحريرا لأوطان الشرق ولشعوبه من كل ألوان القهر والعبودية.. ثم تركهم المسلمون وما يدينون.. حتي أن نسبة المسلمين في الدولة الإسلامية, بعد قرن من الفتوحات, لم تتعد10% من السكان!.. وحتي لقد شهد البطرك المصري بنيامين(39 هـ ـ659 م) ـ الذي حرره الفتح الإسلامي, وأعاده إلي كرسي كنيسته القبطية بعد نفي دام ثلاثة عشر عاما ـ شهد بأن هذا الفتح قد حقق الحرية والأمن والأمان للأقباط, فقال.. في خطابه بكنائس الإسكندرية التي إعاده الفتح الإسلامي إليها ـ لقد وجدت في الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما, بعد الاضطهاد والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون الرومان. وشهد المؤرخ القبطي يعقوب نخلة روفيلة(1847 ـ1905 م): بأن الفتح الإسلامي قد حقق للأقباط نوعا من الحرية والاستقلال المدني, وراحة لم يروها من أزمان. وهي ميزة كانوا قد جردوا منها في أيام الدولة الرومانية.
وفي المشرق العربي, حقق الإسلام ذات التحرير.. فشهد البطرك السرياني ميخائيل الأكبر(1126 ـ1199 م) علي ذلك وقال: لقد نهب الرومان الأشرار كنائسنا وأديرتنا بقسوة بالغة, واتهمونا دون شفقة, ولهذا جاء إلينا أبناء إسماعيل ـ( العرب المسلمون) ـ لينقذونا من أيدي الرومان, وتركنا العرب نمارس عقائدنا بحرية, وعشنا في سلام.
> ولقد صدقت شهادات العلماء الغربيين علي هذه الشهادات الشرقية ـ التي وصفت الفتح الإسلامي بالتحرير.. الذي حقق النجاة والانقاذ والطمأنينة والراحة والاستقلال المدني لنصاري الشرق.. فقال المؤرخ الانجليزي الحجة سيرتوماس أرنولد(1864 ـ1930 م): إنه من الحق أن نقول: إن غير المسلمين قد نعموا بوجه الاجمال في ظل الحكم الإسلامي, بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلا في أوروبا قبل الأزمنة الحديثة.
أما الفيلسوف الأمريكي جون تايلور(1753 ـ1824 م) فلقد أجاد في وصف المشهد الديني الذي ظهر فيه الإسلام ـ وأبواب الحرية والأمل والرجاء التي فتحها الإسلام أمام الانسانية ـ فقال: لقد كان أئمة اللاهوت قد استبدلوا عقائد ميتافيزيقية عويصة بحقيقة الدين.. وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة, كما كانت الطبقات العليا مخنثة يشيع فيها الفساد, والطبقات الوسطي مرهقة بالضرائب, ولم يكن للعبيد أمل في حاضرهم ولا مستقبلهم, فأزال الإسلام بعون من الله, هذا الفساد وهذه الخرافات.. لقد كان ثورة علي المجادلة الجوفاء في العقيدة, وحجة قوية علي وحدانية الله وعظمته, كما بين أن الله رحيم عادل.. وأن المرء مسئول, وأن هناك حياة أخري ويوما للحساب, وأعد للأشرار عقابا أليما, وفرض الصلاة والزكاة والصوم وفعل الخير, وأحل الشجاعة محل الرهبنة, ومنح العبيد رجاء, والانسانية رخاء, ووهب الناس إدراكا للحقائق الأساسية التي تقوم عليها الطبيعة البشرية.
> هكذا شهد شهود من أهلها ـ شرقيون وغربيون ـ لاهوتيون ومدنيون ـ علي أن الإسلام قد جاء ففتح أبواب الحرية والتحرير أمام الانسان ـ مطلق الانسان ـ ليعود إلي الفطرة التي فطر الله الناس عليها, ولتتحرر طاقاته فيعبد الله بعمران هذا الوجود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق