الاثنين، 8 ديسمبر 2014

الرد على الكاتب عمرو إسماعيل في مقاله "كسب أبو هريرة وخسر عمر"


سلسلة في الدفاع عن السنة

عرض للطباعة
10-15-2008العميد
سلسلة في الدفاع عن السنة

"والإسلام يسير في طريقه قُدُمًا ، وهم يصيحون ما شاؤا
لا يكاد الإسلام يسمعهم ، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم
وإما يدمرهم تدميرًا ".
المحدث أحمد شاكر

بسم الله الرحمن الرحيممقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد

فإن الله سبحانه وتعالى اختص هذه الأمة بالإسناد ، فقيد له رجالًا عارفين بطرقه وأحواله ورجاله ، وضعوا له قواعد أرسخوها وضوابط حققوها ، يميزون الصحيح من الضعيف ، والغث من السمين ، ليبقى مصونًا من أيدي العابثين وانتحال المبطلين .
ولقد علم أعداء هذا الدين بأهمية هذا العلم ، فأثاروا حوله الشبهات ، وطعنوا تارة بالمتون وتارة بالرواة ، فكان لا بد من التصدي لهؤلاء ، وبيان الحق وكشف أهل الأهواء ، والله المستعان وعليه وحده التكلان.

ولقد ارتأيت أن أجمع ما كتبه العبد الفقير من ردود في حوارات متفرقة ، فأرتبها وأضيف إليها ما كان ضروريًا ، لأضعها بين يدي إخواني ، عسى الله أن ينفع بها نفسًا ، فيجعل لي بها أجرًا ، ينفعني يوم فقري إلى ما يثقل به ميزاني من الحسنات ، وأسأله أن يكتبني في جملة المدافعين عن دينه والناصرين لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، إنه خير مأمول وأكرم مسئول.

وللقارئ أقول كما قال الشاعر :
وإن تجد عيبًا فسد الخللا **** فجل من لا عيب فيه وعلا

الكاتب : العميد
10-15-2008العميد

الرد على الكاتب عمرو إسماعيل في مقاله "كسب أبو هريرة وخسر عمر"
في الحقيقة لم يتبين لي من هو كاتب هذا المقال على التحقيق ، فلقد تناقله الرافضة في مواقعهم ، واقتبس منه النصارى واللادينيون على حد سواء ، بالرغم ما في هذا المقال من افتراء وجهل .
وعلى كل حال ، سأتعامل مع المقال على أنه من كتابة "عمرو إسماعيل" لأنه يحمل اسمه في كثير من المواقع على الإنترنت ، وإن كنت أميل إلى وجود أنفاس الرافضة فيه .
وسوف نرى من خلال الرد أن الكاتب على جهل عظيم بالسنة وعلومها ، وأن الشبهات التي أثارها ليست من اختراعه ، بل تلقفها من رجل مغرض كذوب عدو للسنة ، وهو محمود أبو رية ، ولقد رد عليه العديد من أهل العلم ، أبرزهم الشيخ المحدث العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله في "الأنوار الكاشفة" ، والشيخ محمد أبو شهبة في "كتابه دفاع عن السنة" ، والشيخ مصطفى السباعي في "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" وغيرهم. وترجع هذه الشبه في أصلها إلى النظام شيخ المعتزلة الذي رد عليه ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" ..

فكما ترى أن هذه الشبه التي يطرحها بعض المعاصرين تعود إلى الأقدمين ، يقول الشيخ المحدث أحمد شاكر رحمه الله (1):
((ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون ، يكاد يرجع في أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون !، بفرق واحد فقط : أن أولئك الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين ، كانوا علماء مطلعين، أكثرهم ممن أضله الله على علم!! وأما هؤلاء المعاصرون ، فليس إلا الجهل والجرأة وامتضاغ ألفاظ لا يحسنونها يقلدون في الكفر ، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم !!)) انتهى.

قلت : صدق والله ، وأصاب الحق.

والآن نشرع بعون الله وتأييده في الرد على الكاتب ، ونتتبع افتراءاته فننقضها واحدة واحدة ، ثم نبين الحق والصواب ، والله الهادي إلى سبيل الرشاد .

قال الكاتب عمرو إسماعيل :
(( إذا أخذنا في الاعتبار أن السنة النبوية كما هي مروية في كتب الصحاح الستة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم للمسلمين))
الرد:
أولًا : لا بد لكل من يلج في فن لا يحسنه أن يتعثر ويقع بحفر جهله ، فإنَّ حصْرَ السنة النبوية في الكتب الستة جهل بيّن ، فالسنة النبوية ليست محصورة فيما ذكر ، بل تشمل كل حديث روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطبقت عليه شروط الصحة ، سواء وجد في الكتب الستة أو في غيرها .

ثانيًا : قوله " الصحاح الستة " ، ويقصد بها " صحيحي البخاري ، ومسلم ، وسنن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه" والأفضل أن نقول "الكتب الستة" ، لأن أصحاب السنن الأربعة لم يلتزموا فيها الصحة ، قال العلامة الألباني (2):
((من الخطأ أيضا إطلاق بعض المتأخرين على الكتب الستة : " الصحاح الستة " ، أي الصحيحين والسنن الأربعة ، لان أصحاب السنن لم يلتزموا الصحة ، ومنهم الترمذي ، وهو ما بينه علماء المصطلح كابن الصلاح ، وابن كثير ، والعراقي وغيرهم )) اهـ.

قلت : ولقد درج الرافضة في عصرنا هذا على ترداد هذا المصطلح ، ليوهموا أن كل ما فيها صحيح ، وذلك بمثابة تخدير للقارئ إذا ما استشهدوا بأحاديث ضعيفة منها ، فلا يشك ولا يرتاب ، فيتجرع الطعم وهو لا يدري .

نعم ، لقد استعمل هذا المصطلح قلة قليلة من أهل السنة ، كرزين بن معاوية في "التجريد للصحاح الستة" وصديق حسن خان في "الحطة في ذكر الصحاح الستة" ، ولكن عن طريق التغليب ،أي أن الغالب عليها الصحة ، والأفضل أن نقول "الكتب الستة".

قال الشيخ علي الحلبي الأثري (3) : (( أما تسميته - أي صديق علي خان- للكتب الستة بـ "الصحاح الستة" فهذا مما ينتقد عليه ، فإن فيه تساهلًا واضحًا لا يخفى ، وقد أشار إلى ذلك الحافظ العراقي في "ألفيته الحديثية" بقوله نظمًا :
ومن عليها أطلق الصحيحا ----- فقد أتى تساهلًا صريحًا
ولكن المصنف رحمه الله نقل في موضع آخر من كتابه عن المحدث عبد الحق الدَّهلوي رحمه الله في "لمعات التنقيح" (1/ 8 - 9) توجيهًا لإطلاق لفظ "الصحاح" على الكتب الستة ، حيث قال : "وتسميتها بالصحاح الستة بطريق التغليب ..."
قلت (الشيخ الحلبي) : وهذا حق لا ريب فيه ، وإن كانت الجادة تسميتها بـ " الكتب الستة"، كما شرح ذلك غير واحد من أهل العلم ، كالحافظ السيوطي في "تدريب الراوي" (1/ 165) و "شرح ألفيته" ( ص 17) و "الحافظ ابن كثير في "الباعث الحثيث" ( ص 33) والعلامة ابن الوزير في "الروض الباسم" (1 / 67) ، والإمام اللكنوي في "الأجوبة الفاضلة" ( ص 66 - 140) وغيرهم )) انتهى.

قال عمرو إسماعيل :
( العدد الأكبر من الأحاديث رواها الصحابي الجليل أبو هريرة يصبح من نافلة القول أن أبو هريرة بعد رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلم هو أكثر من أثر علي فهمنا الحالي للإسلام ).
الرد:
ليس لأبي هريرة رضي الله عنه تأثير في فهمنا الحالي للإسلام ، فهو - كغيره من الصحابة - مجرد ناقل لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهدف الكاتب أن يطعن بأن أبا هريرة - وحاشاه - يفتعل الأحاديث ، ولا يغرنك وصفه لأبي هريرة بـ (الصحابي الجليل) ، فهو أسلوب خبيث ، إذ أن مقاله ظاهر الطعن بأبي هريرة رضي الله عنه.

قال عمرو إسماعيل :
(ولعله من هذا المنطلق أكثر تأثيرا من صحابة رسول الله من الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .. فالأحاديث المروية عنهم أقل كثيرا وتعد علي أصابع اليد الواحدة).
الرد:
القول بأن الخلفاء الراشدين مروياتهم تعد على الأصابع افتراء واضح ، بل مروياتهم بلغت المئات ، وما على المرء إلا أن ينظر في كتب السنة ليعلم كذب الكاتب وبطلان قوله.
وهذا عدد مروياتهم حسب ما ذكره الحافظ أبو محمد بن حزم (4):
عمر بن الخطاب: خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثاً .
علي بن أبي طالب: خمسمائة حديث وستة وثلاثون حديثاً.
عثمان بن عفان: مائة حديث وستة وأربعون حديثاً.
أبو بكر الصديق: مائة حديث واثنان وأربعون حديثاً.

وبهذا يتبين كذب الكاتب وقلة حيائه .

قال عمرو إسماعيل :
(على حين أنه لم يصاحب النبي (صلى الله عليه وآله) إلا عاما وتسعة أشهر - أو ثلاثة أعوام حسب بعض الروايات -).

الرد:
الصحيح بأنه تجاوز الثلاثة أعوام ، والكاتب نقل بنفسه بعد أسطر أنه (( أسلم عام خيبر سنة 7هـ وشهد فتح خيبر مع الرسول صلى الله عليه وسلم )) ، فلو حسبها سيجد أنها أكثر من ثلاث سنوات .

وفي مسند أحمد عن قيس بن أبي حازم قال أتينا أبا هريرة نسلم عليه قال قلنا حدثنا فقال : صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين .. الحديث .
قال الشيخ المحدث شعيب الأرنؤوط (5) : "إسناده صحيح على شرط الشيخين" .

قال عمرو إسماعيل :
(وقد احتوت صحاح أهل السنة على 5374 حديثا لأبو هريرة روى منها البخاري 446 حديثا).
الرد :
أولًا : ليس هذا العدد ما احتوته الكتب الستة ، بل هذا ما ذكره أبو محمد بن حزم في "جوامع السيرة " (6) أن مسند بقي بن مخلد يحتوي على ( 5374 ) حديثاً لأبي هريرة .

ويبدو أن قصد الكاتب الطعن في كثرة رواية أبي هريرة ، كما دندن غيره أن عامًا وتسعة أشهر لا تكفي لسماع خمسة آلاف حديث .

والجواب على ذلك يكون في التنبيه على أمرين:
الأمر الأول : أننا أثبتنا أن صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم بلغت أكثر من ثلاث سنوات .

الأمر الثاني : أن هذه الخمسة آلاف فيها :
الضعيف : الذي لم يثبت عنه .
والمكرر: الحديث الواحد ولكن تعدد النقلة ، فروي بأكثر من إسناد .
والصحيح المرفوع : الذي ثبت من حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
والصحيح الموقوف : من رواية أبي هريرة عن نفسه أو عن الصحابة ، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم .

فلو حذفنا المكرر والضعيف والموقوف لبقي من حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أقل من هذا العدد بكثير ، يقول الباحث عماد الشربيني (7)
(( ذكر الدكتور الأعظمي في كتابه "أبو هريرة في ضوء مروياته" - (ص 76) - أن أحاديثه في المسند والكتب والسنة هي 1336 حديثاً فقط، وذلك بعد حذف الأسانيد المكررة . وهذا القدر يستطيع طالب عادى أن يحفظه في أقل من عام، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة !؟)) انتهى.

قلت : فلو قسمنا 1336 على ثلاث سنوات ونيِّف من عمر الصحبة ، فيكون الحاصل حديثًا واحدًا وكسرًا في اليوم الواحد ، أي ما يقارب أربعة أحاديث كل ثلاثة أيام ، أو قل - إن شئت - إن الناتج حديثان في اليوم الواحد على أعلى تقدير ، فأي غرابة في هذا لو أنصف المنصفون ؟؟

وللعلم ، فإن من النادر جداً جداً في كل ما روى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أن نجد حديثاً انفرد به دون أن يرويه غيره من الصحابة ..

يقول الدكتور عبد الغفور البلوسي (8) :
(( فالعدد الذي رواه بقي بن مخلد لأبي هريرة رضي الله عنه ، إنما هو باعتبار الطرق والرواة عنه ، وسواء أكانت هذه الطرق صحيحة أم غير صحيحة ، فلا محالة تجد في هذا العدد المكرر باللفظ أو بالمعنى ، كما تشاهد ذلك من فهارس مسند أبي هريرة من مسند إسحاق وكما سبق ذكره في مسند احمد ، وهو خير دليل لذلك ، فهم يعدون المكرر والضعيف والواهي والموضوع وكل ما أسند إليه بأي وصف كان ، ومن هنا فالعدد الصافي من حديثه بعد حذف المكرر وغير الثابت منه لا يكون إلا اقل بقليل مما ذكر من العدد ، ولم يتفرد أبو هريرة رضي الله عنه في هذا العدد المذكور ، بل شاركه غيره من الصحابة إلا في القليل النادر جدًا ، فإذًا لا يغرنك إيهام الأعداد وتلبيس الحاقدين على الصحابة ولاسيما على أبي هريرة رضي الله عنه)).

فإن قيل :
كيف تكون رواية أبي هريرة أكثر من رواية أبي بكر؟
مع أن عمر أبي هريرة في الصحبة دون الأربع سنوات في حين أن أبا بكر أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الرجال ، وصحبته تزيد على العشرين سنة ؟

أقول وبالله تعالى التوفيق :
هذا السؤال يطرحه الكثير من المشككين ، وجوابه سهل لمن أمعن النظر :
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه توفي سنة 13 هـ ، أي بعد وفاة النبي عليه السلام بثلاث سنوات أو أقل.
أما أبو هريرة رضي الله عنه فتوفي سنة 58 هـ ، وعاش ما يقارب الخمسين عامًا بعد وفاة النبي عليه السلام ، وحوالي 45 عامًا بعد وفاة الصديق أبي بكر ، فكثر لقاء التابعين لأبي هريرة والتردد عليه لأخذ علم النبوة عنه ..
هذا إذا أخذنا في الاعتبارما حصل من توسع الفتوحات في أيام أبي هريرة وكثرة دخول الناس في الإسلام ، وحاجتهم لمعرفة الشرائع من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها ، فبرزت الحاجة لمن بقي من الصحابة في تعليم الناس أمور دينهم .
وهذا بخلاف ما كان أيام الصديق رضي الله عنه ، فكان كل من حوله في المدينة من الصحابة ، وكلهم شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ عنه ، فهل ترى حاجة لأبي بكر في أن يعلم الصحابة كيفية وضوء رسول الله عليه السلام وصلاته وأن يحدثهم عن صيامه وحجه ؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نقلًا عن العلامة ابن حزم (9) :
((إن أبا بكر رضي الله عنه لم يعش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سنتين وستة أشهر ، ولم يفارق المدينة إلا حاجًا أو معتمرًا ، ولم يحتج الناس إلى ما عنده من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن كل من حواليه أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم))

ومن أسباب كثرة حديث أبي هريرة رضي الله عنه :
- حرصه على ملازمة النبي صلى الله عليه ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال :
"إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا ، ثم يتلو ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله الرحيم )
إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لا يحفظون ".

- حرصه على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم وشهادته له بذلك :
ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه قال :
قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟
فقال :لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ، لما رأيت من حرصك على الحديث ، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه.

- بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة :
ففي الصحيحين و اللفظ للبخاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:
"قلت: يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال: "أبسط رداءك". فبسطته. قال: فغرف بيديه ثم قال: "ضمَّه"، فضممته، فما نسيت شيئًا بعده" .

وهذا الحديث وما قبله يدل على كثرة ملازمة أبي هريرة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويبيّن سبب سعة حفظه وسماعه ، ويشهد له الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو يقول لأبي هريرة رضي الله عنه (كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمنا بحديثه ) رواه أحمد في مسنده والحاكم وصححه ووافقه الذهبي . .

قال عمرو إسماعيل :
(وكان يفتي في الناس، ويحدث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولى الإمارة فقد ولي إمارة البحرين لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم نزعه عنها، ولما عاد سأله عمر: كيف وجدت الإمارة يا أبا هريرة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها).

الرد:
الرواية التي فيها " بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها" أخرجها ابن سعد في الطبقات عن إسحاق بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وإسحاق بن عبد الله هو ابن أبي طلحة (10) لم يسمع من عمر رضي الله عنه ، إذ أنه ولد بعد وفاة عمر (11) بزمن طويل ، فالإسناد ضعيف بسبب الانقطاع .

قال عمرو إسماعيل :
(والغريب والغير مفهوم أن ابو هريرة نفسه روي أحاديث تمنع تدوين الأحاديث مثل الحديث التالي :
روى أبو هريرة عن النبي أنه قال:" ما هذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم، إنما أنا بشر. فمن كان عنده شيء منها فليأت بها، يكمل أبو هريرة، فجمعنا ما كتبناه وأحرقناه في النار").

الرد:
هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (10 /43) من طريق عبد الرحمن بن زيد ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، قال :
كنا قعودًا نكتب ما نسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فخرج علينا ، فقال : " ما هذا تكتبون ؟ " فقلنا : ما نسمع منك ، فقال : " أكتاب مع كتاب الله ؟ " فقلنا : ما نسمع ، فقال : " أكتاب غير كتاب الله امحضوا كتاب الله ، وأخلصوه " قال : فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ، ثم أحرقناه بالنار ، قلنا : أي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتحدث عنك ؟ قال : " نعم تحدثوا عني ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار " قال : فقلنا : يا رسول الله أنتحدث عن بني إسرائيل ؟ قال : " نعم ، تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، فإنكم لا تحدثون عنهم بشيء إلا وقد كان فيهم أعجب منه " .
وكذلك الخطيب البغدادي في "تقييد العلم"(ص34) من طرق عن عبد الرحمن بن زيد به بنحوه .

قال عنه الحافظ الذهبي "حديث منكر" (12)

قلت : وآفة إسناده عبد الرحمن بن زيد فإنه ضعيف كما في التقريب (13).

كما رُوي هذا الحديث بغير هذا اللفظ عن ابن عباس وابن عمر ، أخرجه الطبراني في " الأوسط" من طريق عيسى بن ميمون ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن عباس ، وعن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، قالا :
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوبًا رأسه ، فرقي درجات المنبر ، فقال : " ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها ؟ أكتاب مع كتاب الله ؟ يوشك أن يغضب الله لكتابه فيسرى عليه ليلًا ، فلا يترك في ورقة ولا قلب منه حرفًا إلا ذهب به " فقال من حضر المجلس : فكيف يا رسول الله بالمؤمنين والمؤمنات ؟ قال : " من أراد الله به خيرًا أبقى في قلبه لا إله إلا الله " .

قلت : وهذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون كما في التقريب (14) .

وعلى فرض صحة الحديث ، فإن النهي كان عن الكتابة وليس عن التحديث ، ففي الحديث نفسه أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم " أنتحدث عنك ؟ قال : نعم تحدثوا عني ولا حرج" .
ولقد أخفى الكاتب النزيه هذا الجزء من تتمة الحديث وبتره من الاقتباس ، ليقول لنا "والغريب والغير مفهوم أن ابو هريرة نفسه روي أحاديث تمنع تدوين الأحاديث " .
فإن كان الكاتب لا يعرف الفرق بين التحديث والتدوين ، فالمشكلة في فهمه وليست في الرواية .. فلو أن أبا هريرة روى النهي عن كتابة الحديث ثم رأيناه كتب ، لقلنا إن الكاتب كان محقًا في استغرابه وتعجبه ، ولكن أبا هريرة حدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتب ، وهذا عين ما في الرواية وليس خلافها.

أما النهي عن كتابة الحديث فهو ثابت عنه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الآتي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

قال عمرو إسماعيل :
(وفي صحيح مسلم (ج 18، ص 229)، أن النبي قال:" لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" ).
الرد:
أولاً هذا الحديث من رواية أبي سعيد الخدري وليس عن أبي هريرة رضي الله عنهما .

ثانياً : قال العلامة القيّم ابن القيّم رحمه الله (15) :
"قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة والإذن فيها متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح " اكتبوا لأبي شاه " يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي، لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها " الصادقة " ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا، لمحاها عبد الله، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها، وأثبتها، دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح والحمد لله " انتهى .

وقال الحافظ الذهبي رحمه الله (16) :
"وكتب - أي عبد الله بن عمرو بن العاص- الكثير بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن ، وسوَّغ ذلك صلى الله عليه وسلم.
ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة رضي الله عنهم على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة.
والظاهر أن النهي كان أولًا لتتوفر هممهم على القرآن وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس أذن في كتابة العلم، والله أعلم"انتهى.

قال عمرو إسماعيل :
(وصعد الخليفة عمر بن الخطاب المنبر، وقال:"أيها الناس بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلي أحسنها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلا أتاني به فأرى رأيي فيه. فظن الناس الذين كتبوا عن رسول الله أنه يريد أن ينظر بها، فأتوه بكتبهم، فجمعها وأحرقها. ثم قال: أمنية عندي كأمنية أهل الكتاب. ثم كتب إلى عماله في الأمصار قائلاً: من كان عنده من السنة شيء فليتلفه (ابن حزم: الإحكام، ج2، ص 139)

الرد :
هذا الأثر أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (5/188) وبنحوه الخطيب البغدادي (واللفظ له) في "تقييد العلم" (ص 52) كلاهما عن القاسم بن محمد أن عمر بن الخطاب بلغه أنه قد ظهر في أيدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها , وقال : " أيها الناس إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبها إلى الله أعدلها وأقومها , فلا يبقين أحد عنده كتاب إلا أتاني به , فأرى فيه رأيي " قال : فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف , فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار , ثم قال : " أمنية كأمنية أهل الكتاب ؟ " (17)

قلت : إسناده ضعيف بسبب الانقطاع ، القاسم لم يسمع من عمر رضي الله عنه ، إذ أنه ولد بعد وفاة عمر بأزيد من عشر سنوات (18) ، وكذا قال العلامة المعلمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة .

قال عمرو إسماعيل :
(وهدده عمر بن الخطاب أبو هريرة بالعقوبة لو عاد للحديث عن النبي).
الرد :
الكاتب لم يذكر مصدره ، ولكن هذه الشبهة عندنا معلومة وتتردد كثيرًا من النصارى والملحدين وغيرهم ، وسوف نورد الرواية ثم نتكلم عن درجتها ونبين الكلام حولها .

الرواية :
عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض دوس.

تخريج الرواية:
قال الشيخ شعيب الأرنؤوط (19) : " أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (1475) من طريق محمد بن زرعة الرعيني، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد، سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو
لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة.
وهذا إسناد صحيح، محمد بن زرعة قال أبو زرعة في " تاريخه " 1 / 286: ثقة حافظ من أصحاب الوليد بن مسلم مات سنة ست عشرة ومائتين، ومروان بن محمد هو الطاطري: ثقة كما في " التقريب " وباقي السند من رجال الصحيح.
وذكره ابن كثير في " البداية " 8 / 106 من طريق أبي زرعة، وقد تصحف فيه إسماعيل بن عبيدا لله إلى عبد الله، وهو في " تاريخ ابن عساكر " 19 / 117 / 2 " انتهى.

رد المطاعن :
لقد عرفنا صحة الإسناد ، فإن قيل:
هل في هذا الحديث مستمسك للقرآنيين بأن عمر لا يعتبر الأحاديث حجة في الدين؟
الجواب :
ليس في ذلك أدنى مستمسك ، إذ أن المتواتر عن عمر رضي الله عنه العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، كيف وحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم واحتجاجه به مبثوث في كتب الحديث ، وروايته ربت على الخمسمائة حديث (20)، فمن ذلك :
- الحديث المشهور عنه في الكتب الستة وغيرها مرفوعًا : "إنما الأعمال بالنيات" ..
- وقوله وهو على المنبر : " ألم تسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل" متفق عليه ..
- ومن حديثه المتفق عليه مرفوعًا : "إذا أقبل الليل من ها هنا ، وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" ..
- وقوله وهو على المنبر في خطبة العيد " هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما ، يوم فطركم من صيامكم ، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم" متفق عليه ..
وغير ذلك كثير جدًا ، وخصوصًا حديثه عن النبي صلى الله وسلم وهو على المنبر بحضرة الصحابة رضي الله عنهم لأكبر دليل على احتجاجه بالحديث والعمل به .

فإن قيل :
إذا كان ذلك كذلك ، فلمَ نهى عمر أبا هريرة عن التحديث ؟
الجواب :
لعمر رضي الله عنه مذهب في الإقلال من الرواية ، قال الحافظ الذهبي(21) عقب الرواية - التي فيها نهي عمر - : " هكذا هو كان عمر رضي الله عنه يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث ، وهذا مذهب لعمر ولغيره انتهى.

قلت : والرواية التي ذكرها الذهبي أخرجها الحاكم في المستدرك عن قرظة ، أن عمر ، رضي الله عنه قال لهم : « أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و أمضوا و أنا شريككم» (22) .

فإن قيل :
هل كان هذا مذهبًا لعمر وحده بين الصحابة؟
الجواب :
لم يكن هذا مذهبًا لعمر وحده ، بل شاركه فيه غيره من الصحابة رضي الله عنهم ، فعند البخاري عن أنس بن مالك قال : "إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار .

وعند البخاري أيضًا عن عبد الله بن الزبير قال : قلت للزبير : إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان ، قال : أما إني لم أفارقه ، ولكن سمعته يقول : من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار .
فهذا أنس والزبير يتجنبان كثرة التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي مقدمة صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة .
وفي البخاري عن عليّ رضي الله عنه قال : حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله.
فابن مسعود وعليّ رضي الله عنهما من مذهبهما ترك التحديث ببعض دون بعض ، وهو مذهب أبي هريرة رضي الله عنه كما في البخاري عنه أنه قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (23).

فإن قيل :
هل لهم مستند من كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب :
قال الباحث عماد الشربيني (24) :
((وما كان كبار الصحابة في نهيهم عن الإكثار من الرواية بدعاً في ذلك وإنما هم متبعون لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولمنهجه في الحفاظ على رسالة الإسلام قرآناً وسنة .
وفى ذلك يقول أبو عبد الله الحاكم : "إنكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة"(25) ، والسنة هنا ما روى عن أبى قتادة رضي الله عنه؛ أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : "يا أيها الناس إياكم وكثرة الحديث عنى، فمن قال علىَّ فلا يقل إلا حقاً أو إلا صدقاً ومن قال علىَّ ما لم أقل متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(26) ..)) انتهى.

قلت : وكذلك مستندهم قول النبي صلى الله عليه وسلم (من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار) كما مرّ معنا مسبقًا .

فإن قيل :
ما السبب في ذهاب من ذكرنا من الصحابة إلى الإقلال من الحديث ؟
الجواب :
لقد أجاب الشيخ الجليل محمد أبو شهبة رحمه الله عن هذا السؤال جوابًا أجاد فيه ، واعتمد عليه الباحث عماد الشربيني في "كتابات أعداء الإسلام" ، وسأنقل هنا طرفًا منه بتصرف أختصر فيه أهم ما جاء فيه ، ويحسن الرجوع إلى الكتب المذكورة للاستزادة ..
يقول جزاه الله خيرًا عن الأسباب والوجوه التي من أجلها امتنع بعض الصحابة عن التحديث (27) :
أولاً : خوف الخطأ أو الزيادة والنقصان في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، والدخول في وعيد النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" ، وبذلك صرحت الآثار الواردة عمن امتنع عن التحديث أو لم يكثر منه .

ثانياً : من الوجوه والأسباب التي كان الصحابة من أجلها يمتنعون أو ينهون عن الإكثار من التحديث، إذا كان المخاطبون بالأحاديث قوم حديثي عهد بالإسلام ولم يكونوا قد أحصوا القرآن وأتقنوه فيخافون عليهم الاشتغال عنه بالأحاديث قبل إتقانه هو أولاً إذ هو الأصل لكل علم . ويشير إلى هذا السبب صراحة قول عمر رضي الله عنه : "إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن" أي جودوا الأصل الأول، وهو القرآن، وابدؤا به أولاً، ولا تبدؤا بالأحاديث؛ فتشغلوهم عن إتقان القرآن .
ويدل على ذلك صراحة رواية الحاكم : "فلا تبدءونهم بالأحاديث فيشغلونكم جردوا القرآن وأقلوا الرواية" (28) .

ثالثاً : من الأسباب التي كان الصحابة يمتنعون أو ينهون من أجلها عن الإكثار من التحديث، خوفهم الاشتغال بكثرة الحديث عن تدبره وتفهمه، لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه(29) .....
ولا يخفى أيضاً أن الإكثار، يجعل المكثر، يسرد الحديث سرداً سريعاً يلتبس على المستمع، وهذا ما أنكرته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- على أبى هريرة رضي الله عنه في الحديث الذي رواه الشيخان، عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أن عائشة -رضي الله عنها- قالت : "ألا يعجبك أبو هريرة! جاء فجلس إلى جنب حجرتي، يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك . وكنت أسبح . فقام قبل أن أقضى سبحتي . ولو أدركته لرددت عليه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم(30) .

رابعاً : إنهم كانوا ينهون أو يمتنعون عن التحديث والإكثار منه، إذا كانت الأحاديث من المتشابهات التي يعسر على العامة، وضعاف العقول فهمها، فيحملونها على خلاف المراد منها، ويستدلون بظاهرها، ويكون الحكم بخلاف ما فهموا، وقد تؤدى تلك المتشابهات إلى تكذيب الله ورسوله(31) .
... وفى ذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه : "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"(32) ويقول عليّ رضي الله عنه "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"(33) . انتهى

قال عمرو إسماعيل :
(إن اتهام أبي هريرة بالكذب جاء حتى من الأوساط السنية المعروفة بولعها برواية الحديث وتعظيمها له، كما يتبين من وصف أحد كبار الحنابلة :"لم يكن من فقهاء الصحابة، وقد أنكر عليه عمر بن الخطاب أشياء" (الجوزي: مرآة الزمان، ج1، ص23)..).

الرد :
هذا الكلام إما جهل أو تضليل من الكاتب عمرو إسماعيل ، وإليك التفصيل :
أولًا : مصدره "مرآة الزمان" ينسبه لأحد كبار الحنابلة ، وكأنه يريد أن يتبادر لذهن القارئ لأول وهلة أن صاحبه هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي صاحب "المنتظم في التاريخ" (34) ، إذ أنه حنبلي المذهب ، ولكن الحقيقة أن كتاب "مرآة الزمان" لأبي المظفر يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي - أي حفيده - ، وهو حنفي المذهب (35) ، ولعله تعمد التلبيس لعلمه ما قيل عنه من تشيعه ورفضه ، قال الذهبي عنه في "السير"(36):
((.. صنف " تاريخ مرآة الزمان " وأشياء ، ورأيت له مصنفًا يدل على تشيعه)) انتهى .

وقال عنه في "ميزان الاعتدال" (37):
((وألف كتاب مرآة الزمان ، فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات ، وما أظنه بثقة فيما ينقله ، بل يجنف ويجازف ، ثم إنه ترفض ، وله مؤلف في ذلك نسأل الله العافية)).
ثم قال :
((قال الشيخ محيي الدين السوسي : لما بلغ جدي موت سبط بن الجوزي قال لا رحمه الله تعالى كان رافضيًا )) انتهى.

ولقد نقل الحافظ ابن حجر كلام الذهبي في "لسان الميزان" (38) ولم يعترض عليه .

قلت : من كان فيه رفض لا يقبل منه القول في أبي هريرة رضي الله عنه، لأن من طبع القوم التنقيص منه والطعن به وفي غيره من الصحابة ، وسبط ابن الجوزي وإن ترجم له علماء آخرون وأثنوا عليه ، إلا أن الإمام الذهبي رحمه الله اطلع على تشيعه ورفضه ، ومن علم حجة على من لم يعلم ..
وعلى فرض خطأ الذهبي في الحكم عليه بالرفض ، فإن كلامه حول أبي هريرة ليس فيه اتهام بالكذب كما يفتري الكاتب ، وهو ما سنراه في " ثانيًا " .

ثانيًا : إن عبارة " لم يكن من فقهاء الصحابة" ليست تكذيباً له في مروياته ، فعلوم الإسلام تنقسم إلى حديث وتفسير وفقه وغيره ، وهناك من الصحابة من برع في التفسير كابن عباس وابن مسعود ، ومنهم من برع في الرواية والحفظ كأبي هريرة وأنس وجابر بن عبد الله، ومنهم من برع في الفقه كعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة، ومنهم من جمع أكثر من فن ، فكون أبي هريرة ليس مشهوراً في الفقه لا ينقص من شأنه في الحفظ والتحديث ، ولا يُعَدُّ هذا تكذيباً له ، فهو معروف بالرواية ، وكون ابن عمر غير مشهور بالتفسير لا يضر روايته وفقهه ، تماماً كما رأينا في الكثير من العلماء من يشتهر بفن دون آخر ، وليس هذا مما يطعن في العلوم التي اختصوا واشتهروا بها .

ثالثًا : إن عبارة " لم يكن من فقهاء الصحابة" مردودة على قائلها ، إذ أنه معدود منهم ، قال شيخ الإسلام نقلًا عن ابن حزم " وإنما يعرف علم الصحابي بأحد وجهين لا ثالث لهما ، أحدهما :كثرة روايته وفتاويه ، والثاني : كثرة استعمال النبي صلى الله عليه وسلم له" انتهى .(39)

أما من جهة روايته ، فهو أكثر الصحابة رواية ، وأما من جهة الفتوى فلقد روي عنه الكثير من الفتوى ، وكتب الفقه تزخر بذلك ، وعده ابن حزم رحمه الله من المتوسطين من الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا (40) ، وتبعه على ذلك ابن القيم رحمه الله في "أعلام الموقعين".
وابن حزم من أصحاب الاستقراء التام والاطلاع الواسع ، ويعتمد الكثير من أهل العلم على استقرائه ويرجعون إليه .

أما قوله أنكر عمر عليه أشياء ، فهذا يحتاج إلى دليل وأمثلة حتى نجيب على ضوئها ، ونقول : ليس كل إنكار تكذيبًا ، فلك أن تعجب من الكاتب كيف يصدر كلامه بأن أبا هريرة متهم بالكذب من الأوساط السنية ثم لا يأتي باقتباسه بحرف واحد يدل على زعمه ، مما يجعل الكاتب نفسه متورطًا بالكذب والافتراء على أبي هريرة رضي الله عنها .
وهذا ابن عمر رضي الله عنه يقول لأبي هريرة رضي الله عنه (كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمنا بحديثه ) رواه أحمد في مسنده والحاكم وصححه ووفقه الذهبي .

قال عمرو إسماعيل :
(وقد اتهمه عمر بن الخطاب ليس بالكذب فحسب بل وبسرقة مال المسلمين عندما ولاه البحرين).
الرد :
عمر رضي الله عنه كان معروفاً بالحزم وعدم التساهل في محاسبة ولاته وذلك حفاظاً منه على أموال ومصالح المسلمين ، فلما رأى ما عند أبي هريرة استنكر وسأله ، وهذا نص الرواية كما أخرجها ابن عساكر (41) عن محمد بن سيرين قال : "استعمل عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه، قال: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، قال: فمن أين هذا - قال: خيل نتجت لي وغلة رقيق، وأعطية تتابعت علي، فنظروا فوجدوه كما قال. ثم بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى ".

فلقد تبيّنت براءة أبي هريرة وتحقق صدقه رضي الله عنه وذلك بنص الرواية " فنظروا فوجدوه كما قال " ، ولذلك أراد عمر أن يوليه مرة أخرى لثقته به ، ولكن كاتب المقال أخفى هذه الحقيقة ولم يذكرها في محلها لغرض في نفسه ، والطريف أن الكاتب أورد ما يشبه هذه الرواية بعد بضعة أسطر ، حيث تظهر سطحية التفكير والنقد.

قال عمرو إسماعيل :
( وقد روى مسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة لما سمعه يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): - من قال لا إله إلا الله دخل الجنة- ).
الرد :
هذا القول من الكاتب هدفه تلبيس المسألة على القارئ ليظن أنّ عمر رضي الله عنه ضرب أبا هريرة تكذيباً لروايته ، وهذا عين الغش والتدليس ، فالرسول صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الرواية عند مسلم - أرسل أبا هريرة وأعطاه نعليه كعلامة أنه أرسله ليبشر بالجنة من يلقاه "يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه " فلقي عمرَ وأخبره بذلك ، فضرب عمر بيده بين ثديي أبي هريرة ، ثم ذهبا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر: يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي ، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة ؟ ، قال : نعم ، قال : فلا تفعل ، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فخلهم .

فالمسألة ليست لأن أبا هريرة يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، فالرواية تؤكد صدقه وأنه سمع من النبي عليه السلام ، ولكن كان هذا من عمر لأجل رأي رآه وأراد أن يعرضه على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال النووي في شرح الحديث : "وليس فعل عمر رضي الله عنه ومراجعته النبي صلى الله عليه وسلم اعتراضا عليه وردا لأمره إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة غير تطييب قلوب الأمة وبشراهم ، فرأى عمر رضي الله عنه أن كتم هذا أصلح لهم وأحرى أن لا يتكلوا ، وأنه أعود عليهم بالخير من معجل هذه البشرى . فلما عرضه على النبي صلى الله عليه وسلم صوبه فيه ".

فأبو هريرة صادق في روايته وليس في ذلك أدنى شك ولله الحمد والمنة .

قال عمرو إسماعيل :
( وروى ابن عبد البر عن أبي هريرة نفسه قال: لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة) .
الرد :
قلت: أخرجه الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (67 / 343) عن ابن وهب حدثني يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان أن أبا هريرة كان يقول : " إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي".

قال الشيخ شعيب الأرنؤووط (42): ((أورده ابن كثير في " البداية " عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب، ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع، لان ابن عجلان لم يسمع من أبي هريرة)) وكذا قال العلامة المعلمي في "الأنوار".

ثم قال الشيخ الأرنؤوط : (( وفي " المصنف " (20496) أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: قال أبو هريرة لما ولي عمر، قال: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فيما يعمل به، قال: ثم يقول أبو هريرة: أفإن كنت محدثكم بهذه الاحاديث وعمر حي ؟ أما والله إذا لالفيت المخفقة ستباشر ظهري)) .

قلت (العميد) : ومن طريقه أخرجه الحافظ ابن عساكر - مع اختلاف في اللفظ - في "تاريخ دمشق" (67 / 344) ، ولم يبيّن الشيخ شعيب رحمه الله درجة هذه الرواية ، فإنَّ إسنادها ضعيف للانقطاع ، فرواية الزهري عن أبي هريرة مرسلة(43) .

قلت : وأخرج ابن عساكر قبله بنحوه عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن أبي سلمة قال : سمعت أبا هريرة يقول : ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قبض عمر قال أبو سلمة : فسألته بم ؟ قال : كنا نخاف السياط وأومأ بيده إلى ظهره ".

قال المعلمي اليماني رحمه الله (44) : ((إنما رواه عن الزهري إنسان ضعيف ، يقال له صالح بن أبي الأخضر ، قال فيه الجوزجاني- وهو من أئمة الجرح والتعديل- "اتهم في حديثه")).

قلت (العميد) : وله علة أخرى ، ألا وهي ما ذكرته آنفًا من أن رواية الزهري عن أبي هريرة مرسلة.
وعلى فرض ثبوت الرواية ، فإن الجواب عنها يكون بمثل ما ذكرناه سابقًا في حملها على النهي عن الإكثار من التحديث ، ولقد فصلت المسألة في الجواب عن رواية (لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض دوس).

ثم يتابع المعلمي رحمه الله قائلًا (45): (( وبعد ، فإن الإسلام لم يمت بموت عمر، وإجماع الصحابة بعده على إقرار أبي هريرة على الإكثار ، مع ثناء جماعة منهم عليه ، وسماع كثير منهم منه ، وروايتهم عنه كما يأتي يدل على بطلان المحكي عن عمر من منعه، بل لو ثبت المنع ثبوتاً لا مدفع له ، لدل إجماعهم على أن المنع كان على وجه مخصوص ، أو لسبب عارض ، أو استحساناً محضاً ، لا يستند إلى حجة ملزمة. وعلى فرض اختلاف الرأي فإجماعهم بعد عمر أولى بالحق من رأي عمر)) انتهى.

قال عمرو إسماعيل :
((ويدل ما أثر عنه من فعل وقول انّه كان رجلاً محبّاً للمال وذاخراً له)) .

ثم جاء ليثبت فريته وتجنيه فقال :
((فلنأت ببعض النماذج الدالة على ذلك:
فعن ابن المسيب، قال: كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت، وإذا أمسك عنه تكلّم)) .

الرد :
الكاتب يريد أن يتهم أبا هريرة بأنه كان محبًا للمال ، ثم يأتي بهذه الرواية ليدلل على كلامه !
فلو أن الكاتب كان من أهل الإنصاف وليس من أهل الإجحاف لنظر إلى قوله "إذا أعطاه معاوية سكت " وسأل نفسه : ماذا أعطاه ؟ و"سكت" أبو هريرة عن ماذا ؟
وذات الشيء عن قوله " وإذا أمسك عنه تكلّم" ، فيسأل نفسه أمسك عن ماذا؟ و"تكلم" عن ماذا ؟

ليس في الرواية بيان ما أعطاه معاوية ، ولا ما سكت عنه أبو هريرة ، فتحميل الكلام بالظنون والأوهام على ما يشتهي الحاقدون مردود وباطل ، تمامًا كما فعل عدو السنة أبو رية - الذي ينقل الكاتب وغيره عنه - إذ قال (46) :
((ولعل سكوت أبى هريرة إذا ما أعطاه معاوية أن لا يبث أحاديث لا ترضي معاوية أو لا تنال من عدوه)) .

قلت : هل رأيتم قوله "لعل" !!!؟؟؟
انظر كيف يبيحون لأنفسهم انتهاك أعراض الناس بـ "لعل" ؟
يبنون أقوالهم على الأهواء والظنون ثم يجعلونها حقائق ، فيتعلق الجهلة والمغرضون بها ويعضون عليها بالنواجذ .

تالله إن هذا الخلق لا يأتي إلا من حاقد امتلأ قلبه بالبغضاء ، بغضاء تسمع لها شهيقًا وهي تفور.

ونسألهم :
لمَ لا يكون معنى الرواية عندهم " كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية ((حقه)) سكت، وإذا أمسك عنه ((حقه)) تكلّم ((مطالبًا به)) ؟

وهذا ما نرجحه بل ونقطع به ، لما عُرف عنه رضي الله عنه من التقى والورع ، خصوصًا أن الراوي عنه هنا صهره (زوج ابنته) سعيد بن المسيب سيد التابعين وإمام أهل المدينة وفقيه الفقهاء ، الذي أكثرُ حديثه المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه (47) ، فلو أن الرواية كانت كما تأولها المغرضون ، فهل كان سعيد بن المسيب رضي الله عنه بعدها يستحل الرواية عنه ؟

والأمر الآخر هو : أن معاوية رضي الله عنه ليس بحاجة إلى أن يدفع كلام أبي هريرة عنه بالمال وهو سيد الشام وحاكمها ، وأمره نافذ فيها .

ثم إن هذه الرواية تشهد لأبي هريرة بأنه كان لا يخاف الحكام ، ويقول ولا يأبه ولا يخشى أحدًا ، وهذا عكس ما يحاول الطاعنون إلصاقه به من أنه كان يتشيع لبني أمية.

الخلاصة أيها القارئ الكريم ، أننا معشر المسلمين من أهل السنة نحسن الظن بأبي هريرة رضي الله عنه ، ونقول إن أبا هريرة كان إذا أعطاه معاوية حقه سكت ، وإذا أمسك عنه تكلم مطالبًا بحقه ، وليست المطالبة بالحقوق عيبًا ولا مذمة .

وإنما قلنا نحسن الظن به لتعديل الله سبحانه وتعالى في كتابه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومدح النبي عليه السلام والصحابة والتابعين وأهل العلم من بعدهم له.

قال عمرو إسماعيل :
( روى إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة: انّ عمر قال لاَبي هريرة: كيف وجدت الاَمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، و نزعتني وقد أحببتها.وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين.
فقال: ما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً.
قال: من أين أصبتها ؟ قال: كنت أتّجر، قال: أنظر إلى رأس مالك و رزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال)

الرد :
هذه الرواية ضعيفة بسبب الانقطاع ، فعبد اللّه بن أبي طلحة لم يدرك عمر ، ولكن الرواية التي أوردناها آنفاً عن محمد بن سيرين (استعمل عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف ... الرواية ) رجالها ثقات ، فنقول وبالله تعالى التوفيق :
ليس في تملك المال بالحلال عن طريق التجارة ما يقدح البتة ، وليس عيباً أن يتاجر المرء ويكسب المال ، فما يقدح به الكاتب هنا هو مجرد الطعن ممن احتار كيف يجد الطعن ، فنعوذ بالله من التعصب والحقد كيف يصنع بأهله .

الهامش:
-------------
(1) تعليق الشيخ أحمد شاكر على مسند الإمام أحمد (6/ 523) الطبعة الأولى - دار الحديث - القاهرة
(2) في مقدمة "ضعيف سنن الترمذي" ص 21 .
(3) في مقدمة تحقيقه لكتاب "الحطة في ذكر الصحاح الستة" ص 11 .
(4) "جوامع السيرة" (1 / 276 - 278) لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم (توفي 456 هـ)
وذكر ابن حزم هذا العدد (حاشا ما روى عثمان) في كتابه " الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/213). ، ولكن جاء فيه أن المروي عن علي رضي الله عنه خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا.
قلت : عدد ما روي عن عليّ في كتاب "الفصل" هو الصواب ، والمذكور في "جوامع السيرة" تصحيف ، إذ أن ابن حزم ذكر صراحة في كتابه "الفصل" : (زاد حديث عليّ على حديث عمر تسعة وأربعين حديثًا) ، وهو الفارق بين عدد حديث عمر وعليّ رضي الله عنهما ، ويؤيد ذلك أن محقق "جوامع السيرة" إحسان عباس قال في الهامش : (وقد وقع " عمر " بعد " علي " في الأصل) ، وهذا يقوي أن عدد مرويات عليّ أكثر من عدد مرويات عمر ، إذ أن ابن حزم - رحمه الله - التزم الترتيب حسب الكثرة .
وكذلك نقل ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (1 / 63) عن الحافظ الذهبي أن مرويات عليّ رضي الله عنه خمسمائة وستة وثمانون ، وهو الموافق لما رجحتُه ، وبالله تعالى التوفيق.
(5) في تعليقه على المسند (13/ 367) الطبعة الأولى 1417 هـ . مؤسسة الرسالة
(6) "جوامع السيرة" (1 / 275) لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم المعروف بابن حزم الظاهري ، تحقيق إحسان عباس ، ونقله عنه ابن حجر في "الإصابة في معرفة الصحابة" (4/ 203)
(7) "كتابات أعداء الإسلام"( ص 643) للدكتور عماد الشربيني في ملفات وورد على الشبكة.
(8) مقدمة مسند إسحاق بن راهويه (1/ 48) بتحقيقه.
(9) منهاج السنة النبوية (7 / 519) لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وانظر "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/213) للعلامة ابن حزم الظاهري.
(10) قال الذهبي في "السير" (6 / 34) : "توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك، عن نحو من ثمانين سنة" انتهى ، وفي تهذيب الكمال (2/ 445) : توفى سنة اثنتين و ثلاثين و مئة .
(11) توفي عمر رضي الله عنه سنة 23 هـ . انظر تهذيب الكمال (21 / 317)
(12) ميزان الاعتدال (2 / 565) للذهبي .
(3) تقريب التهذيب (1 / 570) لابن حجر العسقلاني.
(14) تقريب التهذيب (1 / 776) .
(15) تهذيب السنن ( 5 / 245).
(16) سير أعلام النبلاء (3/ 80 ، 81) .
(17) وهذا لفظ ابن سعد قال: أخبرنا زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي قال: أخبرنا عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم يملي علي أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب. قال فمنعني القاسم يومئذ أن أكتب حديثًا.
(18) قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (5 / 54) " ولد - أي القاسم - في خلافة الإمام عليّ " اهـ. ، وخلافة علي رضي الله عنه كانت بين سنة 35 و 40 هـ. ، وعمر رضي الله عنه توفي في سنة 23 هـ ، انظر تهذيب الكمال (21 / 317).
(19) انظر تعليق الشيخ الأرنؤوط في الهامش على "سير أعلام النبلاء" (2 / 601)
(20) جوامع السيرة لابن حزم (1 / 276) و"الفصل" (4/213) له.
(21) سير أعلام النبلاء (2 / 601)
(22) المستدرك للحاكم (1/183) ، وقال الحاكم عقبها "هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع" ووافقه الذهبي فقال "صحيح وله طرق".
(23) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (1/ 216 ، 217) : " وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة. "
ثم قال : " قال - أي ابن المنير - :وإنما أراد أبو هريرة بقوله: "قطع " أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتوبة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم من كتم العلم.
وقال غيره : يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة وتغير الأحوال والملاحم في آخر الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه، ويعترض عليه من لا شعور له به".
قال ابن كثير في البداية والنهاية (8 / 114):
"وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني".
(24) "كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها" (325 ، 326) للأستاذ عماد الشربيني المدرس بجامعة الأزهر أصول الدين القاهرة ، والكتاب موجود على ملفات وورد على الانترنت.
(25) المستدرك1/193 تعقيباً على حديث حبس عمر لبعض الصحابة،والحديث سبق تخريجه ص319-320 (من هامش المصدر السابق)
(26) أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب العلم، باب التوقي عن كثرة الحديث 1/111 وقال : هذا حديث على شرط مسلم ووافقه الذهبي فقال : على شرط مسلم ( من هامش المصدر السابق ).
(27) دفاع عن السنة" (481 - 488) وانظر "كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها" (323 - 330) .
(28) المستدرك للحاكم (1/183) ، وقال الحاكم عقب الرواية "هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع" ووافقه الذهبي فقال "صحيح وله طرق".
(29) قاله ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/123، ونقله عن جماعة فقهاء المسلمين 2/124، وقاله الخطيب في شرف أصحاب الحديث ص 161. ( [ 29 - 33] من هامش كتاب المؤلف).
(30) أخرجه البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 6/655 رقم 3568، ومسلم (بشرح النووي) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبى هريرة الدوسي رضي الله عنه 8/291 رقم 2493.
(31) شرف أصحاب الحديث 161، 162، والبداية والنهاية 8/106، وانظر : الموافقات للشاطبي فصل (ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره) 4/548.
(32) أخرجه مسلم (بشرح النووي) المقدمة، باب النهى عن الحديث بكل ما سمع 1/108 رقم 5.
(33) أخرجه البخاري (بشرح النووي) كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا 1/272 رقم 127، بدون (ودعوا ما ينكرون).
(34) وله كتاب "الموضوعات" و "زاد المسير في علم التفسير" و"صيد الخاطر " من الكتب النافعة الماتعة التي تعنى بأعمال القلوب وتهذيب النفس بالعبادات والطاعات وصونها من المعاصي المحرمات.

(35) كان في بادئ أمره حنبليًا ثم انتقل إلى المذهب الحنفي ، ذكره ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" (5 / 267) واليونيني في "ذيل مرآة الزمان" (1 / 39)
(36) سير أعلام النبلاء (23 / 297).
(37) ميزان الاعتدال (4 / 471).
(38) "لسان الميزان" (6 / 328) لابن حجر.
(39) منهاج السنة النبوية (7 / 517) ، وانظر "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/212) للعلامة ابن حزم الظاهري.
(40) الإحكام لابن حزم (5 / 663) ، وجوامع السيرة له (1 / 320) ، وكذلك ابن القيم في "أعلام الموقعين" (1/ 12)
(41) تاريخ دمشق (67 / 370)
(42) هامش "سير أعلام النبلاء" (2 / 601)، وانظر الأنوار الكاشفة ص 155.
(43) "تهذيب الكمال" (26 / 426)
(44) الأنوار الكاشفة ص 155.
(45) المصدر السابق.
(46) انظر "شيخ المضيرة " ص 220.
(47) "سير أعلام النبلاء" للذهبي (4 / 224).

ويليه الجزء الثاني إن شاء الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق