السبت، 3 ديسمبر، 2016

المؤسسة العسكرية والدولة الدينية في إيران (الحرس الثوري العصا التي يؤدب بها آيات الله المعارضة الإيرانية




الثلاثاء, 14 تموز/يوليو 2009

أحمد لاشين (متخصص في الشأن الإيراني)



هل ما يحدث في إيران الأن إنقلاب عسكري فعلاً كما صرح مير حسين موسوي وهاشمي رفسنجاني؟ إلى أي مدى كان للحرس الثوري تدخل في الأحداث الإنتخابيةالأخيرة؟ هل إيران في طريقها إلى تكوين مفهوم الدولة العسكرية بدلاً من الجمهورية الإسلامية؟ أسئلة كثيرة طرحتها تداعيات أزمة الإنتخابات الإيرانية ،بالطبع لن نتمكن من الإجابة عليها كلها هنا والأن ،ولكني سأحاول أن أطرح رؤية تتسق وجذور الأزمة،وتكون مفتتح لتساؤلات أخرى عديدة.

في مشهد يليق بالطابع الثوري نهايات عام 1978،كان الثوار الإيرانيين ـ بشتى طوائفهم وإنتمائتهم الثقافية والدينية ـ يضعون أكاليل الورود على الدبابات وأعناق جنود الجيش الإيراني الذي أمره الشاه بالقضاء على الشارع الثائر،ولكن وبإشارة من آية الله الخوميني في منفاه في النجف الذي استمر لـ 13 عاماً،أمر الشارع ألا يصطدم بالجيش بل يكسبه في صفه،فكان الثوار يمسكون لافتات أمام الجيش تقول :( في هذا الجبش أبني وأخي وأبي،كيف لي أن أقاتل أهلي)،ورغم أن قيادات الجيش كان موالية للشاه (محمد رضا)،إلا أن العديد من الضباط والجنود كانوا مرحبيين بالتغير الثوري،فأختار الجيش الحياد للنهاية،إلا أن قوات الأمن الأخرى وهي عديدة في إيران منذ عهد الشاه و للأن،قامت بمذبحة حقيقية راح ضحيتها ما يقارب الأربعة ألاف من الشعب الإيراني،مما استتبع خروج الشاه،وقدوم الخوميني،وبداية ملحمة دموية جديدة للشعب الإيراني،تحت إسم الثورة.

ـ الثورة والعسكر (جدلية السلطة والدولة):

لم تكن الثورة الإيرانية نتاج تحركات الخوميني أو رجال الدين منفردة،بل كانت نتاج دعم العديد من التيارات السياسية الليبرالية (مثل حزب نهضت آزادي إيران) (النهضة لحرية إيران) بقيادة (مهدي بازرگان) والذي كان أول رئيس للحكومة بعد الثورة واستقال بسبب خلافه مع رجال الدين بعد أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية التي دعمها رجال الدين، واليسارية مثل (حزب توده : التجمع كترجمة حرفية)، بل والشيوعية كمنظمة (مجاهدي خلق) بقيادة (مسعود رجوي)والتي كان لها شأن كبير في مرحلة بدايات الثورة ومقاومة نظام الشاه،ثم الإنقلاب على النظام الإسلامي بعد ذلك واغتيالهم (لمحمد علي رجائي)ثاني رئيس جمهورية في إنفجار مجلس الوزراء عام (1981) وقمع نظام الخوميني لهم وللأن،كل تلك التيارات بالإضافة إلى دور الحوزة ورجال الدين والتي تجسدت في حركة (فدائيان إسلام : فدائي الإسلام)،بقيادة أحد أبناء الحوزة (نواب صفوي) الذي أعدم على يد نظام الشاه،ودور العديد من آيات الله مثل (آية الله طالقاني)،و(آية الله حسينعلي منتظري) الذي كان نائب الخوميني،ثم تم عزلة ووضعه في الإقامة الجبرية لخلافه مع الخوميني على مفهوم ولاية الفقيه والعديد من التصرفات القمعية لنظام الثورة،والجدير بالذكر أن نظرية ولاية الفقيه المطلقة ـ أي السلطة الكاملة والمرجعية النهائية للولي الفقيه ـ لم يطلقها الخوميني بشكل نهائي إلا بعد ما يقرب من عامين من بداية الثورة،فهو في منفاه في تركيا (9 شهور)،النجف (13 عاماً)،باريس (4 أشهر)،كان يتحدث عن ولاية الفقيه المحدودة المعتمدة على رأي المجموع أو السلطة الإشرافية.وبعد عودة الخوميني لإيران في (1979)،وصراعه مع (شاهبور بختياري) أخر رئيس وزراء في عهد الشاه بعد رحيل الشاه على أمل العودة،وما اسستبع بعد ذلك الصراع بين رجال الدين والإتجاهات الثقافية (الليبرالية واليسارية) ـ والتي تحتاج إلى مزيد من التوضيح في سياق أخر في علاقة بين المثقف ورجل الدين في إيران ـ وبداية أول عملية إنتخابية لرئاسة الجمهورية والتي رُشح فيها أبو الحسن بني صدر ذا التوجهات الليبرالية(رئيساً من يناير 1979 إلى يوليو 1981)،ثم إقالته من قبل الخوميني للخلاف حول مفهوم الدولة الدينية أم الجمهورية الإسلامية،وتزامن ذلك مع بداية الحرب العراقية الإيرانية،ثم مقتل (محمد رجائي) وهروب (بني صدر) و(ومسعود رجوي) إلى باريس ثم إنضمام رجوي مع بقايا منظمته (مجاهدي خلق) إلى الجانب العراقي في الحرب ضد إيران.ظهرت العديد من الأزمات على السياق العسكرية الإيرانية،فالنظام أعلن توجهاته الإسلامية وقمع كل العناصر المعارضة،والجيش بالطبع ظل موضع شك وتخوين على مستوى القيادات على الأقل،فالثورة لم تكن معتمدة على الجيش بل عمدت إلى تحيدة في البداية ثم تصفيته بعد ذلك.

ـ تحييد الجيش وبداية الحرس الثوري:

تمت أولى محاولات التصفية على يد (صادق خلخالي) (توفي:2003) ،أحد رجال الدين البارزين في بداية الثورة وأول (مدعي عام) بتعين من الخوميني شخصياً،وقد قام (خلخالي) بتصفية قيادات الجيش التي كانت مستمرة منذ حكم الشاه،خوفاً من أي إنقلاب عسكري ممكن الحدوث،وذلك بإتهامهم بالخيانة للنظام الثوري أو التآمر مع الشاه المخلوع إلى غير ذلك،مما أدى إلى ضعف المؤسسة العسكرية المتمثلة في القوات المسلحة،خاصة مع تقدم الجيش العراقي في الأراضي الإيرانية.مع ظهور بعد الدعاوي داخل التيار الثوري بحل الجيش ذلك الأمر الذي رفضه الخوميني مع الظروف الحربية الجديدة.النتيجة أن السلطة أصبحت في يد رجال الدين بعد تصفية رجال الجيش وقمع كل معارضة ممكنه.

وفي أزمة حقيقية مر بها النظام في ذلك الوقت،أمر الخوميني بتأسيس قوات تكون من المتطوعين موالية للثورة ومؤمنة بها بشكل كامل،فكانت (سباه باسداران : قوات الحرس الثوري)،والذي أسس بما يقرب من مائة ألف متطوع في البداية وتسلمت تلك القوات أسلحة الجيش،ووضعت تحت قيادة الخوميني مباشرة،وإشراف من (آية الله علي خامنئي) الذي كان رئيساً للجمهورية أنذاك،وتمكن الحرس الثوري من الصمود أمام الجيش العراقي ،وكانت قيادات الحرس الثوري في بدايته،من (جماعة أنصار حزب الله) التي تأسست أثناء القيام بالثورة الإيرانية،لمناهضة نظام الشاه،بواسطة مجموعة من المنتمين للحوزة الدينية،وكانت تلك الجماعة تتلقى تدريباتها العسكرية تحت قيادة (فتح) المقاومة الفلسطينية،وقامت بالعديد من العمليات العسكرية في فلسطين،وبعد الثورة كانت لها مكانتها الخاصة في تأسيس الحرس الثوري والباسيج (أو قوات التعبئة العامة والتي تتبع الحرس الثوري كذلك)،وأول تلك القيادات (جواد منصوري) الذي صار بعد ذلك سفير إيران في الصين،و(وعباس أقزماني) المشهور (بأبو شريف) وكان سفير لإيران في باكستان،ولهذه الجماعة دورها الفعال بعد ذلك في العديد من المواقف الموالية للأيدلوجية الثورية،خاصة وأنها تتبع الحرس الثوري مباشرة الأن،فهي ضالعة في أحداث (1997)،ضد طلاب جامعة طهران،والمعروفة بأحداث (18 تير)،والتي أحتج فيها الطلاب على إغلاق العديد من الصحف الإصلاحية،وعلى عملية الإغتيالات المستمرة لرموز الإصلاح في عهد خاتمي،كانت نتيجة ذلك مصادمات دامية بين الحرس الثوري المتمثل (في أنصار حزب الله) وبين طلاب جامعة طهران،والتي يحاول الطلاب الأن إحياء ذكراها يوم الخميس (9 / 7 / 2009)،في الجامعة والشوراع المحيطة،في محاولة لإستغلال القضية للتعبير عن موقفهم من حكومة نجاد، على أمل التغيير قبل أداء نجاد القسم الرسمي في أغسطس المقبل،رافعين شعارات غاية في الحدة،مثل (الموت للديكتاتور،الموت لخامنئي)،(لماذا نخاف نحن ندافع عن حقنا).ومن ضمن القيادات كذلك في مرحلة الحرب (محسن رضائي مير قائد)،المرشح الخاسر أمام نجاد في الإنتخابات الأخيرة،وعضو مجلس (تشخيص مصلحة النظام)الذي يرأسه رفسنجاني،وقد كان أقل المعترضين حدة،وأول من سحب شكواه لمجلس صيانة الدستور ضد التلاعب في الإنتخابات.

ومن الملاحظ أن قوات الحرس الثوري في هذه المرحلة قد ورثت كل مميزات الجيش النظامي،فقد مثلت جيش موازي متطور،يحتوي على قوات برية وبحرية وجوية ومشاه،جيش هدفه في النهاية الحفاظ على إنجازات الثورة،وتحت مظلة القيادات الدينية،وولاءه الكامل للنظام الثوري وهو الحامل الأصيل لأيدلوجية الدولة،ولكن مع كل حال فالحرس الثوري قوة لا يستهان بها،خاصة مع تحييد الجيش وتحديد سلطاته،ودور الحرس في الحرب العراقية.

ـ نجاد نتيجة وليس سبب:

لم يغب الحرس الثوري بعد مرحلة الحرب العراقية،بل ظل ماثلاً للجميع يناصر توجهات الدولة ويقمع كل رأي معارض،ووجه نشاطه للداخل بإنشاء العديد من المؤسسات التعبوية،التي تتواجد في كل أشكال النظام الإيراني،بداية بالجامعات وصولاً للمدارس والمستشفيات،والإحتفالات الدينية،وداخل الحوزة الدينية ذاتها،فالحرس الثوري هو المؤسسة الرئيسية في إيران التي لا يمكن النيل منها،خاصة مع استغلال فكرة الشهادة في الحرب،فأبناء الشهداء نالوا دعم الدولة أكثر من المقاتلين الذين ظلوا أحياء بعد الحرب،كما دعم الحرس الثوري العديد من الحركات الإسلامية الحركية في العالم العربي مثل (حزب الله)،و(حماس)،(وحركة أمل ـ وإن كان أعلن تخليه عنها فيما بعد)،فميزانية الحرس الثوري مع كل أشكال الدعم المؤسسي ضخمة للغاية.

كل هذا كان يتم بشكل منظم للغاية،فليس للحرس أي دور في النشاط السياسي الداخلي في إيران إلا ما يوجهه له النظام،فيما يراه يشكل خطر على مبادئ الثورة بشكل عام،ولكن مع ظهور الإتجاهات المعارضة داخل النظام ذاته،وإنقسام الحوزة الدينية إلى مناصرين للمعارضة الإصلاحية والمؤيدين للإتجاهات الراديكالية،وكلاهما يعلن أنه المتمسك بمبادئ الخوميني،والتي من تجلياتها إعتراضات (علي بهشتي) ابن (آية الله حسين بهشتي) المقتول في تفجيرات مجاهدي خلق عام 1981،على رأي مجلس صيانة الدستور في الإنتخابات الإيرانية وتأييد المجلس لنجاد.ثم تسرب حالة فساد النخب السياسية،والبعد الملحوظ عن الأيدلوجية الثورية في محاولة لتحقيق أكبر قدر من المصالح الخاصة.كل هذه العناصر بالإضافة إلى كون رجال الدين والمؤسسة الدينية عامة مؤسسة غير منتجة في ذاتها،أي أنها تعمل دائماً على إستهلاك المكاسب لا تحقيقها، وكذلك عدم جدوى النمط الثوري مع الجيل الجديد الذي لم يشهد أي من الملاحم الثورية أو الحربية الأولى ، مما هدد بقاء النظام الإيراني على الشكل المتعارف عليه،فأدى هذا في النهاية إلى تحميل المؤسسة العسكرية مسؤولية بقاء النظام،وكان أحمدي نجاد مجرد تعبير عن هذه الفكرة وليس سبب لها،بوصفه من أبناء الحرس الثوري والداعم له منذ أن كان محافظاً لطهران .فالدولة الإيرانية سلكت الطريق العسكري لإنعدام الخيارات الأخرى فهي مسألة حياة أو زوال للنظام القديم كلية.

ـ أشكال سطوة المؤسسة العسكرية في عهد نجاد:

من الممكن إجمال بعض ملامح سيطرة المؤسسة العسكرية في العناصر الآتية:

ـ أولاً (إحكام القبضة على الحوزة): تحييد دور الحوزة الدينية بشكل كبير،فرغم كون الدولة دينية،إلا أن الحوزة بإنقسامتها أصبحت تشكل خطراً على الساحة السياسية،إذا تم نقل تلك الإنقسامات إلى الشارع الإيراني،وهذا ما يعيه النظام بدقة فدور الخوميني في الثورة يمكن تلخيصه أنه تمكن من نقل الحوزة إلى الشارع،ليس إلا.ومن ملامح التحييد تلك صمت الحوزة في الأزمة الإنتخابية الأخيرة،إلا بعض التصريحات من أية الله منتظري لمناصرة موسوي،ويقابلها تصريحات من (حجة الإسلام يزدي) لدعم نجاد.وكلها تصريحات لم تؤثر في الشارع بأي شكل،فلقد أجادت المؤسسة العسكرية حصار الحوزة وإغلاقها على ذاتها رغم محاولات رفسنجاني الإستعانة بها بلا طائل.

ـ ثانياً (التحكم في مصادر الدخل القومي): ،خاصة البترول،فلقد وضع الحرس الثوري يده على منابع البترول وألية تصديره،وتحصيل فوائده،ومن ذلك العديد من المناقصات والمشاريع التي تولاها الحرس الثوري بمليارات الدولارات فيما يخص أنابيب البترول،وبناء المطارات والسدود،فكل مشاريع الدولة تقريباً يقوم بها الحرس الثوري.أي أن الدولة بكامل إقتصادها تحت سيطرته التامه.

ـ ثالثاً (تحييد الجيش):عمل نجاد طوال فترة رئاسته السابقة على الفصل بين الجيش وقوات الحرس الثوري،فمثلاً،نقل الجيش للمناطق الشمالية من إيران،أي منطقة أذربيجان،بحجة الدفاع عن الحدود الشمالية،في محاولة لنفية خارج الساحة السياسية والإقتصادية،خاصة أنه وضع قوات الحرس في المنتصف،والجنوب،أي للسيطرة على الوضع الأمني وعلى منابع البترول في الخليج العربي،فأعطى بذلك مزيداً من القدرة الإستراتيجية لقوات الحرس.

ـ رابعاً (الوظائف الحكومية) :عمل نجاد على فصل كل طبقات التكنوقراط والموظفيين اللذين أسسوا الهيكل الإداري للدولة ووضع محلهم قواد متقاعدين من الحرس الثوري،كما فصل رؤساء الشركات الصناعية الحكومية الكبرى في إيران،ليضع مكانهم ضباط في الحرس،أو يضع الشركة ذاتها تحت سطوة الحرس الثوري.

ـ خامساً (الأمن الداخلي):إن ملف الأمن في إيران حافل بتجاوزات عديدة،ليس أهمها سطوة الحرس الثوري وقمعه للشارع الإيراني لإعتراضه على نتائج الإنتخابات الأخيرة،ولكنه سجل طويل من القمع بين رجال الدين ودورهم الأمني في بدايات الثورة،أمثال دور (هاشمي رفسنجاني) والمعارضة الإيرانية المتجسدة في مجاهدي خلق مثلاً،أو (إبراهيم خلخالي) ودوره في الجيش كما ذكرنا،أو دور (مصطفى بور محمدي) أحد رجال الدين البارزين في عهد الخوميني والذي كان نائب مدير المخابرات (1984 ـ 1988 )،والمسؤول عام 1988 عن تنفيذ أوامر الخوميني بتنفيذ حكم الإعدام في سجناء الإيرانيين المعارضيين وكانوا بالألاف واغلبهم من مجاهدي خلق وغيرهم،ويشغل الأن منصب (رئيس هيئة الرقابة العامة للدولة)،بعد أن كان وزيراً للداخلية في بداية حكومة نجاد،ثم تمت إقالته من قِبلّه .وهنا ملمح غاية في الأهمية،طوال الوقت الملف الأمني تحت سيطرة رجال الدين،ولكن في عهد نجاد الوضع اختلف،فرغم الميول التشددية التي تجمع نجاد مع (بور محمدي) إلا أنه أقاله وعين بدلاً منه (صادق محصولي) قائد المنطقة الخماسة في أذربيجان في الحرس الثوري،والذي كان على علاقة صداقة قوية بنجاد،وهذا عكس المتعارف عليه أن وزير الداخلية بالذات لابد أن يكون من رجال الدين.ولكن مع تكرار المصادمات بين (بور محمدي) واتهامه لنجاد بالفساد والفشل الإقتصادي،في محاولة منه للإشارة إلى تقليص دور رجال الدين أمام الحرس الثوري،قرر نجاد عزلة وتولية من يناصره ويدين له بالولاء فعلاً، في حكومته السابقة،حتى أنه أتهم بفساد الزمة المالية ـ صادق محصولي ـ وأن نجاد سوف يستغل ما جمعه الأخر من ملايين للصرف على حملته الإنتخابية التي نجح بها بالفعل.

ومن مظاهر سطوة الحرس الأمنية،أن كل آليات القمع داخل إيران في المظاهرات الأخيرة تمت بواسطة البسيج والحرس الثوري ولم تتدخل الشرطة فعلياً إلا قليلاً،فما زالت الشوراع تحت طائلة الحرس اللذين ينزلون مدججين بالسلاح والعصا في ملابس مدنية،حتى أن التصريح الأخير لنائب الحرس الثوري في طهران أفاد أنه لن يسمح بأي عبث بالأمن الداخلي وهذا ما حدث فعلاً في أيام الخميس والجمعة السابقين.

ـ سادساً (الإنتخابات والحرس الثوري):تمكن نجاد من تحويل الحرس الثوري من الحياد السياسي المنفترض والمنصوص عليه دستورياً إلى ساحة المشاركة السياسية القومية في عملية الإنتخابات،فقد زرعهم في كل الخلايا الإنتخابية،كما أنهم أصبحوا المسؤولين عن الحفاظ على النتيجة وقمع كل معارضة،كما أن نجاد قد تمكن من تحييد مجلس صيانة الدستور وذلك بزيادة الميزانية الداخلية إلى خمسة عشر ضعف ما كانت،وبالتالي سيطر على المجلس المنوط بالعملية الإنتخابية،بالإضافة لسطوة الحرس الثوري عامة.

وفي النهاية إيران على مشارف تغير في النُظّم الداخلية لكيان الدولة ذاته،مع الحفاظ على الكيان الديني ،فالخطر الحقيقي الذي سوف يتعرض له النظام في إيران هو زوال الجيل الأول للثورة،والذي بدأ بالتناقص بالفعل،وعدم قدرة هذا الجيل لتصدير المفاهيم الثورية الإسلامية لمن تلاه بنفس درجة الإيمان والمصداقية،مع التغير الديمغرافي المصاحب لذلك،فلم يعد أمام النظام سوى المؤسسة العسكرية التي ما زالت تؤمن بنفس الأيدلوجيات الثورية الأولى وما زالت في طاعة تامة للمرشد الاعلى بوصفه رمز الكيان السياسي والديني في إيران،فهذه كلها ملامح إنتقال إيران من الثورة للدولة ذات الطابع الثوري،مع التغييب الكامل لمفهوم الدولة المدنية الذي يشكل خطر حقيقي على النظام في إيران لو قبل به.

ahmedlashin@hotmail.co.uk

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق