السبت، 3 ديسمبر، 2016

المهدي المنتظر وتأسيس دولة الحق السياسي والديني (أسطورة عودة الإبن الضال بين السنة والشيعة




الأربعاء, 10 حزيران/يونيو 2009 
أحمد لاشين



الإنتظار في الفكر الديني:

تأسست كل المفاهيم الدينية على مفهوم الخلاص المنتظر والذي ليس بالضرورة أن يكون أخروياً فالعالم الأخر بالنسبة للعديد من الديانات يُعد إمتداداً طبيعياً للحياة الدنيا،ولكن الخلاص المقصود هنا هو الخلاص الحياتي الدنيوي،نهاية آلام وأوجاع معتنقي هذا الدين أي دين.فبنية مفهوم الدين أو الإعتقاد تعتمد على الرؤية المغايرة للواقع الذي يطرحها بما يسمح بتعليق آمال المعتنقين على تلك الرؤية.

فكل الديانات الكبرى قد اعتمدت على موعود من سلالة مصطفاه إلهياً ليرفع عذابات المؤمنين ويُقيم مملكة الله على الأرض،فالديانة الزردشتية مثلاً تؤسس لفكرة المخلص المنتظر الذي سيأتي ليحقق العدل الإلهي على يد أحد أحفاد زرادشت المبشر بالديانة أو نبيها،لينتصر على قوى الشر ويُخرج النور من الظلمة ويُعيد بناء العالم بمساندة من إله النور.وكذلك إنتظار (الظهور الثاني للمسيح) كمعتقد أصيل في معظم المذاهب المسيحية،واعتقاد اليهودية بمن لم يأتي بعد،ولا أُوحد بين كل الديانات ولكني أشير إلى البنية المؤسسة للفكر الديني ذاته.فمعظم معتنقي تلك الديانات قد وقعوا تحت طائلة من يخالفوهم دينياً أو مذهبياً مما حتم كرد فعل جمعي أن يتحول الأمل في الثأر إلى إنتظار الغد الذي سيكون فيه العالم تحت سلطة كل دين أو مذهب،أي أن الظرف التاريخي هو الذي يخلق تلك المفاهيم التي تتمحور حول البطل المنتظر فتصبح معتقداً لا يكتمل الإيمان إلا به.

مفهوم الخلاص:

ولا يوجد مذهب إسلامي لم يعتقد في مفاهيم الخلاص بشكل عام،المهدي الذي سينهض حتماً لإطلاق تحول إجتماعي كاسح لإستعادة حكم الله وإشاعة العدل في أرجاء الأرض،ولينفذ أطماع أتباع كل مذهب ضد كل الديانات الأخرى والمذاهب المغايرة،ورغم التشابه الكامن خلف فكرة المهدي في الإسلام والأفكار المسيحية عن الخلاص،إلا أنه لا يتعامل من الإنسان كخاطئ أصلي يحتاج للخلاص عبر التغير في الطبيعة الروحية كما في المسيحية،بوصف أن فكرة الخطيئة الكبرى ليست هي الأساس في الإسلام،كما أن فكرة المهدي لا تتشابه مع فكرة القومية اليهودية حيث مفهوم الشعب المختار وتحقق مملكة الله في أرض الميعاد،ولكن المهدي في المذاهب الإسلامية بشكل عام هو المنوط بتأسيس المجتمع الديني ـ السياسي المثالي،لكل من يؤمن بالله والرسالة المحمدية،مما تسبب بطرح العديد من الأشكال التاريخية لمفهوم هذا الكيان الإجتماعي تحت مسمى دولة الحق أو دولة الله والتي عمدت بشكل تلقائي إلى طرح كل المذاهب الأخرى جانباً،وتتطور الخلاف المذهبي إلى تاريخ للدماء والعذابات التكفيرية لأتباع كل مذهب.

عودة الإبن الضال بين السنة والشيعة:

رغم أن القرآن الكريم لم يذكر مطلقاً بشكل صريح على الأقل أي ذكر لمفهوم المهدي المنتظر،إلا أن فلسفة التأويل والتفسير قد حاولت صرح تلك الفكرة حسب الوجهة السياسية والإعتقادية لدى المذهبين،ففي المذهب السني لا يشكل مفهوم المهدي تأسيسأ للمذهب أو الإيمان رغم ورود بعض الأحاديث الضعيفة التي حتى لم ترد في أي من الصحيحين و تشير وتحكي عن مهدي يأتي في آخر الزمان من سلالة آل البيت ليحارب ضد كل الذين لايؤمنون بالإسلام،وسوف يحارب معه بل ويصلي وراءه في بعض الروايات عيسى عليه السلام لمحاربه المسيخ الدجال،وكل تلك الحكايات التي لا تستند إلا على العقلية الشعبية التي اعتمدت على طبيعة الإنتظار لتحقيق آمالها المتوارثة تاريخياً،إلا أنها رغم الخلاف عليها وعلى صحتها لا تشكل صحيح المعتقد السني بشكل عام،ولكن الوعي المذهبي الشيعي قد عمد إلى خلق شخصية بطولية متجاوزة للمفاهيم الزمانية و المكانية لأبعد الحدود وتحولت تلك التصورات إلى معتقد أصيل في المذهب فالفكر المهدوي يُعد من الأسس الأصيلة للفكر الشيعي في كل تجلياته.

فالمهدي المنتظر محدد في التشيع الإمامي او الإثناعشري،وهو محمد بن الحسن العسكري،وهو الإمام الثاني عشر،والذي غاب غيبتان الغيبة الصغرى والتي امتدت لخمس سنوات بعد موت والده خوفاً من المتابعة العباسية له،وإلى هنا التسلسل يبدوا منطقياً إلى حد بعيد ثم تأتي فترة الغيبة الكبرى، والتي تستمر إلى الآن،وأنه سوف يعود ذات يوم وغالباً ـ حسب المعتقد الشيعي ـ سيكون قي ليلة النصف من شعبان وهو يوم ميلاده أيضاً،فهو مازال موجوداً لم يمت ولن يبعث بل هو حياً في العالم ولكن لا يراه أحد،والغريب أن الحجة التي يسوقها التشيع لهذا الغياب الأسطوري أن سمة الحياة الطويلة الغير مرئية تلك قد مُنحت لمن هم أقل مكانة من محمد المهدي مثل إبليس أو العبد الصالح الذي ظهر لموسى عليه السلام وأصطلح على تسميته في التراث الديني الشعبي بالخضر،فلماذا نستبعد تلك السمة عن المهدي الذي سيأتي ليخلص العالم من الظلم ويؤسس عالم العدل الإلهي على الأرض!!

ورد في كتابات (محمد باقر المجلسي) ومنها (بحار الأنوار)و(زاد المعاد) و(عين الحياة) وهو أحد علماء الشيعة الكبارفي عهد الدولة الصفوية في إيران في القرن التاسع الهجري وهي بداية التشيع السياسي كدولة في العالم الإسلامي،وكانت مؤلفاته للتأسيس المذهبي ونشر التشيع في أرجاء العالم الإسلامي وقتئذ وجمع آلاف الأحاديث المنسوبة للأئمة ومنها الكثير مما أوصله إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بشكل مختلط وغير منظم،ورد أن من علامات ظهور المهدي هزيمة بني أمية على يد العباسيين ثم وقوع الخلاف بين العباسيين في عهد الأمين والمأمون والقضاء على الخلافة العباسية على يد المغول،أي الإستغلال لكل الأحداث التي وقعت بالفعل خاصة السياسي منها لتفعيل فكرة المهدي،وأن كل هذا تم لصالح المهدي ذاته تأسيساً إلهياً لقدومه،وأنه حين رجعته ستتحول السماء إلى لون الدم وستشتعل السماء ناراً،وسيظهر يأجوج ومأجوج ويكثر الخراب في العالم ويكثر الأموات،وسيبشر بمجيئه جبريل على رأس المسجد الحرام.وليس لظهوره وقت معلوم فهذا من أمور الغيب التي لا يعلمها سوى الله سبحانه،بل أن تاويل الآية (ويسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي)(الأعراف:187) المقصود بها ساعة ظهور المهدي المنتظرـ وقد تناولت آلية التأويل الشيعي للقرآن في مقالة سابقة نشرت في جريدة القاهرة الغراء 12/5/2009 تحت عنوان الشيعة بين الهوية السياسية وتاريخية الدين ـ أي أن العقل المذهبي الشيعي قد عمد إلى تأسيس بناء أسطوري يؤكد على طبيعة الإصطفاء الإلهي للمهدي وأن عودته شأن مقدس لا يسمح لغير الله التدخل فيه.

الرجعة وأساطير العصر الذهبي

تُشكل مرحلة النبوة الأولى وتأسيس مجتمع المدينة تحديداً مرحلة العصر الذهبي في التاريخ الإسلامي بشتى مذاهبه،فتلك المرحلة هي التي حولت الدين الإسلامي من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة المتكاملة الأركان،وأصبحت تلك المرحلة هي الهدف الأسمى لكل أفكار الإسلام السياسي إلى الآن ،بوصفها هي مرحلة النقاء الأسطوري الأول وهي المرحلة القابلة للإستغلال من قبل كل التيارات المذهبية والسياسية،وبالطبع كان للمذهب الشيعي دوره في محاولات تحويلها إلى الفترة الأم الذي يهدف إليها المهدي حال ظهوره.

تلك الفكرة تنسحب كذلك على كل المراحل الخلافية في التاريخ الإسلامي،فكما ورد في نصوص التشيع لدى المجلسي أن العودة أو الرجعة لن تخص محمد المهدي فقط،بل تخص كل الأئمة على رأسهم عودة الحسين بن علي وأنصاره في كربلاء ومجموعة من الملائكة اللذين منعهم الحسين من المشاركة في كربلاء،ويقوم كذلك أعداء الحسين وقاتِلوه وتقوم معركة كربلاء ثانية لينتصر الحسين،ويأخذ بثأر كربلاء.وكذلك سوف يقوم علي بن أبي طالب ليأخذ بثأره ممن قتلوه،وينسحب الأمر على كل الأئمة فرجعة المهدي مصحوبه بعودة الأئمة جميعاً،لأن إنتقامهم لابد أن يكون في الدنيا لافي الأخره.كما أن الآية التي تقول: ( واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج)(ق :41، 42)،توؤل تبعاً لرؤية المجلسي ،أنها الرجعة للأئمة،وليست القيامة,وهذا يُدخلنا في أزمة منهجية ثانية وهي العلاقة تعامل العقل الديني مع القرآن الكريم وفكرة أسباب النزول،ومحاولة ربط النص القرآني بأحداث ذات دلالة تاريخية مغلقة كما المذهب السني،أو ربطه بما يحقق التأويلات الشيعية الخاصة بالتوجهات السياسية التاريخية،وكلا الحالتين تخرج القرآن من عالميته وصلاحيته المطلقة للفهم لتحصره دلالياً بالمكان والزمان.

المهم أنه بعد تحقيق كل الإنتقامات التاريخية المؤجلة في المذهب الشيعي ليتحول المهدي لمحاربة كل الذين لا يؤمنون بالتشيع في العالم بكل مذاهبهم وأديانهم،لنعود ثانية لعهد النقاء النبوي الأول،في مرحلة الدولة الأولى،وتتحقق دولة المهدي في المدينة كما جده.

ويرد أن أول ظهوره سيكون بمكه وأن جبريل وميكائيل سيأتوه ليبايعوه،وأنه سيدعوا أنصاره بصيحة واحدة من كل الدنيا فسيأتوه وتضئ السماء في الليل،ويخرج الناس في الصباح ليجدوه مع أتباعه وأنصاره،ويخرج إلى بغداد والكوفة ويهدم كل البيوت والمساجد التي بُنيت بعد عهد جده علي بن أبي طالب خاصة التي بُنيت في عهد معاوية ويزيد،أي تحقيق كل الإنتقامات السياسية للعودة للبدايات الأولى.

فالمهدي في سماته الرئيسة هو إعادة صياغة لفترة النبوة وإحياء لمشروع اليوتوبيا الإسلامية فكما ورد أنه سيكون شديد الشبه بجده النبي،وما سوف يحققه هو إخراج العالم من الظلمات إلى النور،ومن الفساد إلى الصلاح،أي أن فكرة المهدوية هي إمتداد طبيعي للنبوة كما أراد أن يؤولها المذهب الشيعي.

وبشكل عام فقد تعامل المذهب الشيعي مع مفهوم العدالة العامة التي تؤسس للفكر الإسلامي كلية،بوصفها عدالة خاصة فقط بالأئمة وأتباعهم،أي تخصيص العدل وتحديدة في تلك الفئة فقط،بوصف أن الأئمة قد جسدوا كل مظلومية الشيعة وبالتالي فالعدل لهم فقط يُعد عدلاً جماعياً من وجهة النظر تلك.لتأسيس العالم المثالي على أنقاض العالم الفاسد.

مجتمعات تحتاج إلى إيمان:

رغم العديد من الإنقاضات التي وجهت لكتابات المجلسي وغيره من كتاب المرحلة الصفوية تحديداً واعتبار أن تلك المرحلة قد أساءت للتشيع بشكل عام،وأن التشيع الحق قد حاول التخلص من السمات الإعلائية أو الأسطورية التي صُبغ بها المذهب إلا أن الواقع الممارَس للمذهب الشيعي يؤكد أن ما كتبه المجلسي قد استمر راسخاً في الوجدان الشيعي عامة،مما يدل أن ما تم نقله في الكتب لم يكن من وحي خيال المجلسي أكثر منه تدوين للمعتقد الشيعي ذاته،رغم كل ما فيه من تناضقات أو تجاوزات عقلية ودينية أحياناً،إلا أن القضية في التشيع تتجاوز مجرد نقد كتاب،إلى دراسة عقلية إيمانية.

ففكرة البطل الديني فكرة نابعة من عمق الوعي الاجتماعي،تتجاوز حتى الإطار المذهبي بل أنها تستفيد منه أحياناً،أي أن الإيمان بفكرة ما من الممكن أن تتجاوز الإطار الديني ما دامت متسقة والطبيعة الاجتماعية التي نشأت من خلالها.فذلك البطل يُعاد إنتاجه في كل مرحلة تاريخية في التاريخ الشيعي،فلو أفترضنا أن الإنتصار كان من حليف أحد الأئمة في أي مرحلة من مراحل الصراع السياسي في التاريخ الإسلامي فهل سيكون هناك مكان لمفهوم الرجعة أو حتى الفكر المهدوي ،أو حتى رغبة الشيعة في كل مكان في تحقيق دولتهم لا أدري؟؟.

ولكن من المؤكد أن فكرة المهدوية كانت مفتتح للعديد من الصراعات على الساحة الدينية و السياسية،ولها تجلياتها الواضحة التي إن وعيناها جيداً سندرك العديد من بواطن الخلاف والصراع المذهبي والتاريخي. فما أورده التشيع في هذه القضية لا يختلف كثيراً من حيث البنية عما ورد في كل الأفكار الإنسانية على مدار تاريخها،فالبطل المخلص همّ حملناه لأنفسنا حتى نحتمل ما لا يُحتمل،عندما يتحول الإنتظار إلى قيمة،والصمت إلى إيمان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق