السبت، 14 يناير، 2017

الامارات ومازق التركيبة السكانية

الدكتورحسين غباش
 دولة الإمارات العربية المتحدة
يتأكد يوما بعد يوم أن المجتمعات الخليجية الصغيرة قد دخلت، بسبب من تعاظم الوجود الآسيوي فيها، في أتون مأزق تاريخي يصعب تصور امكانية الخروج منه.
 لم يعد الأمر يهدد الهوية الثقافية التي همشت، والثوابت الوطنية التي اهتزت، بل يشكل خطرا مستقبليا على ما تبقى من الوجود البشري العربي ذاته.
بعيداً عن المشهد الخارجي المبهر، فإن الصورة من الداخل تثير القلق، بل الريبة!
الشوارع تعج بكل الجنسيات،إلا بالمواطنين، وبشكل خاص في الإمارات وقطر.
 الأغلبية هندية، تليها الباكستانية، البنغالية، الأفغانية، الفيليبينية، والإيرانية، ولحقتها مؤخرا الهجرة الصينية.
هناك اليوم16 مليون آسيوي تقريبافي بلدان مجلس التعاون الستة، ومن المرشح أن يصل إلى300مليونا في عام 2025
تبين الاحصائيات الرسمية وشبه الرسمية لعام 2006 ـ 2007، الخارطة الديموغرافية كالآتي:
تصلنسبة العمالة الأجنبية فيالكويت إلى60%.البحرين50%.السعودية 40 إلى50%.عمان300%.أما فيقطر فتصل إلى85%.وتصل نسبة المهاجرين فيالإمارات إلى90!!%.
هناك اليوم قرابةسبعة ملايين آسيوي في الإماراتوحدها!
تشكل نسبة الهنود 60% من مجموع تعداد السكان، أي قرابةأربعة ملايين، مقابل8000 ألف مواطن فقط!!
 يتبين من هذه الأرقام الناطقة، إذاً، أن خلف المباني الشاهقة وبريق الثراء ثمةمأساة وطنية وقومية في طور التحقق.
 إذ لم تعد المسألة، كما جرى وصفها سابقا، مسألة خلل» في التركيبة السكانية، بل تحولت، بعد ثلاثة عقود من الوجود الفاعل، النشط، إلى مسألةاستيطان آسيوي واضح وطاغٍ.
لا جدال في أننا أمام مشهد مقلق جدا. يقول مجيد العلوي، وزير العمل البحريني السابق، إن الهجرة الأجنبية تهدد وجودنا... وإذا لم يتحقق هذا التهديد اليوم فسيتحقق في الجيل القادم». والجيل القادم يعيش بيننا الآن. إذاً، لم يعد التغيير السياسي إلا مسألة وقت قصير. إنه داهم على الأبواب..
تمثل الإمارات وقطر أضعف حلقتين في المنطقة، تليهما الكويت والبحرين. على الأقل توجدفي الكويت جالية عربية كبيرة.
هناك استثناءان.عُمان تبدو محصنة بثقافتها وتاريخها العريق، وربما يحمي (المملكة السعودية) بلاد الحرمين، مركزها الديني المميز من المصير المجهول.
 بيد أن الوجود الأجنبي ينخر في الجسم العربي الخليجي، وأي تغيير سياسي في أي بلد من بلدان المنطقة سيكون له تداعيات كبيرة على الأقطار الأخرى. لن يسلم الخليج كله من ذلك.
 كانت الأسئلة المؤرقة للإنسان الخليجي، هي:كيف وصلت بلدان الخليج العربي إلى هذا المأزق التاريخي؟
 من هو المستفيد الأول من هذا التحول الديموغرافي الدراماتيكي؟كيف تم كل ذلكبصمت محير؟هل الأمر نتاج تطور طبيعي أم إنثمة محركا خارجيا؟لكن تلك كانت أسئلة الأمس، سؤال اليوم هو:هل ثمة مخرج؟
تُساق جملة من العوامل تسببت، في مجملها، في إيصال المجتمعات الخليجية إلى هذا المأزق التاريخي.
 أهمها، كما قيل،تعداد السكان الصغير، والثروة الهائلة. بيد أن هذه الادعاءات، على حقيقتها، لا يمكن ان تمثل عوامل سلبية، بل على النقيض، هي عوامل إيجابية لتحقيق التنمية الوطنية. هي عوامل تضمن، منذ البدء، نجاح التنمية.
ستكون الإشكالية حقيقية لو كان العكس صحيحا. كما ان الثروة الوطنية لا يجب، في الظروف الطبيعية، ان تتسبب في تهميش المجتمعات الصغيرة وتلغي هويتها.
لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في التوجهات التنموية، في الفكر التنموي ذاته. إذ شكلت السياسات التنموية، التي طبقتها الحكومات الخليجية طوال العقود الثلاثة الأخيرة، وعلى نحو متفاوت، الإطار العام الذي أحدث هذا التحول الكبير.
 فالتركيز الكلي على قطاع البناء والإعمار وتشجيع الاقتصاد الريعي والحداثة الزائفة، أهمل حقائق الديموغرافيا والجغرافيا والتاريخ.
لم تأخذ هذه التنمية» في حساباتها حاجات المجتمعات المحدودة في المنطقة.فتنمية هذه المجتمعات الصغيرة لا تحتاج إلى هذه الملايين من العمالة الأجنبية!
فضلا عن ذلك، لم ترافق هذه السياسات التنموية» رؤية تنموية اجتماعية وثقافية. لم تراعَ مسألة الهوية الوطنية والثقافية.لم تأخذ في الحسبان مسألة الأمن الوطني والاستراتيجي للمنطقة ككل. والنتيجة، اليوم، نرى هذا التراجع في الحضور العربي والتهديد الجاد والماثل للمستقبل العربي في المنطقة بأكملها.
 المستقبل بطبيعته مجهول، مشحون بالتحديات، وفي عالمنا العربي، ملغم بكل صنوف العثرات. ومن أهم أهداف التنمية هو أن تؤسس لمستقبل آمن ومستقر. يبقى ان أي تنمية» لن تكون تنمية وطنية ما لم تتمحورحول الإنسان كوجود وقيمة.
المفترض منها ان تبني الذات الوطنية، ان تثبت حضور الإنسان على أرضه، أن تعزز لغته وهويته، تصون تراثه وثقافته. وأخيرا، تحصن السيادة وتحمي الاستقلال الوطني ذاته. والتنمية، كما يقال، خطوة في الحرية.
بالطبع، لم تقتصر الهجرة على العمال، بل شملت مهنيين وحرفيين في مختلف المجالات. كما ضمت التجار من كل المستويات.
 وقدتمكنت شرائح واسعة من الهنود والباكستانيين من الإمساك بمفاصل الاقتصاد!
فهم اليوم مدراء البنوك وشركات التأمين، وهم التجارالمتربعون على كل أنواع التجارة الكبيرة منها والصغيرة، ومنها تجارة الأغذية والأدوية والملابس والالكترونيات وغيرها. وأخيرا، فتح لهم مجال gلتملك العقاري في بعض الإمارات الخليجية!!
 هذه إجراءات نوعية تفتح على دعوتهم للاستيطان، ووضع الأسس لضمان مستقبل أجيالهم القادمة. ونعلم، ان الاقتصاد والتجارة هما من شرايين الحياة، ولهما منطقهما القاهر.فمن بيده مفاتيح الاقتصاد يملك، بالضرورة، تأثيرا مباشرا على القرار السياسي، وهو بالتأكيد قادر على تحديد مسار المستقبل
بالطبع، لكل وجود استحقاقاته. وإذا أخذنا الإمارات وقطر كنموذج، فسنجد أن التغيير الاجتماعي قد تم، ولا زال يتثبت ويقنن يوما بعد يوم.
الثقافة الآسيوية سادت. والفضاء الثقافي العربي تراجع كثيرا.
لم يبقَ من الثقافة إلا الفولكلور للسياح.
 اضعفت اللغة العربية الركيكة اصلا، وأصبحت الرابعة أو الخامسة. وهمشت الثقافة العربية الضامرة، ومزق النسيج الاجتماعي الهش هو الآخر. حطمت ثوابت المجتمع ومناعته، وبدأت مرحلة الانقراض.
ألا تمثل نسبة المواطنين، التي تتراوحبين 2 و3 و4%، أو قل حتى 100%، في بعض الإمارات سوى بقايا عرب؟!
 أما عن السياسة فهي مسوقة، بحكم قوة الواقع، بأن تتبع التحول الاجتماعي والاقتصادي. أليست السياسة تعبيرا عن الواقع؟
الواقع السياسي يتبع الواقع الديموغرافي. والتغيير السياسي هنا ليس الا تحصيلا حاصلا، ذلك انه عندما تتغير القاعدة البشرية للسلطة تضعف السلطة ذاتها وتكون عرضة للسقوط.
من يهمش قاعدته يُهمش. ومن يُضعف شعبه يضعف معه. أليست قوة النظم والحكومات من قوة وتماسك شعوبها؟ أم إن هذه المعادلة قد تغيرت؟ إذا كانت الشعوب قد تم استبدالها في غضون ثلاثة عقود سريعة، كم سيحتاج تغيير الحكومات؟ عقدا أم عقدين؟
العقد القادم هو إذاً، عقد الهوية.عقد أن نكون أو لا نكون!
إنه آخر عقد لعرب الخليج!!
 إما ان يعود الخليج عربيا كما كان، أو أن يكون آسيويا.بعض مراكز الأبحاث الأوروبية، والفرنسية تحديدا، تتوقع ان يتم التغيير خلال العقد القادم،وتوحي بأن بعض الحكام العرب المعاصرين هم آخر حكام عرب للمنطقة!
وقد وضعت فعلا السيناريوهات التي يمكن ان يتم من خلالها تحويل المسألة الديموغرافية إلى مسألة سياسية. وعناوين التغيير حاضرة. أهمها حقوق العمال والمهاجرين. وفعلا لقد طرحت الهند ذلك في أكثر من مناسبة.فإعطاء المهاجرين حق التجنسومن ثمفرض الديموقراطية،سيفضي حتما إلى حكم الأغلبية. إنها معادلة حسابية لا تقبل المكابرة أو الإنكار.
وإن شاءت الولايات المتحدةوقدرت أن الوقت قد حان لاستبدال المشهد السياسي، فستجد انالأرضية البشرية والثقافية جاهزة ومهيأة.
 المسألة هنا مسألة توقيت وحسابات استراتيجية دقيقة.
فعندما نضجت الأمور في سنغافورة عام 1964، فصلت عن ماليزياوسلمت للغالبية الصينية المهاجرة إليها. وهكذا الأمرفي فيجي، التي يحكمها اليوم هنود جلبتهم بريطانيا للعمل فيها، وهم للمناسبة لا يشكلون إلا 50% من تعداد السكان الأصليين. أي أقل من هنود الخليج!
لا شك أبداً، بأنضرب الهوية العربية في هذه المنطقة الهامة كان هدفاً في ذاته.هو مؤشر على مخطط إستراتيجية واضحة يهدف إلى السيطرة الكاملة على مخزون النفط الخليجي!
 فحكم أقليات آسيويةيلغي الوحدة الخليجية العربية، ويسحب قرار النفط إن كان لا يزال مستقلا.باسم الديموقراطية، إذاً،تمزق العراق، وباسم التنمية، وفي غفلة من الزمن، وبصمت محير، يتحول الخليج العربي إلى خليج هندي!!
الخليج أمام أزمة تاريخية مركبة ومعقدة. والمعالجة أضحت أكثر من ملحة. أولها، بالطبع تغيير التوجهات التنموية.ومن ثمفتح الباب واسعا للعمال والمهنيين العرب، فهم كثر وعاطلون، وبشكل خاص منعمان واليمن، مخزن الخليج البشري، ومصر. وسيمثلون جميعاً خشبة نجاة لعروبة الخليج وأمنه
ثملماذا لا يجنس العرب المقيمون في الخليج، والذين خدموا المجتمعات الخليجية منذ عقود وفي أكثر من مجال. الجيل الأول الذي شيد دويلات الخليجتخرج من الجامعات المصرية والعراقية، وكان تعليمهم مجاناً.
 ولماذا لا يستفاد من الطاقات العربية المميزة والمشتتة في كل أصقاع الأرض؟
في الختام، إن الاصرار على النهج والتوجه التنموي ذاته، الذي شوه الروح العربية للمنطقة، لن يبقي المنطقة امام مفترق الطرق، بل يفرغها مما تبقى من هويتها الوطنية والثقافية، وينتزعها بالتالي من عالمها العربي!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق